Amezwaru

(Page d'accueil)

 

مقالات  

 

أي تصور وأية مقاربة لتدريس أمازيغية موحدة ومشتركة؟

هل مساندة المغرب للقبايل اعتراف ضمني أنه بلد أمازيغي؟

الدليل الإحصائي أن الناطقين بالدارجة هم أمازيغيون

ميمون أمسبريذ، ذلك الكاتب الأمازيغي المجهول

التعريب نجح أولا بالفرنسية قبل العربية

متى ينتقل المغرب من السياسة البربرية إلى السياسة الأمازيغية؟

يوطوبيا التعريبيين في المغرب

لماذا لا يجوز تصنيف الأمازيغيين ضمن الشعوب الأصلية؟

نعم لاستفتاء شعبي حول العربية والأمازيغية

الأستاذ حميش والبوصلة التي لا تتحرك إلا في اتجاه المشرق

عبد الله حمودي والفهم العامي للهوية

ولماذا تتركون برنامج الله وتطبقون برنامج إبليس؟

مأزق المتحولين الجنسيين في المغرب

لماذا ليست العربية ضرورية لكفاءة المسؤولين الحكوميين؟

في دحض خرافة الوظيفة التوحيدية للعربية

الداعشية اللغوية

في دحض خرافة "اختيار" الأمازيغيين الطوعي للعربية

في دحض خرافة "الانصهار" بين العرب والأمازيغ

المتحولون الجنسيون في المغرب

المطالب الأمازيغية بين ردّ الفعل وغياب الفعل

من أجل إستراتيجية جديدة لاسترداد الهوية الأمازيغية للدولة المغربية

في الإقصاء السياسي للأمازيغية

L'Afrique absente du Maroc africain

جاهلية القرن الواحد والعشرين

توفيق بوعشرين يستعيذ باللطيف ضد الأمازيغية من جديد

الأمازيغية والعربية في إحصاء 2014

دولة النوم

النزعة الأمازيغوفوبية: نشأتها وتطورها

نعم "للمقاربة الإسلامية"، لكن بدون مضامين وأهداف تعريبية

الأمازيغية المنبوذة في كتاب "الأمير المنبوذ"

معاناة الإسلام من العروبة العرقية

خطْب الجمعة مرة أخرى

لماذا لا يريد التعريبيون الخير للمغرب؟

الأمازيغية والمرأة، ضحيتان لتمييز واحد

من هم الناطقون بالدارجة في المغرب؟

"التضبيع" في تجريم "التطبيع"

هل هو موقف جديد لحزب الاستقلال من الأمازيغية؟

بين ديودوني الفرنسي والمقرئ أبوزيد المغربي

عبقرية اللغة الأمازيغية وسر صمودها

المقرئ الإدريسي أبوزيد أو الأمازيغوفوبيا بلا حدود

الرسام الأمازيغي موحند سعيدي يغادرنا إلى الأبد

فرنسا تواصل سياسة التعريب

الدارجة ولاتاريخانية الأستاذ العروي

لمَ الخوف من الدارجة المغربية؟

متى يعترف المغرب بالفرنسية كلغة رسمية؟

حزب العدالة والتنمية، هبة من السماء للنظام المخزني

رفقا باللغة العربية أيها التعريبيون

المجانية والتعريب أو آلة تدمير التعليم العمومي بالمغرب

خطْب الجمعة

وما هو الحل لإصلاح التعليم بالمغرب؟

لماذا وصف مصري مساند للإخوان المغاربة باللقطاء؟

لماذا سكت رجال الدين عن مسألة العفو عن مغتصب الأطفال؟

"النسب الشرف" أو عندما يصبح الميز العنصري من الثوابت

طارق بن زياد، الأسطورة المقدسة

قداسة الشيخ الكتاني

العقل في تدبير التعدد اللغوي والثقافي في المغرب

ما تفتقر إليه العربية هو استعمالها في الحياة

المغرب من أغنى بلدان العالم

الأسباب الحقيقية لضعف مستوى اللغة العربية عند التلاميذ

اللغة العربية أو المعشوقة التي لا يرغب عشاقها في الزواج منها

لأي شيء ينفع إقرار اللغة الأمازيغية بويندوز 8؟

التعريب والهوية بالمغرب

"الفانطاسمات" اللسنية حول الأمازيغية بالمغرب

عادة التهرب من المسؤولية بإلقاء اللوم على الجميع

الحركة الأمازيغية بالمغرب: عيون على المستقبل

الأساطير المؤسسة للعروبة العرقية بالمغرب

كلمة الختام

وزير العدل والحريات يجهل مفهوم المعتقل السياسي

الأمازيغية في عمق الصراع الإيقوني

منذ متى أصبح ربيع الشعوب يهدد الأوطان؟

مدينة إفران: من السياحة الطبيعية إلى السياحة الثقافية

الأمير والتاريخ المحاصر

جريدة تاويزا في حاجة إلى تاويزا

الممثل الناطق بالأمازيغية واّلإنتاج التلفزي

أيت وراين: أبطال سلكوا درب الحرية

 

 

 

 

أي تصور وأية مقاربة لتدريس أمازيغية موحّدة ومشتركة؟

 

بقلم: محمد بودهان

 

(25 ـ 11 ـ 2015)

مقدمة:

لقد بات من المؤكد أن القضية الأمازيغية دخلت، منذ الخطاب الملكي بأجدير في 17 أكتوبر 2001، مرحلة جديدة تستدعي مهامّ جديدة، وتطرح أسئلة جديدة كذلك. فلم تعد الأسئلة هي: هل الأمازيغية لغة تستحق أن تُعَامل بهذه الصفة؟؛ هل يمكن تدريسها؟؛ هل تصلح للاستعمال في الإدارة والقضاء؟؛ هل هي قادرة على أن تكون لغة علم ومعرفة؟؛ هل يمكنها أن تقوم بوظيفة اللغة الرسمية؟... وغير ذلك من الأسئلة "الغبية" التي لم يعد يطرحها اليوم إلا "أصحاب الكهف" من الذين لا زالوا يعيشون، فكريا وثقافيا، في ستينيات القرن الماضي، العصر الذهبي للنزعة الأمازيغوفوبية. وقد جاء ترسيمها في دستور 2011 ليعلن عن الموت الرسمي لهذا النوع من الأسئلة ذات الخلفية الأمازيغوفوبية.

أما الأسئلة الجديدة، التي تطرح اليوم بصدد الأمازيغية في مرحلتها الجديدة، وخصوصا بعد أن أصبحت لغة رسمية، فهي أسئلةً عملية تنصبّ على ما هو إجرائي وبيداغوجي وديداكتيكي، يتركز على كيفية التدريس الجدي لهذه اللغة، بهدف إدماجها، المستقبلي والتدريجي، في الإدارة والقضاء والإعلام وكل مؤسسات الدولة. لقد انتقل السؤال إذن من صيغة التشكيك والاستنكار "لماذا؟" إلى صيغة "كيف"، الإجرائية والعملية والمنهجية: كيف ندرّس الأمازيغية ونعمّم تعليمها لكل المغاربة، لتصبح مستقبلا لغة إدارة وتدريس، حتى تقوم بوظيفتها كلغة رسمية، تطبيقا للفصل الخامس من الدستور؟ ما هي أفضل وأنجع مقاربة لإنجاح تدريس الأمازيغية في المدرسة المغربية، ولكل المغاربة، وفي جميع الأسلاك والمستويات التعليمية؟

سنتطرق في هذه المناقشة إلى مجموعة من الإشكالات المرتبطة بتدريس الأمازيغية، والتي سنحللها بناء على افتراض أن هذا التدريس سينطلق (لأنه لم ينطلق بعدُ) بشكل جدي، فعّال وهادف، يرمي إلى تنمية الأمازيغية وتأهيلها تأهيلا حقيقيا، لتقوم بوظيفتها كلغة رسمية حقيقية.

ماذا ندرّس: اللهجات الجهوية أم لغة أمازيغية موحّدة ومشتركة؟

هذا هو السؤال الأول الذي يشكّل تحديا لمشروع تدريس الأمازيغية لجميع المغاربة. والجواب عنه ليس، كما يظن بعض النشطاء الأمازيغيين، سهلا وبسيطا إذا ما ناقشنا المسألة بواقعية، بعيدا عن الأجوبة السهلة التي تقدمها القناعات الإيديولوجية والمواقف النضالية.

ولأنني سأستعمل في هذا العرض مفهوم "لهجة"، بلا عقدة ولا حرج؛ ولأنني أعرف أن العديد من نشطاء الحركة الأمازيغية يرفضون إضفاء صفة "لهجة" على الأمازيغية، اقتناعا منهم ـ وعن حق ـ أن هذا الوصف يستعمله خصوم الأمازيغية تحقيرا لهذه اللغة وانتقاصا منها، لهذا فهم يفضلون استعمال، بدلها، عبارة "فروع" الأمازيغية، فإنني أودّ أن أوضّح أن الفرق بين اللغة واللهجة لم يعد، اليوم، يتحدد في كون «اللغة لهجة تملك جيشا وأسطولا حربيا» (Max Weinreich)، أي لهجة تدعمها وتحميها سلطة سياسية، واللهجة لغة بلا جيش ولا سلطة، وإنما الفرق ـ ولو أن النتيجة واحدة ـ يتحدد، اليوم بعد انتشار التعليم العمومي الإجباري، في كون "اللغة لهجة تملك مدرسة"، و"اللهجة لغة لا مدرسة لها". فمعيار التمييز إذن بين اللغة واللهجة هو المدرسة. فكل لهجة تلِج المدرسة والكتابة ـ كنتيجة للمدرسة ـ، فهي لغة، وكل لغة محرومة من المدرسة والكتابة فهي لهجة. ولهذا فعندما أستعمل عبارة "اللهجات الأمازيغية"، فالمقصود هو اللغة الأمازيغية المحرومة من المدرسة والكتابة، التي تؤدي إليها هذه المدرسة. وبالتالي فإن السؤال حول إشكالية تدريس الأمازيغية، هو نفسه السؤال حول إشكالية الانتقال، بهذه الأمازيغية، من الوضع اللهجي إلى وضع لغة، أي الانتقال بها من الاستعمال الشفوي إلى الاستعمال المدرسي والكتابي.

نغلق هذا القوس ونعود إلى سؤالنا: تدريس اللهجات الجهوية أم لغة أمازيغية موحّدة ومشتركة؟

هناك أطروحتان حول الموضوع. لنتعرّف عليهما أولا قبل أن نتساءل عن إمكانية وجود أطروحة ثالثة، أو حل ثالث يتجاوز هذين الحلين الكلاسيكيين: تدريس اللهجات الجهوية أو لغة واحدة وموحّدة.

1 ـ  تدريس لغة موحّدة: هذا ما تطالب به دائما الحركة الأمازيغية في غالبيتها. وهو ما يعمل باحثو المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية على تطبيقه، من خلال إعداد برامج تعليمية لتدريس أمازيغية موحّدة ومشتركة.

حقيقة، يبدو نظريا أنه من السهل أن نقتنع ـ ونُقنع ـ أن الأمازيغية لغة واحدة، وأن ما يبدو لهجات ليس إلا اختلافات جهوية لا تأثير لها على وحدة الأمازيغية، هذه الوحدة التي تؤكدها الدراسات اللسانية والنحوية والمعجمية لهذه اللغة. ففضلا على أن تدريس اللهجات ـ كما يرى أصحاب هذه لأطروحة الوحدوية ـ ليس إذن ضروريا لأن هناك لغة أمازيغية واحدة، فإن هذا التدريس سيكرّر الممارسة الكولونيالية للحماية الفرنسية، عندما كانت تُدرّس الأمازيغية كلهجة محلية وليس كلغة وطنية واحدة.

إن تدريس اللهجات الجهوية سيؤدي إذن  ـ دائما حسب رأي ألمدافعين عن هذه الأطروحة ـ إلى إضعاف الأمازيغية وتفتيتها، وبالتالي إبقائها، كما يريد المناوئون لها، مجرد لهجات لا ترقى إلى مستوى لغة وطنية. وهو ما سيتخذه هؤلاء المناوئون ذريعة لتكرار القول بأن الأمازيغية نزعة انفصالية وإقليمية، ترتبط بمناطق وبقبائل معينة، ولا تشمل كل الوطن. كما أن التكلفة المالية لتدريس اللهجات ستكون أكبر، نظرا لتعدد البرامج والكتب المدرسية وأنواع التكوين الخاص بالأساتذة، تبعا لتعدد اللهجات حسب عدد الجهات اللغوية.

لكن عندما نردّ على أصحاب هذا الموقف، المدافع عن تدريس أمازيغية موحّدة ومشتركة، بأن هذه الأخيرة غير موجودة في الواقع على مستوى التواصل والتفاهم Intercompréhension بين أمازيغيي المغرب من كل مناطق المملكة ـ فبالأحرى بين الأمازيغيين من كل بلدان تامازغا ـ، ونطلب منهم أن يقدموا لنا تصورا عمليا حول كيفية تدريس هذه الأمازيغية المشتركة، فإنهم يجيبون بأن الأمازيغية المشتركة ليست بالضرورة هي الأمازيغية المستعملة في التواصل الشفوي اليومي، بل هي أمازيغية معيارية "فصحى"، غير مطابقة حقا للغة الأم، لكن لا تبتعد عنها كثيرا. ويوضّحون أن علاقة الأمازيغية المعيارية بفروعها اللهجية الجهوية، ليست مثل علاقة العربية الفصحى بالعامّيات العربية، التي هي في الحقيقة لغات أخرى لا تربطها إلا علاقة معجمية ضعيفة بالعربية الفصحى، مثل حالة الدارجة المغربية، مما يخلق هوة سحيقة بين لغة المدرسة ولغة البيت والحياة اليومية. ورغم أن الأمازيغية المعيارية سيتعلّمها التلميذ في المدرسة مثلما يتعلم العربية الفصحى، إلا أنها تشترك مع أمازيغية التخاطب الشفوي بنسبة تفوق 80%، كما يؤكد باحثو المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

2 ـ تدريس اللهجات الجهوية: إذا كان مطلب تدريس أمازيغية موحّدة ومشتركة مسألة قد حسم فيها المعهد الملكي للأمازيغية، ويشكّل موضوع إجماع تقريبا لدى الحركة الأمازيغية كما قلنا، فإنه مع ذلك يطرح عدة مشاكل وصعوبات من الناحية العملية والإجرائية، وهو ما يدعم موقف من يفضّلون تدريس اللهجات الجهوية.

الداعون إلى تدريس اللهجات الجهوية يبررون موقفهم بأدلة لا يخلو من جدية ووجاهة.

فهم يقولون إن هذه اللغة الأمازيغية المعيارية المشتركة غير موجودة، خلافا للعربية الفصحى. لهذا يسميها البعض، لإبراز بعدها عن الواقع اللغوي الأمازيغي الحي، باللغة "المخبرية" أو "الإركامية"، أي التي "فبركها" معهد الأمازيغية (ليركام). فهي، عند هؤلاء، لغة افتراضية يتم صنعها بانتقاء بعض عناصرها من هذه اللهجة أو تلك، من هذا المعجم أو ذاك. فنكون أمام لغة مصطنعة وغريبة عن الأمازيغية الحية والمتداولة. وهذا ما ستكون له مضاعفات سلبية على تعلم هذه اللغة، وعلى التحصيل المدرسي بصفة عامة، في حالة ما إذا أصبحت هذه اللغة الأمازيغية "الفصحى" هي لغة التدريس. يضاف إلى ذلك أننا لسنا متأكدين من نجاح عملية "صنع" هذه اللغة المعيارية، ولا نعرف كم سيستغرق ذلك من السنين حتى يخرج هذا المولود الافتراضي إلى الوجود.

لماذا إذن ـ حسب المدافعين عن خيار تدريس اللهجات الجهوية ـ المراهنة على شيء مجهول وافتراضي وغير موجود، أي الأمازيغية المعيارية "الفصحى"، مع أن الأمازيغية، الفعلية والحقيقية والحية والمعروفة، موجودة ومتداولة، تتمثل في الفروع اللهجية الثلاثة؟ يجب، حسب أصحاب هذه الرأي، أن نكون واقعيين وغير حالمين أكثر من اللازم، لأن الأمازيغية المشتركة غير موجودة في التداول والتواصل. لندرّس إذن ما هو جاهز وموجود وحي، أي اللغة الأم التي تمثّلها للهجات الجهوية.

كيف سندرّس اللهجات وما هي نتائج ذلك بالنسبة للأمازيغية كلغة وطنية؟

تدرّس كل لهجة، من اللهجات الثلاث، داخل حدود جهتها الجغرافية (الشمال، المغرب الأوسط، الجنوب). وهنا سنكون أمام احتمالين اثنين فيما يتعلق بمستقبل هذه اللهجات:

أ ـ إما أن هذه اللهجات ستتطور مع مرور السنين لتصير لغات مستقلة وقائمة بذاتها، ولو أنها متفرعة عن لغة واحدة وهي الأمازيغية الأصلية، تماما كما حدث للإيطالية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية، التي كانت مجرد لهجات متفرّعة عن لغة أصلية واحدة، وهي اللغة اللاتينية، ثم تطورت وأصبحت لغات قائمة بذاتها رغم أن أصلها اللاتيني واحد. والمؤيدون لهذا الطرح لا يرون في ظهور ثلاث لغات جهوية مستقلة أية خطورة على الوحدة الوطنية، كما تبيّن ذلك أمثلة من عدة دول كإسبانيا وسويسرا وبلجيكا وكندا، ودول أخرى تتعايش داخلها لغات جهوية معترف بها. 

ب ـ وإما أن إحدى هذه اللهجات ستنجح، لأسباب سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو حتى ديموغرافية، وبعد عشرات السنين، في فرض تفوّقها وهيمنتها وانتشارها الواسع على  حساب اللهجتين الأخريين اللتين ستختفيان تدريجيا، لفسح المجال أمام لغة أمازيغية وطنية واحدة، كانت في الأصل إحدى لهجات الأمازيغية فقط.

لكن هذا الموقف يطرح هو نفسه مشاكل وصعوبات عملية على مستوى التطبيق. أبسطها: ما هي اللهجة التي ستُدرّس بالرباط والدار البيضاء اللتين هما مدينتان تجتمع فيهما كل اللهجات الأمازيغية؟ ما هي الحدود الترابية لكل من اللهجات الثلاث؟ أين تنتهي "الريفية" وتبدأ الزيانية؟ وأين تنتهي هذه وتبدأ "تشلحيت" سوس؟ وبأية لهجة سيتابع دراستَه تلميذٌ من المستوى السابع انتقل من الحسيمة إلى تارودانت؟ 

لكن، من جهة أخري، إذا كان هذا الموقف يضحّي بوحدة اللغة الأمازيغية، فإنه بالمقابل ينقذ الوحدة بين لغة البيت ولغة المدرسة، ويحافظ على الاستمرارية بينهما تفاديا لحصول قطيعة بين اللغة الأم ولغة المدرسة، كما هو الشأن فيما يتعلق باللغة العربية. وهذا شيء مهم جدا.

ما الأفضل للأمازيغية؟:

في حالة ما إذا لم يكن هناك من خيار ثالث سوى واحد من هذين الخيارين، فما الذي سنختاره، تدريس أمازيغية واحدة أم الأمازيغيات الجهوية الثلاث؟

لا شك أن أغلبية المدافعين عن الأمازيغية سيختارون الطرح الأول الذي يدعو إلى تدريس أمازيغية موحّدة ومشتركة. لكننا في هذه الحالة لا نفكر ـ تحت الوقع السحري لعبارة "أمازيغية موحّدة" على عقولنا ـ في نتائج تدريس هذه اللغة "الموحّدة" قسرا، والتي ستكون مصطنعة في جزء منها، مما سيجعلها ضعيفة ـ أو حتى منعدمة ـ الصلة باللغة الأم، الشيء الذي ستنتج عنه هوة بين لغة البيت والشارع وبين لغة المدرسة، ولو أنها ستكون أقل عمقا ومسافة من الهوية التي تفصل بين الدارجة واللغة العربية.

 إن أسوأ وضع يمكن أن توجد فيه لغة ما، عندما تعتمد كلغة للتدريس، هو وضع اللغة العربية الفصحى، التي لا يتخاطب بها أحد في الدنيا، وليست اللغة الأم لأي أحد في العالم. وهذه القطيعة، بين لغة المدرسة ولغة الحياة اليومية، هي أحد الأسباب الرئيسية لتدني مستوى التعليم بالبلدان التي تستعمل العربية كلغة للتدريس، مثل المغرب. يجب إذن أن نتفادى، مهما كان الثمن، الحالة التي  ستوجد فيها أمازيغية البيت والتخاطب مقابل أمازيغية "فصحى"، تكون عبارة عن لغة لا تفهمها ولا تتقنها إلا النخبة، مثلما هو شأن اللغة العربية.

الخلاصة إذن أننا أمام حلين أحلاهما مرّ: إما تدريس أمازيغية موحّدة لكنها غير مستعملة ولا متداولة لأنها ليست باللغة الأم، وإما تدريس اللهجات الجهوية التي هي اللغة الأم الحية، لكنها لا تجعل من الأمازيغية لغة وطنية موحّدة ومشتركة. فما العمل إذن؟

الحل الثالث:

ألا يمكن التفكير في حل ثالث لهذه المعضلة، يتجاوز مساوئ الحلّين السابقين ويحتفظ بمزاياهما، أي تدريس أمازيغية موحّدة ومشتركة، لكنها تكون في نفس الوقت هي اللغة الأم، المتداولة والمستعملة في التخاطب اليومي؟

قد يبدو في الأمر تناقض واضح، يجعل مثل هذا الحل الثالث مستحيلا: كيف ندرّس لغة موحّدة ومشتركة، وهي في نفس الوقت لهجات جهوية يصعب التفاهم بين الناطقين بهذه اللهجة وبين الناطقين بتلك؟ لكن هذا الاعتراض ليس صحيحا إلا لأننا ننظر إلى الأمازيغية، أولا، كما هي الآن، وانطلاقا، ثانيا، من أنفسنا، نحن الذين لا نجيد، في الغالب الأعم، إلا واحدة من اللهجات الأمازيغية.

أ ـ كما هي الآن: أي أنها لهجات يؤكد الواقع الحالي أنه من الصعب، كما سبقت الإشارة، التفاهم بين أمازيغييْن أحدهما يستعمل لهجة الشمال (الريف) مثلا والآخر يستعمل لهجة الجنوب (سوس).

ب ـ انطلاقا من أنفسنا: أي أننا ننظر إلى المشكلة من خلال تجربتنا الذاتية، التي تثبت أننا لا نعرف إلا لهجة أمازيغية واحدة لا تسمح لنا بفهم واستعمال اللهجات الأمازيغية  الأخرى.

لكن عندما نحكم على الأمازيغية كما هي الآن (لهجات يصعب التفاهم بين الناطقين بها)، ومن خلال تجربتنا الذاتية الحالية (لا نعرف ولا نستعمل إلا لهجة واحدة)، نرتكب خطأ في الحكم والتقدير. ذلك أن هذه النظرة السكونية تتعامل مع الأمازيغية كما هي الآن في هذه اللحظة، وكما نحن الآن في هذه اللحظة كذلك. والحال أن هذه الأمازيغية، كما هي الآن، لم يسبق لها أن عرفت التدريس، كما أننا، نحن الذين لا نفهم كل اللهجات الأمازيغية، لم يسبق لنا أن تعلّمنا ودرسنا الأمازيغية في المدرسة. أما الأمازيغية التي نحن بصدد مناقشتها والتساؤل حول تدريسها، فهي التي ستدرّس بالمدارس العمومية، كما أن المعنيين بإمكانية التفاهم المشترك بها ليسوا نحن، بل هم الذين سيدرسونها في المدرسة، أي أبناؤنا وحفدتنا. السؤال إذن لا يتعلق بالأمازيغية كما هي الآن وكما نستعملها نحن الآن، بل السؤال هو: هل يمكن أن يصبح الناطقون بالأمازيغية، بعد مرحلة دراسية معيّنة (عند نهاية المستوى الثانوي الإعدادي مثلا)، قادرين على التفاهم فيما بينهم من خلال استعمال أمازيغية موحّدة ومشتركة، ودون أن يشعروا أنهم إزاء لغة مختلفة عن اللغة الأم أو لغة البيت والشارع؟ فالمسألة إذن تتطلب فترة زمنية  قد تمتد من تاريخ التحاق التلميذ بالمدرسة إلى نهاية التعليم الثانوي الإعدادي أو إلى ما بعده. وهنا يطرح السؤال الثاني التالي: كيف يمكن، من الناحية العملية، أن نجعل التلميذ، أثناء هذه الفترة الدراسية، يتقن أمازيغية وطنية موحّدة ومشتركة، ودون أن تكون مختلفة عن الأمازيغية التي اكتسبها في البيت؟

الأمازيغية بين الوحدة النظرية والتنوع العملي:

من الناحية المنهجية والمنطقية، تُشترط المعرفة، الوافية والتامة، باللهجات الجهوية الثلاث، وخصوصا ما يجمع وما يفرّق بينها، ليمكن، بناء على تلك المعرفة، اتخاذ القرار المناسب: تدريس أمازيغية مشتركة غير مختلفة عن اللهجات، أو تدريس اللهجات كلغات مستقلة إذا تبين لنا، من خلال المقارنة بين هذه اللهجات، أن الفوارق بينها كبيرة جدا إلى درجة لا تسمح بأن نجعل منها لغة واحدة ومشتركة، ودون أن تكون لغة مصطنعة لا علاقة لها باللهجات كما هي مستعملة في التداول اليومي.

من المعلوم أن اللهجات الأمازيغية، على اختلافها، شديدة الارتباط بلغة أمازيغية واحدة. مما يجعل هذه اللهجات المتفرعة عنها تشترك في نظام نحوي وصرفي وتركيبي واشتقاقي واحد، حاضر في كل اللهجات تقريبا. وهذا ما وقف عليه  المستمزغ الكبير "أندري باسّي" André Basset، الذي، وبعد أن أوضح أن عدد اللهجات الأمازيغية يصل إلى 300  لهجة، كتب بأن بنية اللغة الأمازيغية وعناصرها واستعمالاتها المورفولوجية هي واحدة في كل اللهجات «إلى درجة أن من يتقن جيدا لهجة واحدة، يستطيع في أسابيع قليلة إتقان أية لهجة أخرى أمازيغية كيفما كانت، كما تثبت ذلك التجربة. فلا يتعلق الأمر أبدا بلغة جديدة يتعلمها. وهو شيء فاجأني كثيرا وجعلني أعيد النظر في مشروع عملي المتعلق بالمقارنة بين اللهجات» (Articles de dialectologie berbère, Paris 1959, page 23 - www.vitaminedz.com/articlesfiche/59/59785.pdf ).  . هذا مع العلم أن "باسّي" لا يقصد، بهذه المعاينة الميدانية، فقط اللهجات الأمازيغية المغربية، التي هي أصلا جد متقاربة بحكم انتمائها إلى منطقة واحدة هي المغرب، بل هو يتحدث عن كل اللهجات الأمازيغية بكل شمال إفريقيا، والتي ذكر أن عددها يبلغ 300 لهجة. وواضح أن اللهجة، التي يستطيع الشخص تعلمها في أسابيع قليلة، لا يمكن أن تكون لهجة جديدة وأجنبية عنه، بل لا بدّ أنها لهجة ألِفها وخبَرها، وله بالتالي معرفة ودراية بها.

هذا التقارب الكبير جدا بين اللهجات الأمازيغية، والذي تؤكده وحدة نظامها النحوي والصرفي والتركيبي والاشتقاقي، هو الذي يُعتمد كحجة على أن الأمازيغية، بكل فروعها اللهجية، هي لغة واحدة ويجب أن تدرّس بهذه الصفة، إذ ليس هناك ما يدعو إلى التعامل مع فروعها الثلاثة بالمغرب كلغات مستقلة. صحيح أن المقارنة بين اللهجات الأمازيغية، وخصوصا المغربية منها التي تهمنا، تبرز أنها ليست متباعدة إلى الحد الذي يستدعي التعامل معها كلغات مستقلة، مثل البرتغالية والفرنسية والإسبانية، التي هي لغات مستقلة رغم تفرعها عن لغة واحدة هي اللاتينية، لأن الاختلاف بينها كبير جدا إلى درجة لا تسمح بتوحيدها في لغة واحدة.

إذن اللهجات الأمازيغية، وخصوصا المغربية منها، تشكّل لغة واحدة. هذا من الناحية المبدئية والنظرية. لكن من ناحية الواقع التواصلي، قد تتعطل هذه الوحدة اللغوية أو قد تغيب نهائيا، كما في الحالة التي يتعذر فيها التفاهم بين مستعمل لأمازيغية الريف ومستعمل لأمازيغية سوس، مما يضطرهما لترك أمازيغيتهما واستعمال لغة أخرى يتقنانها. هذا واقع نلاحظه ونلمسه في شتى المواقف التواصلية بين مستعملي لهجتين أمازيغيتين مختلفتين. ومعروف أن الذين يدافعون عن تدريس اللهجات الجهوية ينطلقون، سواء منهم أصحاب النوايا الحسنة أو السيئة، من واقع غياب التفاهم بين المستعملين للهجات أمازيغية مختلفة، مما يستنتجون منه أن هذه اللهجات لا تشكل لغة موحّدة ومشتركة، ويجب بالتالي التعامل معها تعليميا كلغات مستقلة بعضها عن البعض. وهذا صحيح عمليا وتواصليا.

مفهوم اللغة الموحّدة:

يحسن، أولا، تعريف المقصود باللغة الموحّدة، لأن هناك، كما رأينا، من يرى أن الأمازيغية لغة موحّدة استنادا إلى نظامها النحوي والصرفي والتركيبي والاشتقاقي، وهناك من يرى، على العكس، أنها لهجات جهوية متفرقة، بدليل أنه لا يمكن التفاهم بين شخصين يستعملان اثنتين من هذه اللهجات. علينا إذن أن نحدّد ماذا نعني باللغة الموحّدة، لنرى، بعد ذلك، هل تندرج ضمنها اللغة الأمازيغية أم لا، وهل، في حالة النفي، من الممكن جعلها موحّدة بالمدرسة، ودون أن تفقد هذه الأمازيغية المدرسية استعمالها في التخاطب كما نستعمل اللهجات؟  

اللغة الموحّدة، بالمعنى الحرفي والضيق الذي تعنيه صفة "موحّدة"، هي لغة افتراضية وغير موجودة في الواقع، إلا في فضاءات ضيقة ومعزولة، كما داخل عائلة منطوية على نفسها، لا يعرف أعضاؤها إلا نفس التعابير ونفس الألفاظ المحدودة، التي اكتسبوها كلغة أم انتقلت إليهم من جدتهم، والتي يعيدون إنتاجها كما هي لعدم تواصلهم مع العالم الخارجي بسبب عزلتهم. لهذا فلغتهم موحّدة، أي يستعملون نفس المعجم ونفس التعابير للدلالة على نفس الأشياء. فما يقوله هذا الفرد، من تلك العائلة، عندما يصف حالة الطقس مثلا، يقوله الفرد الآخر، من نفس العائلة، للتعبير عن نفس الموضوع.

هذا النوع من اللغة الموحّدة، المتمثلة في استعمال نفس الألفاظ ونفس الصيغ التعبيرية من طرف الجميع، وبشكل متشابه ومتطابق، للتعبير عن نفس الوضعيات والأحداث، لا وجود لها في الواقع. فمثلا في الفرنسية، هناك من قد يعبّر عن يوم قائظ بالقول:

ـ C'est un jour torride

وآخر قد يقول:

ـ  Il fait très chaud aujourd'hui

وثالث قد يقول:

ـ C'est une journée caniculaire

وهي تعابير ثلاثة مختلفة لثلاثة أشخاص مختلفين، لكنها تعني نفس الشيء: "يوم شديد الحر".

ونفس الشيء نجده في العربية، حيث يمكن التعبير، عن نفس الوضعية التي تخص مثلا إخفاق شخص ما في مهمة طلب منه القيام بها، بكتابة أحدهم:

ـ رجع بخفي حنين من المهمة التي كُلّف بها،

وكتابة آخر:

ـ فشل في المهمة التي أسندت إليه،

وكتابة ثالث:

ـ لم ينجح في المهمة التي أُوكلت له.

فهناك أشخاص ثلاثة يستعملون ثلاث صيغ مختلفة، لكن للتعبير عن وضعية واحدة.

نلاحظ إذن، كما تبيّن الأمثلة، أن مستعملي العربية أو الفرنسية ـ ونفس الشيء في كل اللغات الأخرى ـ لا يستخدمون نفس الألفاظ ونفس الصيغ اللغوية، وبشكل موحّد ومتطابق، للتعبير عن نفس الموضوعات. فهل يعني هذا أن العربية والفرنسية ليستا لغتين موحّدتين؟ الجواب نعم ولا: نعم، ليستا موحّدتين لأن مستخدميهما لا يستعملون، كما رأينا في الأمثلة، نفس المفردات ونفس الصيغ للتعبير عن نفس الوضعيات والأحداث. ولا، هما لغتان موحّدتان لأن مستعملي العربية أو الفرنسية يتفاهمون في ما بينهم بكل يسر، رغم أنهم لا يستخدمون نفس المفردات ونفس الصيغ التعبيرية. 

نستنتج إذن أن ما يجعل اللغة موحّدة، ليس استعمالها بطريقة موحّدة ومتطابقة من قبل جميع مستعمليها والناطقين بها، بل التفاهم، في ما بين هؤلاء المستعملين والناطقين، هو ما يجعل منها لغة موحّدة ومشتركة. فوحدة اللغة تكمن، إذن، ليس في استعمالها الموحّد، الذي هو عمليا غير ممكن بصورة مطلقة، بل في التفاهم intercompréhension بين من يستعملونها بطرق هي في الأصل غير موحّدة.

كيف تصبح اللغة موحّدة؟

هذه الوحدة في التفاهم قد تُكتسب:

1 ـ عن طريق المدرسة ـ أو ما يقوم مقامها ـ حيث يتعلم التلاميذ المفردات والتعابير المختلفة التي يستعملها، وبأشكال مختلفة وغير موحّدة، مستعملو تلك اللغة المعنية. وهذا ما يصدق مثلا على اللغة العربية التي يوحّدها تعلّمها المدرسي، حيث يتعلّم تلاميذ العربية كيف يفهمون ويستعملون مختلف مفرداتها وتعابيرها التي تستعمل في الأصل بصيغ غير موحّدة، بل تختلف باختلاف الاستعمالات الفردية لها. فتعلّمي العربية في المدرسة هو الذي جعلني أفهم ما يكتبه أو يقوله (في حالة كلامه بالفصحى) مواطن سعودي، رغم أنه لا يستعمل، للتعبير عن موضوع معين، نفس المفردات والصيغ التي أستعملها أنا عندما أعبّر عن نفس الموضوع بالعربية. ونفس الشيء بالنسبة له عندما يفهم كلامي (في حالة كلامي بالفصحى) وكتاباتي رغم أنني لا أستعمل نفس ما يستعمله هو من مفردات وصيغ للتعبير عن نفس الموضوعات.

2 ـ و ـ أو ـ عن طريق التواصل الشفوي بين مختلف مستعملي تلك اللغة، رغم أنهم لا يتحدثونها بشكل واحد وموحّد، من حيث المفردات والصيغ التعبيرية التي يستعملها كل واحد في التواصل مع الآخرين. لكن كل واحد، مع ذلك، يفهم كلام الآخر، وهو ما يعطي لهذه اللغة الوحدة التي تستمدها من وحدة التفاهم، وليس من وحدة الألفاظ والتعابير المستعملة في الأصل بطرق مختلفة وليست موحّدة، كما سبقت الإشارة. فلأن التواصل بنفس اللغة لا ينقطع بين أعضاء المجموعة التي تستعمل هذه اللغة، ينتج عن ذلك أن كل واحد من هؤلاء "يتعلّم" ويفهم "لغة" الآخر. وهو ما يجعل متحدثي هذه اللغة يتفاهمون في ما بينهم، رغم أن كل واحد منهم يستعمل "لغته" الخاصة به، المتمثلة في المفردات والتعابير التي يختارها ويستعملها في التواصل مع الآخرين.

وكمثال حي على أن وحدة اللغة تكمن في القدرة على التفاهم بين مستعمليها، وليس في استعمالها بطريقة متجانسة ومتطابقة من طرف هؤلاء المستعملين، والذي هو شيء غير ممكن بصفة مطلقة كما سبقت الإشارة، (كمثال على ذلك) الدارجة المغربية التي أصبحت لغة موحّدة، ليس لأن جميع المغاربة يتحدثونها بطريقة متجانسة ومتطابقة، وإنما لأن كل واحد منهم يستطيع أن يفهم ما يقوله الآخر. فرغم أن الدارجة الجبْلية ليست هي الدارجة المراكشية، ولا هذه هي دارجة الجهة الشرقية، إلا أن الشاوني والمراكشي والوجدي إذا التقوا، فإنهم يتواصلون في ما بينهم ويتفاهمون دون أدنى صعوبة، رغم أن لكل واحد دارجته التي تختلف عن دارجة الآخر. وعندما يفهم المراكشي كلام الوجدي والشاوني، فهذا لا يعني أنه يتنازل عن دارجته المراكشية ويستعمل الدارجة الوجدية أو الشاونية، بل كل ما هنالك أنه يفهم كلام الوجدي والشاوني لكن يردّ عليهما بكلامه المراكشي، الذي يفهمه الوجدي والشاوني بدورهما. هذا الفهم المشترك للدارجات المغربية، التي هي مختلفة في الأصل، يجد مصدره ـ فضلا عن دور التلفزيون والمدرسة والإدارة... في توحيد الدارجة ـ في التواصل بهذه الدارجات بين المغاربة من مختلف المناطق التي لها دارجتها الخاصة، وهو ما جعلهم ـ بل فرض عليهم ذلك ـ "يتعلّمون" دارجات بعضهم البعض، فكانت النتيجة أن كل واحد يفهم كلام الآخر، رغم أنهم لا يتكلمون نفس اللهجات بنفس الألفاظ ونفس التعابير.    

وماذا عن الأمازيغية؟

الغاية من كل هذه التوضيحات، حول مفهوم اللغة الموحّدة، هي أن نفهم، أولا، لماذا ليست الأمازيغية لغة موحّدة، ونفهم، ثانيا، الحل الأنسب لتوحيدها المدرسي ودون ـ وهذا هو بيت القصيد ـ أن يُبعدها ذلك التوحيد عن لغة التخاطب الشفوي.

هي غير موحّدة، ليس لأن المتحدثين بها لا يستعملون نفس الألفاظ ونفس التعابير للدلالة على نفس الوضعيات والأحداث والموضوعات، فذلك يخص كل اللغات كما رأينا، وإنما هي ليست موحّدة لانعدام التفاهم بين متحدثيْن بالأمازيغية ينتميان إلى منطقتين متباعدتين، مثل متحدثيْن أحدهما من الناظور والآخر من أكادير مثلا. فعندما يسأل الناظوريُّ الأكاديريَّ: مامش تلّيد؟ ـ Mamc tllid? ـ (كيف أنت؟ كيف حالك؟)، لن يفهم هذا الأخير ماذا يعني الأول. وعندما يوجه الأكاديريُّ نفس السؤال لمخاطبه الناظوري: مانزا ك ين؟ ـ Manza k in? ـ (كيف أنت، كيف حالك؟)، لن يفهم الناظوري شيئا رغم أنهما يتحدثان لغة أمازيغية. هذا الغياب للتفاهم بينهما هو الذي يجعل أمازيغيتهما لغة غير موحّدة.

لكن هذا الاختلاف في التعبير عن السؤال الخاص بحالة الشخص (كيف أنت؟ كيف حالك؟)، حاضر في أمازيغية الريف أيضا، حيث نجد سكان منطقة الحسيمة يقولون: "موخ تكّيد؟" (Mux tggid?)، في الوقت الذي يقول فيه سكان منطقة الناظور: "مامش تلّيد؟" (Mamc tllid?) لأداء نفس المعنى، كما رأينا. و"موخ تكّيد" الحسيمية مختلفة جذريا، مثل "مانزا ك ين" الأكاديرية، عن "مامش تلّيد" الناظورية، كأننا أمام لغتين مستقلتين إحداهما عن الأخرى. ذلك أن عبارة "موخ تكيّد؟"، لا علاقة لها بمقابلها الناظوري "مامش تلّيد"، إذ التعبيران مختلفان كليا، لفظا ومعنى ومبنى. فـ"موخ تكّيد؟" تستعمل فعل "كَـ" (فعل، أنجز، عمل) ـGgـ بمعنى لا يوجد في أمازيغية الناظور إلا في حالات قليلة جدا، والذي يدلّ على الحالة والوضع؛ ومصدره "تاماكيت" الذي باتت الحركة الأمازيغية تستعمله للتعبير عن الهوية، لأن هذه هي أيضا تعني الحال والوضع الذي يوجد عليه الشخص (هوية الشخص) أو شعب ما (هوية الشعب). والغريب أن هذا المعنى، الذي هو نادر في أمازيغية الناظور كما قلت، معروف ومستعمل بشكل يومي في أمازيغية الأطلس وسوس. ولهذا فالتعبير الحسيمي (موخ تكّيد؟) أفصح من التعبير الناظوري (مامش تلّيد؟)، بدليل أنه مترجم حرفيا إلى الدارجة في عبارة "كيف راك داير؟ كيف درتي؟" (كيف حالك؟ كيف أنت؟).

يضاف إلى هذا الاختلاف الأساسي اختلاف في أداة الاستفهام، التي هي (موخ) في أمازيغية الحسيمة، وهي لفظ غريب لا وجود له في أمازيغية الناظور. والعبارة الحسيمية تعني حرفيا: "كيف هو حالك؟، كيف هو وضعك؟". أما العبارة الناظورية، "مامش تلّيد"، فتستعمل فعل الكينونة "إلي" (Ili)، فضلا عن أداة استفهام (مامش) مغايرة للتي تستعمل في التعبير الحسيمي. وهي تعني (العبارة) حرفيا "كيف أنت كائن؟، كيف أنت موجود؟"، مما يبرز الاختلاف الكلي بين التعبيرين كأنهما ينتميان إلى لغتين مختلفتين ومستقلتين إحداهما عن الأخرى.

لكن رغم هذا الاختلاف الكبير، فأمازيغية الناظور والحسيمة واحدة وموحّدة، عكس أمازيغية الناظور وأكادير. لماذا؟

لأن التواصل بالأمازيغية منقطع ومنعدم بين سكان منطقة الناظور وسكان منطقة أكادير، وهو ما لم يسمح للأولين بفهم و"تعلّم" الألفاظ والتعابير الأمازيغية التي يستعملها سكان أكادير مثل "مانزا ك ين؟"، كما لم يسمح لهؤلاء بفهم و"تعلّم" الألفاظ والتعابير التي يستعملها سكان منطقة الناظور مثل "مامش تلّيد؟". في حين أن التواصل بالأمازيغية، بين هؤلاء وسكان منطقة الحسيمة، قائم بشكل دائم لا ينقطع، مما سمح للمجموعتين من السكان بفهم و"تعلّم" كل منهما الألفاظَ والتعابيرَ التي تستعملها المجموعة الأخرى، مثل "موخ تكّيد؟" الحسيمية، و"مامش تلّيد؟" الناظورية. وهو ما جعل أمازيغية الريف موحّدة ومشتركة، ليس لأن الريفيين يستعملونها بصيغ وألفاظ وتعابير متجانسة ومتطابقة، بل لأنهم يفهمون هذه الصيغ والألفاظ والتعابير الخاصة بهذه المنطقة أو تلك من مناطق الريف. وهو ما نتجت عنه لغة أمازيغية موحّدة ومشتركة بهذه المناطق، ودون أن يتخلى الريفيون، المستعملون لهذه اللغة الموحّدة، عن أمازيغيتهم الأصلية، التي هي اللغة الأم  الخاصة بمنطقتهم. ذلك أن أمازيغية الناظور والحسيمة، إذا كانت موحّدة ومشتركة، فهذا لا يعني أن الناظوري قد تخلى عن عبارة "مامش تلّيد؟" وأصبح يستعمل عوضا عنها العبارة الحسيمية "موخ تكّيد؟"، أو أن الحسيمي فعل نفس الشيء في ما يخص نفس العبارة "موخ تكّيد؟"، وإنما يعني فقط أن كل واحد منهما يفهم العبارة التي يستعملها الآخر، وهو ما يجعل التفاهم بينهما قائما، الشيء الذي يجعل أمازيغيتهما لغة موحّدة ومشتركة.

فعندما يلتقيان قد يجري، مثلا، بينهما الحوار التالي:

الحسيمي: موخ تكّيد؟ (Mux tggid?)

الناظوري: لّيغ مليح، إي شك، مامش تلّيد؟ (Lligh mlih, i ck, mamc tllid?)

الحسيمي: كّيغ مليح (Ggigh mlih).

إذن نلاحظ أن كل واحد منهما يتواصل بـ"لغة" منطقته، أي بلغته الأم، ويفهم في نفس الوقت اللغة الأم لمحاورِه. فتكون النتيجة أن الأمازيغية، التي يستعملانها، هي لغة موحّدة ومشتركة بينهما، ودون أن تكون غريبة ومختلفة عن اللغة الأم لكل منهما.  

الحل الثالث للتوحيد المدرسي للأمازيغية:

هناك إذن اختلافات بين الفروع اللهجية الثلاثة لأمازيغية المغرب، والتي تحول دون تحقيق تفاهم بين المتحدثين بتلك الفروع الثلاثة. ماذا سنفعل بهذه الاختلافات؟ كيف سنتعامل معها؟ ما الذي سنحتفظ به وما الذي سنحذفه منها، إذا أردنا أن ندرّس هذه اللهجات كلغة واحدة ومشتركة بين كل الأمازيغيين وكل المغاربة بالمغرب؟

إذا أردنا أن نجعل من هذه اللهجات الأمازيغية، رغم الاختلافات التي تفرّق بينها، لغة مدرسية موحّدة ومشتركة، ودون أن تكون ذات قطيعة مع اللغة الأم التي هي اللهجة الأمازيغية المتداولة في كل منطقة، فيكفي أن نطبّق ونعمّم الحالة اللغوية التي وقفنا عليها في ما يخص جهة الريف، عندما شرحنا ذلك بتبيان أن اللهجة الأمازيغية لمنطقة الحسيمة ليست هي نفسها اللهجة الأمازيغية لمنطقة الناظور، كما أوضحنا ذلك من خلال مثالي "موخ تكّيد؟" و"مامش تلّيد؟"، مبرزين أنه بالرغم مما يفرّق بين أمازيغية الحسيمة وأمازيغية الناظور من اختلافات، إلا أن سكان المنطقتين يتواصلون ويتفاهمون فيما بينهم، لأن كل واحد منهم "تعلّم" أمازيغية المنطقة الأخرى التي أصبح يفهمها، ودون أن يتخلى عن اللغة الأم الخاصة بمنطقته. فكانت النتيجة ـ وهذا ما يهمّنا ـ أن أمازيغية الريف، بجزئيه الشرقي والغربي، أي من بركان حتى أصيلة، موحّدة ومشتركة، ودون أن تحدث هذه اللغة، الموحّدة والمشتركة، هوة بينها وبين اللغة الأم للسكان المتحدثين بالأمازيغية.

إذا كان التواصل المباشر بالأمازيغية هو سبب التمكّن من هذه اللغة الموحّدة والمشتركة، فإن المدرسة يمكن أن تقوم بدور هذا التواصل بين الفروع اللهجية الثلاثة لأمازيغية المغرب، حيث يتعلّم التلميذ ويفهم الفوارق والاختلافات بين هذه الفروع وفق برنامج دراسي مهيأ، وبشكل متدرّج، لتحقيق هذا الهدف. وهكذا سيتعلم تلميذ أكادير، ضمن رصيده اللغوي الأمازيغي المدرسي، أن "مانزا ك ين" (Manza k in?) (كيف أنت، كيف حالك؟) السوسية، يُعبّر عنها أيضا بـ:

ـ "مامش تلّيد؟" (Mamc tllid?)

ـ "موخ تكّيد؟" (Mux tggid?)

ـ "ماي تعنيد؟"{May tonid? ـ  ع = o }

ـ "مانوا ش؟" (Manw ac?)

وهذه الاختلافات لا تقتصر على مجرد المترادفات المعجمية، في شكلها البسيط الذي يخص الكلمات، كما يردد الذين لم يدركوا طبيعة الفوارق بين فروع الأمازيغية، عندما يستشهدون بمثال "الأسد"، الذي يسمى في أمازيغية الريف "أيراد" (Ayrad) و"إيزم" (Izm) في أمازيغية الأطلس مثلا. بل تشمل، بالإضافة إلى الكلمات (المعجم)، حروف المعاني، وأدوات الربط ـ وهي التي تحول، قبل غيرها، دون التفاهم بين متحدثيْن بلهجتين أمازيغيتين مختلفتين ـ، وأشكال الصيغ التعبيرية، وطريقة النطق، وحتى تصريف الأفعال في بعض الحالات. تتمثّل إذن المقاربة الجديدة لتوحيد الأمازيغية عن طريق المدرسة، ليس في إهمال ـ أو إلغاء ـ الاختلافات والفوارق بين فروع الأمازيغية والاحتفاظ فقط بالمشترك بينها، الذي يُلقّن للتلميذ بهدف "صنع" أمازيغية معيارية وموحّدة، لكن ضعيفة الصلة بلغة الأم، كما رأينا في ما يخص أطروحة الأمازيغية "الفصحى" المعيارية، وإنما تتمثل هذه المقاربة في الإبقاء على الاختلافات والفوارق بين هذه الفروع، وتلقينها وتعليمها، ضمن مادة اللغة الأمازيغية، لجميع التلاميذ من جميع المناطق، بقصد أن يصبح كل تلميذ قادرا على فهم أمازيغية المنطقة التي تتميز عن أمازيغية منطقته بتلك الاختلافات والفوارق، ودون أن يكون هو مضطرا لاستعمالها كبديل عن أمازيغيته التي اكتسبها كلغته الأم. فبمجرد ما يصبح هذا التلميذ، بعد مرحلة معينة من مساره الدراسي، ضابطا لهذه الفوارق بين اللهجات الأمازيغية الثلاث، عارفا بها فاهما لها ولاستعمالاتها، يصبح في نفس الوقت قادرا على التواصل والتفاهم مع أي متحدث بأية لهجة أمازيغية بالمغرب، وقارئا وفاهما لأي نص أمازيغي مهما كانت اللهجة التي كتب بها. وبذلك يكتسب هؤلاء التلاميذ، ودون أن يُحدث ذلك قطيعة مع لغتهم الأم، لغةً أمازيغية موحّدة ومشتركة، لأن أساس اللغة الموحّدة والمشتركة، من الناحية العملية والتواصلية، وكما سبق شرح ذلك، هو التفاهم المشترك Intercompréhension بين المتحدثين بهذه اللغة. وهذا ما نحقّقه ونصل إليه بتعليم الاختلافات والفوارق بين اللهجات الأمازيغية للتلميذ، على اعتبار أن سبب غياب التفاهم بين المتحدثين بمختلف اللهجات الأمازيغية يرجع، كما سبق أن رأينا، إلى وجود اختلافات وفوارق بين هذه اللهجات لا يعرف استعمالاتها ودلالاتها ووظائفها من يتحدث باللهجة الخاصة بمنطقته. النتيجة، إذن، إذا ضبطنا هذه الاختلافات والفوارق وتعلمناها عن طريق المدرسة، وأصبحنا نعرف استعمالاتها ودلالاتها ووظائفها، فسنصبح قادرين على فهم كل اللهجات الأمازيغية، وبالتالي نحقّق التفاهم بين كل المتحدثين بمختلف هذه اللهجات، أي نصل إلى لغة أمازيغية موحّدة ومشتركة، ودون أن تكون لغة مصطنعة أو غريبة أو مختلفة عن اللغة الأم، التي يتكلمها كل مستعمل للأمازيغية.

فمضمون هذه المقاربة "اللهجاتية"، أو هذا الحل الثالث لتعليم وتدريس أمازيغية موحّدة ومشتركة، يتلخص في ما يلي: بدل أن نعلّم وندرّس أمازيغية "فصحى" مصطنعة ومقطوعة الصلة باللغة الأم، أو ندرّس كل لهجة من اللهجات الثلاث كلغة مستقلة، نقوم بتعليم كل اللهجات الثلاث لكل التلاميذ بكل المدارس وبكل المناطق. ولا يتطلّب تعلّم كل اللهجات من طرف من يجيد إحداها، إلا ـ كما سبق أن شرحنا ـ استيعاب الاختلافات والفوارق التي تحول دون تحقيق التفاهم المشترك بين المتحدثين بهذه اللهجات.

وتعليم هذه الاختلافات والفوارق لن يكون أكثر من عملية توسيع وإغناء للرصيد اللغوي للتلميذ. فالمعروف أن هذا الأخير يلتحق بالمدرسة وهو يجيد اللغة الأم التي اكتسبها داخل الأسرة. وهي بطبيعتها لغة محدودة في معجمها وتعابيرها ومستوى تجريدها. وهنا تتدخل المدرسة لتطوير هذه اللغة وتنمية معجمها، وتوسيع مجالات استعمالها لتشمل تدريجيا الموضوعات المجردة. وبذلك يتعلّم هذا التلميذ، عن طريق المدرسة، ألفاظا وتراكيب وتعابير ومفاهيم جديدة، لكن دون أن يشعر بأنه يتعلم لغة جديدة، لأن كل ذلك الجديد اللغوي (ألفاظ، تعابير، تراكيب، مفاهيم...)، الذي يتعلّمه في المدرسة، يتم داخل نفس النسق اللغوي للغة الأم التي يعرفها، والتي تعمل المدرسة على تطويرها وإغنائها وتنمية وظائفها وتوسيع مجالات استعمالها، كما سبقت الإشارة. في إطار هذا التطوير والإغناء والتنمية والتوسيع، يندرج تعليم وتدريس الاختلافات بين فروع الأمازيغية، التي لا يتعلّم التلميذ من خلالها لغة جديدة، وإنما يتعلم ألفاظا وتعابير ووظائف واستعمالات جديدة لنفس اللغة الأم التي يجيدها.   

هذا هو المبدأ العام، لكن من الناحية العملية والإجرائية والبيداغوجية، كيف يمكن تطبيق هذا المبدأ لتدريس امازيغية موحّدة ومشتركة؟

تصنيف وتبويب الاختلافات بين الفروع اللهجية الثلاثة:

لقد سبق أن رأينا كيف أوضح المستمزغ الفرنسي "أندري باسّي" «أن من يتقن جيدا لهجة أمازيغية واحدة، يستطيع في أسابيع قليلة إتقان أية لهجة أخرى أمازيغية كيفما كانت»، مبرزا بذلك التقارب الكبير جدا بين هذه اللهجات. وهو ما يؤكد أن الاختلافات، بين الفروع اللهجية الثلاثة لأمازيغية المغرب، ليست بالحاجز الذي لا يمكن تذليله والتغلّب عليه لتوحيد هذه الفروع. فإذا كانت هذه الاختلافات اللهجية الجهوية هي التي تحول دون تحقيق التفاهم بين متحدّثيْن بلهجتين أمازيغيتين مختلفتين، فإنه يكفي، كما سبق شرح ذلك، ضبط هذه الاختلافات وفهمها واستيعابها، ليتحقق هذا التفاهم بين متخاطبيْن يستعملان لهجتين مختلفتين من اللهجات الثلاث.

وكي تُضبط هذا الاختلافات بهدف فهمها واستيعابها، ينبغي حصرها وتحديدها، ثم تصنيفها وتبويبها حسب المجال الذي تنتمي إليه (معجم، نطق، حروف المعاني، ضمائر، أدوات الاستثناء، أدوات الاستفهام، ظروف الزمان والمكان...إلخ)، حتى يمكن تلقينها كدروس ضمن دروس اللغة والنحو. وبالمقارنة بين الفروع الأمازيغية الثلاثة، سنلاحظ أن الاختلافات بينها تنقسم إلى صنفين: الاختلافات الثانوية والاختلافات الأساسية.

أولاـ الاختلافات الثانوية: وتشمل الاختلافات المعجمية، والصوتية التي تخص النطق.

1 ـ الاختلافات المعجمية:

هذه الاختلافات المعجمية لا تطرح مشكلا كبيرا أو لا تطرح مشكلا على الإطلاق. ذلك أن الألفاظ  المختلفة من لهجة إلى أخرى، هي مترادفات سيتعرّف عليها التلميذ ويكتشف دلالاتها، ويصبح قادرا على استعمالها وتوظيفها مع تقدمه في تعلم ودراسة الأمازيغية. فالمترادفات ظاهرة معروفة وموجودة في كل لغة. ولا يمكن لأحد معرفة كل المترادفات التي تتضمنها لغة ما، إذا اكتفى فقط بالمعجم الذي اكتسبه من لغته الأم ودون تعليم مدرسي.

من جهة أخرى، يشكّل المعجم المشترك لكل فروع الأمازيغية بالمغرب نسبة تفوق 75 في المائة. وحتى ضمن الكلمات التي لا تستعملها اللهجات بشكل مشترك، قد نجد اشتقاقات أخرى، لنفس الكلمة، مستعملة في المنطقة التي لا تُستعمل فيها تلك الكلمة نفسها، كما تبيّن الأمثلة التالية:

ـ فعل "أمز" (Amezv) ، المستعمل بمناطق الأطلس وسوس بمعنى "أمسك، اقبض باليد"، غير معروف بالريف. لكن نجد مصدره، غير المتداول خارج جهة الريف، مستعملا وهو "تومزت" (Tumezvt)، الذي يعني مقدار يما يمكن إمساكه بقبضة اليد.

ـ كلمة "أضو"(Advu) ، التي تعني "الريح"، والمتداولة بمناطق الأطلس وسوس، غير شائعة بالريف. إلا أن الفعل المشتق من جذر هذه الكلمة، وهو "ضو" (Dvu) الذي يعني "طار"، أي "مشى" في الجو كما تفعل الريح، مستعمل يوميا بالريف.

ـ كلمة "إيقاريضن" (Iqaridvn)، التي تعني بسوس "النقود، المال"، غير معروفة في أمازيغية الريف. لكن الفعل المشتق من نفس الجذر، وهو "قارض" (Qardv)، الذي يعني "أنفق النقود، صرف المال"، مستعمل في أمازيغية الريف، في الوقت الذي هو مجهول في أمازيغية سوس.

ـ الفعل (أو الصفة) "ييزيل" (Yizvil) المتداول بوسط وجنوب المغرب، والذي يعني "جمُل، حسن" أو "جميل، حسن"، غير معروف بالريف، لكن مصدره معروف ومتداول وهو "أزر(ل)ي" (Azvr(l)i)  أي الحسن والجمال، والذي لا يوجد في أمازيغية الجهتين الوسطى والجنوبية.

ـ كلمة "أسيف" (Asif) غير مستعملة بالريف، والتي تعني "النهر" بالمناطق الأمازيغية الأخرى. لكن الفعل المشتق منها متداول ومستخدم بالريف، وهو "سفي" (Sfey) الذي يعني: "فاض الماء".

ـ كلمة "ألّن" (Allen) المستعملة بوسط المغرب، والتي تعني "العيون" (للإبصار)، غير معروفة بالريف. لكن الفعل المشتق منها معروف ومتداول وهو "وار(ل)ا" (War(l)a) الذي يعني "نظر، أبصر"، أي استخدام "العيون" التي هي Allen. وهو فعل لا وجود له في أمازيغية الجهات الأخرى من غير الريف.

ـ إلخ...

2 ـ الاختلافات الصوتية:

أ ـ نجدها في اختلاف النطق ببعض الحروف من لهجة جهوية إلى أخرى، مثل، تحوّل الكاف إلى شين {"نش" = "نك" (Nc =Nk ـ أنا ـ }، واللام إلى راء {"أول = أور Ul = Ur ـ القلب ـ} (خصوصية محلية ما بين الناظور والحسيمة فقط ولا تشمل كل أمازيغية الريف)، والگاف إلى ياء {أگراو = أيراو Agraw = Ayraw (اجتماع)}، والگاف إلى جيم {أجنّا = أگنّا Ajnna = Agnna  (السماء)}، وتحول اللام مشددة (لّ) إلى "دج" {ألّون = أدجون، Allun = Adjun ـ بندير ـ (خصوصية محلية ما بين الناظور والحسيمة فقط ولا تشمل كل أمازيغية الريف)، وتحول الخاء إلى غين {نّيغ = نّيخ، Nnigh = Nnix (قلت)}....

ب ـ ونجدها في اختلافات صوتية تخص الصوائت في تصريف بعض الأفعال حسب بعض الأزمنة وبعض الضمائر، مثل:

ـ "يورا"  Yura (كتب) في أمازيغية الريف تنطق في أمازيغية الأطلس "يارو" Yaru،

ـ "أرزو" Arzu (ابحث) في امازيغية الريف تنطق "رزو" Rzu في امازيغية الجهات الأخرى

ـ "ضفار" Dvfar (اتبع) في أمازيغية الريف تنطق في أمازيغية الأطلس "ضفور" Dvfur،

ـ "سّارسغ"  Ssarsgh (وضعت) في أمازيغية الريف تنطق في أمازيغية الأطلس "سّرسغ" Ssrsgh.

إذا كانت هذه الاختلافات الصوتية الأخيرة تتصل بتصريف الأفعال، فلا يعني ذلك بتاتا اختلافا في النظام الصرفي الذي يبقى واحدا وموحّدا بين الفروع الثلاثة للأمازيغية، وإنما يعني فقط تغييرات طفيفة في بعض الصوائت عندما يتعلق الأمر ببعض الضمائر التي تصرف إليها تلك الأفعال. 

سمينا هذه الاختلافات بالثانوية لأنها ـ ورغم أنها قد تكون سببا في بعض الحالات لعدم تحقيق التواصل والتفاهم المشترك بين أمازيغيي كل المناطق بالمغرب ـ ليست السبب الرئيسي لانعدام هذا التفاهم المشترك بين مختلف اللهجات الأمازيغية بالمغرب. لنشرح ذلك:

إذا قارنا بين نصوص مكتوبة ومسموعة (الإذاعة والتلفزيون اللذان يبثان بالأمازيغية) من مختلف اللهجات الأمازيغية المغربية، سنلاحظ منذ البداية أن هذا النوع من الاختلافات، التي ذكرناها، يسهل ضبطها مع التعوّد على الاستماع وقراءة مثل تلك النصوص، بحيث لن تعود أبدا عائقا لا يمكن التغلب عليه لتحقيق تواصل مشترك بين مستعملي هذه اللهجات. لكن في نفس الوقت سنكتشف أن هناك صنفا آخر من الاختلافات، تشكل السبب الرئيسي والمباشر لانعدام التفاهم بين شخصين يتحدثان لهجتين أمازيغيتين مختلفتين. فما هي هذه الاختلافات؟

ثانيا ـ الاختلافات الرئيسية: وتتمثّل في حروف المعاني وأدوات الربط، وكل ما يندرج ضمن ما يعرف بالفرنسية بـ: Mots-outils التي تكوّن Les adverbes, les prépositions, les déterminants, les pronoms, les conjonctions... ، والتي  تشمل، ضمن ما تشمله:

ـ صيغ "هل" الاستفهامية مثل: ما، إيس... Ma, Is، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ "لماذا" التي تفيد الاستفهام السببي مثل: مايمّي، ماغار، ماخف، ماخ...  Maymmi, Magahr, Maxf, Max، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ "كم" (المقدار والعدد)، مثل: مشحال، مشتا، منّاو، منشك... Mchal, Mcta, Mnnaw, Mnck، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ الصيغ الدالة على الكثرة، مثل: أطّاس، باهرا، شيكان، بزّاف.... Attvas, Bahra, Cigan, Bzzaf، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ الصيغ الدالة على القلة، مثل: إيميك، دروس... Imik, Drus، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

 ـ صيغ "إذا" و"لو"، مثل: مر، مش، إيمالا، إيك، إيغ... Mr, Mc, Imala, Ig, Igh، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ "متى" الزمانية، مثل: ملمي، مانتور، ماناك Mlmi, Mantur, Manag.....، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ "أين" المكانية، مثل: ماني، مانزا Mani, Manza.....، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ  صيغ الظرف "عند"، مثل: غور، دار... Ghur, Dar، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ "عندما"، مثل: أسمي، خمينّي، أدّاي، ألّيك... Asmi, Xminni, Adday, Allig، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ "الآن"، مثل: رختو، روخ، دغي، غيلاد... Rxtu, Rux, Dghi, Ghilad، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ التقابل، مثل: واخّا، مقّار... Waxxa, Mqqar، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

 ـ صيغ "البارحة"، مثل: أسنّاط، إيضنّاط، إيضغام... Assnnatv, Idvnnatv, Idvgham، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ اسم الإشارة للمفرد، مثل: أ، أد، أو (أركاز ا، اركاز اد، أركاز و = هذا الرجل) A, Ad, U (Argaz a, Argaz ad, Argaz u = Cet homme)، وهي صيغ تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ الاستثناء، مثل: غاس، مغار... Ghas, mghar، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

 ـ صيغ "لأن" العِلّية، مثل: أشكو، إيدّغ، مينزي... Acku, Iddgh, Minzi، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ "حتى" الغائية (من أجل)، مثل: حما، أكا، فاد، باش... Hma, Aka, Fad, Bac، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ صيغ الاسم الموصول: نّا، ونّا، لّي، إيك... Nna, wnna, lli, Ig، والتي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات.

ـ وغير ذلك من الأدوات النحوية الأخرى التي تختلف استعمالاتها حسب المناطق والجهات، والتي تشكّل العائق الحقيقي لانعدام التفاهم بين مستعملي الأمازيغية المنتمين لمناطق وجهات مختلفة.

إلا أن ما يجب الوقوف عنده والتشديد عليه، هو أن كل هذه الاختلافات، بنوعيها الثانوي والأساسي، لا تتجاوز مائتي (250) اختلاف بين كل اللهجات الأمازيغية بالمغرب، حسب المقارنة التي أجريتها بين الفروع الثلاثة لأمازيغية المغرب. وواضح أن اختلافات لغوية، بهذا المقدار وهذا العدد، بين ثلاث لهجات، لا يمكن أن تكون سببا كافيا لانفصال كل لهجة عن الأخرى، لتصبح ثلاثَ لغات قائمة بذاتها ومستقلة إحداها عن الأخرى. فمثل هذه الاختلافات قد نصادفها حتى داخل اللهجة الواحدة، عندما ننتقل من قبيلة إلى أخرى، أو من بلدة إلى أخرى، لكن دون أن ينتج عن ذلك أي مشكل في التفاهم بين مستعملي اللهجة المعنية، وذلك لكثافة التواصل بين سكان المنطقة التي تنتشر بها تلك اللهجة، كما سبق شرح ذلك. وإذا كانت هناك صعوبة أو انعدام كلي للتفاهم بين أمازيغيي الشمال والوسط والجنوب، فلا يرجع ذلك بالضرورة إلى الاختلافات التي عرضنا نماذج منها بين اللهجات الثلاث، بل يرجع، كما شرحنا سابقا، إلى انقطاع التواصل اللغوي بين سكان المناطق الثلاث لمدة طويلة.

كيف سنتعامل مع هذه الاختلافات والفوارق؟

علينا أن نعي أولا أن توحيد الأمازيغية عملية تنجز عبر مراحل قد تستغرق أزيد من خمس عشرة سنة منذ انطلاقتها الأولى. ثم يتناقص بعد ذلك تدريجيا عدد السنوات التي يتطلّبها اكتساب أمازيغية موحّدة، إلى أن نصل إلى برنامج موحّد وكتاب مدرسي موحّد منذ السنوات الأولى من التعليم الابتدائي.

ففي السنتين الأولى والثانية من التحاق التلميذ بالمدرسة، يقتصر تعليم الأمازيغية على تمكين هذا التلميذ من كتابة وقراءة الأمازيغية بحرفها الأمازيغي، من خلال نصوص بسيطة مرتبطة بمحيط التلميذ وبيئته. كل ذلك يكون بإحدى اللهجات المتداولة بالمنطقة (الريف، المغرب الأوسط، سوس)، والتي لا تتضمن من  الأمازيغية الموحّدة إلا ما كان موحّدا ومشتركا أصلا، بحيث لا يجب أن  يشعر التلميذ  أنه يدرس لغة غير لغته الفطرية التي اكتسبها منذ صغره.

ابتداء من السنة الثالثة، التي توافق العام الثامن/التاسع من عمر التلميذ، تُقرّر مادة النحو Tajerrvumt التي تمكّن التلميذ من اكتشاف القواعد الخفية التي تحكم لغته. وضمن مادة النحو  والإملاء يُدرج تدريس الفوارق بين اللهجات الأمازيغية التي سبق الكلام عنها. ويجب أن تكون موضوع برنامج متدرج وموزّع، حسب درجة الصعوبة، على ما تبقى من سنوات الدراسة حتى السنة النهائية من التعليم الثانوي الإعدادي، أي ما مجموعه سبع سنوات من دراسة قواعد الإملاء  والصرف  والنحو الأمازيغي، لكن دون أن يشعر التلميذ أنه يدرس قواعد إملائية وصرفية ونحوية خاصة بلغة أو لهجة أخرى، بل ينبغي أن تكون هذه الدروس مندمجة في البرنامج الخاص بالقواعد النحوية والإملائية والصرفية للهجته الأمازيغية، وموحّدة ومشتركة، في نفس الوقت، على الصعيد الوطني.

ويتناول موضوع كل درس في النحو والصرف أحد الفوارق الأساسية بين اللهجات، والذي يتحدد هدفه في استيعاب التلميذ لمختلف الصيغ (مثل صيغ الاستفهام، أو الاستثناء، أو الكم والعدد، أو القلة والكثرة، أو ظروف الزمان والمكان، أو أدوات القرب والبعد، أو أسماء الإشارة، أو الاسم الموصول... إلخ) التي يُعبّر بها عن هذا الفارق في مختلف اللهجات، بجانب ـ وانطلاقا من ـ الصيغة الأولى التي يعرفها ضمن اللغة الأم للهجته التي يتحدث بها، حتى لا يشعر أنه يدرس لغة مختلفة عن لغته الأم.

وينبغي، طبعا، وحتى يتحقق التقدم والتراكم على مستوى توحيد الأمازيغية، أن تُهيأ وتنجز هذه الدروس حول الاختلافات بين فروع الأمازيغية، بالشكل الذي يجعل كل اختلاف تمّ فهمه واستيعابه في درس جديد، يُدمج، بعد ذلك، ضمن النصوص الجديدة التي يدرسها التلاميذ، كجزء من الأمازيغية المشتركة والموحّدة، التي تدرّس لكل التلاميذ بكل المناطق حتى السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية الإعدادية.

ولتوضيح هذه المنهجية نشير، كمثال، إلى أنه قبل التعرّض لاسم الإشارة المفرد كدرس في النحو الأمازيغي، لا يكون التلميذ يعرف غير النصوص التي تستعمل اسم الإشارة المفرد بالصيغة المتداولة في لهجته (إما "أ" أو "أد" أو "أو" A, Ad, U). أما الدرس المتعلق باسم الإشارة المفرد فسيكون موحّدا ومشتركا، وينطلق من نص واحد ومشترك كذلك على الصعيد الوطني، ويتضمن أمثلة توضيحية لاسم الإشارة المفرد بصيغه الثلاث، بحيث يتحدد الهدف والكفاية، المرتبطان بالدرس الجديد، في استيعاب التلميذ، كمرحلة أولى، أن اسم الإشارة المفرد في الأمازيغية يستعمل بصيغ ثلاث لا فرق بينها من حيث الدلالة والوظيفة، وفي القدرة، كمرحلة ثانية، على توظيف هذه الصيغ واستعمالها في الكلام والكتابة. وهكذا سيتعلم جميع التلاميذ، ومن جميع المناطق، أن عبارة "اركاز ا" {أو "أركاز اد" أو "أركاز و" حسب المناطق ـ Argaz a, Argaz ad, Argaz u (هذا الرجل)}، يعبّر عنها كذلك بـ"أركاز اد" (الوسط والجنوب) و"أركاز و" (أيت يزناسن وكبدانة) و"أركاز ا" (الريف).

وحتى يتحقق التراكم والتقدم في عملية التوحيد المدرسي للأمازيغية، يشترط ان تتضمن النصوص التي تأتي بعد هذا الدرس (لنبقى في مثال درس اسم الإشارة المفرد) ـ سواء الخاصة بالقراءة أو الإملاء أو التاريخ أو العلوم... ـ اسم الإشارة المفرد بصيغه المختلفة حسب الحالات، لأن هذا الذي كان مختلفا من لهجة إلى أخرى أصبح الآن شيئا مشتركا بين كل اللهجات، بعد أن بات التلاميذ يفهمون كل هذه الصيغ لاسم الإشارة المفرد، وهو ما يتحقق معه التفاهم بين مستعملي اسم الإشارة المفرد بالصيغ المختلفة الخاصة بكل لهجة.

وبنفس الطريقة، ولنفس الهدف، تنجز كل الدروس الأخرى المتعلقة بالفوارق الأخرى بين اللهجات على مدى سنوات الدراسة الابتدائية والثانوية الإعدادية، بحيث يصبح التلميذ في نهاية المرحلة الثانوية الإعدادية قادرا على فهم أي نص أمازيغي مكتوب بأية لهجة أمازيغية، والتحاور مع أي أمازيغي من أية منطقة من المغرب.

أما في المرحلة الثانوية التأهيلية، فإن دراسة الأمازيغية ستتواصل، وبشكل موسّع ومعمّق، ببرامج موحّدة ومشتركة، تطبيقا لما سبق استيعابه في المرحلة الدراسية السابقة.

العلاقة بين تعلّم الاختلافات اللهجية والحفاظ على اللغة الأم:

سبق أن أوضحنا أن مشكل التوحيد المدرسي للأمازيغية، ليس مشكلا إلا عندما نريد أن يكون هذا التوحيد استمرارا وامتدادا للغة الأم التي يعرفها ويتقنها التلميذ، بحيث لا يشعر هذا الأخير أبدا أن لغته المدرسية هي لغة غريبة عن لغته الفطرية التي اكتسبها داخل البيت، بل هي ذات اللغة التي تعمل المدرسة على تطويرها وتوسيع معجمها، وإغنائها بالمفاهيم المجردة الجديدة مع التقدم في التحصيل الدراسي للتلميذ. فمعلوم أنه كلما اكتسب التلميذ أفكارا ومعارف جديدة، يكتسب معها، في نفس الوقت، مفاهيم وألفاظا وتعابير جديدة تعبّر عن تلك المعارف والأفكار، مما يغني رصيده اللغوي نتيجة اغتناء أفكاره ومعارفه. فتعلّم التلميذ الناطق بالأمازيغية، في إطار التوحيد المدرسي لهذه اللغة، لمفاهيم وألفاظ وتعابير جديدة، تستعملها في الأصل لهجة أخرى غير التي يستعملها هذا التلميذ، يدخل إذن ضمن إغناء رصيده اللغوي، موازاة مع اكتسابه مزيدا من الأفكار والمعارف. وهو ما يجعل من لغة المدرسة، وحتى عندما تكون جديدة في ألفاظها وتعابيرها ومجردة في مفاهيمها، استمرارا وتطويرا لنفس اللغة التي جاء بها هذا التلميذ إلى المدرسة.

ولهذا فإن الأمازيغية المدرسية، أي أمازيغية الكتابة، لن تكون مطابقة مائة في المائة للغة الأم ولأمازيغية البيت والشارع، أي للأمازيغية الشفوية، دون أن يعني ذلك أبدا أننا سنكون أمام حالة "ديغلوسيا" (Diglossie)، أي أمام لغتين لا تربط بينهما إلا علاقة ضعيفة، كما في العلاقة بين العربية المدرسية والدارجة المغربية، اللتين تشكلان لغتين مستقلتين إحداهما عن الأخرى. والفرق بين الأمازيغية المدرسية المكتوبة والأمازيغية المتداولة، هو نفسه ـ أو أقل منه ـ الفرق الموجود بين لغة الكتابة ولغة الكلام في كل اللغات الحية المستعملة في الكلام والكتابة، مثل الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية... مثال ذلك: رغم أن المغاربة يتعلمون اللغة الفرنسية في المدرسة، أي كلغة مدرسية راقية، لكن عندما يذهبون إلى فرنسا فإنهم يفهمون اللغة التي يتحدث بها الفرنسيون في الشارع، وهؤلاء يفهمون فرنسية المغاربة التي تعلموها في المدرسة. وهكذا يحصل التفاهم والتواصل بينهما دون أدنى صعوبة، وهو ما يؤكد أن فرنسية الشارع وفرنسية المدرسة لغة واحدة. صحيح أن هؤلاء المغاربة قد يصادفون كلمات "عامّية"، يستعملها محاورهم الفرنسي في الشارع، لا يفهمونها لأنها لا تنتمي إلى قاموس الفرنسية المدرسية. كما أن الفرنسيين الأميين (مجرد مثال للتوضيح)، أي الذين لم يدرسوا الفرنسية في المدرسة، قد لا يفهمون بعض الكلمات الفرنسية التي يستعملها مخاطبوهم المغاربة، أو التي تستعملها نشرات الأخبار في القنوات الفرنسية. لكن المهم، ورغم عدم فهم الطرفين لبعض الكلمات التي يستعملها هذا الطرف أو ذاك، فإنهما يتواصلان ويتفاهمان بشكل عادي وسلس، مما يعني أنهما يتحدثان لغة واحدة وموحّدة.  

هذا هو الفرق ـ إذا كان هناك فرق ـ الذي سيكون بين الأمازيغية المدرسية المشتركة، وأمازيغية البيت والشارع والسوق. وهو فرق، موجود ـ كما قلت ـ في كل اللغات التي تعرف الكتابة، بين الاستعمال الشفوي والاستعمال الكتابي داخل نفس اللغة، حيث تمثّل الكتابة مستوى أعلى وأرقى لممارسة اللغة، كما يظهر ذلك في اختيار الألفاظ، وانتقاء التعابير، والاعتناء بجمالية الأسلوب.

فالمقصود إذن بالأمازيغية المدرسية الموحّدة، ليس تلك التي تستعمل في الكتابة والمدرسة كما تستعمل في البيت والشارع، وإنما المقصود أن الذي تعلّمها في المدرسة، وبالطريقة وللأهداف التي شرحناهما، يستطيع أن يتفاهم ويتواصل مع أي مغربي يتحدث الأمازيغية، سواء في الشارع أو البيت أو السوق أو المعمل، مما يعني أن هذه الأمازيغية، المستعملة في المدرسة وفي الشارع، هي أمازيغية واحدة، موحّدة ومشتركة.

هكذا تنجح هذه المقاربة "اللهجاتية" للتوحيد المدرسي للأمازيغية، في إكساب التلميذ أمازيغية موحّدة ومشتركة، ودون أن تكون مختلفة عن لغته الأم التي يستعملها في البيت وفي الشارع. ومعروف أن الوحدة بين لغة البيت ولغة المدرسة سبب رئيسي لنجاح أي نظام تعليمي.

الصواب والخطأ:

قد يلاحظ أننا اخترنا أن نعلّم التلميذ كل الاختلافات الموجودة بين اللهجات كدروس في قواعد الإملاء والنحو والصرف الأمازيغيين. هناك من يرى أنه، بدل أن يعرف ويتعلم هذا التلميذ كل الأشكال الصوتية المختلفة التي يُنطق بها حرف ما في كل لهجة، أو كل الصيغ التي يُعبر بها، مثلا، عن اسم الإشارة أو الاستفهام أو النفي أو الكثرة...، بدل ذلك يكفي أن يتعلم ويعرف فقط الصيغة "الصحيحة" الأصلية، مع  الاستغناء عن كل الصيغ الأخرى التي هي مجرد نطق غير "سليم"، وتعابير "خاطئة" و"منحرفة" عن الاستعمال "المعياري" للغة الأمازيغية، نتيجة لغياب المدرسة، وما يرتبط بها من ممارسة للكتابة، التي كان بإمكانها أن تحمي اللغة "المعيارية" من التطور نحو التعابير اللهجية الخاطئة والنطق غير "السليم". فمثلا، بدل أن نعلّم التلميذ أن "القلب" ينطق "أول" و"أور" Ul و Ur، وأن "أنا" تنطق "نك" و"نش" Nek و Nec، نقتصر على تعليمه ما هو "أصلي"، والذي هو Ul وNek . كذلك فيما يتعلق بصيغ اسم الإشارة، يستحسن الاقتصار على "أد" Ad، التي هي الصيغة "الأصلية" "السليمة"، لاقترانها بحرف "د" الذي هو أداة نحوية تدل على القرب المرتبط باسم الإشارة.

حتى على فرض أن هذا الاستدلال صحيح، فإنه غير مجدٍ ويجب عدم العمل به. لماذا؟ لأننا هنا أمام لهجات شفوية، وليس أمام لغة كتابية معيارية مشتركة، نرجع إليها حتى نحكم على أن هذا التعبير صواب أو خطأ. فـ"الخطأ" في اللغة هو ما تعتبره الجماعة المستعمِلة لتلك اللغة أنه كذلك. والحال أن النطق بكلمة "أور" Ur، هكذا بحرف الراء، لا تعتبر خطأ لدى سكان المنطقة الذين ينطقون اللام راء،  ولا يعتبر اسم الإشارة "أ" A، ولا حرف الاستفهام "ما" Ma، ولا أداة النفي War ....إلخ، تعابير خاطئة عند من يستعملون هذه التعابير في لهجاتهم. وبالتالي فكل التعابير والصيغ المستعملة في إحدى اللهجات  صواب عند مستعمليها. الشيء الذي يبرر تعلّم كل الاختلافات الموجودة بين اللهجات.

هذا بالإضافة أن الاحتفاظ ببعض التعابير من هذه اللهجة وإلغاء أخري من لهجة ثانية، يرجع بنا إلى حالة خلق لغة مصطنعة و"فصحى" لا علاقة لها بلغة الأم التي هي اللغة اليومية والمتداولة.

أما عندما تصبح الأمازيغية، نتيجة تدريسها بهذه المنهجية التي شرحناها ووفق المقاربة "اللهجاتية" التي عرضناها، موحّدة ومشتركة يتفاهم بها كل المغاربة من مختلف المناطق، ويكثر وينتشر إنتاجها الكتابي، ستخضع تلقائيا، كما يثبت ذلك تاريخ الكثير من اللغات، لعملية انتقاء وتصحيح وتصويب، وذلك على مستويين:

1 ـ مستوى الفوارق اللهجية: إن الاختلافات التي تقرر تعليمها للتلميذ المغربي في بداية انطلاق عملية التوحيد المدرسي للأمازيغية، سوف لن تبقى بالضرورة مستعملة كلها، بل سيحتفظ ببعضها لتكرار استعماله، ويموت بعضها الآخر لإهماله وعدم استخدامه. ولا شك أن العوامل المحددة لما يجب الاستمرار في استعماله، وما يجب الكفّ عن استعماله من عناصر الاختلاف بين اللهجات، غالبا ما تكون الخفة على اللسان، والاختصار في النطق والكتابة. وهكذا، مثلا، قد يحتفظ على "أشكو" Acku (لأن) مع إهمال لـMagher, Mayenzi, iddegh، التي هي تعابير "أثقل" وأطول؛ وعلى "حما" Hma (حتى، من أجل) عوض Afad، لأن الأولى أخف وأقصر؛ وعلى "إيس" Is كأداة استفهام محل Mayd, ma, may... وقس على ذلك. وهكذا ستؤدي الممارسة والاستعمال وتراكم الإنتاج الكتابي، بعد تطور قد يستغرق أجيالا، إلى توفر نصوص مرجعية أساسية تكون معيارا للصواب والخطأ، و"الفصيح" و"العامي" في الأمازيغية. فحينئذ فقط يمكن أن نعتبر "أور" Ur (القلب) نطقا خاطئا، لأن الصحيح الذي تكون قد كرسته الكتابة والاستعمال هو "أول" Ul، ونعتبر أن "إيدّغ" و"ماينزي"  Mayenzi, iddegh (لأن) تعابير قديمة لم تعد مستعملة أمام لفظ "أشكو" Acku (حتى، من أجل) الأكثر انتشارا واستعمالا. وليس هناك ما يمنع أن تحتفظ بعض الاختلافات اللهجية على نفس المستوى من الاستعمال كصيغ مترادفة، مثل أدوات الكثرة: "أطّاس"، "شيكان"، "باهرا" Cigan, Bapra, Attvas، كما نجد ذلك في اللغات الأخرى. لكن الأكيد أن الاختلافات النطقية، التي ليست ذات وظيفة نحوية، مثل {أول ـ أور (القلب)، نش، نك (أنا)}، ستختفي بتوحيد ومعيرة الكتابة، حتى ولو استمر استعمالها الشفوي.

2 ـ مستوى المعجم: إن الأمازيغية، ولأنها لم تعرف الكتابة والتدوين، فهي لغة غنية جدا لأنها متحررة من قيود المعيرة والقواعد الخاصتين بالكتابة، الشيء الذي جعل معجمها ثريا جدا إلى درجة يكاد معها أن يكون لكل قبيلة ولكل منطقة معجم خاص بها. إذا كان هذا الثراء اللغوي المعجمي قد يبدو شيئا إيجابيا، فإنه، من ناحية أخرى، قد يطرح مشكل توحيد المعجم اللغوي الذي سيستعمل بشكل مشترك وموحّد. وهذا ما سيحسم فيه الاستعمال والإنتاج الكتابي كذلك. فعندما نكون أمام مترادفات تتجاوز الاثنين للدلالة على نفس الشيء، مثل: "أربا"، "إيشّير"، "أحنجير"، "أقشيش"...Arba, Iccir Ahnjir, Aqcic، التي تعني كلها "الطفل"، فإن الاستعمال والإنتاج الكتابي سيؤديان إلى الاحتفاظ على لفظ  واحد أو اثنين  من هذه المترادفات، يكرّسهما الاستعمال المتواتر لهما مع إهمال الأخرى، التي لها نفس المعنى، لتصبح قديمة وغير مستعملة، رغم أنها تبقى مذكورة في المعاجم الأمازيغية. وهكذا سيؤدي كذلك تراكم الإنتاج الكتابي إلى الاستقرار على معجم موحّد ومشترك، أخف وأنسب من الناحية العملية. وهذه العملية لانتقاء ألفاظ المعجم، التي سيفرضها الاستعمال، مرت بها كل اللغات التي سبق أن كانت لهجات متفرقة، مثل اللغة العربية التي تضم العديد من أسماء الأسد، من بينها "الضرغام". لكنك لن تجد اليوم صحافيا يكتب عنوانا مثل: "ضرغام يهاجم الزوار بحديقة الحيوان"، رغم أن لفظ "ضرغام" مذكور في المعاجم العربية.

شرط نجاح عملية التوحيد المدرسي للأمازيغية:

إن نجاح هذه المقاربة "اللهجاتية" لتدريس أمازيغية موحّدة ومشتركة، ودون أن تكون مختلفة عن اللغة الأم، يتطلب شرطا واقفا بدونه لن تعطي هذه المقاربة أية نتيجة. يتمثل هذا الشرط في وجوب إتقان كل المسؤولين عن مشروع تدريس الأمازيغية، من واضعي البرامج ومفتشين ومكوّنين ومدرّسين، للهجات الأمازيغية المغربية، ومعرفتهم بما يميّز كل واحدة عن الأخرى، ليعدّوا البرامج والمناهج المناسبة في ضوء معرفتهم هذه بالخصوصيات العامة والمشتركة لأمازيغية المغرب، وبتلك التي تنفرد بها كل لهجة عن الأخرى. لهذا يجب أن يكون أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد كتب القراءة، مثلا، متقنين للهجات الثلاث، حتى يعرفوا كيف يكيّفون النصوص المقررة مع كل لهجة، بالنسبة للمستويين الأول والثاني من التعليم الابتدائي، مع الاتجاه التدريجي نحو التوحيد في مقررات السنوات المقبلة من برنامج تدريس الأمازيغية. وكذلك يجب أن يتقن المدرسّون اللهجات الثلاث كشرط ضروري لنجاح المشروع، وحتى يحقق تعليم الاختلافات اللهجية الهدف المتوخى، وهو الوصول إلى خلق تواصل وتفاهم بين المتحدثين بأية لهجة أمازيغية بالمغرب، كمرحلة أولى لاستعمال أمازيغية موحدة ومشتركة.

فالطريقة إذن تتضمن عمليتين معكوستين، لكنهما متكاملتان: فبالنسبة للتلاميذ هناك تدرّج من اللهجات الجهوية نحو أمازيغية موحدة ومشتركة يفهمها الجميع، ودون أن تكون غريبة عن اللهجة الأم. أما بالنسبة للمسؤولين التربويين، من واضعي المقررات ومفتشين ومدرّسين، فهناك اتجاه معاكس ينزل من لغة مشتركة (إتقان كل اللهجات) نحو اللهجات الجهوية للتلاميذ، التي تكيّف معها برامج السنوات الأولى من تعليم الأمازيغية.

أما كيف يمكن لهؤلاء المسؤولين إتقان كل اللهجات الأمازيغية، فذلك ما يجب أن يكون جزءا من برنامج تكوين أساتذة الأمازيغية، الذي ينبغي أن يستغرق سنتين كاملتين، نظرا لجدّة تدريس الأمازيغية وما يحتاجه الإعداد لذلك من وقت كافٍ.

مشكلة غير الناطقين بالأمازيغية:

حتى إذا كانت الغاية الأولى من هذه المقاربة "اللهجاتية" هي التوحيد المدرسي للغة الأمازيغية بالنسبة للناطقين بها، إلا أن تدريسها، وبحكم أنها لغة وطنية دستورية ورسمية، سيشمل كل المغاربة، دون تمييز بين الناطقين وغير الناطقين بها. فهل يتطلب الأمر مقاربة أخرى، خاصة بغير الناطقين بالأمازيغية، ضمانا للمساواة وتكافؤ الفرص بين الصنفين من التلاميذ، الناطقين وغير الناطقين بها؟

لا نعتقد ذلك، للأسباب التالية:

ـ الأمازيغية ليست لغة أجنبية في المغرب بالنسبة لغير الناطقين بها، حتى يستفيد هؤلاء من برامج وطرق بيداغوجية خاصة، تلائم وضعهم كتلاميذ غير ناطقين بالأمازيغية.

ـ فحالة الأمازيغية بالنسبة لهؤلاء التلاميذ غير الناطقين بها، لا تختلف عن حالة الدارجة بالنسبة للتلاميذ غير الناطقين بها. ومع ذلك فلا يستفيد هؤلاء من برامج ومناهج خاصة تلائم وضعهم كتلاميذ غير ناطقين بالدارجة، رغم أن الدروس تلقى وتشرح في الغالب بالدارجة وليس بالعربية الفصحى. لماذا لم تخصص لهم إذن برامج وطرق بيداغوجية خاصة تلائم وضعهم كأطفال غير ناطقين بالدارجة، ضمانا للمساواة وتكافؤ الفرص؟ لأن هؤلاء التلاميذ، الذين لا تشكّل الدارجة لغتهم الأم، لا يلاقون صعوبات في تعلم العربية أكثر مما يلاقيه التلاميذ الناطقون بالدارجة.

ـ لقد لاحظ مدرّسو الأمازيغية أن التلاميذ غير الناطقين بهذه اللغة، وهو ما يؤكده جميع الذين أثرنا معهم من هؤلاء المدرّسين هذا الموضوع، أن تلاميذ الأمازيغية، سواء كانوا ناطقين أو غير ناطقين بها، متساوون في درجة تحصيلهم المدرسي لهذه اللغة. هذا عندما لا يكون المتفوقون في مادة الأمازيغية هم من غير الناطقين بها، كما يثبت ذلك في الكثير من الحالات.

ـ وهذا شيء قد لا يفهمه الكبار غير الناطقين بالأمازيغية، لأنهم يجدون حقا في تعلمها صعوبة أكبر مما يجده صغار التلاميذ. فلا يجب إذن قياس حالة الأطفال الممدرسين غير الناطقين بالأمازيغية، على حالة آبائهم الكبار غير الناطقين بالأمازيغية، الذين لم سيبق لهم أن تعلموها في المدرسة. فأحد العوائق النفسية لنجاح عملية تدريس الأمازيغية، هو الحكم على هذا التدريس، الذي يخص الصغار، من خلال تصور الكبار لهذا التدريس وموقفهم منه.

ـ ومما ييسّر على التلميذ غير الناطق بالأمازيغية تعلمها بسهولة كذلك، لا فرق بينه وبين التلميذ الناطق بها، هو أن البنية التركيبية للأمازيغية قريبة إلى حد التطابق من البنية التركيبية للدارجة، التي هي لغته الفطرية، بحيث تبدو الأمازيغية كما لو كانت هي نفسها لغته الدارجة مع استبدال الألفاظ العربية بألفاظ أمازيغية، نظرا أن الدارجة هي، في الجزء الأهم من نظامها التركيبي، ترجمة حرفية للأمازيغية إلى العربية. 

لا داعي إذن للتهويل بخصوص التلاميذ غير الناطقين بالأمازيغية. فالمشكلة الحقيقية لا تأتي من هؤلاء الصغار، وإنما من الكبار الذين ينظرون إلى تدريس الأمازيغية من خلال ما رٌسّخ في أذهانهم من قناعات خاطئة، وأحكام مسبقة حول الأمازيغية والأمازيغيين.

شرط الإرادة السياسية:

غني عن البيان أن نجاح تدريس الأمازيغية لجعلها لغة موحّدة ومشتركة لكل المغاربة، يتوقف على توفر الإرادة السياسية، الجدية والحقيقية، لذلك. فبدون تلك الإرادة، فإن كل ما يتصل بتدريس الأمازيغية يبقى مجرد هزل وعبث، وتمثيل مسرحي من النوع الرديء. ذلك أن الإرادة السياسة للدولة هي التي تضفي على تدريس الأمازيغية الجدية والمصداقية، بجعله تدريسا إلزاميا يخضع، بالتالي، للمراقبة والمحاسبة والمساءلة. وغياب هذه الإرادة هو الذي يفسر أن تدريس الأمازيغية، الذي انطلق في 2003، لا زال لم "ينطلق" بعدُ. لكن لنا الأمل أن السلطة السياسية، بعد الترسيم الدستوري للأمازيغية في 2011، وبعد أن يصدر القانون التنظيمي الخاص بها طبقا للفصل 5 من هذا الدستور، ستغير من موقفها السلبي، وتشرع في تنفيذ مشروع تدريس الأمازيغية بكل الجدية المطلوبة.

وتجليات هذه الإرادة السياسية لن تقتصر على المدرسة فحسب، حيث يصبح تعلّم الأمازيغية إلزاميا لكل المغاربة، بل يجب أن تظهر آثار هذه الإرادة في قبول الاستعمال الشفوي للأمازيغية، موازاة مع تقدم تعليمها المدرسي، في الإدارة والمحكمة والبرلمان وكل مؤسسات الدولة، بجانب الفضاءات العمومية. كما يجب العمل على تعميم استعمالها في المساجد (دروس الوعظ، خطب الجمعة...)، والإذاعات (الراديو)، والقنوات التلفزيونية، والمسرح، والسينما... فالمواظبة على استعمال الأمازيغية في الفضاءات والمؤسسات العمومية، تؤدي، مع الوقت، إلى توحيد تلقائي لهذه اللغة، لأن اعتياد المغاربة على سماعها، المتواتر والمتكرر، سيجعلهم، بعد مدة، يفهمون مختلف تعابيرها ومفرداتها، مهما كان فرع الأمازيغية الذي تنتمي إليها هذه التعابير والمفردات. فيحصل للأمازيغية ما حصل للدارجة، التي أصبحت لغة يتفاهم بها كل المغاربة، بفضل المواظبة على استعمالها في الفضاءات والمؤسسات العمومية، رغم أنها، هي أيضا، ذات تنوعات لهجية تختلف من جهة إلى أخرى، كما سبقت الإشارة.

وإذا عرفنا أن العديد من المغاربة يفهمون ـ بل يجيدون ـ اللهجة الخليجية والمصرية، لمواظبتهم على مشاهدة القنوات الخليجية والمصرية، ولم يسبق لهم أن التقوا مصريا ولا خليجيا، ولا سافروا إلى مصر أو أحد بلدان الخليج، سنعرف أن فهم المغاربة وتعلمهم للأمازيغية، بمختلف لهجاتها، سيكونان أمرا بسيطا وسهلا عندما ينتشر استعمالها في الفضاءات والمؤسسات العمومية، وخصوصا أنهم يلتقون يوميا بالمتحدثين بالأمازيغية، عكس الذين تعلموا اللهجة المصرية والخليجية بدون تواصل ولا التقاء "فيزيقييْن" بالمتحدثين بهاتين اللهجتين.

فما يمنع المغاربة من فهم الأمازيغية وتعلمها التلقائي (بدون مدرسة)، هو عامل نفسي أكثر منه لساني وواقعي: فالمغربي مقتنع مسبقا أنه لا يحتاج إلى الأمازيغية، لأنها غير موجودة في الفضاءات والمؤسسات العمومية التي يتعامل معها، وبالتالي فهو لا يبذل أي مجهود لتعلمها. لكن لو كانت مستعملة في هذه الفضاءات والمؤسسات، بتشجيع وتخطيط وتدخّل من السلطة السياسية، لفرض عليه ذلك تعلّمَها، وبشكل طوعي وتلقائي، كما يحدث مع الدارجة بالنسبة لغير الناطقين بها.

فالإقصاء الأكبر والأخطر، الذي تعاني منه الأمازيغية، ليس هو فقط إقصاؤها من المدرسة والكتابة المرتبطة بهذه المدرسة، بل هو إقصاؤها من الاستعمال الشفوي في الفضاءات والمؤسسات العمومية، وهو ما لا يشجّع الناطقين بها على فهم وتعلم الفروع الأخرى للأمازيغية، ولا يحفّز كذلك غير الناطقين بها على فهمها وتعلمها، لتكون لغة تواصل شفوي لكل المغاربة كما هو شأن الدارجة.

ولا شك أن النظرة التحقيرية الإقصائية والأمازيغوفوبية إلى الأمازيغية، الموروثة عن "الحركة الوطنية"، لا تزال توجّه التعامل مع الأمازيغية كلغة أقل قيمة من العربية والدارجة. لهذا فإن نجاح تدريس الأمازيغية، مع ما يصاحب ذلك من رد الاعتبار لها كلغة تستعمل في الفضاءات والمؤسسات العمومية، يشترط القطع مع الإرث الأمازيغوفوبي "للحركة الوطنية"، ونشر قيم اعتزاز المغاربة بأمازيغيتهم، لغة وهوية وانتماء. وهذا لا يتحقق بدون إرادة سياسية، حقيقية وصادقة، من أجل نهوض حقيقي وجدي بالأمازيغية.

 

 

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.