Amezwaru

(Page d'accueil)

 

مقالات  

 

ميمون أمسبريذ، ذلك الكاتب الأمازيغي المجهول

التعريب نجح أولا بالفرنسية قبل العربية

متى ينتقل المغرب من السياسة البربرية إلى السياسة الأمازيغية؟

يوطوبيا التعريبيين في المغرب

لماذا لا يجوز تصنيف الأمازيغيين ضمن الشعوب الأصلية؟

نعم لاستفتاء شعبي حول العربية والأمازيغية

الأستاذ حميش والبوصلة التي لا تتحرك إلا في اتجاه المشرق

عبد الله حمودي والفهم العامي للهوية

ولماذا تتركون برنامج الله وتطبقون برنامج إبليس؟

مأزق المتحولين الجنسيين في المغرب

لماذا ليست العربية ضرورية لكفاءة المسؤولين الحكوميين؟

في دحض خرافة الوظيفة التوحيدية للعربية

الداعشية اللغوية

في دحض خرافة "اختيار" الأمازيغيين الطوعي للعربية

في دحض خرافة "الانصهار" بين العرب والأمازيغ

المتحولون الجنسيون في المغرب

المطالب الأمازيغية بين ردّ الفعل وغياب الفعل

من أجل إستراتيجية جديدة لاسترداد الهوية الأمازيغية للدولة المغربية

في الإقصاء السياسي للأمازيغية

L'Afrique absente du Maroc africain

جاهلية القرن الواحد والعشرين

توفيق بوعشرين يستعيذ باللطيف ضد الأمازيغية من جديد

الأمازيغية والعربية في إحصاء 2014

دولة النوم

النزعة الأمازيغوفوبية: نشأتها وتطورها

نعم "للمقاربة الإسلامية"، لكن بدون مضامين وأهداف تعريبية

الأمازيغية المنبوذة في كتاب "الأمير المنبوذ"

معاناة الإسلام من العروبة العرقية

خطْب الجمعة مرة أخرى

لماذا لا يريد التعريبيون الخير للمغرب؟

الأمازيغية والمرأة، ضحيتان لتمييز واحد

من هم الناطقون بالدارجة في المغرب؟

"التضبيع" في تجريم "التطبيع"

هل هو موقف جديد لحزب الاستقلال من الأمازيغية؟

بين ديودوني الفرنسي والمقرئ أبوزيد المغربي

عبقرية اللغة الأمازيغية وسر صمودها

المقرئ الإدريسي أبوزيد أو الأمازيغوفوبيا بلا حدود

الرسام الأمازيغي موحند سعيدي يغادرنا إلى الأبد

فرنسا تواصل سياسة التعريب

الدارجة ولاتاريخانية الأستاذ العروي

لمَ الخوف من الدارجة المغربية؟

متى يعترف المغرب بالفرنسية كلغة رسمية؟

حزب العدالة والتنمية، هبة من السماء للنظام المخزني

رفقا باللغة العربية أيها التعريبيون

المجانية والتعريب أو آلة تدمير التعليم العمومي بالمغرب

خطْب الجمعة

وما هو الحل لإصلاح التعليم بالمغرب؟

لماذا وصف مصري مساند للإخوان المغاربة باللقطاء؟

لماذا سكت رجال الدين عن مسألة العفو عن مغتصب الأطفال؟

"النسب الشرف" أو عندما يصبح الميز العنصري من الثوابت

طارق بن زياد، الأسطورة المقدسة

قداسة الشيخ الكتاني

العقل في تدبير التعدد اللغوي والثقافي في المغرب

ما تفتقر إليه العربية هو استعمالها في الحياة

المغرب من أغنى بلدان العالم

الأسباب الحقيقية لضعف مستوى اللغة العربية عند التلاميذ

اللغة العربية أو المعشوقة التي لا يرغب عشاقها في الزواج منها

لأي شيء ينفع إقرار اللغة الأمازيغية بويندوز 8؟

التعريب والهوية بالمغرب

"الفانطاسمات" اللسنية حول الأمازيغية بالمغرب

عادة التهرب من المسؤولية بإلقاء اللوم على الجميع

الحركة الأمازيغية بالمغرب: عيون على المستقبل

الأساطير المؤسسة للعروبة العرقية بالمغرب

كلمة الختام

وزير العدل والحريات يجهل مفهوم المعتقل السياسي

الأمازيغية في عمق الصراع الإيقوني

منذ متى أصبح ربيع الشعوب يهدد الأوطان؟

مدينة إفران: من السياحة الطبيعية إلى السياحة الثقافية

الأمير والتاريخ المحاصر

جريدة تاويزا في حاجة إلى تاويزا

الممثل الناطق بالأمازيغية واّلإنتاج التلفزي

أيت وراين: أبطال سلكوا درب الحرية

 

 

 

 

 

 

ميمون أمسبريذ، ذلك الكاتب الأمازيغي المجهول

 

بقلم: محمد بودهان

(23 ـ 10 ـ 2015)

تقديم:

في تقديري الشخصي، وبناء على قراءاتي لإبداعات نثرية وشعرية أمازيغية من المغرب (الريف وسوس) والجزائر وليبيا، قد يعدّ ميمون أمسبريذ (اسمه الكامل "ميمون لحميدي" لكنه يوقّع كتاباته بـ"أمسبريذ" الذي يعني بالأمازيغية "عابر سبيل") أكبر كاتب بالأمازيغية. ومع ذلك فهو غير معروف لأنه يكتب باللغة الأمازيغية التي لا يقرأها إلا قلة قليلة. وأكاد أجزم أن قراء نصوصه لا يبلغون العشرة. وحتى الذين يعرفونه، فهم يعرفونه من خلال كتاباته العربية وليس الأمازيغية. لكن هذا الجهل بميمون أمسبريذ، ككاتب أنتج نصوصا روائية وشعرية أمازيغية رائعة،  شيء عادي وطبيعي. لماذا؟ لأن اللغة الحية، إذا كان من الممكن اكتسابها في البيت وفي الشارع وفي المعمل وفي السوق...، فإن التمكّن من قراءتها وكتابتها يشترط تعلمهما في المدرسة أو ما يقوم مقامها. والحال أن الأمازيغية لم تدخل بعدُ إلى المدرسة ـ نعم أقول لم تدخل بعدُ إلى المدرسة ـ حتى يتمكّن المغاربة، بعد سنوات، من قراءة الإنتاجات الكتابية الأمازيغية ونقدها والكتابة عنها.

يضاف إلى ذلك أن أمسبريذ لم يسبق له أن نشر كتابا أو ديوانا. ذلك أن كل كتاباته العربية والفرنسية والأمازيغية ـ وهي التي تهمّنا في المقام الأول ـ نشرها، مستخدما الحرف اللاتيني بالنسبة للأمازيغية، بشهرية "تاويزا" ما بين 1999 إلى حين توقّفها أواخر 2012. لهذا فقد كان معروفا لدى قراء هذه الشهرية، الذين كانوا ينتظرون بشوق كل شهر مقالاته العربية بتحليلاتها العميقة والثاقبة. ولما توقفت "تاويزا" في سبتمبر 2012، لاحظت أن السؤال المتكرر عند متتبعي كتاباته العربية، عند لقائي بهم، هو: «متى ترجع "تاويزا" لترجع كتابات ميمون أمسبريذ؟». لكن لا أحد من هؤلاء كان يسألني عن كتاباته الأمازيغية، مع أن ما نشره بالعربية لا يبلغ حتى عشر ما نشره بالأمازيغية. وهو ما يعني أنه غير معروف بتاتا ككاتب بالأمازيغية. ولهذا السبب اخترت لهذه المداخلة (التي شاركت بها في الملتقى التواصلي الرابع الذي نظمته مؤسسة أيت سعيد بالناظور أيام 7 و8 و9 غشت 2015) عنوانا بالأمازيغية، هو: "وي ش يسنن أ ميمون!!!" ("من يعرفك يا ميمون!"، بصيغة التعجب وليس الاستفهام)، والذي ترجمته إلى العربية كما يلي: "ميمون أمسبريذ، ذلك الكاتب الأمازيغي المجهول".

تتوزع كتاباته الأمازيغية بين القصة القصيرة والشعر والمقالات التحليلية. وتجدر الإشارة أن هذا الصنف الأخير من الكتابة الأمازيغية لا زال نادرا ضمن الإنتاج الكتابي الأمازيغي، الذي يتشكل أساسا من الكتابة الإبداعية الشعرية أولا ثم الروائية ثانيا.

سأتناول إذن في هذا العرض العناصر التالية:

ـ كتابة جديدة ومن نوع جديد؛

ـ نماذج من كتاباته القصصية؛

ـ مصدر الإلهام: الطبيعة والأم؛

    ـ التحولات الاجتماعية والثقافية من خلال القصة؛

ـ لا وجود للخيال، فكل شيء حقيقي وواقعي!؛

ـ الصدق والأصالة؛

ـ تحرير الشعر من الغناء، واللغة من الجسد؛

ـ نضال من مستوى آخر.

والجدير بالذكر والتوضيح أنني سـ"أحلل" كتابات ميمون أمسبريذ الأمازيغية وأنا لست متخصصا في النقد الأدبي والروائي، بل فقط كقارئ حر، يفهم ويتذوق ما يقٍرأ، ويكوّن عن هذا الذي يقرأه رأيا وتصورا، ودون أن يكون ذلك مصاغا بلغة المصطلحات "التقنية" "للمتخصصين" في الدراسات الأدبية. ولهذا إذا حكم القارئ أن هذا العرض هو "انطباعات" أكثر منه دراسة أكاديمية، فإنني لن أتضايق من هذا الحكم ولن أعترض عليه. هذا إذا سلّمنا بوجود أدب أمازيغي مكتوب، وبوجود متابعة نقدية أكاديمية لهذا الأدب، وبوجود متخصصين في هذا الصنف من البحث والدراسة. 

كتابة جديدة ومن نوع جديد:

يمكن القول إن الكتابة الأمازيغية انطلقت في المغرب، بصفة عامة، منذ سبعينيات القرن الماضي. وقد انحصرت منذ البداية في كتابة الشعر، ثم ستظهر لاحقا الكتابة الروائية، بجانب قليل من الكتابات التحليلية.

إلا أن القارئ المتتبع للإنتاجات الكتابية الأمازيغية، سيلاحظ بسهولة أن جلّ هذه الكتابات ـ حتى لا أقول كلها ـ لا زالت تشكّل "البداية"، المشكّلة بدورها "للمرحلة الانتقالية" للأمازيغية من الشفوية إلى الكتابة، والتي قد تدوم عشرات السنين. وهذا الوضع "الانتقالي" يرجع إلى غياب تقليد وتراكم في الإنتاج الكتابي بالأمازيغية، مما يجعل كل كتابة أمازيغية هي بمثابة بداية أولى في هذا الميدان. لكن عندما نقرأ للكاتب ميمون أمسبريذ، يتكوّن لدينا انطباع، بل قناعة، أن كتاباته ليست "بداية" ولا "مرحلة انتقالية" للأمازيغية من الشفوية إلى الكتابة، وإنما هي كتابة تُبرز الأمازيغية كلغة كانت تُمارس بها الكتابة منذ قرون، كلغة كاملة ومكتملة، قادرة على التعبير عن كل الوضعيات والأحداث والمشاعر والأفكار المغرقة في التجريد، كلغة لا تختلف في شيء عن اللغات التي أنتجت تراثا ثقافيا وأدبيا، غنيا وراقيا.

وهذا ما لمسته ووقفت عليه، وباندهاش وانبهار، منذ قصته الأولى التي أرسلها للنشر في شهرية "تاويزا" في فبراير 1999، والتي كانت بعنوان "أوال نّيظن" (كلام آخر). ولما أخبرت الأستاذين الدكتور حسن بعقية والدكتور محمد الشامي بأنني توصلت بنص أمازيغي، سينشر في العدد القادم من "تاويزا"، فريد في أسلوبه ولغته، يجعل من الأمازيغية لغة راقية ومتطورة وصالحة فورا للكتابة والإنتاج الثقافي والأدبي، طفقا يسألان: "هل هذا النص يرقى لمستوى كتابة فلان أو فلان...؟"، مستعرضيْن مجموعة من الأسماء اللامعة في مجال الكتابة الأمازيغية، حتى يمكنهم تكوين "بروفيل" عن الكاتب الجديد. وأمام أسئلتهم وتحفظاتهم، شرحت لهم المسألة بطريقة بيداغوجية كما يلي: «تعرفون أننا نناضل في الحركة الأمازيغية من أجل أن تصير الأمازيغية في المستقبل لغة إنتاج أدبي وفكري وعلمي. هذا ما نريد أن تصل إليه هذه اللغة. فاعلموا أن كاتب هذا النص المعني قد بدأ من هنا، أي بدأ مما نطمح أن تصل إليه الأمازيغية في المستقبل». نعم هكذا يكتب أمسبريذ: لا نجد في كتاباته أثرا "للبداية" أو "الانتقال" من الشفوية إلى الكتابة. كل كتابته، معجما وأسلوبا وتعبيرا، تدلّ على أنه "بدأ" الكتابة، ليس من "البداية" كما في الكتابات الأمازيغية الأخرى، بل من "النهاية"، أي مما نريد أن "تنتهي" وتصل إليه الأمازيغية عندما تصبح لغة إنتاج كتابي حقيقي، بعد عشرات السنين ـ حتى لا أقول بعد قرون ـ من المحاولات والتجريب و"الانتقال" من الشفوية إلى الكتابة. هكذا تكون الكتابة الأمازيغية لأمسبريذ كتابة جديدة، فريدة ومتميزة، ومن نوع جديد قد لا يكون له مثيل في مجموع الإنتاجات الكتابية الأمازيغية الأخرى.

كيف يجعل ميمون أمسبريذ من الأمازيغية، التي لا تزال لغة شفوية ولم تنتقل بعدُ كلية إلى المستوى الكتابي، لغة روائية وإبداعية، راقية ورفيعة؟

رغم الغنى الكبير للغة الأمازيغية، إلا أنه يجب الاعتراف أن المعجم الأمازيغي، نظرا لغياب الاستعمال الكتابي لهذه اللغة، فقير عندما يتعلق الأمر بالكتابة، التي تحتاج إلى لغة مدرسية لتحويل اللغة المتداولة إلى لغة أبداع وإنتاج كتابي راقٍ. ولهذا فإن من يكتب بالأمازيغية فهو، في الغالب، مخيّر بين أمرين اثنين:

ـ إما أن يكتب بالأمازيغية المتداولة، والتي تضم أزيد من ثلاثين في المائة من الألفاظ ذات الأصول غير الأمازيغية، مثل الألفاظ ذات الأصل العربي التي تشكل النسبة الأكبر. وفي هذه الحالة تكون الكتابة مطابقة للمتداول الشفوي، بمستواه اللهجي العامّي، بحيث نكون أمام مجرد نسخ وتسجيل لما هو منطوق، لا تتوفر فيه شروط الكتابة الحقيقية التي تمثّل استعمالا أرقى وأسمى لنفس اللغة المتداولة.   

ـ وإما أن يلجأ، لسدّ النقص المعجمي للأمازيغية التي يكتب بها، إلى استعمال ألفاظ أمازيغية تنتمي إلى مناطق أمازيغية أخرى، مثل استعمال كلمات طوارقية أو قبايلية أو شاوية أو زيانية أو نفوسية (ليبيا)... فرغم أن هذه الألفاظ "الجديدة" هي ألفاظ أمازيغية حقا، إلا أنها "غريبة" عن الأمازيغية المعروفة والمتداولة، ويحتاج استيعابها وإدراجها في الاستعمال التداولي والكتابي إلى تعلّمها في المدرسة ضمن أمازيغية معيارية موحّدة، وهو ما لم يتحقق بعدُ.

أما الكاتب ميمون أمسبريذ فهو خارج هذا التصنيف الثنائي: الكتابة بأمازيغية لهجية أو بأمازيغية "أجنبية". إنه يستعمل في كتاباته نفس الألفاظ الأمازيغية المعروفة والمتداولة، الخالية إذن من الكلمات الأمازيغية "الغريبة"، والخالية في نفس الوقت من الكلمات ذات الأصول غير الأمازيغية، حيث لا تصل مثل هذه الكلمات في كتاباته حتى نسبة خمسة في المائة. ومع ذلك فإن الأمازيغية التي يكتب بها، ورغم أن ألفاظها معروفة ومفهومة ومتداولة، ليست هي الأمازيغية المتداولة، بمظاهرها اللهجية العامّية والسوقية، بل هي أمازيغية مصاغة بأسلوب يجعل منها لغة "مدرسية" حقيقية ودون أن يسبق لها أن لُقِّنت في المدرسة، ودون أن تتضمن معجما خارج المعجم المعروف والمتداول. إنها أمازيغية معروفة ومألوفة ومفهومة في ألفاظها وكلماتها وتعابيرها، لكن من الصعب، بل من المستحيل، الكتابة بها، وبذلك الأسلوب الراقي والعذب والجميل الجذّاب، كما يفعل ميمون أمسبريذ. إن الأمازيغية التي يكتب بها تمثّل السهل الممتنع: هي سهلة لأنها أمازيغية معروفة ومتداولة، كما قلت. لكنها في نفس الوقت صعبة لأنه لا أحد ـ كما يبدو ـ من غير أمسبريذ بقادر على استعمالها الكتابي بنفس الأسلوب الرائع والبديع. وهذا ما قصدت عندما كتبت أنه بدأ من النهاية، أي من حيث نريد الوصول.

ولا شكّ أن للمستوى الفكري العالي للكاتب دورا في المستوى العالي لكتابته بالأمازيغية. فبالإضافة إلى مستوى الدكتوراه لتكوينه الأكاديمي، وإتقانه لعدة لغات أجنبية من بينها الفارسية، فهو مدمن على القراءة منذ صغره، إذ قرأ كتاب "النبي" ـ وهو كتاب تأمل فلسفي ـ لجبران خليل جبران وهو في سن المراهقة، كما يخبرنا بذلك في قصة "ثزورا" (السرطان). ولهذا يطغى الجانب التأملي والفكري والتساؤلي على كتاباته. وغني عن البيان أن هذا المستوى الفكري المتقدّم للكاتب، هو أحد الأسباب التي تفسّر كيف نجح في أن يجعل من لغة، لم تعرف بعدُ المدرسة والكتابة، لغةَ فكر وتجريد وكتابة راقية، لغة لا تختلف عن اللغات التي عرفت الكتابة والمدرسة منذ قرون.       

إذا كان هذا هو أسلوب ومستوى الكتابة الأمازيغية لدى أمسبريذ، وإذا كانت هذه هي اللغة الأمازيغية التي يكتب بها، فما هي مضامين وموضوعات كتاباته القصصية؟       

نماذج من كتاباته القصصية:    

تتشكل موضوعات قصصه القصيرة من مشاهد عادية لأحداث اجتماعية أو من حياة الطفولة، في الغالب، مع ما يرافق ذلك من تصوير حي للطبيعة وللحياة الاجتماعية وللأشخاص، بمشاعرهم وآلامهم وأفراحهم وأحزانهم... لكن أسلوبه الإبداعي يجعل القارئ يعيش هذه المشاهد كما لو كانت وقائع ماثلة أمامه، يحياها وينخرط فيها، حتى أنه يكاد أن يحس بما يحس به أبطال القصة، فيحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم، ويتألم لآلامهم، ويتفاعل معهم كما لو كان معنيا بأحداث القصة، تعنيه وتخصّه هو أيضا.

وهذه نماذج ملخّصة لبعض من قصصه القصيرة.

ففي قصته الأولى "أوال نّيظن" ("كلام آخر"، منشورة بالعدد 23 من "تاويزا" لشهر مارس 1999)، يحكي عن اجتماع عدد من السناء، المعروفات بالورع والتقوى، عند "تافقيرت مامّا" من أجل الذكر والتعبّد. يبدأ الحديث حول شؤون العائلة والأولاد والأزواج والمهاجرين منهم إلى الخارج. ثم ينتقل تدريجيا إلى أمور الدين، وتشرع إحداهن في الكلام عن الجنة والنار وعذاب القبر بأمازيغية تختلط معها مصطلحات دينية بالعربية لكنها بنطق أمازيغي، ثم تنطلق أخرى في الذِّكر مع لازمة ترددها الأخريات. وتدريجيا ترتفع أصواتهن وتتغير ملامحهن، ويجلسن على ركباتهن، ثم يقفن بعد أن يكن جالسات، وتتغير أصوات حناجرهن التي تزداد جهرا، وشيئا فشيئا ينزعن أحزمتهن وأغطية رؤوسهن ويشرعن في القيام بحركات تشبه الرقص: «يبدأن في القفز والرقص بشكل أوتوماتيكي كأنه عمل آلي مبرمج، لا تملك تلك النساء أمامه حولا ولا قوة»، يقول الكاتب. وبعد ساعة تقريبا من اللهث والهيجان، تعود تلك النسوة إلى حالتهم الطبيعية «فيربطن أحزمتهن ويغطين رؤوسهن ويعدن إلى أماكنهن ويتجاذبن الحديث عن الأولاد والأزواج والأرزاق كأن شيئا لم يحدث، أو كأن داخلهن شخصيتين متمايزتين»، كما يصفهن الكاتب.

هكذا يكتب ميمون أمسبريذ. يكتب عن موضوع عادي بسيط، عن مشهد عايشه في طفولته، لكن يحوّله، بما له من قدرة روائية ووصفية وإبداعية فائقة، وبما له من مهارات عالية في توظيف واستعمال لغة أمازيغية راقية في الكتابة، إلى موضوع حي يجعل القارئ يحس به ويلمسه ويعيشه. فعندما نقرأ هذا النص حول "الحضرة" النسائية، يُخيّل إلينا كأننا حاضرون داخل القاعة، نتفرج عن أولئك النساء ونشاهد حركاتهم ونسمع أصواتهن تتردد بمسامعنا.

في قصة "أمان إبرشانن" ("الماء الأسود"، منشورة بالعدد 25 من "تاويزا" لشهر يونيو 1999)، يتحدث عن معاناة طفل، هو بطل القصة، بالكتّاب القرآني أثناء تعلمه كتابة العربية، عندما وضع المعلم حروفا على اللوح المصبوغ بالصلصال، ليرسم الطفل/التلميذ نفس الحروف حتى يتعلم كتابتها. ولما كان المعلم يتفقد العملية، لاحظ أن الطفل/التلميذ لم يرسم الحروف بطريقة سليمة، فأمسك يده وأمره أن يحرّك القلم إلى الأعلى ليمكنه كتابة الحروف بالشكل المطلوب. لكن الطفل/التلميذ، ومن شدة الخوف، بدأت أصابعه ترتجف، ولم يستطع أن يحرّك القلم في أي اتجاه. بل إن كل المجهود العضلي، الذي بذله لتحريك القلم، تحوّل إلى ضغط على القلم القصبي، مما جعل الصمغ يسيل منه ويرسم خريطة سوداء على اللوح. وهنا يوجّه المعلم صفعة إلى الطفل/التلميذ على مستوى أذنه. آنذاك بدأ يرى كل شيء أسود، ويحس كأنه داخل مسبح ماء أسود كالصمغ. ومن هنا جاء عنوان القصة.

 هنا كذلك يقدّم لنا الكاتب وصفا دقيقا لانفعال الخوف الذي انتاب الطفل/التلميذ حتى عجزت أصابعه عن الحركة. فرغم أن الموقف قد يبدو عاديا وبسيطا، لكن الأسلوب الروائي للكاتب جعل منه نصّا فيه كثير من الإبداع الفني الجذّاب، والذي حوّل الموقف، الذي يحكي عنه، إلى مشهد حي ينتصب أمامنا كشيء حاضر، محسوس وملموس.

أما في قصة "ميمون أيناو" ("ميمون الأبكم"، منشورة بالعدد 42 من "تاويزا" لشهر أكتوبر 2000)، فيحكي عن يوم التحاقه للمرة الأولى بالمدرسة، عندما تكلم مع زميله بالأمازيغية، فوجّه له المعلّم "سّي أمحمد" صفعة مع نهره قائلا: «ما تهدرش شلحا أ لحمار» (لا تتكلم الأمازيغية أيها الحمار). وعند الاستراحة، وبكل براءة الأطفال، سأل رفيقه: ماذا حل بـ"سّي أمحمد"؟ فهو في الخارج شخص عادي يتكلم لغة البشر، لكنه في الفصل يتحوّل إلى مجنون يتكلم لغة الجن!

الطفل/ التلميذ، عندما تساءل كيف تحوّل المعلم "سّي أمحمد" من شخص عادي إلى شخص مجنون يتكلم لغة الجن، فهو يتحدث هنا باسم فهمه البسيط والبريء لظاهرة اللغة كما يفهمها ويفسّرها، كما يفعل جل الأطفال الذين يفسرون ما يلاحظونه من ظواهر حسب فهمهم المحدود والبريء. فقد سبق لهذا الطفل/ التلميذ، بطل القصة، أن لاحظ، منذ أن بدأ يعي ما حوله، أن كل من يمرض من العائلة ومن سكان الدوّار، كان يقال عنه بأنه مصاب بمسّ من الجِنّ، الذين يتكلمون لغة غير لغة البشر التي هي الأمازيغية. وهكذا ترسّخ في وعيه أن هناك لغتين في الدنيا، الأولى لغة البشر التي هي الأمازيغية، والثانية لغة الجنّ التي لا يفهمها إلا بعض "المتخصصين" من البشر، مثل "الفقيه" "سّي عيسى" الذي كان يخاطب الجنّ بلغتهم عندما كان يُستقدم لعلاج المسكونين بهؤلاء الجن. هذه هي خلاصة "فلسفة اللغة" عند الطفل/ التلميذ.

«ما تهدرش الشلحة، هدر العربية»، هي عبارة يقول عنها الكاتب بأنه سمعها طيلة حياته، وحتى عندما صار راشدا وتقدم به العمر. سمعها في الثانوية والجامعة، وفي الإدارات والمستشفيات، وعند الجمارك والشرطة بالمعابر الحدودية، ولو أنها بلا "حمار"، الذي وصفه به المعلم "سّي أمحمد". ولأنه كلما تكلم لغته الأمازيغية إلا ونهره المخاطَب: "تكلم العربية"، فقد أصبح يحتاط من الكلام لأنه كلما عزم على الكلام بالعربية (الدارجة طبعا)، انزلق لسانه، كما يقول، إلى الأمازيغية. وحتى يتجنب الإحراج الذي يسببه له لسانه الأمازيغي، وحتى لا يُنهر بتلك الجملة الآمرة "تكلم العربية"، يختم القصة بالقول بأنه اختار الصمت، فأصبح أبكم. ومن هنا عنوان القصة.

       قصة "أريازن ن تايّوث" ("رجال الضباب"، منشورة بالعدد 33 من "تاويزا" لشهر يناير 2000) تتحدث عن ضيوف غامضين يأتون مرة في السنة، وفي فصل الربيع عندما يكون الضباب كثيفا، عند عمه "حدّو" الذي ينصب لهم خيمة خارج الدار، ويوفر لهم الأكل والعلف لبغالهم التي هي وسيلة تنقلهم، ويقضون عنده ثلاث ليال، لا أقل ولا أكثر. ولأن المساكن تقع في منخفَض يشبه واديا عريضا، كما يصف الكاتب الموقع، فإن الضباب الكثيف، الذي يغطّي المنخفض، يحوّل المكان إلى ما يشبه قشدة من الحليب، كما يعبّر عن ذلك في وصف فني رائع، ويجعل «الظلام مستمرا لا ينقطع: الظلام الأبيض بالنهار والظلام الأسود بالليل»، كما كتب. ويتساءل الكاتب، وهو طفل، عن طبيعة هؤلاء الزوار وعن علاقتهم بعمه. وينقل إلينا وصفا حيا عن الرائحة التي تنبعث من الخيمة، والتي هي مزيج من رائحة العرق، لكثرة الجلابيب والسلاهيم التي يلبسها الضيوف، ورائحة التراب المبلل بالضباب، ورائحة الغاز المحترق الذي يشتعل به المصباح، ورائحة الهواء المالح القادم من الشاطئ القريب من سكناهم. إنه وصف يجعل القارئ يحس كأنه جالس داخل الخيمة يشتمّ ذلك المزيج من الروائح والغازات.

       في قصة "أمان إيزكّاغن" ("الماء الأحمر"، منشورة بالعدد 35 من "تاويزا" لشهر مارس 2000)، التي هي من قصصه المطوّلة والمؤثرة جدا، يحكي فيها عن مرض ألم به وهو طفل صغير، من أعراضه سيلان قطرات الدم من أنفه وحلقه. وعندما ينام يحلم أنه يسبح في بحر من "الماء الأحمر"، ومن هنا عنوان القصة.

عُرض الطفل، كما هي العادة، على "سّي بزاح" الذي كتب له طلاسم على البيض المسلوق. لكن حالته لم تزداد إلا سوءاً، فأصيبت أمه بالذعر لأنها أيقنت أنه سيموت، وأنه لن يتجاوز المرحلة الحرجة التي مات فيها أبناء سابقون لها. نُقل إلى ممرض بمركز "كرونا" الذي حقنه بإبرة في فخده آلمته كثيرا، ثم سقط مغشيا عليه في الشارع العام فتجمّع حوله الناس. ولما استفاق أجلسه أخوه بأحد المقاهي وطلب له مشروب "كروش" Cruch  الذي سيتناوله لأول مرة، والذي قال عنه بأنه «ماء عجيب: فهو أحمر وبارد، لكنه في نفس الوقت يغلي ويفور».

بعد كل تلك المحاولات العلاجية التي لم يزدد معها إلا هزالا وخؤورا، يئست الأسرة من شفائه وأصبحت تتهيأ لمماته. في تلك الفترة سيزورهم خال أمه "حدّو" وتستقبله أمه بالنواح قائلة: إن ابني ميمون على فراش الموت. ولما عاينه الخال الذي وصفت له الأم والأب أعراض المرض، قال لهما: ألم تعرفا أن به علقة تسكن حنجرته وتمتص دمه؟ فأمرهما بأن يمنعا عنه الماء الذي تعيش منه العلقة حتى تضطر إلى الخروج، ونصحهما بأن يعطياه السجائر ليدخّنها حتى تختنق العلقة، مما سيدفعها إلى الخروج. وبهذه الوصفة ستخرج العلقة ويبرأ الطفل بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من الهلاك.

 هذه القصة يسردها بتفاصيل روائية رائعة تجعلنا نبكي مع الأم في معاناتها وخوفها من موت ابنها، كما تجعلنا نضحك في لحظات أخرى، خصوصا عندما يدخّن السيجارة الأولى، التي سيعطيها له الشاب عبد النبي الذي طلب منه أب الطفل ذلك. وقد كتب عن عبد النبي يصفه قائلا: «تسكن عينيه دمعتان قارتان، لا تبرحانهما ولا تسيلان ولا تيبسان. وعبر هاتين الدمعتين، اللتين تضبّبان عينيه، ينظر عبد النبي دائما إلى الأفق البعيد، ينظر إلى ما لا يُرى... وكنت كلما التقيته وجدته إما يدخّن السيجارة أو يلفّها. ولم يسبق لي أن رأيته يفعل شيئا آخر. وعندما يلفّ عبد النبي السيجارة، فهو يتعامل معها كما تتعامل الأم مع رضيعها، إذ يوليها كل العناية والرعاية، فتراه يديرها بين يديه ببراعة وإتقان، ويسوّيها بأصابعه بحذْق ومهارة، ويمرّر لسانه عليها برِفق ولطف، إلى أن تكتمل وتستقيم، كما لو أنها من صنع آلة متطورة».    

أما في قصة "ثيمغارين ن تاظوفت" ("نساء من الصوف"، منشورة بالعدد 28 من "تاويزا" لشهر غشت 1999)، وهي من قصصه الطويلة كذلك، فهي أيضا قصة مؤثرة ومحزنة تحكي عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أحدثتها الأفرشة الخفيفة والرخيصة، التي دخلت من مليلية وغزت أسواق المنطقة، والتي ستقضي نهائيا عن مصدر رزق العديد من الأسر التي كانت تمتهن صناعة أفرشة الصوف، ومن ضمنها أسرة الكاتب. فمع دخول الأفرشة الإسبانية تراجع الطلب على الأفرشة الصوفية المحلية، كما تزامن ذلك مع فترة جفاف طويلة، وهو ما كان وراء هجرة القرويين إلى المدن وإلى الخارج، الشيء الذي خلخل البنية الاجتماعية وحتى الديموغرافية للمنطقة.

ومن أجمل ما في هذا النص، الذي يصوّر التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لمنطقة الريف الشرقي في أواخر ستينيات القرن الماضي، هو الموازاة الرائعة والعجيبة التي يقيمها الكاتب بين لون الأرض، وبين ملامح وجوه السكان، وبين ألوان الأفرشة، التي كان يصنعها العديد من هؤلاء السكّان: فعندما كانت الأرض مخضرة ويانعة، والموسم الفلاحي سخيا وجيدا، كانت الأفرشة ملونة بعدة ألوان، لأن السنة الفلاحية الجيدة كانت تجعل الفلاحين يقبلون على شراء الأفرشة، مما كان يرفع من أرباح صناعها، الشيء الذي كان يشجعهم على إتقان صنعها بالزيادة في أنواع الصباغة المستعملة لتلوينها. وهذه الحالة المنتعشة لرواج الأفرشة الصوفية المحلية، كانت تنعكس على وجوه الصناع التي تبدو ناضرة وبشوشة وراضية. أما عندما جفت الأرض وقل الزرع ودخلت الأغطية الإسبانية لتتنافس الأفرشة المصنوعة محليا، ركد الاقتصاد وتراجع الرواج وقلت المداخيل. فدفع ذلك صناع الأفرشة إلى التخفيض من عدد الألوان بالتقليل من الأصباغ المستعملة، للتخفيض من تكلفة هذه الأفرشة حتى يمكنها منافسة الأثمنة الرخيصة للأغطية الإسبانية. وهكذا، فبقدر ما نقصت ألوان الحقول نتيجة للجفاف، نقصت كذلك ألوان الأفرشة للتخفيض من تكلفتها المالية، وكل ذلك "النقص" انعكس على تغير في ملامح الوجوه التي غدت عبوسة ومتجهمة، شاحبة وباهتة، كئيبة وتعيسة.

كانت هذه إشارات جد مقتضبة لست قصصه من بين تسعة عشرة قصة قصيرة نشرها في "تاويزا" من 1999 إلى حين توقفت الشهرية أواخر 1912. ورغم أن هذه الإشارات قد "تخون" النصوص الأصلية أكثر مما تلخّصها، فإن الغرض منها هو تقديم فكرة تقريبية عن الموضوعات التي يتطرق إليها الكاتب في قصصه، والطريقة السردية التي يتناول بها تلك الموضوعات.

أما عندما نقرأ النصوص الأصلية، فإن السؤال الذي يتبادر إلى ذهن القارئ هو: من أين اكتسب الكاتب لغته الأمازيغية، الراقية والعذبة التي يكتب بها، وخصوصا أنه لم يتعلمها في المدرسة ولا درسها في الجامعة؟ من أين استمد معجمه الأمازيغي الغني والمعطاء، الذي يجيد توظيفه في الكتابة الأمازيغية؟  

مصدر الإلهام: الطبيعة والأم:

بقراءة أولى للنصوص القصصية لأمسبريذ، نلاحظ الحضور القوي والطاغي للطبيعة في هذه الكتابات القصصية، حتى أنه يمكن اعتبارها من أبطال القصة الرئيسيين. فالكاتب يصوّر لنا عناصر الطبيعة بشكل مؤثر وملموس. فيرسم لنا لوحات حية عن الضباب، والسحاب، والجفاف، والمنعرجات، والوديان، والجبال، والنجوم، والمسالك، والنباتات، والورود، وعيون الماء، والشتاء والصيف، وضوء النهار، وظلام الليل... إنه يعرف الطبيعة معرفة حميمية، وعن ظهر قلب، كما يعرف أطراف جسده.

ففي القصة/ المأساة التي تحمل عنوان "ثوقّات" ("الخطب الجلل"، منشورة بالعدد 141 من "تاويزا" لشهر يناير 2009)، عندما قرر بطل القصة "بادي" (هذا الاسم يتكرر مرارا في قصصه) الانتحار بعد أن عاد من الجزائر حيث كان يعمل عند الفرنسيين فوجد حبيبته قد تزوجت بغيره، لم يأسف فقط على فراق تلك التي كان حبه لها علة وجوده، بل تأسف أيضا، وفي مونولوج يناجي فيه ذاته، على فراق الأشجار التي غرسها وأكل من ثمارها، والأمكنة التي ألفها، والصخور التي جلس عليها، والعيون التي ارتوى منها، والجبال التي تسلقها... وكل ما فوق تلك الأرض التي كانت بمثابة جزء منه، والتي كان يحنّ إليها بقدر حنينه إلى "مونّا" عندما كان يشتغل بالجزائر الفرنسية. فرغم أن موضوع القصة هو انتحار الشاب "بادي" بعد أن خذلته "مونّا"، إلا أن الكاتب عرف كيف يوظّف القصة، ولو بشكل غير مباشر، للاحتفاء بالطبيعة وإبرازها  كموضوع للحب والعشق لدى الإنسان.

كذلك في قصة "أوسّان" ("الأيام"، متوفرة على الرابط: http://tawiza.x10.mx/1tawiza-articles/tamazight/amsbrid.htm)، التي تتحدث عن هجرة إحدى الأسر القروية (الزوجة "مونّا" وزوجها المسنّان) إلى المدينة، يقدّم الكاتب، وبتمكّن الخبير المتضلّع، وصفا دقيقا لأدوات الفلاحة واستعمالاتها لتهيئة الأرض وتحويلها إلى ضيعة من الأشجار المثمرة. كما يحكي لنا عن اشتياق تلك الأسرة، المقيمة بالمدينة، إلى رائحة التربة المبللة بالرذاذ، وإلى عناقيد العنب المغشاة بالندى المضبّب للصباح... هنا في "الأيام"، وبسبب الهجرة إلى المدينة، يشكّل غياب الطبيعة، بأرضها وأشجارها وفواكهها ومياهها وحيواناتها وروائحها وألوانها وأنشطتها الفلاحية...، أحد أسباب المأساة الحقيقية لتلك الأسرة، كما سردها لنا أمسبريذ بشكل يدمي القلب ويوجع النفس.

وقد سبق أن رأينا كيف يقيم الكاتب، في قصة "نساء من الصوف"، موازاة بين ملامح السكان وملامح الأرض، حيث تحدد حالة هذه الأخيرة (خصوبة، جفاف...) الحالة النفسية، وحتى الجسدية (المرض، الصحة، الشحوب...)، لهؤلاء السكان: فعندما تكون الأرض خضراء زاهرة، أو جرداء مجدبة، تكون وجوه السكان بشوشة منشرحة، أو عبوسة منقبضة. فالأرض، كطبيعة، حاضرة بقوة، تكاد تتحكم في مصير الناس، وتوجّه مستقبلهم ومآلهم. 

وقد خصص الكتاب نصا رائعا (منشور بالعدد 31 من "تاويزا" لشهر أكتوبر 1999 بعنوان "طوطّويويو") لنوع من النبات يسمى في الريف "طوطّو ـ يويو"، وهو، كما يشرح الكاتب، اسم مركّب يتكون من "طوطّو (عين الإبصار) و"يويو" (الزغردة)، لأن أزهاره منفتحة ومتجهة دائما نحو السماء بشكل عمودي، كما لو أنها تنظر إلى السماء وهي تزغرد. بطل هذا النص هو "طوطّو ـ يويو" نفسه، الذي يمثّل، كما يوضّح الكاتب، التحدّي والاستقلالية والحرية، لأنه، كما كتب أمسبريذ، يترعرع في الأماكن الصخرية، وينمو ويزهر في فترات الجفاف، ولا يحتاج إلى عناية أو أسمدة أو تربة خصبة. وفي نفس النص يقارن الكاتب هذا النبات بغيره من النباتات "الهشة" و"الضعيفة"، التي يتوقف نموها وحياتها على غيرها، لأنها تحتاج إلى من يعتني بها ويسقيها، وإلى مطر وتربة خصبة مناسبة، عكس "طوطّو ـ يويو"، المنتصب المستقيم، الساخر من الناس ومن النباتات الأخرى. في هذا النص يتحدث الكاتب عن النباتات بأنواعها وأعدادها كعالم مختص في النباتات، عارف بخصائصها وأشكالها والفوارق في ما بينها، وكل ذلك باللغة الأمازيغية، وهو شيء يبهر ويدهش ولا يكاد يُصدّق.

هذا الاستحضار للطبيعة، بمظاهرها وعناصرها، في كتابات أمسبريذ، لا تهم إلا لأن هذا الاستحضار يمر عبر استعمال اللغة الأمازيغية المناسبة لذلك. مما يجعل المعجم المستعمل من طرف الكاتب غنيا ومتنوعا في التعبير عن الطبيعة وتسمية عناصرها وملحقاتها. فمعرفته الحميمية بالطبيعة، كما قلت، تترجم إلى معرفة حميمية بالمعجم الأمازيغي للطبيعة، الذي يمثّله القاموس الفلاحي للغة الأمازيغية الذي يضبطه ويتقنه الكاتب. وهو قاموس اكتسبه من داخل البيئة الفلاحية الطبيعية للبادية، التي تعتبر "مملكة" للغة الأمازيغية. وهنا تكون الطبيعة، بمسمياتها ومصطلحاتها، مصدر إلهام للكاتب لأنها تمدّه باللغة التي يكتب بها ويصف بها الطبيعة. أمسبريذ، لأنها تمده وتوفر له ولهذا فبقدر ما هو عارف بالطبيعة وظواهرها ودقائقها وأحوالها، فهو عارف كذلك بنفس القدر باللغة الأمازيغية المعبّرة عن تلك الطبيعة، هذه اللغة المتمثلة، كما سبقت الإشارة، في القاموس الفلاحي الذي يحفظه الكاتب عن ظهر قلب، ويجيد توظيفه واستعماله ببراعة وتفوّق.

لا يضاهي حضورَ الطبيعة في الكتابات القصصية لأمسبريذ، إلا حضور شخصية الأم، التي لا تكاد تغيب من كتاباته القصصية التي يكون بطلها هو الكاتب نفسه، كما يكشف عن ذلك استعماله لصيغة المتكلم، فضلا عن إفراده قصة خاصة بالأم سمّاها "إينوجيون ن وغلّوي" ("ضيوف الغروب"، منشورة بالعدد 152 من "تاويزا" لشهر دجنبر 2009). وإذا كان هذا الحضور للأم شيئا طبيعيا ومفهوما ما دام الكاتب يحكي عن مرحلة الطفولة، التي يكون فيها الطفل لا زال تحت رعاية وحماية أمه المباشرتين والدائمتين، إلا أن ذلك الحضور يتجاوز الأم كارتباط بيولوجي وسيكولوجي، ليشكّل ارتباطا لسانيا ولغويا، ومصدرا آخر للإلهام، لأنه منها اكتسب لغته الأمازيغية، كما تعلّم جزءها الآخر من الطبيعة ومن الأرض، كما سبق شرح ذلك، وهو ما مكّنه من معجمها الفلاحي الذي يعبّر عن هذه الطبيعة، التي تشكّل الأرض عمقها وأصلها. وهكذا تشكل الأم والطبيعة واللغة (الأمازيغية طبعا) ثلاثة عناصر مترابطة يؤدي أحدها إلى الآخر. وهذا أحد الأسباب التي تفسّر، في نظري، معرفة الكاتب الحميمية والعميقة باللغة الأمازيغية، وإتقانه الكتابة بها كأنها لغة مارست الكتابة منذ قرون، كما سبقت الإشارة، ذلك لأنه استقى هذه اللغة من مصادرها الطبيعية: الأم والأرض.

التحولات الاجتماعية والثقافية من خلال القصة:

الكتابة القصصية لأمسبريذ ليست فنّا روائيا فحسب، بل هي تتضمن، وبشكل عفوي قد لا يكون الكاتب قصد ذلك قصدا، "تأريخا" للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية واللغوية التي عرفتها منطقة الريف الشرقي ابتداء من أواخر الستينيات، حيث بدأ الكاتب يعي ويستوعب ما يجري حوله وهو لا يزال طفلا (ولد "رسميا" في 1963).

فقد رأينا، في قصة "نساء من الصوف"، كيف أن دخول الأفرشة الاصطناعية الإسبانية زعزع النشاط الاقتصادي الذي كان يقوم على صناعة الأفرشة الصوفية المحلية، والتي كانت مصدر عيش العديد من الأسر التي كانت تمتهن هذه الحرف التقليدية العريقة. وقد كان اختفاء هذه المهن وراء الهجرة إلى الخارج والهجرة الداخلية إلى المدن، مع ما رافق ذلك من تحول في البنية الاجتماعية وانعكاساتها السلبية على اللغة الأمازيغية.

إلا أن التحولات الأهم، التي نلمسها في مجموعة من الكتابات القصصية لأمسبريذ، تخص الثقافة واللغة الأمازيغيتين، اللتين عرفتا تراجعا ملحوظا أمام زحف التعريب وانتشار ثقافة التطرف ذات الأصول المشرقية.

فقد رأينا، في قصة "ميمون أيناو" (ميمون الأبكم)، كيف كانت المدرسة العمومية أداة لمحاربة الحديث بالأمازيغية، حيث صفع المعلم "سّي محمادي" الطفل/أمسبريذ وهو يزجره: "ما تهدرش شّلحا أ لمحار". وتتواصل تلك المحاربة بشكل ممنهج ومخطط مع انتشار التعليم العمومي وإنشاء مزيد من المدارس في القرى والبوادي، كما تخبرنا بذلك قصة "إيسفّارن ن ييلس" ("مقوّمو اللسان"، منشورة بالعدد 72 من "تاويزا" لشهر أبريل 2003)، التي يحكي فيها الكاتب، على لسان أحد أشخاص القصة، كيف أن تعلّم العربية كان بمثابة «تقويم لاعوجاج لساننا حتى نتكلم بالطريقة السليمة». وقد كان التلاميذ، عندما يضطرون، لسبب من الأسباب، إلى الكلام بالعربية خارج قاعة الدرس، يستعملون، لجهلهم للدارجة، العربية المدرسية التي تعلموها في المؤسسة التعليمية. ولما اعتقل رجال الدرك الشابين "بادي ن حدّو"ّ و"أمحمد أقوظاظ" للاشتباه في علاقتهما بسرقة منزل "بويرغمان"، طرحوا عليهما مجموعة من الأسئلة بالدارجة طبعا، وهي لغة يجهلها الشابان اللذان لاذا بالصمت، أو ردّا ببعض الكلمات غير المفهومة التي تعلموها في المدرسة. وهو ما أغضب رجال الدرك المستنطقِين، فانهالوا عليهما بالضرب المبرّح ثم أطلقوا سراحهما. ولما التقى بهما أصدقاؤهم، ومنهم التلميذ أمسبريذ، ورأوا آثار الضرب والكدمات على وجوههما، سألوهم عن سبب ومصدر ذلك، فأجابا بأن العربية التي تعلموها في المدرسة «لا تنفع ولا تصلح عند رجال الدرك الذين يتكلمون نفس اللغة التي يتكلمها الباعة المتجولون ("إزوّاجن" في النص، كما يسمون بالأمازيغية) الذين يطوفون على المساكن».

هنا يبرز الكاتب، وفي قالب قصصي، تناقضات ومفارقات السياسة التعليمية واللغوية الفاشلة التي نهجتها دولة الاستقلال.

وفي قصة "أورار ن بادي" ("عرس بادي"، منشورة بالعدد 178 من "تاويزا" لشهر فبراير 2012)، يحكي الكاتب كيف أن حتى التكنولوجيا، من خلال وصول منتوجاتها إلى البادية الأمازيغية، ساهمت في تراجع الثقافة الأمازيغية واختفاء العديد من مظاهرها كالغناء والرقص مثلا. فمع انتشار آلة الأسطوانات الغنائية Tourne – disques، بدأت النساء والرجال يكفّون تدريجيا عن الغناء، ويكتفون بتشغيل تلك الآلة للاستماع إلى الأغاني التي يختارونها حسب ما توفره الأقراص. وينقل لنا الكاتب أن عرس بادي (عنوان القصة) كان أول عرس شهده، وهو مراهق، لم تغنّ فيه النساء، لأن "بادي" ربط أسطوانة الغناء ببوق التف حوله الحاضرون للاستماع إلى «مغنيات بلا وجوه»، كما يصفهن الكاتب.  

في قصة "أرّوذ ن ومرابظ" ("كسوة الضريح"، منشورة بالعدد 177 من "تاويزا" لشهر يناير 2012)، يروي كيف أن الجميع كان يستمع ـ ويستمتع ـ، بفضل انتشار أشرطة التسجيل الغنائية، بأغاني المغنّيتين الشهيرتين، آنذاك، "يامنا الخمّارية" و"ميمونت ن سلوان"، اللتين كانت أغانيهما تصدح في كل منزل وأيضا في سوق الثلاثاء الأسبوعي.

إلا أن الأشرطة الغنائية لهاتين المغنّيتين بدأت تتناقص وتختفي شيئا فشيئا بالمنازل والأسواق، بعد أن ظهرت أشرطة أخرى جديدة منافسة. إنها أشرطة الشيخ "كشك" الدينية، والتي أصبحت حديث الناس الذين لم يعودوا يتحدثون في ما بينهم عن الحرث والحصاد والري وشؤون الفلاحة، كما كانوا يفعلون سابقا. ولكثرة انتشار هذه الأشرطة، وما صاحبها من انتشار لفهم متطرف للإسلام، أصبحت الألفاظ العربية "بدعة"، "كفر"، "حرام"، جزءا من المعجم الأمازيغي نفسه. وحتى النساء لم يعدن يستعملن، لتحية بعضهن البعض، عبارة "عاونك" (أعانكن الله)، إذ أصبحن يستعملن بدلها عبارة "السلام عليكم"، التي كانت من قبلُ خاصة بالرجال.

هكذا "تؤرخ" الكتابات القصصية لميمون أمسبريذ لمجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية واللغوية والهوياتية، التي عرفتها بادية وقرى الريف الشرقي، وخصوصا منطقة الناظور، دون أن يكون ذلك قصد الكاتب، كما سبق أن أشرت، وإنما يشكّل جزءا من سياق وأحداث القصة.
لا وجود للخيال، فكل شيء حقيقي وواقعي!

إذا كنا نجد في الكتابات القصصية لأمسبريذ نوعا من "التاريخ" الاجتماعي والثقافي الحقيقي، فذلك لأنه يكتب بواقعية وعن شيء واقعي، وليس عن أحداث وأشخاص افتراضييْن وخيالييْن. قصصه شيء معيش، وحاصل، وواقع، وحقيقي. هذه هي القناعة والخلاصة اللتان تفرضهما على القارئ كتاباته القصصية. فهل يعني هذا أن عنصر الخيال غائب نهائيا في الكتابة القصصية لأمسبريذ؟ وهل يمكن أن يغيب الخيال نهائيا عن الفن والإبداع؟

الخيال غائب عند أمسبريذ، ليس بالمعنى المطلق للغياب، وإنما هو غائب عند القارئ لكتابات أمسبريذ، ذلك لأن هذا الأخير يجعل مما قد يكون خياليا حقا، ليس مجرد حالة ممكنة الوقوع، بل يجعل منه شيئا واقعيا وحقيقيا عند القارئ، الذي لا يشك لحظة أن ما يقرأه هو شيء حصل ووقع بالفعل. وهنا يمحو أمسبريذ، بقدرته الإبداعية الفائقة، الحدود بين الخيال والواقع، بجعل الخيال نفسه واقعا.

فمثلا في قصة "ثازورا" ("السرطان"، منشورة بالعدد 115 من "تاويزا" لشهر نوفمبر 2006)، يتحدث الكاتب عن نفسه عندما صارحه الطبيب، بالمستشفى الذي كان يرقد فيه ببلجيكا، بأن مرضه لا علاج له، وأن حالته ميؤوس منها، وأن أيامه معدودة وقصيرة... وقبل أن ينهي الطبيب كلامه، بدأ المريض يرى الضباب يملأ القاعة شيئا فشيئا. ثم فجأة اختلط ضباب القاعة بضباب بلدة "تاغزوت"، حيث عاش وكبر. وهنا بدأ يشاهد شريط حياته يُعرض أمامه كما لو أنه يعيشها للمرة الثانية. فرأى أمه تحصد الزرع، وتطحن الحبوب، وتحلب البقرة، وتسقي الماء من العين... رأى أباه يمتطي بغلتهم البيضاء ويغادر المنزل، رآه يحرث الأرض ويدرس الزرع... رأى نفسه جالسا في الكتّاب القرآني أمام المعلم "سّي حدّو أقوظاظ"، وهو يشبعه ضربا بسبب "تعثّر" لسانه ـ كما كتب ـ في قراءة الآيتين: «أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى»... رأى نفسه يشتري كتاب "النبي" لجبران خليل جبران من سوق الثلاثاء الأسبوعي... رأى نفسه يهيم على وجهه في منطقة "كاطالونيا" بإسبانيا... رأى سكان "تاغزوت" يهيلون عليه التراب الأبيض لمقابر البلدة...

في هذا النص القصصي، يوظف الكاتب معطى علميا ثابتا، وهو أن الإنسان عندما يدخل في غيبوبة أو احتضار، يتذكّر كل مراحل حياته التي يراها تمرّ أماه كفلم يمثّل هو بطله الرئيسي. وهذا ما جرى للكاتب وهو طريح المستشفى في حالة صحية ميؤوس منها. وحتى إذا عرفنا أن الكاتب لم يسبق أن أصيب بمرض قاتل كالذي وصفه له الأطباء، مما قد نستنتج منه أن القصة من إبداع الخيال، إلا أننا عندما نقرأ النص لا نجد شيئا يوحي لنا بأنها مجرد خيال، لأن الطريقة التي يكتب بها الكاتب لا تترك فرصة للخيال ليظهر أنه خيال، لأنها تمنح للخيال، إن كان هناك خيال، كل شروط ومظاهر الواقع الحقيقي، الفعلي والحدثي.

وقد ذعرت عند قراءة القصة. فكتبت إليه رسالة "إمايل"، وأملي قليل في أن يقرأها ويجيب عنها، أستفسره وأطمئنه فيها، متمنيا أن يكون في قصة "ثازورا" من الخيال أكثر من الواقع. وأجابني ملتمسا مني، بناء على رد فعلي بعد قراءة نصه، حذف فقرة مفزعة في ذلك النص، حتى لا يهلع أقرباؤه ممن سيقرأ منهم القصة.

وقد كان لافتا أنه استهل هذه القصة بقولة لـ Arthur Rimbaud يقول فيها « Je est un autre » (أنا هو آخر). وهو ما يكون قد قصد منه أن القصة المعنية لا تخصه هو، بل تخص إنسانا آخر. وهذا طبعا مجرد تخمين وافتراض مني.

هذه القصة نموذج لطبيعة الواقعية التي يكتب بها أمسبريذ، واقعية قد يصنعها الخيال الذي هو أصلا مناقض للواقع. ولهذا فالخيال، بمفهومه الروائي العادي المعروف، غائب في الكتابات القصصية لأمسبريذ، لأن الكاتب يحوّل هذا الخيال، ليس إلى مجرد واقع ممكن، بل إلى واقع فعلي ومتحقق بالنسبة للقارئ، كما سبق أن أوضحت.

وما يصدق على قصة "ثازورا" قد يصدق أيضا على قصص مثل "ثوقّات" (الخطب الجلل)، "أوسّان" (الأيام)، "إيبريذن ن ولوم" ("ممرات التبن"، منشورة بالعدد 86 من "تاويزا" لشهر يونيو 2004)، "أطّاس ذي ذروس" ("الكثير في القليل"، منشورة بالعدد 146 من "تاويزا" لشهر يونيو 2009)... هذا التغييب للخيال، كخيال، في الكتابات القصصية لأمسبريذ، بجعله واقعا حقيقيا عند القارئ، يبرز التقنيات القصصية الإبداعية العالية عند أمسبريذ. وعندما نعرف أن أدبه القصصي مكتوب بالأمازيغية، التي لا تتوفر على تقليد كتابي ولا تراث أدبي مدوّن، لا يمكن إلا أن نعجَب من هذا العمل الفذّ والفريد، والذي لم يكن ممكنا إلا بالتقاء عبقريتين اثنتين، عبقرية اللغة الأمازيغية وعبقرية الكاتب أمسبريذ.

الصدق والأصالة: 

إذا كانت قصص أمسبريذ كلها واقعية، بالمعنى الذي شرحناه، حيث يأخذ الخيالي نفسه بعدا واقعيا، فذلك لأنه يكتب بصدق Sincérité وأصالةAuthenticité . ولا يعني الصدق هنا مدلوله الشائع، الذي هو نقل الواقع كما هو، ولا الأصالة معناها المعروف، الذي هو الابتكار والتجديد.  أمسبريذ يكتب بصدق وأصالة لأنه لا يكتب للآخرين حيث يأخذ الكاتب بعين الاعتبار انتظارات القراء، أو رغباتهم وتفضيلهم لنوع من الموضوعات أو القضايا والأسئلة. إنه لا يكتب تحت أي "ضغط" ولا تحت أي "طلب". بل هو يكتب بكل حرية واستقلالية، ودون تبعية ولا ارتباط ولا التزام مع المتلقي. فالصدق والأصالة، هنا، في الكتابة، يعنيان ـ وينبعان منهما في نفس الوقت ـ هذه الحرية وهذه الاستقلالية. وهذا ما أقصده بالصدق والأصالة في الكتابة عند أمسبريذ: يكتب دون اكتراث بالمتلقي ولا برد فعله. والدليل على ذلك أنه يكتب بالأمازيغية وهو يعرف أن قراء نصوصه لا يبلغون حتى عدد أصابع اليدين، لغياب تعليم قراءة وكتابة الأمازيغية في المدرسة كما هي القاعدة بالنسبة لكل اللغات المكتوبة. فأمسبريذ عندما يكتب، لا يكتب إذن لأحد. وهذا مصدر الصدق والأصالة في كتابته. لكن لمن يكتب إذن؟

 ولأنه كان واعيا بغياب القارئ الأمازيغي (قارئ النصوص الأمازيغية) الذي لا يكتب له ليقرأ نصوصه، فقد كتب يشرح هذه الحالة المفارِقة في مقال تحليلي بعنوان "ثيرا ن وسغذي" ("كتابة الصمت"، منشور بالعدد 80 من "تاويزا" لشهر دجنبر 2003) . في هذا النص يتساءل: «لماذا أكتب بالأمازيغية [...]، بهذه اللغة الموجودة وهي مفقودة، الحية وهي ميتة؟». ويواصل قائلا: «أرى الكتابة صمتا، فقدانا للكلام، أو هي هروب من الكلام [...]. الكتابة مرور خلف مرآة الكلام، حيث لا ترى ملامحك كما تعكسها مرآة الكلام». ويوضّح أكثر علاقة الصمت ـ كما يفهمه ـ باختياره الكتابة بالأمازيغية كما يلي: «عندما أكتب بالأمازيغية، أكتب بلغة الصمت. عندما أكتب بالأمازيغية أكتب الصمت بلغة الصمت [...]. عندما أكتب بلغات أخرى، أتكلم. وعندما أكتب بالأمازيغية، أحيا (أصمت لتتكلم الحياة). لهذا فأنا أكتب بالأمازيغية».

إذن لا يتعلق الأمر هنا بـ"نظرية الفن من أجل الفن"، أي أن أمسبريذ يكتب لنفسه وليس للغير الذي لن يقرأ ما يكتب. بل هو يكتب ليحيا عبر صمت الكتابة. حقيقة أن كتابات أمسبريذ، ورغم أنها كتابة صامتة (لا قراء لها)، فهي تعجّ بالحياة، وبكل ما يحيل على الحياة، وحتى عندما تتحدث عن الموت، كما في قصة "ثوقّات" (الخطب الجلل) أو "أطّاس ذي ذروس" (الكثير في القليل) أو ثازورا" (السرطان)... وتظهر هذه الحياة في معجم الطبيعة والفلاحة الذي يجيد الكاتب استعماله وتوظيفه، كما سبق شرح ذلك، مما يضفي مزيدا من الصدق والأصالة على كتاباته لأنها تتكلم لغة الطبيعة والفلاحة والبادية، أي اللغة الفطرية التي لا تعرف بعدُ الازدواجية والرياء والتملق والخداع...

وفي مقال تحليلي آخر بعنوان "ثارزّوث خف ثيرا" ("البحث عن الكتابة"، منشور بالعدد 79 من "تاويزا" لشهر نوفمبر 2003)، يشرح لنا أمسبريذ لماذا يكتب بقوله: «تشعر كأن دماءك تتخثر في شرايينك، كأنها لا تجري ولا تتحرك... شرايينك تختنق، تكاد تنفجر... فعلت كل شيء حتى تستعيد دماؤك حركتها وحيويتها، وتسقي جسدك حتى لا يجف وييبس، لكن بدون نتيجة [...]. لكن بمجرد ما تشرع في الكتابة حتى تشعر بدمائك شبه المتخثرة تنماع، وتجري مثل الماء المتجمد بالبرودة عندما يعرض لأشعة الشمس. فهل الكتابة تحوّل لدم الجسد إلى حِبر يسيل على الورق؟ أتمنّى أن أعرف ما هي هذه الكيمياء التي يتحوّل بها الدم إلى حِبر للكتابة».

هكذا تتجاوز الكتابة عند أمسبريذ مستوى الرغبة النفسية لتصبح شبه حاجة عضوية، يجب إشباعها لإعادة التوزان والعافية إلى الجسد (مثل انتعاش وجريان الدم في الشرايين اللذيْن تحدث عنهما الكاتب). ومن هنا نفهم أن الكاتب لا يكتب تحت "ضغط" خارجي (انتظارات القراء الذين لا وجود لهم في الحقيقة)، بل تحت "ضغط" داخلي ذاتي. ولهذا فكتابته حرة ومستقلة عن أي ارتباط خارجي. وهذا ما يجعلها كتابة صادقة وأصيلة، أي مطابقة لذات الكاتب ومتساوية معها.

لكن هذه الكتابة، ليست هي كل ما يُرسَم حروفا بالقلم والحبر: «الكتابة، نعم، يقول أمسبريذ في "ثارزّث خف ثيرا"، ولكن أية كتابة؟ هل كل كتابة كتابة؟ هل الكلام المكتوب كتابة؟ أين يقف الكلام كي تبدأ الكتابة؟...». واضح أن الكاتب جد واعٍ أن كل ما يكتب بالأمازيغية ليس كتابة، بل يبقى، كما سبقت الإشارة، مجرد كلام مدوّن، لغياب شروط الكتابة الحقيقية بالنسبة للأمازيغية، «لأن الكاتب الأمازيغي ـ يقول أمسبريذ في نفس النص ـ الذي يكتب اليوم بالأمازيغية، هو كاتب ليس له أب ولا أم. إنه ابن نفسه، ابن كتابته». يريد أن يقول لنا بأن الأمازيغية، كما سبق شرح ذلك، لا تتوفر على تراكم ورأسمال في الإنتاج الكتابي، قد يشكّلان مرجعا يمكن للكاتب أن يغرف منه ويعتمد عليه لإنتاج كتابة جديدة. وإنما الكاتب الأمازيغي هو بالتعريف يتيم ليس له أب ولا أم يتعلم منهما الكتابة. إنه ابن نفسه. وعندما يكتب فهو يبدأ دائما من البداية، كما يفعل أمسبريذ. ولا شك أن هذه الكتابة عند أمسبريذ، بما أنها تأسيس لشيء جديد ليس له نموذج سابق ينطلق منه ويتّبعه ويقيس عليه، هي أحد الأسباب الأخرى للصدق والأصالة في كتابته. فمع التقليد، والقياس، والاتباع، تنتفي الأصالة، ومع انتفائها ينتفي الصدق، وهو ما يعني أن الكتابة ليست مطابقة لذات الكاتب، بل مطابقة، في جزء منها، لنماذج جاهزة من هذه الكتابة. 

أمسبريذ لا يكتب إذن من أجل القارئ الذي لا وجود له، وإنما يكتب من أجل الصدق والأصالة. لذلك فكتابته صادقة لأنها أصيلة، وهي أصيلة لأنها صادقة. لهذا فهو، والتزاما بالصدق والأصالة، وفي علاقته بالقارئ الغائب الذي لا يهمه ولا يكتب له، هنا والآن، يمثّل عن حق نبتة "طوطّويويو" التي خصها بنص جميل، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فهي، كما رأينا، تنبت في الأراضي الصلبة والصخرية التي لا يتسرّب الماء إلى تربتها. ومع ذلك فهي تنمو وتزدهر وتينع وتنتج الأزهار، حرة ومستقلة وشامخة، لأنها لا تحتاج إلى ماء ولا تربة جيدة ولا أسمدة مخصبة ولا عناية ولا بستنة ولا معاملة خاصة... "طوطّويويو"، يقول، بحريته واستقلاله وشموخه، كما كتب عنه أمسبريذ: «عندما نريد نستطيع [...]، جمالي صنعته بنفسي، ولم يصنعه لي أحد: لم أٌسقَ، لم تهيأ تربتي، لم أتلق سمادا... ومع ذلك فأنا ممتلئ حياة وجمالا! لم أذبل، ولم أيبس. ولا أطلب شيئا من أحد ولا أحتاج إلى أحد». ويعلّق أمسبريذ: "طوطّويويو" «يوجد بلا "لماذا؟" وبلا "لمن؟"».

وهذه هي نفسها حالة الكتابة الأمازيغية عند أمسبريذ: فلا قراء ينتظر منهم قراءة إبداعاته، ولا معجم مناسب يستعين به، ولا مرجع أمازيغي يرجع إليه، ولا مصدر أمازيغي يعتمد عليه، ولا تراث أمازيغي يغرف منه، ولا كاتب أمازيغي يحذو حذوه... فهو يكتب حرا ومتحررا ومستقلا، غير مدين لأحد، ولا مرتبطا بأي التزام مع القراء المفقودين. فجاءت كتاباته آية في الإبداع والجمال، والسمو والكمال، والصدق والأصالة. ومعلوم أن الحرية شرط واقف للصدق والأصالة. وهذه الحرية هي نتيجة لكونه «ابن نفسه»، كما قال عمن يكتب بالأمازيغية. فكأنه يكرر ما قاله على لسان "طوطّويويو": «عندما نريد الكتابة بالأمازيغية، فإننا نستطيع ذلك رغم أن هذه اللغة لم تستفد من المدرسة». فلا مراجع، ولا مصادر، ولا تراث مدوّن، ولا إنتاجات كتابية أمازيغية يمكن أن تحدّ من حريته التي صنعت صدق وأصالة كتابته.

تحرير الشعر من الغناء، واللغة من الجسد:

بجانب نصوصه القصصية والتحليلية، نشر أمسبريذ ـ ودائما بشهرية "تاويزا" ـ  أزيد من خمس وعشرين قصيدة شعرية.

وأهم ما يميّز شعره هو الصدق والأصالة، مرة أخرى. ولأن شعره صادق وأصيل، بالمعنى الذي شرحت، فهو لا يتناول في قصائده "التيمات" الثلاث التقليدية المعروفة في الشعر الأمازيغي: الحب والهوية والهجرة/الغربة. وإنه لأمر لافت أن أمسبريذ، الذي خبر مرارة الاغتراب والهجرة، وتنقل عبر عدة بلدان أوربية قبل أن يستقر ببلجيكا، لم ينظّم ولو قصيدة واحدة حول الموضوع، الذي هو "تيمة" مهيمنة في الشعر الأمازيغي بالريف. بل حتى في كتاباته القصصية لم يتعرض لموضوع الهجرة والاغتراب، إلا بشكل هامشي وثانوي. ففي قصة "أخّام ن تيرا" ("بيت الكتابة"، منشورة بالعدد 129 من "تاويزا" لشهر يناير 2008)، التي يحكي فيها عن اشتغال بطل القصة "بادي" (اسم يتكرر كثيرا في قصصه كما سبق أن أشرت) بمعمل "باكو" لصناعة العجلات ببرشلونة في إسبانيا، حيث كٌلف بكتابة (نقش) أسماء السيارات على العجلات، انتقل الكاتب من الحديث عن معاناة العمّال إلى الحديث عن الرغبة في الكتابة، التي أحياها في "بادي" وذكّره بها العمل الذي يقوم به، والمتمثل في جمع حروف اصطناعية وتنظيمها في شكل كلمات. فالغرض من القصة ليس هو الهجرة وتبعاتها، بل هوس الكتابة لدى "بادي" (الذي ليس إلا أمسبريذ نفسه)، التي كانت هي شغله الشاغل حتى وهو يعمل أجيرا بمعمل "باكو".

شعر أمسبريذ لا يتناول إذن هذه الموضوعات المرتبطة بالخصوصية والمحلية، بل يتناول ما يتصل بالوجود والحياة والموت، والذات (ذات الشاعر في المقام الأول) في علاقتها بهذا الوجود وهذه الحياة وهذا الموت. لهذا يتميز شعره بعمق فلسفي وميتافيزيقي، ويبرز إحساسا قويا بالوجود والحياة، والموت أيضا، والمعاناة التي يسببها هذا الإحساس. إن أمسبريذ شاعر بالمعنى اللغوي الحقيقي لكلمة "شاعر" في العربية: إنه يشعر ويحس.

لنتأمل مقاطع من بعض قصائده حتى نكوّن نظرة عن مضامين وخصائص شعره.

يقول في قصيدة "أنّاي خف تاما ن تودرات" ("دُوَار على حافة الحياة"، منشورة بالعدد 80 من "تاويزا" لشهر دجنبر 2003):

أخاف العبور، فأختفي نهائيا،

بعيدا حيث لا تصل الأنظار،

عند الضوء الأقوى،

الضوء الأخضر،

الضوء الذي يُعمي.

[...]

اخاف لكني أُطلّ،

لا يمكنني أن لا أطلّ،

فبالإطلال إلى درب العدم،

وبالدُّوار على حافة الجرف،

وبالنظر إلى قاع ضوء الصمت،

أنا موجود.

ويقول في قصيدة "أوالن يدّرن" ("الكلمات الحية"، منشورة بالعدد 78 من "تاويزا" لشهر أكتوبر 2003):

لقد غربت عني الشمس،

بقيت خارج الدار،

ليس لدي أمس،

ليس لدي غد،

رفضتني الأرض،

وتخلّت عني السماء.

ويقول في قصيدة "إيمطّاون ن ومسبريذ" ("دموع أمسبريذ"، منشورة بالعدد 138 من "تاويزا" لشهر أكتوبر 2008):

أسكني، أنا الذي لا مسكن لي.

أطعمني، أنا الجائع.

اسقني، أنا الظمآن.

أبرئ سقمي، ولا تتركني أموت.

تيتّم التراب عند التراب.

ضاع الطريق، أنظر ولا أرى.

قفتي فارغة، وأنا لم أصل.

ويقول في قصيدة "إيزلان ن ومسبريذ" ("أشعار أمسبريذ"، منشورة بالعدد 43 من "تاويزا" لشهر ىوفمبر 2000):

إذا أردت أن تجدني، فابحث عني حيث لا أوجد.

***

الطريق طويل وأنا قصير (الحياة).

***

المشي ليس وصولا، ومد اليد ليس إمساكا.

***

أين أوجد؟ حيث لا أوجد.

ويقول في قصيدة "إيزلي ن توذارت" ("قصيدة الحياة"، منشورة بالعدد 76 من "تاويزا" لشهر غشت 76):

لا أشتري ولا أبيع،

لا أدّخر ولا أجمع،

لا أنجب ولا أخلّف،

لم أقرر الإقامة،

لم يسبق أن اعتدت عليها،

أنا ضيف الأيام،

ضيف البلدان،

رفيق الحياة.

ويقول في "س م س ن ومسبريذ" (س م س أمسبريذ"، منشورة بالعدد 99 من "تاويزا" لشهر يوليوز 2005):

أعياني الطريق،

أمشي ولا أصل.

***

ماذا سيفعل التراب

لينفصل عن التراب؟

***

ظمئ القب،

والماء غزير يجرف،

والعطش يقتل.

ويقول في قصيدة "تابرات ن ومسبريذ" ("رسالة أمسبريذ"، منشورة بالعدد 118 من "تاويزا" لشهر فبراير 2007):

من ينبوع المرارة  أنهل العذوبة!

أسقي الكلمات الذابلة، المغسولة.

يعود مذاقها كعسل الجبل.

كلوا أيها الضيوف:

لا تسألوا عن المذاق،

لا تبحثوا عن الينبوع.

ويقول في قصيدة "تارولا غار تودارت" ("الهروب إلى الحياة"، منشورة بالعدد 79 من "تاويزا" لشهر نوفمبر 2003):

يحمل روحه حملا،

فوق الأحزان،

فوق الجراح.

يحملها إلى السماء.

[...]

يحملها إلى حيث لا تباع،

ولا تشترى.

ويقول في قصيدة "تارزوكي" ("مرارة"، منشورة بالعدد 147 من "تاويزا" لشهر يوليوز 2009):

في صقيع الحياة،

يؤلمني الصرّ.

تلك النار التي أوقدها،

لا أستدفئ بها.

[...]

نسيتني فاكهة الإجاص،

أوثقتني الكروم.

حيث ما وليت وجهي،

أجد هناك المقابر.

ويقول في قصيدة "تايفّارت ن إيبريذن" (التباس المسالك"، منشورة بالعدد 120 من "تاويزا" لشهر أبريل 2007):

أحمل الأيام وأمشي،

تقرحت كتفاي وأنا لم أصل،

تتوالد السبل تحت قدماي:

لا أعرف هل الخطى هي التي تخلقها،

أم هي التي تخلق الخطى.

تكسرت البوصلة،

لا أعرف اليمين من الشمال.

أنهكني الطريق،

أريد أن أستريح،

وأنصب خيمة.

ويقول في قصيدة "تيسيت إينو تدرا" ("مرآتي صدئة"، منشورة بالعدد 81 من "تاويزا" لشهر يناير 2004):

مرآتي صدئة،

ملطّخة ببقع الأدران.

عندما أنظر فيها،

أرى ملامح أخرى.

ويقول في قصيدة "ون يشّين تيري نّس" ("الذي ابتلع ظله"، منشورة بالعدد 102 من "تاويزا" لشهر أكتوبر 2005):

الجرح لا يندمل والقلب لا يبرأ.

أمشي عند الغد فأجد هناك الأمس.

[...]

أريد الانعتاق فأزداد أسرا،

اعتقلت نفسي بنفسي أم اعتُقلت؟

ابتلعت ظلي فلم تبق لي ملامح.

أعيش الأيام كأنني أدفع ديْنا.

ألأمُ نفسي فترفض أن تلتئم.

كل ما ألمّه ينفرط.

ماذا يمكن أن نلاحظ ونستنتج من هذه الأمثلة من شعره؟

أولا: نلاحظ كثافة في المعنى وثراء في المضامين، مع تناغم للنقائض كأنها أنصاف متقابلة لشيء واحد يكمّل بعضها بعضا، بجانب اختلاط الوجودي بالصوفي وبالرمزي، والحياة بالموت وبالقبر.

ثانيا: غياب "التيمات" التقليدية للشعر الأمازيغي، كما سبقت الإشارة، يضفي مزيدا من الصدق والأصالة على شعر أمسبريذ. فكل شعره أصيل وصادق لأنه مطابق لصاحبه. فباستبعاده لقضايا الحب والهوية والهجرة، التي تطغى على الشعر الأمازيغي الحديث، يكون أمسبريذ قد رسم لشعره طريقا خاصا، أصيلا وجديدا.

ثالثا: استبعاد "التيمات" التقليدية أدى، نتيجة لذلك، إلى استبعاد الشكل التقليدي لنظم الشعر الأمازيغي. هذا الشكل الذي يتميز بالإيقاع الموسيقي للقصيدة، الذي يجد أصله في كون الشعر الأمازيغي القديم كان شعرا غنائيا، أي شعرا للغناء. ويمكن القول إن هذا الجانب الغنائي كان مصدر الجمال والمتعة في هذا الشعر، أكثر من أي شيء آخر، كالمعنى مثلا. أما قصائد أمسبريذ فقد قطعت مع هذا الإيقاع الغنائي، وأصبح مصدر الجمال والمتعة في شعره هو المعنى الكثيف والغني، كما أشرنا، وليس الإيقاع الموسيقي كما في الشكل التقليدي للقصيدة الأمازيغية.

رابعا: هذا الانتقال من الإيقاع إلى المعنى هو، في الحقيقة، انتقال من الشفوية إلى الكتابة. وبذلك يكون شعر أمسبريذ شعرا كتابيا بامتياز، وإسهاما حقيقيا في إخراج الأمازيغية من وضع اللغة الشفوية إلى وضع لغة كتابة. ذلك أن النظم التقليدي، الذي يحكمه الإيقاع والنغم، ورغم أنه مكتوب وصدرت به دواوين، لم يرقَ بعدُ إلى مستوى الكتابة الحقيقية، بل هو مجرد كلام (منطوق شفوي) مدوّن بالحروف، لأن ارتباطه بالإيقاع والنغم والغناء، يجعله منتوجا شفويا، نظرا أن الإيقاع والنغم والغناء ظواهر صوتية ينتجها المنطوق، أي الممارسة الشفوية. لهذا فإن الشكل التقليدي للقصيدة الأمازيغية، التي تعتمد على اللحن والإيقاع، لصيق بالكلام والمنطوق، أي بما يمارس شفويا، حتى لو دُوّنت اليوم في دواوين مطبوعة ومكتوبة. أما شعر أمسبريذ فقد أقام مسافة وفصلا بين الشعر الشفوي، ذي الإيقاع الغنائي، والشعر المكتوب، الذي يتحدد بالمعنى وليس باللحن والإيقاع. ومن هنا فإن شعره يبقى شعرا كتابيا حتى لو كان يتلى ويقرأ فقط، أي يمارس شفويا، مثلما أن الشعر التقليدي يبقى شفويا حتى عندما يُكتب ويُدوّن. شعر أمسبريذ، مثل نصوصه النثرية أيضا، هو ممارسة للكتابة الأمازيغية في أسمى صورها، شكلا ومضمونا، ودون المرور بمرحلة إعدادية وانتقالية، كما في الكتابات الأمازيغية الأخرى.

خامسا: فصل الشعر، كما فعل أمسبريذ، عن الإيقاع واللحن والغناء والوزن، والذي (الفصل) يعني الانتقال بهذا الشعر من المستوى الشفوي إلى المستوى الكتابي الحقيقي، هو، في نهاية المطاف، فصل للغة الأمازيغية عن الجسد، وهو فصل يشكل الشرط الواقف لقيام كاتبة أمازيغية حقيقية.

ما علاقة اللغة الأمازيغية بالجسد؟ العلاقة هي أن هذه اللغة لم تعرف الكتابة طيلة تاريخها إذ ظلت تمارس كلغة شفوية، أي تابعة للجسد من خلال أداة الكلام (الشفوي والمنطوق)  الذي هو اللسان، والذي هو عضو في الجسد. ولأن الكلام يمارس باللسان الذي هو جزء من الجسد، فهذا الكلام هو إذن امتداد لهذا الجسد. وبالتالي تكون اللغة الأمازيغية، كلغة منطوقة وشفوية، لغة "عضوية" لأنها امتداد للجسد، ولصيقة به عبر عضو الكلام الذي هو اللسان.

وهذه العلاقة بين الأمازيغية والجسد هي فكرة للكاتب/الشاعر أمسبريذ نفسه. فهو يعرضها ويشرحها في مقاله بعنوان "تارزّوت خف تيرا" (البحث عن الكتابة) كما يلي: «اللغة الأمازيغية لم يسبق لها أن انفصلت عن الجسد (جسد المرأة والرجل الأمازيغييْن). بل بقيت تابعة له ومرتبطة به، ترضع وتتغذى منه، ولم تُفطم ولم تفصل عنه حتى تترعرع مستقلة عنه، وتربّي نفسها بنفسها، وتكبر في فضاء الكتابة حيث تنمو وتغتني وتتحرر، وتخلق لنفسها جذورا راسخة، بعيدا عن أمها الجسد».

فالجسد يمارس، عبر عضو اللسان، الكلام (وكل الممارسات الشفوية) الذي هو امتداد، إذن، لهذا الجسد. وكل كتابة تدور في فلك الكلام، أي تدوّن المسموع والمنطوق كما هو في صيغته الكلامية، فهي كتابة "جسدية"، لأنها نسخة من "الشفوي"، الذي لا تختلف عنه إلا في كونها مسجلة بالحروف. أما الكتابة الحقيقية، وهي التي يقصدها أمسبريذ ويمارسها في نصوصه النثرية والشعرية، فهي الكتابة التي تقيم، وداخل نفس اللغة، مسافة بينها وبين الكلام الشفوي، أي تلك التي تحرّر اللغة، عبر الكتابة، من الجسد وما يرتبط به من كلام منطوق وشفوي. وهو ما عبّر عنه في مقال له بالفرنسية بعنوان «En tamazight dans le texte: de l'"oraliture" à la littérature»  ("من الأدب الشفوي إلى الأدب الأمازيغي المكتوب"، منشور بالعدد 76 من "تاويزا" لشهر غشت 2003) عندما كتب: «لقد حان الوقت للانتقال من الجسد إلى المتن (Passer du corps au corpus)، من الرنّة إلى الرسم، ومن الصوت إلى الحرف».

فقصائد أمسبريذ، كما تحرّر الشعر من الوزن والغناء، فهي تحرّر اللغة الأمازيغية، بصفة عامة، من الجسد. بهذا التحرير للغة الأمازيغية من أمها الجسد، يكون أمسبريذ قد تقدم مسافات طويلة على درب الاستعمال الكتابي الحقيقي للغة الأمازيغية.

نضال من مستوى آخر:

لقد أوضحنا في ما سبق أن كتابات أمسبريذ ـ وفي الحقيقة كل الكتابات الأمازيغية ـ لا يتابعها ولا يقرأها إلا قلة قليلة قد لا يصل عددهم حتى عدد أصابع اليدين، لعدم تدريس الأمازيغية كما شرحنا. وقد كان واعيا بهذا الواقع حتى أنه، كما أشرنا، شبّه الكتابة بالأمازيغية بكتابة الصمت. نكرر السؤال: لمن يكتب، إذن، أمسبريذ إذا كان يعرف أن كتاباته لا تقرأ؟ فالأكيد أنه لا يكتب للأمازيغيين لأنه يعرف أنهم لن يقرأوا إنتاجاته. لمن يكتب، إذن؟ ولماذا يكتب؟ والقول إنه يكتب لنفسه، خصوصا أنه شرح لنا أن الكتابة بالنسبة إليه تكاد تكون حاجة عضوية (غياب الكتابة يساوي تخثر الدم في الشرايين)، لا يقدّم الجواب الشافي والكافي عن السؤال، لأن كل إبداع هو، من ناحية، تلبية لرغبة وحاجة ذاتيتين.

في اعتقادي، وبناء على طبيعة كتاباته النثرية والشعرية، أمسبريذ لا يكتب للأمازيغيين إذن، كما أوضحنا، وإنما يكتب للأمازيغية. وليس في الأمر أي تناقض إذا عرفنا أن الأمازيغيين، كقراء، غير موجودين بعدُ، في حين أن الأمازيغية حاضرة كلغة حية ومتداولة. فالكتابة بالأمازيغية تساوي لديه الكتابة للأمازيغية ومن أجلها. ولن نفهم هذا المعطى إلا إذا عرفنا أن كتاباته جديدة، متميزة وفريدة، نقلت الأمازيغية مباشرة، ودفعة واحدة، من لغة شفوية إلى لغة إنتاج كتابي حقيقي، مع أن تهيئة الأمازيغية للكتابة، وحتى عندما تتوفر الإرادة السياسية لذلك، قد تدوم عشرات السنين تستغرقها المرحلة "الانتقالية"، كما نلاحظ ذلك في مجموع الكتابات الأمازيغية الأخرى، التي تمثّل هذه المرحلة "الانتقالية"، التي تتلمّس فيها الأمازيغية طريقها نحو الكتابة. أما أمسبريذ فقد طوى هذه المرحلة وقفز مباشرة إلى الكتابة الحقيقية، بادئا، كما قلت في مستهلّ هذا العرض، من النهاية التي ننتظر أن تصل إليها الأمازيغية عندما تصبح لغة كتابة حقيقية. وهنا يكون أمسبريذ سابقا لعصره وزمانه، سابقا لعصر وزمان الكلام والشفوية والجسد، لينخرط فعلا ومباشرة في عصر وزمان الكتابة، اللذيْن لا زالا أفقا بعبدا.

كتابات أمسبريذ، بهذا الشكل المكتمل والرائع والجميل الجذّاب، الذي حقّق فيه وبه ما يُفترض أن لا يتحقق إلا بعد مراحل "انتقالية" قد تستغرق عقودا من الزمن، تكشف عن شيء هام جدا قد لا ننتبه إليه: إذا كان أمسبريذ قد نجح في إنتاج كتابات من هذا المستوى الممتاز الباهر، انطلاقا فقط من لغته الفطرية، ودون أن يدرس الأمازيغية في المدرسة ولا في الجامعة، فماذا سيكون عليه مستوى الكتابة بالأمازيغية بعد أن يكون الكُتّاب بهذه اللغة قد تعلّموها، ولعدة سنين، في المدرسة ودرسوها في الجامعة، وأنجزوا بها بحوثا، وكتبوا بها أطروحات، ونشروا بها دراسات في المجلات والدوريات...؟ نريد بهذا السؤال أن نبيّن أن الأمازيغية، إذا وجدت الإرادة السياسية لتنميتها وحمايتها والعناية بها، فإنها قد تصبح، وبسهولة، لغة أدب وثقافة وفكر وعلم...، بل قد تتفوق في ذلك على لغات أخرى سبقتها إلى الإنتاج الثقافي المكتوب.    

هذه الكتابة للأمازيغية ومن أجلها، والتي جعلت أمسبريذ يسبق عصره الأمازيغي ومعاصريه الأمازيغيين، تمثّل مستوى أعلى من النضال من أجل الأمازيغية. ذلك أن كتابة سطر واحد بالأمازيغية، أفضل لها من الدفاع عنها بعشرات البيانات المكتوبة بغير الأمازيغية. وهذا مستوى متقدّم من النضال، ليس فقط لأنه يحقق عمليا أحد مطالب الحركة الأمازيغية، الذي هو الانتقال بالأمازيغية من الاستعمال الشفوي إلى الاستعمال الكتابي، وإنما لأن أمسبريذ يمارس هذه الكتابة رغم أن الأمازيغية محرومة من المدرسة، ومحرومة، نتيجة لذلك، ممن يقرأ ما يُكتب بالأمازيغية.

وفي غياب القراءة لنصوص أمسبريذ بسبب غياب تدريس الأمازيغية، كما سبق أن قلت، فلا يبدو أن هناك وعيا، وحتى عند المهتمين بالأمازيغية، بأهمية الخدمة التي لا مثيل لها، والتي يقدّمها بكتاباته للغة الأمازيغية وللقضية الأمازيغية بصفة عامة. وهي شيء لن يُدرك إلا عندما تُكتشف كنوز هذه الكتابات في المستقبل، بعد تعميم تدريس الأمازيغية. آنذاك سيعترف بنصوصه، المجهولة اليوم، كنصوص مرجعية ومؤسّسة للكتابة الأمازيغية وللأدب الأمازيغي.

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.