Amezwaru

(Page d'accueil)

 

مقالات  

 

معاناة الإسلام من العروبة العرقية

خطْب الجمعة مرة أخرى

لماذا لا يريد التعريبيون الخير للمغرب؟

الأمازيغية والمرأة، ضحيتان لتمييز واحد

من هم الناطقون بالدارجة في المغرب؟

"التضبيع" في تجريم "التطبيع"

هل هو موقف جديد لحزب الاستقلال من الأمازيغية؟

بين ديودوني الفرنسي والمقرئ أبوزيد المغربي

عبقرية اللغة الأمازيغية وسر صمودها

المقرئ الإدريسي أبوزيد أو الأمازيغوفوبيا بلا حدود

الرسام الأمازيغي موحند سعيدي يغادرنا إلى الأبد

فرنسا تواصل سياسة التعريب

الدارجة ولاتاريخانية الأستاذ العروي

لمَ الخوف من الدارجة المغربية؟

متى يعترف المغرب بالفرنسية كلغة رسمية؟

حزب العدالة والتنمية، هبة من السماء للنظام المخزني

رفقا باللغة العربية أيها التعريبيون

المجانية والتعريب أو آلة تدمير التعليم العمومي بالمغرب

خطْب الجمعة

وما هو الحل لإصلاح التعليم بالمغرب؟

لماذا وصف مصري مساند للإخوان المغاربة باللقطاء؟

لماذا سكت رجال الدين عن مسألة العفو عن مغتصب الأطفال؟

"النسب الشرف" أو عندما يصبح الميز العنصري من الثوابت

طارق بن زياد، الأسطورة المقدسة

قداسة الشيخ الكتاني

العقل في تدبير التعدد اللغوي والثقافي في المغرب

ما تفتقر إليه العربية هو استعمالها في الحياة

المغرب من أغنى بلدان العالم

الأسباب الحقيقية لضعف مستوى اللغة العربية عند التلاميذ

اللغة العربية أو المعشوقة التي لا يرغب عشاقها في الزواج منها

لأي شيء ينفع إقرار اللغة الأمازيغية بويندوز 8؟

التعريب والهوية بالمغرب

"الفانطاسمات" اللسنية حول الأمازيغية بالمغرب

عادة التهرب من المسؤولية بإلقاء اللوم على الجميع

الحركة الأمازيغية بالمغرب: عيون على المستقبل

الأساطير المؤسسة للعروبة العرقية بالمغرب

كلمة الختام

وزير العدل والحريات يجهل مفهوم المعتقل السياسي

الأمازيغية في عمق الصراع الإيقوني

منذ متى أصبح ربيع الشعوب يهدد الأوطان؟

مدينة إفران: من السياحة الطبيعية إلى السياحة الثقافية

الأمير والتاريخ المحاصر

جريدة تاويزا في حاجة إلى تاويزا

الممثل الناطق بالأمازيغية واّلإنتاج التلفزي

أيت وراين: أبطال سلكوا درب الحرية

 

 

 

 

معاناة الإسلام من العروبة العرقية

 

بقلم: محمد بودهان

(11 أبريل 2014)

كانت القبائل العربية تعيش، في الجاهلية، على النهب والسلب وقطع الطرق. الشيء الذي جعل الأثآر (جمع "ثأر") والصراعات والحروب في ما بينها لا تتوقف إلا لتتجدد وتتواصل. اقتصاد النهب والسلب وقطع الطرق، وممارسة الثأر والصراع وشن الحروب، كانا يشكلان جوهر وروح العروبة العرقية الجاهلية، التي كان الوعي الهوياتي لدى أصحابها ينحصر في القرابة العرقية والقبلية.   

جاء الإسلام فعمل على القضاء على هذه الممارسات الجاهلية، ووضع حد لما كانت تعيشه القبائل العربية من حروب وصراعات ونزاعات وتمارسه من نهب وسلب، وتوحيدها تحت راية الدين الحنيف. وهو ما تحقق مؤقتا في عهد الرسول (صلعم). لكن بمجرد وفاته (صلعم)، استؤنف هذا السلب والنهب باسم "الفتح الإسلامي"، وانبعثت من جديد هذه الحروب والصراعات والنزاعات، لكن بغطاء إسلامي يعطيها مضمونا سياسيا وعقائديا وطائفيا ومذهبيا.

فالعروبة العرقية، الجاهلية والقبلية، متمثلة في قريش على الخصوص، والتي حاربت الإسلام ورفضت الدعوة المحمدية وحاولت تصفية الرسول (صلعم) وأجبرته على الهجرة ومغادرة موطنه بمكة، هي التي "ستستولي" على الإسلام لاحقا، بعدما حولّته من عدوها اللدود، الذي ظلت تحاربه لأزيد من عشرين سنة، إلى "حليفها" و"نصيرها" و"سلاحها"، ومصدر قوتها وثرائها.

فبعد ما أيقن أصحاب هذه العروبة العرقية، خصوصا بعد غزوة بدر، أن الإسلام في طريقه إلى الانتصار والانتشار بشكل لا رجعة فيه، اعتنقوه وتبنوه وتظاهروا بالدفاع عنه. لكنهم لم يكونوا قادرين على التخلي ـ ولا راغبين في ذلك ـ عن ثقافتهم الجاهلية المخالفة أصلا للتعاليم الجديدة للإسلام. فكيف أمكنهم التوفيق بين سلوكات جاهلية حاربها الإسلام، وبين إيمانهم بهذا الإسلام؟

سيجدون الحل لهذه المعادلة في تعريبهم للإسلام، أي تكييفه مع ثقافتهم الجاهلية وإلحاقه بها كجزء تابع لها. فأصبح هذا الإسلام لا يستحضر إلا كدين عربي يحيل على العرب كشيء خاص بهم وملازم لهم، قبل انتشار مفهوم "العروبة" في بداية القرن العشرين، عندما أضحى الإسلام لا يذكر إلا مقرونا بهذه العروبة ومعطوفا عليها ورديفا لها، كما يتجلى ذلك في العبارة المسكوكة: "العروبة والإسلام". وقد سهّل هذا الربط التلازمي بين العرب ـ أو العروبة فيما بعد ـ والإسلام، على أصحاب العروبة العرقية الاستمرار في فرض قيم العروبة الجاهلية، تحت مبرر فرض قيم الإسلام. وقد كان الربح الذي جنوه من هذا التعريب/التجهيل (تكييفه مع الثقافة الجاهلية) للإسلام مدهشا لم يكونوا يتوقعونه: فإذا كانت العروبة العرقية في الجاهلية محصورة في إطار قبلي محدود، فإن تعريبها/تجهيلها للإسلام سيجعلها لا تتخطى حدود القبيلة فحسب، بل تتخطى حدود شبه الجزيرة العربية لتنتشر في العديد من البلدان، خارج الأرض العربية، انتشر بها الإسلام بالحرب والسيف، كما في بلاد الشام وشمال إفريقيا والأندلس. فما يعرف بـ"الفتح الإسلامي" لم يكن إلا غزوا وسبيا وقتلا، ونهبا وسلبا كما كانت تفعل العروبة العرقية في الجاهلية. ولهذا نجد أن الشعوب التي مورس عليها هذا الغزو والسبي والقتل والنهب باسم الإسلام، هي التي غرست فيها العروبة العرقية، مثل بلاد الشام وشمال إفريقيا والأندلس. في حين أن البلدان التي وصلها الإسلام عن طريق الدعوة السلمية، أي بدون حرب ولا غزو، هي البلدان الإسلامية الخالية من العروبة العرقية، مثل "إندونيسيا"، "ماليزيا"، "باكستان" و"أفغانستان" التي تضم وحدها ـ البلدان الأربعة ـ أزيد من 600 مليون مسلم. هي خالية من العروبة العرقية لأنها لم تتعرض للغزو العربي تحت مبرر نشر الإسلام (انظر تفاصيل ذلك في موضوعنا، "لماذا لم ينتشر الإسلام بأوروبا كما انتشر ببلدان أسيا؟"، على رابط هسبريس: http://www.hespress.com/writers/71156.html، والمنشور ضمن الطبعة الثانية من كتاب "في الهوية الأمازيغية للمغرب" المتوفر على الرابط: http://tawiza.x10.mx/identite.pdf).

فبعد أن حاربت العروبة العرقية الإسلام في بداية الدعوة المحمدية، ستستعمله في ما بعد من أجل الغنم والسيطرة. وهكذا عرفت كيف تجمع، كما وضّح ذلك الراحل محمد عابد الجابري، بين القبيلة (رمز العروبة العرقية)، والعقيدة (الإسلام) من أجل الغنيمة (خيرات البلدان الأخرى). وهذا الثلاثي ـ القبيلة والعقيدة والغنيمة ـ هو المفتاح الذي يفسر به الجابري ما سماه "العقل السياسي العربي"، الذي هو عنوان كتابه المعروف.

صحيح أنه بفضل الإسلام تأسست قيم إنسانية نبيلة مرتبطة بالعروبة كأخلاق، وكفضائل، وكمودة، وكإيمان، وكإيثار، وكتسامح، وكثقافة، وكلغة، وكتاريخ، وكهوية للشعب العربي بموطنه... لكن العروبة العرقية، بموروثها الجاهلي، القبلي والبدوي، كانت لها الغلبة على العروبة الإنسانية، عروبة القيم، وعروبة الأخلاق والإيمان والفضائل والإيثار والتسامح...

ومع توظيف هذه العروبة العرقية، المنتصرة على العروبة الإنسانية وقيمها النبيلة، للإسلام لخدمتها ولصالحها، أصبح انتشاره يستغل ويستعمل لانتشار هذه العروبة العرقية، بقيمها الجاهلية والبدوية، المعبرة عن نرجسية متأصلة ومستحكمة. وقد كان المتضرر الأول من هذه العروبة العرقية، هو الإسلام نفسه الذي استولت عليه هذه العروبة، واتخذته رأسمالا لها تستثمره وتتاجر فيه.

 وأول هذه الأضرار، التي سيعاني منها الإسلام بمجرد وفاة الرسول (صلعم)، هو استعماله لتبرير إبادة القبائل العربية الأخرى التي رفضت حكم أبي بكر الصديق، واتهامها أنها مرتدة رفضت الإسلام، في حين أنها كانت مسلمة ومؤمنة. ذنبها الوحيد أنها امتنعت، ليس عن أداء فريضة الزكاة كما ادعى خصومها، بل عن دفعها لخليفة لا تعترف به لأنها لم تُشرك في "انتخابه" واختياره. وقد كانت حروب "الردة" أول جريمة سياسية ارتكبت باسم الإسلام بعد وفاة الرسول (صلعم)، معلنة بذلك عن العودة "المظفّرة" للجاهلية بلباس إسلامي. ويكفي التذكير، كعينة مما اقترف من أفعال جاهلية في هذه الحروب باسم الإسلام، بما فعله خالد بن الوليد بمالك بن نويرة، الذي بعد أن قتله رغم أنه مسلم يصلي وينطق بالشهادتين، جعل من رأسه المقطوع أثفية لقِدر طهي الطعام. ثم تزوج/اغتصب أرملته في اليوم نفسه الذي شوى فيه رأس زوجها مالك، ضاربا عرض الحائط بشرط العِدة الذي يفرض الإسلام مراعاته في الزواج بالمتوفى عنها (انظر "تاريخ الطبري"، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى بيروت 1987، الجزء 2، صفحة 273. وأيضا كتاب "البداية والنهاية" لإسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الأولى 1997، الجزء 9، صفحة 462. والعديد من المصادر التراثية الأخرى تروي هذه الجريمة الجاهلية بكل تفاصيلها الفظيعة).   

وبسبب عودة قيم العروبة العرقية، بمضمونها الجاهلي والقبلي البدوي، وتوظيفها للإسلام لإعطاء المشروعية الدينية لهذه القيم الجاهلية، عادت كذلك الصراعات والحروب والنزاعات والاقتتال، بغطاء طائفي ومذهبي، لكن دائما بدافع نعرات العروبة العرقية التي أصبحت تمارس جاهليتها باستعمال الإسلام وإقحامه سياسا في صراعاتها وحروبها، كما حدث مع "الفتنة الكبرى" وتداعياتها التي لا زال الإسلام يعاني منها إلى اليوم (الصراع بين السنة والشيعة).

كما عانى الإسلام كثيرا، ولا يزال، من "صناعة" وضع الحديث، لحاجة العروبة العرقية إلى أحاديث "نبوية" تستمد منها الشرعية والمشروعية.

ونظرا لاستيلائها على الإسلام وتوظيفها له حسب مصالحها ذات المضمون الجاهلي، فقد أصبحت العنصرية، التي حاربها الإسلام بقوة، شيئا عاديا عندما تلبس لباسا دينيا، مثل ترديد: "الأئمة من قريش"، "العرب أفضل الأمم"، "النسب الشريف"... 

و"لأن العرب أفضل الأمم" و"نسبهم شريف" و"أن الأئمة من قريش"، فقد تنكّرت الكثير من العائلات غير العربية، كما في المغرب، لأصولها، وانتحلت أصولا عربية حتى تمتلك "النسب العربي الشريف"، ويكون بإمكانها امتلاك السلطة السياسية كذلك ما دام "الأئمة من قريش"، وليس من الأمازيغ أو الأكراد أو الفرس.

وهكذا انتشرت وانتصرت العروبة العرقية باستغلالها وتوظيفها للإسلام، وأصبحت قيمها الجاهلية تستظهر كمحفوظة تتردد على كل لسان، مثل البيتين التاليين:

إذا بلغ الفطامَ لنا رضيع ** تخر له الجبابر ساجدينا

ونحن قوم لا توسط بيننا ** لنا الصدر دون العالمين أو القبر

أو الاعتراف بالظلم كقيمة أخلاقية كما في البيت الشعري:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد ** ذا عفة فلعلة لا يظلم

واللغة العربية نفسها عانت من هذه العنصرية عندما تشيع العروبة العرقية "أنها لغة أهل الجنة"، وأنها اللغة التي فضلها الله على اللغات الأخرى. والمفارقة أن هذه العنصرية "اللسانية" تتنافى مع عدم عناية أصحاب العروبة العرقية باللغة العربية، التي اعتنى بها في الحقيقة الأعاجم الذين أرسوا لها نحوا وقواعد، ووضعوا لها قواميس ومعاجم، مثل سيبويه الفارسي وابن منظور الأمازيغي.

ورغم أن العروبة العرقية لا تنكر أن الإسلام جاء للعالمين وليس للعرب وحدهم، إلا أنها تفهم وتؤول عالمية الإسلام بما يخدم هذه العروبة الجاهلية: فحتى تستغل الإسلام وتستعمله بالوجه الذي يخدمها، عملت على تعريبه/تجهيله، كما أشرت، ليظهر كدين عربي ينسب إلى العرب كما في العبارة "العروبة والإسلام". لكن هذا التعريب/التجهيل يجعل منه دينيا خاصا ومحليا، لن يسمح للعروبة العرقية أن تستعمله لغزو بلدان الشعوب الأخرى والاستيلاء على خيراتها وثرواتها ونسائها. وهنا كان لا بد لهذه العروبة العرقية أن تعترف بأن الإسلام دين عالمي موجه إلى جميع شعوب الأرض، لتجد في ذلك مبررا لغزو هذه الشعوب ونهب خيراتها وثرواتها. فعالمية الإسلام بالنسبة للعروبة العرقية لا معنى لها إلا إذا كانت تخدم هيمنة وانتشار هذه العروبة العرقية، رغم أن هذه الأخيرة هي ظاهرة محلية وخاصة تتنافى مع كون الإسلام موجها لكل العالمين. وهذه إحدى مفارقات العروبة العرقية: هي ظاهرة جد محلية لأنها مرتبطة بعرق معين، لكنها تستغل دينا ذا بعد عالمي لتنشر قيمها العرقية المحلية على نطاق واسع.  

ماذا تغير من هذه العروبة العرقية منذ أن بدأت، قبل أربعة عشر قرنا، تستعمل الإسلام للاستمرار في ممارسة قيمها الجاهلية؟

فلأنها كانت تعتمد على القيم القبلية والعرقية، فلم يُضمن لها الانتصار والسيطرة على الشعوب الأخرى، باستغلال الدين، إلا مرحليا ومؤقتا. إذ لم تفتأ هذه الشعوب أن فهمت ووعت الخدعة التي تستعملها العروبة العرقية للسيطرة عليها والاستيلاء على خيراتها. ولهذا تصدت لهذه العروبة العرقية وانتزعت منها الملك والخلافة، كما فعل الأتراك الذين حكموا العرب منذ أواخر القرن الثالث عشر حتى 1924. 

لكن ابتداء من العقد الثاني من القرن العشرين، وبإيعاز وتخطيط من بريطانيا، ستبدأ العروبة العرقية في التململ والتحرك، إلى أن وقفت ونهضت وعادت إلى سلوكاتها العرقية الجاهلية. إلا أن الجديد، هذه المرة، هو أن هذه العروبة العرقية ستمارس عرقيتها الجاهلية في شكل سياسي جديد هو القومية العربية، التي يبقى محركها هو النزعة العرقية الجاهلية، ولو بهدف بعيد وكبير هو تحقيق الوحدة العربية، لكن دائما على أساس وحدة العرق العربي المفترض.

هذه العروبة العرقية في شكلها الجديد، أي القومية العربية، ستواصل ما بدأته عندما غزت العديد من البلدان، أثناء انتشار الإسلام، لتنشر بها ثقافتها العرقية الجاهلية باسم نشر الإسلام. الفرق هو أن القومية العربية ستعمل على نشر نفس الثقافة العرقية الجاهلية خارج الأرض العربية، ولكن من خلال دعم وإقامة أنظمة سياسية، ببلدان غير عربية، موالية للعروبة العرقية، التي تدعي هذه الأنظمة الانتماء إليها واستمداد هويتها منها، كما حصل بالمغرب منذ 1912، عندما أصبحت الدولة عربية، بالمدلول العرقي طبعا، أي شاذة جنسيا، بعد أن غيرت جنسها الأمازيغي الإفريقي بجنس عربي أسيوي، حتى تكون تابعة في جنسها وهويتها لجنس وهوية هذه العروبة العرقية.  

وللوصول إلى أهدافها، أي إقامة كيانات سياسية موالية لها، وشاذة جنسيا، لم تتردد العروبة العرقية في صيغتها الجديدة، أي شكل القومية العربية، في التحالف مع الاستعمار المسيحي، كما حدث بالمغرب عندما طلب أبناء العروبة العرقية "الحماية" من فرنسا، التي لبت طلبهم فاستعمرت المغرب في 1912، استعمارا سمته "الحماية"، أي حماية العروبة العرقية والمنتين إليها، وكما فعلت بالمشرق العربي عندما تحالفت مع بريطانيا والمسيحيين للإطاحة بالخلافة الإسلامية، وكل ذلك باسم ولهدف العروبة العرقية التي اتخذت شكل القومية العربية.

وكما أن العروبة العرقية، بعد أن حاربت الإسلام في بداية الدعوة الإسلامية كما سبقت الإشارة، ستستغل هذا الإسلام وتوظفه لصالحها، كما رأينا، فنفس الشيء ستفعله القومية العربية، التي قامت لهدف علماني يتمثل في القضاء على الخلافة الإسلامية، إلا أنها ستعود، منذ تسعينيات القرن الماضي ـ ولو أن البداية كانت في الحقيقة منذ الثلاثينيات منه مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين ـ إلى الجمع بين العروبة والإسلام كإيديولوجيا واحدة توظف فيها القومية العربية، أي العروبة العرقية في شكلها الجديد، الدين الإسلامي لخدمة عرقيتها الموروثة عن الجاهلية، وذلك بتأسيس المؤتمر القومي الإسلامي الذي هو المرادف الجديد لعبارة "العروبة والإسلام".

هذا الجمع بين العروبة والإسلام، الذي تستعمل فيه العروبة كغاية والإسلام كوسيلة، عانى منه الإسلام كثيرا في القرون الأولى لانتشاره، عندما ظهرت فرق وطوائف ومذاهب وتيارات يصارع بعضها بعضا، ويكفّر بعضها بعضا ويحارب بعضها بعضا باسم الإسلام، لكن الدافع وراء كل ذلك هو دائما العروبة العرقية بمضمونها القبلي البدوي والانقسامي والصراعي، حيث تريد كل قبيلة أن تكون لها السيطرة والصدارة على القبائل الأخرى، وخصوصا أن هذه السيطرة أصبحت تعني الخلافة والحكم والسلطة  السياسية.

في القرن العشرين، ومع ظهور القومية العربية، الشكل السياسي والمتطور للعروبة العرقية، وبعد اختفاء الحكم العثماني الذي كان يضبط العروبة العرقية ويحدّ من نزوعها البدوي إلى الصراع في ما بين فروعها ومكوناتها، انطلقت العروبة العرقية من جديد لفرض إيديولوجيتها العرقية على البلدان التي سبق أن غزتها هذه العروبة العرقية بدعوى نشر الإسلام، مثل المغرب الذي انتعشت فيه هذه العروبة العرقية، المتخالفة مع فرنسا، منذ 1912.

الفرق بين العروبة العرقية "القديمة"، والعروبة العرقية "الجديدة"، أي القومية العربية، هو أن هذه الأخيرة تعمل على غرس "الشذوذ الجنسي" (بالمعنى الأصلي للفظ "جنس" في العربية الذي يعني القومية والانتماء) من خلال تعريب شامل وقسري للشعوب التي انتشرت بها اللغة العربية، مجرِّدة هذه اللغة من وظيفتها كلغة، لتجعل منها إيديولوجيا تسحق الهويات غير العربية، كما في المغرب وعراق صدّام حسين بالنسبة للأكراد.

وكما عانى الإسلام من العروبة العرقية "القديمة"، سيعاني أكثر من العروبة العرقية "الجديدة"، أي القومية العربية، عندما تتحالف هذه الأخيرة مع التيارات الإسلامية لتندمجا في تيار واحد هو التيار القومي الإسلامي، كما سبقت الإشارة. فظهرت حركات متطرفة وإرهابية تمارس تطرفها وإرهابها باسم الإسلام. وهو ما جعل الدين الحنيف يظهر كما لو كان دينا إرهابيا يحض على القتل والتفجير والترهيب. وهذه إساءة بالغة إلى الإسلام، وتشويه لغاياته وتعاليمه.

المطلوب اليوم، من المسلمين الحقيقيين، أي الذين لا يتبنون الإيديولوجية الجاهلية للعروبة العرقية، العمل على تخليص الإسلام من هذه العروبة العرقية التي تسيء إليه وتضر به.

وهذا يتطلب الفصل الفوري بين العروبة والإسلام. فما دام هذا الإسلام ليس خاصا بالعرب، بل هو دين لكل الشعوب والأقوام، فلماذا الاستمرار في ذكره مقرونا بالعروبة ومعطوفا عنها وتابعا لها، كما في العبارة المتداولة "العروبة والإسلام"، التي تعطى فيها الأسبقية للعروبة وليس للإسلام. فلماذا لا نقول مثلا "الأمازيغية والإسلام"، أو "الفرس والإسلام"، أو "الترك والإسلام"، أو "الأندنوسيون والإسلام"، أو "الأفغان والإسلام"... بدلا من "العروبة والإسلام"، ما دامت هذه الشعوب مسلمة كما هو معروف؟ بل إن عبارة "العروبة والإسلام" مغلوطة واقعيا ومنطقيا، لأن العروبة، مثلما تدين بالإسلام تدين كذلك بالمسيحية الذي هو دين الملايين من العرب، كما هو معروف. ليس هناك إذن تلازم بين العروبة والإسلام.

هناك من يرد بأن أسبقية "العروبة"، في عبارة "العروبة والإسلام"، لا تعني أكثر من سبق العرب إلى الإسلام قبل الشعوب الأخرى. ولماذا لا تعني سبقهم إلى الكفر والوثنية والشرك الذي عرفوا به في الجاهلية؟ بل إن هذا السبق إلى الكفر والوثنية والشرك سبب كافٍ لعدم جعل الإسلام معطوفا على العروبة وتابعا لها. وإذا كان الأمر يتعلق بالسبق، فإن الموضوعية، والمنطق واحترام الترتيب التاريخي، يفرض القول، ليس "العروبة والإسلام" بل "الإسلام والعروبة"، لأن الدعوة الإسلامية هي التي كانت سابقة في الظهور أولا، قبل أن يؤمن بها العرب في مرحلة تالية. الأكيد أن الغاية من تداول عبارة "العروبة والإسلام"، هي إعطاء الأسبقية للعروبة العرقية كغاية، على الإسلام كوسيلة تستخدمها هذه العروبة العرقية، بموروثها الجاهلي المناقض لتعاليم الإسلام.

واللافت أن القرآن الكريم لم يذكر قط لفظ "عرب" ولا "عروبة" (التي لم ينتشر استعمالها إلا في بداية القرن العشرين كما سبقت الإشارة)، بل وردت فيه فقط كلمة "الأعراب" المذكورة عشر مرات. وهو ما يؤكد أنها التسمية الحقيقية والصحيحة لمن يسمون اليوم "العرب". ولا ندري لماذا استبدلت تسمية قرآنية أصلية بتسمية منتحلة ومصطنعة؟ هل لإخفاء ما تحيل عليه تسمية "الأعراب" من جاهلية وعرقية وأنانية وبداوة؟ ربما سيكون هذا التعليل مقبولا لو أن هذه الجاهلية والعرقية والأنانية والبداوة قد اختفت بالفعل، مع تداول لفظ "عرب" و"عروبة" بدل "الأعراب". لكن المؤسف أن هذه المساوئ الجاهلية كانت دائما، ولا تزال، حاضرة وممارسة، سواء في شكلها القديم الذي هو العروبة العرقية، أو الجديد الذي هو القومية العربية، وذلك حتى بعد تبني وانتشار لفظ "عرب".

إن الفصل بين العروبة والإسلام، لا يخدم الإسلام فحسب، بل يخدم أيضا العروبة الإنسانية، المناقضة للعروبة العرقية، أي يخدم العروبة كقيم نبيلة، كثقافة لا تعادي الثقافات الأخرى، كلغة لا تحتقر اللغات الأخرى، كتاريخ يقول الحقيقة ولا يزوّرها، كهوية للشعب العربي لا تفرض نفسها على الشعوب الأخرى بالتعريب المقيت...

نعم يوجد، في العروبة نفسها، ما يتعارض مع العروبة العرقية، وهو العروبة الإنسانية كما قلت. هذه العروبة الإنسانية هي التي يجب تغليبها على العروبة العرقية، ودعمها لتحل محل هذه العروبة العرقية التي يعاني منها الإسلام، الذي تستخدمه ولا تخدمه، تستعمله ولا تعمل به، تستولي عليه ولا توليه عليها، تتحكّم به ولا تحتكم إليه، تحتمي به ولا تحميه، تُرهِب به ولا تَرهَبه...

عندما تختفي العروبة العرقية، وتحل محلها العروبة الإنسانية، ستختفي الكثير من المشاكل التي خلقتها هذه العروبة العرقية، وسيتحرر الإسلام من أسرها، وتتخلص اللغة العربية من وظيفة التعريب التي فرضتها عليها نفس العروبة العرقية، لتعود لغة عادية تُتعلم من أجل وظيفتها اللغوية وليس التعريبية.      

فلنحارب كلنا العروبة العرقية، وبجميع أشكالها، من أجل انتصار للعروبة الإنسانية.     

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.