Amezwaru

(Page d'accueil)

 

مقالات  

 

لماذا لا يريد التعريبيون الخير للمغرب؟

الأمازيغية والمرأة، ضحيتان لتمييز واحد

من هم الناطقون بالدارجة في المغرب؟

"التضبيع" في تجريم "التطبيع"

هل هو موقف جديد لحزب الاستقلال من الأمازيغية؟

بين ديودوني الفرنسي والمقرئ أبوزيد المغربي

عبقرية اللغة الأمازيغية وسر صمودها

المقرئ الإدريسي أبوزيد أو الأمازيغوفوبيا بلا حدود

الرسام الأمازيغي موحند سعيدي يغادرنا إلى الأبد

فرنسا تواصل سياسة التعريب

الدارجة ولاتاريخانية الأستاذ العروي

لمَ الخوف من الدارجة المغربية؟

متى يعترف المغرب بالفرنسية كلغة رسمية؟

حزب العدالة والتنمية، هبة من السماء للنظام المخزني

رفقا باللغة العربية أيها التعريبيون

المجانية والتعريب أو آلة تدمير التعليم العمومي بالمغرب

خطْب الجمعة

وما هو الحل لإصلاح التعليم بالمغرب؟

لماذا وصف مصري مساند للإخوان المغاربة باللقطاء؟

لماذا سكت رجال الدين عن مسألة العفو عن مغتصب الأطفال؟

"النسب الشرف" أو عندما يصبح الميز العنصري من الثوابت

طارق بن زياد، الأسطورة المقدسة

قداسة الشيخ الكتاني

العقل في تدبير التعدد اللغوي والثقافي في المغرب

ما تفتقر إليه العربية هو استعمالها في الحياة

المغرب من أغنى بلدان العالم

الأسباب الحقيقية لضعف مستوى اللغة العربية عند التلاميذ

اللغة العربية أو المعشوقة التي لا يرغب عشاقها في الزواج منها

لأي شيء ينفع إقرار اللغة الأمازيغية بويندوز 8؟

التعريب والهوية بالمغرب

"الفانطاسمات" اللسنية حول الأمازيغية بالمغرب

عادة التهرب من المسؤولية بإلقاء اللوم على الجميع

الحركة الأمازيغية بالمغرب: عيون على المستقبل

الأساطير المؤسسة للعروبة العرقية بالمغرب

كلمة الختام

وزير العدل والحريات يجهل مفهوم المعتقل السياسي

الأمازيغية في عمق الصراع الإيقوني

منذ متى أصبح ربيع الشعوب يهدد الأوطان؟

مدينة إفران: من السياحة الطبيعية إلى السياحة الثقافية

الأمير والتاريخ المحاصر

جريدة تاويزا في حاجة إلى تاويزا

الممثل الناطق بالأمازيغية واّلإنتاج التلفزي

أيت وراين: أبطال سلكوا درب الحرية

 

 

 

 

لماذا لا يريد التعريبيون الخير للمغرب؟

بقلم: محمد بودهان

(25 ـ 03 ـ 2014)

بمجرد ما انتشر، منذ 18 فبراير 2014، خبر اعتزام وزارة التربية الوطنية إدخال خيار "الباكالوريا الدولية الفرنسية" بالتعليم العمومي ابتداء من السنة الدراسية المقبلة، حتى انتفض سدنة التعريب ـ وليس اللغة العربية التي يستعملونها كمجرد وسيلة للتظاهر بمحاربة الفرنسية التي يأكلون بها الخبز ـ، وأخرجوا إنشاءهم المكرور والمملول، كإسهال حادّ يصيبهم في كل مناسبة يثار فيها موضوع التعريب ولغة التدريس، فبدأنا نقرأ ونسمع: "غزوة فرنسية جديدة على التعليم.. فهل من مخلصين مقاومين؟"، "معاهدة التسليم أو الاستعمار الجديد"، "مزيداً من التَّبَعية، إذن"، "عمل المحميون الجدد على إضعاف اللغة العربية"، "جريمة حضارية تتمثل في إقصاء اللغة العربية من تعليم المواد العلمية"، "تسليم تام وعن رضا واقتناع للتعليم المغربي إلى سيد الإليزيه"، "تسليم الوطن للمستعمر القديم الجديد"، "تعضيدُ الزَّحف الفرنكفوني وتعزيز الحصار المضروب على الثقافة العربية"، "الانبطاحُ التام أمام رغبات فرنسا"، "التبعية الثقافية واللغوية بالمغرب بعد ستّين عاماً من شبه الاستقلال"، "تواطؤ اللوبي الفرنكوفوني"، "مؤامرة على السيادة الوطنية"، "خرق للدستور"، "عودة جديدة للاستعمار الفرنسي"، "توجه يروم تكريس التبعية للنموذج الفرنسي"...

إنهم دائما حاضرون وجاهزون لتمجيد وتقديس العربية والدفاع عن التعريب، وإدانة رافضيه وشيطنتهم. إنهم دائما "منتصبون" عندما يتعلق الأمر بالعربية، حتى أصبح الدفاع عن التعريب وشيطنة معارضيه بمثابة استمناء يمارسونه بمتعة شبقية. لكن المشكل أنهم لا يحصلون معه على الذروة، بسبب عدم اكتمال التعريب كما يريدونه ويتصورونه، مما يجعلهم يواصلون نضالهم الاستمنائي بشكل سيزيفي متكرر، لا يتوقف ولا ينتهي.

منذ الاستقلال والمغرب يسير نحو الهاوية بسبب هذا الخطاب التعريبي الذي أوصله إلى الحضيض، فيما يخض التنمية والحداثة والحكامة الديموقراطية. وبدل المراجعة والتصحيح، كما يفعل العقلاء، يستمر التعريبيون سادرين في مطالبتهم بمزيد من التعريب، رافضين لكل حل آخر لمعضلة التعليم ببلادنا من خارج اللغة العربية. إن مشروع الباكالوريا الفرنسية فرصة لمثل هذه المراجعة وهذا التصحيح. إنها فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التعليم بعد أن بلغ الماء الزبى وجاوز الحزام الطبيين. إلا أن التعريبيين يصرون، وبكثير من العناد، على أن سبب تردي التعليم هو عدم تعميم التعريب إلى التخصصات العلمية بالتعليم العالي. إنهم يداوون بالتي هي الداء، أي يعالجون أمراض النظام التعليمي بنفس الأسباب التي أنتجت هذه الأمراض. مع أنه يكفي تأمل المستوى الهابط جدا لتلامذتنا بالتعليم الابتدائي والثانوي، حيث العربية ـ وليس الفرنسية ـ هي لغة التدريس الأولى والأساسية، لنخلص إلى أن تعريب التعليم هو المسؤول عن هذا الهبوط للمستوى، وليس عدم تعميم هذا التعريب إلى المواد العلمية، التي عرّبت منذ ثمانينيات القرن الماضي. ومع ذلك، فبدل تحسّن المستوى كما يقضي منطق التعريبيين، ازداد هذا المستوى رداءة وسوءا وهبوطا. بل حتى التعليم العالي يعرف، في شعبه المعرّبة، هبوطا غير مسبوق في المستوى المعرفي والفكري لطلبة هذه الشعب، حتى أن الجامعة أصبحت، بسبب هذا الهبوط في المستوى، عبارة عن ثانوية لا تختلف عن باقي الثانويات العادية إلا بحجمها الكبير وعدد تلاميذها الكبير أيضا، وليس بالمستوى المعرفي والفكري لهؤلاء التلاميذ/الطلبة.

فلو كان التعريبيون يريدون الخير للوطن، لاعترضوا، ليس على اللغة الفرنسية التي ستعود إلى التعليم إذا تقررت الباكالوريا الفرنسية، بل على عدم تعميم هذه اللغة كلغة للتدريس حتى في المستوى الابتدائي، حتى يكون إعداد التلميذ لهذه الباكالوريا الفرنسية إعدادا كاملا، وليس جزئيا يقتصر على مرحلة دراسية معينة فقط.

قلت لو كانوا يريدون الخير للوطن. لكن هؤلاء التعريبيين، كما أثبت ذلك تاريخ المغرب المعاصر، لا يريدون خيرا للوطن الذي هو المغرب، لأن وطنهم هو العروبة العرقية التي تجسّدها العربية، ليس كلغة، بل كرابطة انتماء إلى هذه العروبة العرقية. لهذا فهم لا يحبون هذا الوطن إلا إذا كان وطنا لعروبتهم العرقية التي يرون في التعريب شرطا لوجودها وحضورها. وبالتالي فكل من يشوّش على هذه العروبة العرقية، من خلال التشويش على شرط وجودها الذي هو التعريب، فهو "خائن" و"عميل" و"لاوطني"، يجب محاربته والتصدي له. ولهذا ثاروا وانتفضوا ضد مشروع الباكالوريا الفرنسية. ذلك لأن "الوطنية" عندهم هي الولاء للعروبة العرقية الجاهلية، والإخلاص لها، والدفاع عنها، والعمل على نشرها وترسيخها من خلال سياسة التعريب المقيتة.

ما الأفضل للمغرب وللمغاربة؟ التدريس بالفرنسية لإعداد مواطن مستقل في تفكيره ومواقفه، ذي تكوين معرفي جيد ومفيد، معتز بهويته وانتمائه إلى أرض شمال إفريقيا، أم التدريس بالعربية لصنع مواطن تابع في تفكيره ومواقفه ووجدانه ومشاعره للعروبة العرقية، بتكوين عقيم لا ينفع ولا يفيد إلا في زيادة أعداد العاطلين، وبوعي زائف يجعل صاحبه يتنكر لانتمائه المغربي الإفريقي، ويتبنى انتماء عربيا منتحلا؟

لكن التعريبيين لا تهمهم جودة التكوين، ولا الكفاءة، ولا العلم، ولا المعرفة النافعة، ولا الاعتزاز بالانتماء إلى الأرض الأمازيغية لشمال إفريقيا، ولا الاستقلال في التفكير والمواقف. إن الذي يهمهم في المقام الأول هو العروبة العرقية التي تحافظ عليها وتستديمها سياسة التعريب. فهم مستعدون دائما، كما فعلوا منذ الاستقلال إلى اليوم، للتضحية بالجودة، والكفاءة، والمصلحة العامة، وحتى بالوطن من أجل الحفاظ على العروبة العرقية بالمغرب، التي تمثل وطنهم الحقيقي.

إن الاستمرار في فرض العربية كلغة للتدريس، ورفض الفرنسية، في غياب للغة الأم الأمازيغية أو الدارجة، موقف إيديولوجي سفيه، وسياسة لاوطنية لأنها لا تنظر إلى مصلحة الوطن، بل فقط إلى مصلحة العروبة العرقية. فتعريب التعليم كان جريمة في حق الشعب المغربي، وحتى في حق العربية التي فقدت دورها كلغة عندما حوّلها التعريب إلى إيديولوجيا وسياسة من النوع المتخلف، الذي يعيق أية تنمية وتقدم.

وهنا يستحق الحسن الثاني، رغم أن حكمه لم يكن أبدا ديموقراطيا، كل التقدير والثناء، لأنه هو الذي منع تعريب الشعب العلمية بالتعليم العالي، وهي الشعب التي لا زالت تزوّد المغرب بالأطر والكفاءات رغم أن هذه الأطر تلقت تكوينها الابتدائي والثانوي بالعربية، مما جعلها تبذل مجهودا مضاعفا لتجاوز مستواها الضعيف بسبب لغة التدريس في الابتدائي والثانوي. فلو عُرّبت هذه الشعب العلمية بالتعليم العالي، لانضاف خرّيجوها إلى جيش العاطلين الذين يتخرجون كل سنة من الجامعة المغربية ذات التعليم المعرّب. بل لو لم تكن هناك ضغوطات سياسية قوية من قبل الأحزاب القومية والعروبية في سبعينيات القرن الماضي، والتي كانت تستقوي ضد الحسن الثاني بالدعم الذي كانت تتلقاه من الأنظمة البعثية بالمشرق العربي، وتستعمل التعريب كورقة لمعارضة نظام الحسن الثاني، (لولا ذلك) لرفض الحسن الثاني تعريب التعليم بكل مستوياته، رغم أن هذا التعريب يلائم طبائع الاستبداد الذي كان يميز حكم الحسن الثاني. وهذا الموقف للحسن الثاني من التعريب شيء معروف ومفهوم، إذ أن المؤسسة الملكية لم يسبق أن كانت لها المبادرة لتعريب التعليم، ولا حتى القضاء والإدارة. فالحسن الثاني، لثقافته الواسعة وبعد نظره السياسي، كان يعرف أن تعريب التعليم هو قتل لشروط التنمية والتقدم، لأن هذا التعريب لا يمنح إلا تكوينا ضعيفا ومتخلفا لا يستجيب لشروط التنمية والتقدم.

لقد وصف تردّي التعليم بالمغرب، في إحدى خطبه، بأنه أشبه بعصا سليمان الذي كان متكئا عليها وهو ميت. فاعتقد الناس أنه لا زال حيا مع أنه كان قد قضى ومات. فيا له من وصف دقيق ومعبر عن واقع وضع التعليم بالمغرب: فمنذ فرض سياسة التعريب، دخل تعليمنا قاعة الإنعاش وأصبح يعيش بتنفس اصطناعي، فظننا أنه تعليم لا زال حيا يتنفس. لكن اليوم، وبعد أن نخرت سوسة التعريب حتى أنابيب التنفس الاصطناعي الذي استمر به هذا التعليم في الحياة الشبيهة بالموت، لم يبق أمامه ـ اليوم ـ إلا أن يسلم الروح.

الباكالوريا الفرنسية هي علاج جزئي لسوسة التعريب حتى يمكن وقف النخر الذي يدمر تعليمنا بشكل متواصل ومتفاقم، وإنقاذه من الموت المحقق.  فرحمة أيها التعريبيون بهذا الوطن وبأبنائه. كفّوا عن نخر التعليم بتعريبكم الذي لم يُبقِ منه شيئا كثيرا. الباكالوريا الفرنسية فرصة لإظهار حبكم لهذا الوطن ولأبنائه، وليس "للشذوذ الجنسي" (بمعناه القومي والهوياتي) وللعروبة العرقية كما ظللتم تفعلون منذ الاستقلال.

يقول التعريبيون إنهم بدافعهم عن التعريب ورفضهم للفرنسية كلغة للتدريس، إنما يدافعون عن الوطن وعن هوية هذا الوطن، مدّعين أن المعارضين للتعريب يخدمون جهات أجنبية ويحاربون مقومات الهوية المغربية. وهنا يجب فضح هؤلاء التعريبيين وادعاءاتهم وافتراءاتهم، وتبيان حقيقة أنهم هم الذين يخونون الوطن لأنهم مرتبطون بجهة أجنبية عن هذا الوطن، وهي العروبة العرقية التي اتخذوها وثنهم الذي يعبدونه ويقدّسونه، وأنهم هم الذين يحاربون مقومات الهوية المغربية التي هي الأمازيغية المرتبطة بالأرض، المختلفة عن العروبة المرتبطة بالعرق. أما معارضو التعريب فهم معارضون "للشذوذ الجنسي" وللعرقية الجاهلية، ولرداءة التكوين الذي يتلقاه المغاربة بسبب لغة التدريس التي هي لغة نصف حية.

فمن يحب المغرب ويذود عن هويته ويغار على أبنائه؟ من يحوّله إلى مغرب تابع للعروبة العرقية والجاهلية، ويفرض على أبنائه لغة تعيق تكوينهم العلمي والمعرفي والفكري، أم الذين يدافعون عن هوية المغرب النابعة من أرضه الإفريقية، ويدعون إلى التدريس بلغة توفّر تكوينا معرفيا وعلميا وفكريا نافعا وجيدا؟  

ويظهر نفاق التعريبيين في ما يخص الموقف من الباكالوريا الفرنسية، وبشكل مفضوح ومكشوف، عندما قام أعضاء من الحكومة "الإسلامية" ومن الأغلبية البرلمانية المساندة لهذه الحكومة، بالتهجم على هذه الباكالوريا الفرنسية وعلى من يعتبرونهم الواقفين وراءها، وعلى رأسهم وزير التربية الوطنية السيد رشيد بلمختار. لماذا نعتبر هذا التهجم نفاقا لا يليق بحكومة "إسلامية" ولا ببرلمانيين "إسلاميين"؟

لأن وزير التربية الوطنية، الذي ينسب إليه "المنافقون" مشروع هذه الباكالرويا الفرنسية، لا يشكّل حكومة "ثانية" وحرة، تتخذ قراراتها في استقلال تام عن الحكومة "الأولى" التي يرأسها السيد بنكيران. فوزارة التربية الوطنية قطاع حكومي تدبره وتشرف عليه نفس الحكومة التي يسيّرها السيد بنكيران. كما أن وزير التربية الوطنية هو عضو في هذه الحكومة، يحضّر برنامج وزارته بتنسيق معها وتحت إشرافها ومراقبتها. النتيجة إذن أن مشروع الباكالوريا الفرنسية هو جزء من برنامج عمل الحكومة، الذي لا يمكن أن يعلن عنه وزير التربية الوطنية بشكل انفرادي ودون موافقة هذه الحكومة، وإلا لكنا أمام حكومتين اثنتين وليس واحدة. وهذا غير ممكن وغير موجود طبعا. بل إن وزير التربية الوطنية، السيد رشيد بلمختار، أوضح، وبشكل لا لبس فيه ولا تأويل، أن هذا المشروع للباكالوريا الفرنسية سبق أن كان مبرمجا في عهد وزير التربية الوطنية السابق، السيد محمد لوفا، وأنه لم يفعل أكثر من تنفيذ ما كان مبرمجا تطبيقا لمبدأ استمرارية عمل الحكومة.

والدليل المفحم أن الباكالوريا الفرنسية برمجت في عهد الحكومة السابقة، التي لم يكن السيد رشيد بلمختار وزيرا فيها، هو المقالات والأخبار التي نشرت بعدة جرائد، وفي تاريخ سابق طبعا عن تعيينه وزيرا، والتي تتحدث عن عودة اللغة الفرنسية تحت غطاء الباكالوريا الدولية الفرنسية، مثل المقال الإخباري للسيدة عزيزة الزعلي بعنوان "الفرنسية تعود للتعليم من باب باكالوريا جديدة"، ومقال السيد بلال التليدي بعنوان "لماذا لم تنف وزارة التربية الوطنية قرارها اعتماد الباكلوريا الدولية الفرنسية؟"، والمنشوريْن بيومية "التجديد" بتاريخ 10 و 15 شتمبر 2013، أي قبل تنصيب الحكومة الجديدة بتاريخ العاشر من أكتوبر 2013، والتي عين فيها السيد بلمختار وزيرا للتربية الوطنية.

إذن، الحكومة كانت موافقة على مشروع الباكالوريا الفرنسية، ولم يسبق لها أن اعترضت على ذلك، وإلا لما سمحت بإدراجه ضمن برنامج عملها منذ أن كان السيد لوفا يتولى وزارة التربية الوطنية. لكن اليوم، وبعد أن بدأ الوزير الجديد في اتخاذ التدابير العملية لأجرأة هذا المشروع، انبرى وزراء وبرلمانيون من نفس الحزب الذي يقود الحكومة، ليعلنوا رفضهم للباكالوريا الفرنسية، ناعتين المشروع بالقرار الانفرادي والشخصي لوزير التربية الوطنية، كأن الوزير المعنى أجنبي عن الحكومة وليس عضوا فيها لا يتخذ أي قرار إلا بعلمها وموافقتها.

لماذا كل هذا النفاق والازدواجية وسوء النية من قبل التعريبيين؟

كل ذلك من أجل أن يظهروا كـ"أبطال" و"وطنيين" و"مجاهدين"، يحاربون "عدوا" وهميا وليس "العدو" الحقيقي مثل الفساد، الذي عرف انتعاشا غير مسبوق في عصر حكومتهم "الموقّرة". فقيم "البطولة" و"الوطنية" و"الجهاد"، بالنسبة للتعريبيين، لا وجود لها إلا إذا كانت دفاعا عن العروبة العرقية وملحقاها. إنه خطاب "الاستمناء النضالي" الذي يتجدد كلما تعلق بالعربية والتعريب، الضرورين للعروبة العرقية والجاهلية. 

يجب أن تكون لدينا الشجاعة والنزاهة لنقول إن الفرنسية أفضل من العربية. لأن اللغة الفرنسية لا تجعل من المغاربة فرنسيين و"شاذين جنسيا"، فاقدين لهويتهم الأمازيغية الإفريقية، كما لا تجعل منهم شبه جهلة وأميين بعد قضائهم سنين طويلة من التحصيل باللغة العربية.

فسياسة التعريب خيانة مزدوجة:

ـ خيانة لهوية المغرب الأمازيغية الإفريقية، ذات الأصل الترابي وليس العرقي،

ـ خيانة للشعب بتجهيله وإبقائه متخلفا محروما من شروط التنمية والتقدم والحداثة، وذلك عندما فرض التعريبيون العربية كلغة للتدريس لا تنتج إلا "الجهل الأكاديمي"، والتخلف الفكري، والبطالة والانغلاق والتشدد، وثقافة القبور والموت والآخرة، بحكم أنها لغة فقدت هي نفسها شروط اللغة الحية المتداولة في التخاطب بين الناس. 

ولدعم سياسة التعريب، أي لدعم خيانة الهوية وخيانة الشعب، تقدم فريق "العدالة والتنمية" بمقترح قانون حماية وتطوير استعمال اللغة العربية، الذي يهدف، كما شرح ذلك فريق المصباح، إلى وضع الإطار العام لحماية وتطوير وتنمية استعمال اللغة العربية، مؤكدا أن اللغة العربية لغة الحياة العامة والإدارة والتجارة الداخلية وجميع الخدمات العمومية. لهذا، يضيف المقترح، يتعين اعتمادها في جميع مراسلات ووثائق واجتماعات الإدارة والمؤسسات العمومية، مشددا على ضرورة إحداث أكاديمية تعنى بالأساس بشؤون اللغة العربية، وتوحيد معجمها وتنقيته من كل الكلمات والعبارات الدخيلة، وتقديم كل ما تراه من توصيات إلى رئيس الحكومة، والبرلمان، وباقي المؤسسات الدستورية ذات الصلة. وسيشرع البرلمان المغربي في مناقشة المقترح في أواخر مارس 2014. (انظر التفاصيل على رابط هسبريس: http://www.hespress.com/societe/156901.html).

هذا المقترح، بما يتضمنه من مطالب تخص العانية باللغة العربية، هو خطاب قديم ومعروف. فمنذ الاستقلال والتعريبيون يطالبون بجعل العربية لغة الحياة العامة والإدارة والتجارة الداخلية وجميع الخدمات العمومية، مع اعتمادها في جميع مراسلات ووثائق واجتماعات الإدارة والمؤسسات العمومية. فلماذا لم تستطع أية حكومة، ومنذ الاستقلال، تحقيق هذه المطالب الخاصة باللغة العربية؟

لسبب بسيط هو أن هذه المطالب، رغم أنها تبدو في الظاهر بسيطة وسهلة، هي مطالب لاواقعية، وبالتالي غير قابلة للتحقق، لأنها عبارة عن أمانٍ ورغبات لا تعبأ بالواقع الذي لا يمكن تغييره بالأماني والرغبات. هي مطالب لاواقعية وغير قابلة للتحقق، لأن العربية لا تتوفر على شروط اللغة الحية حتى يمكن المطالبة باستعمالها كـلغة الحياة العامة والإدارة والتجارة الداخلية وجميع الخدمات العمومية. إنها لغة نصف حية، أو نصف ميتة، تعيش بالمكتوب والمقروء فقط، وليس باستعمالها في التخاطب الشفوي الذي يعطي للغة صفة اللغة الحية. ولهذا لا يمكن أن تصبح العربية لغة الحياة العامة والإدارة والتجارة الداخلية وجميع الخدمات العمومية بمجرد إصدار قرار إداري أو سياسي، كما يدعو إلى ذلك مقترح حزب العدالة والتنمية. أصحاب المقترح يتصورون، وبغير قليل من السذاجة، أن عدم استعمال العربية في الحياة العامة يرجع إلى غياب للإرادة ليس إلا. مع أنهم يعرفون أن الميت لا يمكن إعادته إلى الحياة، حتى لو توفرت الإرادة والعزيمة، والقرار السياسي والإداري.

من جهة أخرى، عندما يقول المقترح: يتعين اعتمادها في جميع مراسلات ووثائق واجتماعات الإدارة والمؤسسات العمومية، فمن هي الإدارات والمؤسسات العمومية المعنية باستعمال العربية في اجتماعاتها؟

إن أول هذه المؤسسات التي كان يجب عليها استعمال العربية في اجتماعاتها هي الحكومة، التي يرأسها الأمين العام للحزب صاحب مقترح القانون الخاص بالعربية. فمن يمنع، يا ترى، هذه الحكومة باستعمال العربية في اجتماعاتها؟ بل من يمنع رئيسها السيد بنكيران من الحديث بالعربية في اجتماعات حكومته وحزبه، وفي حواراته المتلفزة؟ ومن يمنع وزراء حكومته من الحديث في اجتماعاتهم بالعربية كما يطالب بذلك مقترح الحزب الحاكم؟

فهؤلاء لا تنقصهم إذن الإرادة ولا العزيمة ولا القرار السياسي لفرض استعمال العربية، ما داموا يملكون مثل هذا القرار لأنهم حكام يتوفرون على السلطة وعلى وسائل تنفيذها. فلماذا لا يتحدثون بالعربية في اجتماعات إداراتهم ومؤسساتهم؟

لأن العربية، كما سبق أن قلت، ليست لغة الاجتماعات والحوارات والمناقشات، التي يستعمل فيها التخاطب الشفوي، الذي ليس مما يدخل في مقدرات ووظائف العربية، التي فقدت هذه المقدرة والوظيفة بشكل لا رجعة فيه. فكيف يطالب حزب العدالة والتنمية بشيء (استعمال العربية في اجتماعات الإدارة والمؤسسات) هو نفسه لا يطبّقه، لأنه غير موجود أصلا، أي أن وظيفة الاستعمال الشفوي للعربية مفقودة ومنعدمة؟.

ثم كيف يطالب الحزب بفرض العربية كلغة الحياة العامة والإدارة والتجارة الداخلية وجميع الخدمات العمومية، مع اعتمادها في جميع مراسلات ووثائق واجتماعات الإدارة والمؤسسات العمومية، في الوقت الذي لا يستطيع فيه الأمين العام لهذا الحزب، والرئيس للحكومة، أن يتكلم بعربية سليمة لأزيد من دقيقة واحدة، كما نعرفه ونستمع إليه ونشاهده على شاشة التلفزة؟ كيف يطالب الحزب بذلك في الوقت الذي نرى فيه  العديد من وزراء حكومة السيد بنكيران، الذين يحكموننا، يرتكبون مجزرة في حق العربية عندما يريدون التحدث بها؟ كيف يطالب بذلك برلمانيون في الوقت الذي نجد أغلبيتهم يذبحون العربية ذبحا عندما يحاولون التحدث بها؟

كيف يجوز، منطقيا وأخلاقيا، أن يطالب من لا يستعمل العربية ولا يجيدها، وهو في موقع الحاكم المالك للسلطة (وزير أول، وزراء، برلمانيون...)، ممن دونه من المحكومين والمرؤوسين أن يستعملوا العربية ويجيدوها؟ أليس هذا قمة التناقض والرياء والضحك على الشعب وعلى العربية نفسها؟

إذا كانت هذه المطالب الخاصة بالعربية، والتي هي قديمة كما سبقت الإشارة، غير قابلة للتحقق والتنفيذ، كما أثبت ذلك تاريخ المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم، فلماذا تكرارها ورفعها كلما كانت هناك حكومة جديدة؟

ذلك لأن تكرار هذه المطالب هو بمثابة ممارسة استمنائية، كما سبق أن قلت، وبالمعنى المزدوج للفظ "استمناء":

ـ إن هذه المطالب تعبير عن "تمني" التعريبيين أن تكون العربية كما يرغبون ويريدون،

ـ إن تكرارها، منذ الاستقلال إلى اليوم، يشبه عملية "استمناء"، لأن بهذا التكرار يتخيلون أن العربية بخير، وأنها لغة الحياة العامة والإدارة والتجارة الداخلية وجميع الخدمات العمومية، وأنها معتمدة في جميع مراسلات ووثائق واجتماعات الإدارة والمؤسسات العمومية. إنهم يتخيلون فقط، كما يفعل من يمارس الاستمناء الجنسي عندما يتخيل أنه يضاجع امرأة فاتنة، في الوقت الذي لا يضاجع فيه سوى يده المتسخة.

ويسقط أصحاب المقترح في العبث، الذي يبرز جهلهم الفظيع بحقيقة اللغة بصفة عامة وبالعربية بصفة خاصة، عندما يؤكدون على ضرورة إحداث أكاديمية تعنى بالأساس بشؤون اللغة العربية، وتوحيد معجمها وتنقيته من كل الكلمات والعبارات الدخيلة.

 تنقية معجم العربية من الكلمات والعبارات الدخيلة!

لا يعرف البرلمانيون "المحترمون"، الذين قدموا هذا المقترح الأخرق، أنهم إنما يطالبون بإفقار العربية وإضعافها، بل وقتلها، عندما تنقى من الكلمات الدخيلة.  

فهم لا يعرفون أنهم سيفقدون أولا تسميتهم كنواب "برلمانيين"، لأن كلمة "برلمان" أجنبية ودخيلة على العربية. ونتمنى لهم أن يفقدوا هذه التسمية "الدخيلة"، لأن الوظيفة الحقيقية "للبرلماني" هي فعلا دخيلة على البرلمانيين التعريبيين، الذين اختزلوا هذه الوظيفة في المطالبة بمزيد من التعريب و"الشذوذ الجنسي".  وستختفي كذلك كلمة "دستور" التي هي أيضا دخيلة على المعجم العربي، فيصبحون بلا "دستور" ينظم "برلمانهم"، لأنهم لن يعرفوا كيف يسمى حتى يستخدموه ويتعاملوا معه. ثم سيفقدون كلمة "ديموقراطية" عندما يلغونها من معجم العربية لأنها كلمة دخيلة عليها. في الحقيقة نتمنى من أعماق قلوبنا أن تلغى كلمة "ديموقراطية"، لأنها بالفعل دخيلة، ليس على العربية فحسب، بل حتى على "برلمانيينا" التعريبيين الذين انتخبوا باسم هذه "الديموقراطية" الدخيلة عليهم.

لكن الأخطر والأخرق، إذا سايرنا مطلب مقترح "برلمانيينا" "الديموقراطيين"، الذي يدعو إلى تنقية العربية من الألفاظ الدخيلة، هو أننا يجب، تطبيقا لهذا المقترح، أن ننقّي القرآن الذي هو مليء بالألفاظ الدخيلة، ذات الأصل العبري والفارسي والحبشي والأمازيغي ـ نعم الأمازيغي ـ والسرياني على الخصوص، الذي يشكل نسبة هامة من الألفاظ غير العربية في القرآن. فما رأي "برلمانيينا" "الإسلاميين" في هذه النتيجة التي سيؤدي إليها مقترحهم، إذا طبّق وتمت بالفعل تنقية العربية من كل الكلمات الأجنبية عنها؟

أليس هذا عبثا ما بعده عبث، وجهلا ما بعده جهل، وسفها ما بعده سفه؟

هذه هي نتائج الإيديولوجيا التعريبية: العبث والتجهيل والسفه.

وعندما يقترح أولو الأمر، ممن يضعون التشريعات التي تحكم وتحكم بها الدولة، قوانين بمضمون عبثي وتجهيلي وسفيه، دفاعا عن التعريب والعروبة العرقية الجاهلية، فمن الأفضل إلغاء كلمات "برلمان" و"ديموقراطية" و"دستور"، لأنها كلمات أجنبية ودخيلة، بالفعل، على التعريبيين الذين لا يعرفون من "برلمان" و"ديموقراطية" و"دستور" غير العروبة العرقية الجاهلية.

إن الباكالوريا الفرنسية، إذا مُررت وطبّقت، فسيكون ذلك دليلا على تراجع العبث والتجهيل والسفه التعريبي. أما إذا منعت وحوربت ولم تطبّق، فسيكون ذلك دليلا على تنامي هذا العبث والتجهيل والسفه التعريبي، ومعه تنامي التخلف والاستبداد والفساد، وغياب شروط التنمية والحداثة والحكامة الديموقراطية.

 

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.