Amezwaru

(Page d'accueil)

 

مقالات  

 

مفهوم الهوية الجماعية وتطبيقاته على حالة المغرب

المشعل والمصباح

لماذا سبقتنا الجزائر إلى إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية؟

قاموس الدارجة أو تصعيب الدارجة من أجل تفصيحها

بين إنكار أحاديث البخاري وإنكار وجود المسيح

شعب الدولة أم دولة الشعب؟

خطأ الاستهانة بفاجعة طحن محسن فكري وتداعياته

الاستثناء المغربي الحقيقي

بين قمع الكاطالانيين وقمع الريفيين

حراك الريف وميلاد "الهومو ـ زفزاف" المغربي

عندما يُستعمل القضاء للقضاء على العدالة

خرافة "المحاكمة العادلة" لمعتقلي حراك الريف

خرافة وحقيقة "أن التحقيق سيذهب بعيدا"

الأمازيغية والمثقفون المغاربة

هل نفّذ الزفزافي تهديده بالتسبّب في سعار المخزن؟

من يحكم المغرب؟

ناصر الزفزافي أو بروميثيوس المغرب

المخزن يعود عاريا بعد أن مزق حراك الريف أقنعته

لماذا أرفع الراية الأمازيغية وراية الريف ولا أرفع الراية المغربية؟

حكومة العثماني وفرصة الوحدة السياسية بين الأمازيغية والإسلام

كتاب إمازيغن وحتمية التحرر

تظاهرة الناظور وغباء السلطة الذي لا حدود له

نبوءة مولييراس بخصوص تعريب المغرب في القرن العشرين

اغتيال محسن فكري وفرصة التحرر من فوبيا السلطة

مشروع القانون التنظيمي لمنع ترسيم الأمازيغية

متى يكتشف المغاربة لغتهم الدارجة؟

قضية حميد أعطوش: من الاعتقال الجائر إلى الإفراج الماكر

أعطوش وأوساي: لغز الإدانة رغم أدلة البراءة

من أجل علمانية إسلامية

أربعينية إزم: الرسالة والدلالة

المايسترو أو النجم إذا سطع وارتفع

معاشات الوزراء والبرلمانيين

زلزال خطْب الجمعة بمسجد حمزة بسلا

اقتراحات بخصوص القانون التنظيمي للأمازيغية

مطالب الشعب المغربي لـ1934 وميلاد الوعي الوطني الزائف

أي تصور وأية مقاربة لتدريس أمازيغية موحدة ومشتركة؟

هل مساندة المغرب للقبايل اعتراف ضمني أنه بلد أمازيغي؟

الدليل الإحصائي أن الناطقين بالدارجة هم أمازيغيون

ميمون أمسبريذ، ذلك الكاتب الأمازيغي المجهول

التعريب نجح أولا بالفرنسية قبل العربية

متى ينتقل المغرب من السياسة البربرية إلى السياسة الأمازيغية؟

يوطوبيا التعريبيين في المغرب

لماذا لا يجوز تصنيف الأمازيغيين ضمن الشعوب الأصلية؟

نعم لاستفتاء شعبي حول العربية والأمازيغية

الأستاذ حميش والبوصلة التي لا تتحرك إلا في اتجاه المشرق

عبد الله حمودي والفهم العامي للهوية

ولماذا تتركون برنامج الله وتطبقون برنامج إبليس؟

مأزق المتحولين الجنسيين في المغرب

لماذا ليست العربية ضرورية لكفاءة المسؤولين الحكوميين؟

في دحض خرافة الوظيفة التوحيدية للعربية

الداعشية اللغوية

في دحض خرافة "اختيار" الأمازيغيين الطوعي للعربية

في دحض خرافة "الانصهار" بين العرب والأمازيغ

المتحولون الجنسيون في المغرب

المطالب الأمازيغية بين ردّ الفعل وغياب الفعل

من أجل إستراتيجية جديدة لاسترداد الهوية الأمازيغية للدولة المغربية

في الإقصاء السياسي للأمازيغية

L'Afrique absente du Maroc africain

جاهلية القرن الواحد والعشرين

توفيق بوعشرين يستعيذ باللطيف ضد الأمازيغية من جديد

الأمازيغية والعربية في إحصاء 2014

دولة النوم

النزعة الأمازيغوفوبية: نشأتها وتطورها

نعم "للمقاربة الإسلامية"، لكن بدون مضامين وأهداف تعريبية

الأمازيغية المنبوذة في كتاب "الأمير المنبوذ"

معاناة الإسلام من العروبة العرقية

خطْب الجمعة مرة أخرى

لماذا لا يريد التعريبيون الخير للمغرب؟

الأمازيغية والمرأة، ضحيتان لتمييز واحد

من هم الناطقون بالدارجة في المغرب؟

"التضبيع" في تجريم "التطبيع"

هل هو موقف جديد لحزب الاستقلال من الأمازيغية؟

بين ديودوني الفرنسي والمقرئ أبوزيد المغربي

عبقرية اللغة الأمازيغية وسر صمودها

المقرئ الإدريسي أبوزيد أو الأمازيغوفوبيا بلا حدود

الرسام الأمازيغي موحند سعيدي يغادرنا إلى الأبد

فرنسا تواصل سياسة التعريب

الدارجة ولاتاريخانية الأستاذ العروي

لمَ الخوف من الدارجة المغربية؟

متى يعترف المغرب بالفرنسية كلغة رسمية؟

حزب العدالة والتنمية، هبة من السماء للنظام المخزني

رفقا باللغة العربية أيها التعريبيون

المجانية والتعريب أو آلة تدمير التعليم العمومي بالمغرب

خطْب الجمعة

وما هو الحل لإصلاح التعليم بالمغرب؟

لماذا وصف مصري مساند للإخوان المغاربة باللقطاء؟

لماذا سكت رجال الدين عن مسألة العفو عن مغتصب الأطفال؟

"النسب الشرف" أو عندما يصبح الميز العنصري من الثوابت

طارق بن زياد، الأسطورة المقدسة

قداسة الشيخ الكتاني

العقل في تدبير التعدد اللغوي والثقافي في المغرب

ما تفتقر إليه العربية هو استعمالها في الحياة

المغرب من أغنى بلدان العالم

الأسباب الحقيقية لضعف مستوى اللغة العربية عند التلاميذ

اللغة العربية أو المعشوقة التي لا يرغب عشاقها في الزواج منها

لأي شيء ينفع إقرار اللغة الأمازيغية بويندوز 8؟

التعريب والهوية بالمغرب

"الفانطاسمات" اللسنية حول الأمازيغية بالمغرب

عادة التهرب من المسؤولية بإلقاء اللوم على الجميع

الحركة الأمازيغية بالمغرب: عيون على المستقبل

الأساطير المؤسسة للعروبة العرقية بالمغرب

كلمة الختام

وزير العدل والحريات يجهل مفهوم المعتقل السياسي

الأمازيغية في عمق الصراع الإيقوني

منذ متى أصبح ربيع الشعوب يهدد الأوطان؟

مدينة إفران: من السياحة الطبيعية إلى السياحة الثقافية

الأمير والتاريخ المحاصر

جريدة تاويزا في حاجة إلى تاويزا

الممثل الناطق بالأمازيغية واّلإنتاج التلفزي

أيت وراين: أبطال سلكوا درب الحرية

 

 

 

 

مفهوم الهوية الجماعية وتطبيقاته على حالة المغرب*

 

بقلم: محمد بودهان

 

(04 ـ 02 ـ 2018)

لا تزال مسألة الهوية موضوع نقاش وسجال في المغرب منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما زعزعت الحركة الأمازيغية، بأسئلتها الجديدة المحرجة حول هوية المغرب، اليقينات التي كانت قد حسمت أن المغرب بلد عربي في هويته وانتمائه. وقد هيمن على هذا النقاش العامل العرقي أو اللغوي أو الديني في فهم وتحديد الهوية، مع التسليم بأنها متعددة بعد أن تمّ التخلّي عن القول بالهوية العربية الواحدة، الذي لم يعد يساير ما وصل إليه النقاش حول الهوية من اعتراف بتنوع عناصرها ومكوّناتها. وقد شاع هذا المفهوم التعددي للهوية كتصوّر عامّي فرض نفسه حتى في أوساط المتعلّمين والمثقفين. وهو ما اعتمده دستور فاتح يوليوز 2011 عندما نصّ على أن الهوية المغربية تتشكّل من عدة مكونات وروافد، متبنّيا نفس التصوّر العامي الشائع حول الهوية.

ولتوضيح مفهوم الهوية، وفكّ ارتباطه بالمضامين العرقية والشخصية التي يُختزل فيها، وتخليصه من التصور العامّي السائد حوله في المغرب، سأناقش الموضوع من خلال الفقرات التالية:

ـ تحديد الموضوع وتعريف المفهوم،

ـ الموطن واللغة كمكوّنين رُكنييْن لهوية للشعوب،

 ـ مستتبعات التصور الترابي للهوية،

ـ الهوية والجنسية،

 ـ الدارجة كلغة ثانية للهوية بشمال إفريقيا،

ـ لماذا نرفض أن يكون المغرب غير عربي؟

ـ التعريب والهوية في المغرب،

ـ الهوية في الدستور المغربي،

ـ المصالحة الحقيقية مع الأمازيغية.

تحديد الموضوع وتعريف المفهوم:

يجدر توضيح أن هذه المناقشة، بخصوص الهوية، لا علاقة لها بالجانب الفلسفي ولا السيكولوجي ولا الشخصي ولا العرقي ولا الأنتربولوجي ولا الثقافي لمفهوم الهوية، علما أن هذه الجوانب تشكّل بالفعل موضوعا لإشكالية الهوية. هذه المناقشة ستنصبّ حصرا على هوية الأمم والشعوب والدول التي تمثّلها عند الاقتضاء، بصفتها هوية جماعية مشتركة، أو ما نسمّيه في إطار دولة قائمة بالهوية الوطنية. ولكونها هوية جماعية فهي مستقلة عن الهويات الفردية للسكان الذين تتشكّل منهم هذه الشعوب والأمم والدول. وذلك لأن الهوية الجماعية لشعب ما ليست مجموع الهويات الفردية للأشخاص المنتمين لهذا الشعب، وخصوصا أن الشخص بإمكانه دائما أن يدّعي لنفسه الانتماء الهوياتي الذي يراه الأنسب له حسب تنشئته وتكوينه وقناعاته ومصالحه...

ما هي هذه الهوية الجماعية للشعوب؟ ما هي عناصر تعريفها؟

يمكن القول بأن الهوية الجماعية لشعب ما تتجلّى في انسجام هذا الشعب مع خصوصيته التي تجعل منه، أولا، ما هو عليه، وتُميّزه، ثانيا، عن كل الشعوب الأخرى. ومن هنا نستطيع تعريف الهوية الجماعية ـ والهوية بصفة عامة كذلك ـ بأنها تعني الخصوصية والتميّز: الخصوصية التي هي عنصر ذاتي Intrinsèque، والتميّز ـ الملازم للخصوصية كوجه ثانٍ لها ـ الذي هو عنصر خارجي Extrinsèque لأنه لا يبرز ولا يُدرك إلا  بالعلاقة مع شعوب أخرى. وهكذا مثلا، تتحدد هوية الشعب الصيني بخصوصيته الذاتية التي تجعل منه شعبا صينيا، والتي تميّزه، خارجيا، عن باقي شعوب الأرض (مزيد من التفاصيل حول مفهوم "الهوية" بموضوع "إشكالية الهوية" ضمن كتابنا "في الهوية الأمازيغية للمغرب" المتوفر على الرابط: http://tawiza.byethost10.com/identite.pdf).

الموطن واللغة كمكوّنين رُكنييْن لهوية للشعوب:

إذا كانت الهوية تعني الخصوصية والتميّز، فما الذي يعطي للشعوب هذه الخصوصية وهذا التميز؟ أي ما الذي يعطيها هويتها؟ بعبارة أخرى: ما هي محدّدات ومكوّنات هويات الشعوب؟

إذا قمنا باستقراء حالات الشعوب المختلفة لمعرفة ما الذي يجعل كل واحد منها فريدا في خصوصيته التي يتميز بها عن باقي الشعوب الأخرى، فسنخلص إلى حقيقة أن الموطن الجغرافي للشعب المعني ولغته هما المحدّدان لخصوصيته، ذاتيا، ولتميّزه، خارجيا، عن الشعوب الأخرى. وهذا ما يجعل من الموطن واللغة المكوّنيْن الموضوعيّين الركْنييْن لهوية الشعوب. والمقصود باللغة ليس أية لغة قد يستعملها الشعب لأسباب ثقافية أو دينية أو اقتصادية، بل المقصود لغة موطنه التي نشأت تاريخيا بذلك الموطن بصفتها لغة خاصة بذلك الشعب. ولا يهمّ بعد ذلك أن هذا الشعب سيتعلم وسيستعمل لغات لشعوب أخرى، أو أن لغته هو ستتعلمها وستستعملها شعوب أخرى. وإنما المهمّ أن لغته تابعة له ولموطنه، تاريخا ونشأة وحتى اسما (لغة عربية، صينية، يابانية، أمازيغية، فرنسية...).

الموطن، كمصدر لهوية الشعوب، يثير طبعا عدة أسئلة، مثل السؤال المتعلق بمآل هوية شعب غزا موطنَه شعب آخر ذو هوية أخرى مختلفة. الأجوبة مختلفة حسب الحالات: فهناك الحالة التي يستولي فيها الشعب "س" على أرض الشعب "ش"، وبصفة دائمة ونهائية لن يعود معها الشعب الثاني ينازع الشعب الأول في حقه على تلك الأرض. وينتج عن ذلك أن هذه الأرض تصبح جزءا من أرض الشعب الأول، وامتدادا، بالتالي، لهويته النابعة من أرضه الأصلية. وكمثال على هذه الحالة ما حصل لجزء من البلاد الرومانية البيزنطية (بما فيها أجزاء من الأراضي البلقانية) بعد أن استولى عليها العثمانيون في القرن الخامس عشر، لتصبح منذ ذلك التاريخ، وبصفة نهائية ودائمة، أرضا تركية ذات هوية تركية لا ينازع في ذلك أحدٌ. وهناك حالة ما حصل، كمثال، للشعوب الأصلية لأستراليا ونيوزيلاندا وأمريكا (الولايات المتحدة)، حيث اختفت ـ تقريبا ـ الهوية الأصلية للسكان وبرزت مكانها الهوية الأسترالية والنيوزيلاندية والأميركية، ذات الأصل الأوروبي. لكن هذه الهويات تشكّلت كهويات قائمة بذاتها تستمدّ انتماءها من موطنها الجديد، الذي هو أستراليا ونيوزيلاندا وأمريكا، وليس من البلدان الأوروبية التي انطلق منها مستوطنو الأراضي الجديدة. أما ما عدا هذه الحالات، فإن الاستعمار المؤقت، ولو دام قرونا كما في استعمار المسلمين للأندلس أو العثمانيين للشرق الأوسط أو الإسبان لأمريكا الجنوبية أو استعمار العرب لشمال إفريقيا الذي عرف نهايته مع معركة الأشراف في741 ميلادية، لن يغيّر كثيرا من الهوية الأصلية للشعب الأصلي صاحب الأرض الأصلية، حتى وإن كان تأثيره قويا في ما يخص الدين والثقافة واللغة.

 ويثير، كذلك، ربطُ هوية الشعوب بموطنها سؤالَ الموطن الجغرافي الأصلي الأول المفترض للشعب المعني قبل أن يستقر بموطنه المعروف. في الحقيقة، هذا السؤال هو خارج الموضوع ولا معنى له عندما يتعلق الأمر بالشعوب. هو ذو معنى فقط عندما يتعلق الأمر بالأفراد لمعرفة موطنهم الجغرافي الأول، المفترض أنهم هاجروا منه قبل الاستقرار بموطنهم الأخير. لنعط أمثلة قصد التوضيح: إذا عرفنا أن الموطن الذي تشكّل فيه الشعب العربي بهويته العربية هو شبه الجزيرة العربية، فإن كل تساؤل حول الموطن الجغرافي الأول الذي يكون الشعب العربي قد عاش فيه قبل أن يستقر بموطنه المعروف، هو تساؤل بلا معنى. لماذا؟ لأنه لم يثبت أن وجد في التاريخ شعب عربي قبل الشعب العربي للجزيرة العربية. نفس الشيء بخصوص الشعب الأمازيغي بموطنه بشمال إفريقيا، والذي صيغت فرضيات شبه خرافية لإرجاعه إلى أصول جغرافية خارج موطنه الشمال الأفريقي، مع أنه لم يثبت أن وجد شعب أمازيغي في التاريخ قبل الشعب الأمازيغي لشمال إفريقيا. وليس لأنه من الصعب في الغالب تحديد الأصل الجغرافي الأول المفترض لشعب ما، فلذلك نتجنّب السؤال عن هذا الأصل الأول. فمثلا، نعرف اليوم الأصل الجغرافي الأوروبي لغالبية الشعب الأمريكي للولايات المتحدة. ومع ذلك فإن السؤال عن الأصل الأول للشعب الأمريكي سؤال غير ذي موضوع، لأنه لم يوجد في التاريخ أي شعب أمريكي بهوية أمريكية قبل الشعب الأمريكي المعروف، والذي يستمد هويته من انتمائه الترابي إلى الأرض الأمريكية للولايات المتحدة، وليس من أصوله الجغرافية الأوربية. 

مستتبعات التصور الترابي للهوية:

يستتبع هذا التصورُ الترابي للهوية الجماعية للشعوب، مجموعةً من النتائج نلخّصها في ثلاث:

1 ـ غياب الدين كمكوّن للهوية الجماعية، ما دام لا يشكّل خصوصية ينفرد بها عن باقي الشعوب الأخرى الشعبُ الذي يمارس هذا الدين. فالإسلام مثلا ـ وكذلك المسيحية ـ ليس خاصا بالشعب المغربي حتى نقول، كما هو شائع ومنصوص عليه في الدستور، إن هوية المغرب إسلامية مثل الموطن واللغة، بل الإسلام مشترك بين العديد من الشعوب ذات هويات مختلفة، تركية وفارسية وإندونيسية وأفغانية وكردية... نعم يمكن النظر إلى الديانة اليهودية كمكوّن هوياتي لليهود، إذا اعتبرنا هذه الديانة، بحكم غيابها لدى الشعوب الأخرى، خاصة بالشعب اليهودي، وتشكل بالتالي خصوصية ينفرد بها عن باقي الشعوب الأخرى.

2 ـ غياب العرق، كذلك، كمكوّن للهوية الجماعية، لأنه لا يوجد صفاء عرقي يحافظ على صفائه عبر قرون طويلة، ليعطي في الأخير هوية عرقية صافية لشعب من الشعوب. فالأعراق بطبيعتها متنوعة ومتعددة الأصول بسبب اختلاط الأنساب المرتبط بالهجرة والتنقّل، والغزو والاستعمار، وهو ما ينتفي معه وجود هوية عرقية خالصة.

3 ـ بما أن الهوية الجماعية لشعب ما ليست عرقية، فإنها ليست، نتيجة لذلك، وعكس ما هو شائع، مجزأة ومتعددة ومتنوعة مثل الأصول العرقية التي هي أصلا متنوعة، كما أشرت، بل هي واحدة تبعا لوحدة الموطن الذي هو المصدر الأول لهذه الهوية الجماعية. فالتعدد يكون إذن في الأعراق واللغات والثقافات والأديان، وليس في الهوية الجماعية، التي هي دائما واحدة.

لكن إذا كانت الهوية الجماعية، بالمفرد، لا يمكن أن تكون متعددة، لأن ذلك يتعارض مع وحدة موطنها، فإن وجود هويات جماعية، بالجمع، متعددة داخل دولة واحدة، هو شيء ممكن ومعروف، لكن كهويات مستقلة وقائمة بذاتها، وذات حدود ترابية ولسنية (الموطن واللغة)، كما في إسبانيا وبلجيكا وسويسرا مثلا. ولهذا فلا توجد في المغرب، على سبيل المثال، هويتان، أمازيغية وعربية، حسب الاعتقاد الشائع، لأنه لا يوجد بهذا البلد موطن خاص بالشعب العربي وآخر خاص بالشعب الأمازيغي كما في الدول ذات الهويات المتعددة.

الهوية والجنسية:

هذه الحالة من وجود أكثر من هوية واحدة وأكثر من شعب واحد داخل الدولة الوطنية الواحدة، يطرح مسألة طبيعة العلاقة بين الهوية والجنسية، اللتين قد تبدوان متطابقتين في بعض الحالات رغم أنهما مفهومان مختلفان. وتجاهل الاختلافات التي تفرّق بينهما هو مصدر للفهم غير السليم لموضوع الهوية الجماعية للشعوب. فما هو الفرق بين المفهومين؟

1 ـ في الحالة المشار إليها لإسبانيا وسويسرا وبلجيكا حيث توجد جنسية واحدة، متمثّلة في دولة واحدة، تضمّ، لأسباب تاريخية وسياسية، أكثر من هوية واحدة وأكثر من شعب واحد، نلاحظ أن جنسية الدولة هي نفسها هويتها الوطنية، لأن الدولة، في مثل هذه الحالات، ليست لها هوية خاصة بها مختلفة عن جنسيتها. هكذا مثلا نجد أن هوية دولة بلجيكا هي جنسيتها البلجيكية، لأن الدولة ليست فلامانية  Flamand ولا فالونية Wallon في هويتها، كما هما الشعبان، الفلاماني والفالوني، المشكّلان لها. الدولة بلجيكية فقط، تبعا لجنسيتها البلجيكية، عكس شعبيها الفلاماني والفالوني المشترِكين في نفس الجنسية البلجيكية، ولكن لكل واحد منهما هويته المستقلة والمختلفة عن هذه الجنسية البلجيكية.

2 ـ لكن عكس هذه الحالة من الجنسية الواحدة، التي تضم أكثر من هوية واحدة، هناك حالة الهوية الواحدة التي قد تضم، لأسباب سياسية وتاريخية أيضا، أكثر من جنسية واحدة، أي أكثر من دولة واحدة، مثل الهوية العربية التي تشمل عدة دول عربية بجنسيات مختلفة، كويتية وسعودية وإماراتية وقطرية...، ولكن بهوية عربية واحدة. وفي ما يخص كل دولة عربية على حدة، فإن هويتها العربية تأخذ شكلا وطنيا لتصبح هوية وطنية، كويتية وسعودية وإماراتية وقطرية...، والتي هي دائما جزء من الهوية العربية المشتركة لجميع الدول العربية. وكذلك بالنسبة للشعب الأمازيغي لشمال إفريقيا، الذي يتوزّع إلى عدة دول بجنسيات مختلفة، مغربية وجزائرية وتونسية وليبية، ولكن بهوية شمال إفريقية واحدة، يُعبّر عنها، في شكلها المحلي الخاص بكل دولة، بالهوية الوطنية، المغربية والجزائرية والتونسية والليبية.

3 ـ وحتى في الحالة البسيطة، لشعب واحد بهوية واحدة ودولة واحدة وجنسية واحدة، واسم واحد يدل في نفس الوقت على الهوية والجنسية والدولة والشعب واللغة والموطن، كما بالنسبة للصين أو البرتغال أو اليابان مثلا، فإن الهوية، رغم ذلك، لا تعني الجنسية ولا تتطابق معها. فالجنسية هي رابطة قانونية بين دولة وأفراد ينتمون إليها بصفتهم مواطنين. تتجلى وتُمارس إذن الجنسية على مستوى المواطنة كانتماء إلى الدولة. أما الهوية فهي رابطة ترابية ـ وليست قانونية ـ بين شعب وأرض ـ وليس بين أفراد ودولة ـ بصفتها الموطن القار والدائم لهذا الشعب. تتجلى وتُمارس إذن الهوية على مستوى الانتماء إلى الموطن قبل الانتماء إلى الدولة.

4 ـ ولهذا فإن هوية الشعوب، التي تحدّدها مواطنها ولغاتها، سابقة تاريخيا عن وجود الدول، وبالتالي سابقة عن الجنسية.

5 ـ يمكن للشخص، خلال حياته، أن يغيّر جنسيته ويكتسب أخرى. لكن لا يمكنه أن يغيّر هويته أو يكتسب هوية أخرى. لنأخذ، قصد التوضيح، مثال عامل مغاربي، ذي هوية شمال إفريقية أو أمازيغية، استقر بفرنسا بصفة نهائية هو وأسرته منذ ثمانينيات القرن الماضي، عندما حصل هناك على عمل. لقد اكتسب اليوم، هو وجميع أفراد أسرته، الجنسية الفرنسية، وأصبح بذلك، قانونيا، مواطنا فرنسيا. لكن هويته ليست بعدُ فرنسية، بل هي دائما مغاربية. فقط حفدته، من الجيل الثالث فما فوق، سيكونون حقا فرنسيين في انتمائهم الهوياتي، لأنهم سيكونون حقا أبناء الأرض الفرنسية، وأصحاب أصول ترابية ولسنية فرنسية. وهو ما يعني أن الهوية الجماعية الفرنسية تكون قد استوعبتهم بعد أن يكونوا قد ذابوا فيها وأصبحوا جزءا منها. ولهذا فإن هذا الاستيعاب Assimilation شرط للانتماء إلى هوية جماعية لم تكن هي هوية الآباء والأجداد الأقربين، عكس الحصول على جنسية جديدة، والذي من شروطه الاندماج Intégration فقط وليس بالضرورة الاستيعاب. 

الدارجة كلغة ثانية للهوية بشمال إفريقيا:

لنحاول الآن تطبيق المبادئ النظرية التي عرضناها، بخصوص مفهوم الهوية الجماعية للشعوب، على حالة المغرب، لنتساءل عن طبيعية الهوية الجماعية للشعب المغربي وللدولة المغربية. فبالرجوع إلى المكوّنين الموضوعييْن الرئيسيين للهوية الجماعية، اللذيْن هما الموطن واللغة، نستنتج أن الهوية الجماعية للمغرب هي شمال إفريقية، أي أمازيغية، بموطنها وبلغتها الأمازيغية. إذا كان الأمر يبدو واضحا بالنسبة للموطن وللغة الموطن التي هي الأمازيغية، فإن الأمر ليس كلذ بالنسبة للغة الدارجة. فهل هي أيضا لغة الهوية، مثل الأمازيغية، أم أنها لغة وافدة، مثل اللغة العربية، وتعبّر عن هوية أجنبية وافدة.

إذا تأملنا حالة اللغة الدارجة، بعيدا عن البديهيات الكاذبة التي تقدّمها كلغة عروبية جاء بها العرب الذين وفدوا إلى شمال إفريقيا، فسنخلص إلى أنها لغة اكتسبت، هي أيضا، وضع لغة الهوية بصفتها نشأت بإفريقيا الشمالية ولم تأت إليها من خارجها، كما هو شائع عامّيا، استنادا فقط إلى معجمها الذي هو حقا ذو أصل عربي بنسبة قد تفوق أزيد من 70 في المائة. لكن اللغة ليست هي المعجم فحسب.

ولأن هذا الحيّز لا يسمح بعرض كل الأدلة التي تثبت أن الدارجة لغة أبدعها وأنتجها الأمازيغيون أنفسهم بموطنهم بشمال إفريقيا (انظر تفصيل ذلك في موضوع "متى يكتشف المغاربة لغتهم الدارجة؟" على الرابط: http://tawiza.byethost10.com/1tawiza-articles/arabe/darija.htm)، فسأكتفي بالقول بأنها نشأت من رغبتهم في تعلّم العربية والتحدث بها، اعتقادا منهم أن ذلك يقرّبهم أكثر من الإسلام ويجعل إيمانهم أتمّ وأصحّ. لكن بما أن العربية كانت قد فقدت وظيفة التخاطب الشفوي، أي التكلّم بها في التواصل اليومي، فقد اضطروا إلى تكلّم هذه العربية كما يتكلّمون لغتهم الأمازيغية، مستعملين تراكيبها ومعاني كلماتها، لكن بألفاظ عربية بدل ألفاظ أمازيغية. هكذا نشأت الدارجة كنسخة من التعابير الأمازيغية مترجمة حرفيا إلى العربية لتعويض التعابير العربية التي لم تعد مستعملة بسبب ما أشرت إليه من فقدان العربية لوظيفة التخاطب الشفوي. فالدارجة إذن لغة شمال إفريقية، أولا بأصلها الجغرافي الشمال إفريقي حيث نشأت وتشكّلت تاريخيا، وثانيا بتعابيرها ومعانيها اللغوية الأمازيغية، وثالثا بأصلها البشري، إذ أن الذين تحدثوا الدارجة للمرة الأولى هم أمازيغيون ترجموا حرفيا تعابير ومعاني لغتهم الأمازيغية إلى العربية. وحتى إذا سلّمنا أن الدارجة لغة عربية، فستكون عربية الأمازيغ وليس عربية العرب، تماما مثل اللغة الفرنسية التي هي لغة لاتينية، لكنها ليست لاتينية شعب "لاسيوم" Latium، أي تلك المنطقة التي ظهرت بها اللغة اللاتينية بإيطاليا، وإنما هي "لاتينية" الفرنسيين لذين ابتكروها وتكلموها واستعملوها بفرنسا، موطن نشأتها وميلادها. المتحدثون بالدارجة هم إذن أمازيغيون يتحدثون اللغة التي أبدعها ونقلها إليهم أجدادهم الأمازيغ.  

لماذا نرفض أن يكون المغرب غير عربي:

النتيجة إذن أن الهوية الجماعية للمغرب هي شمال إفريقية، أي أمازيغية، بموطنها ولغتيها. وهو ما يعني أنها ليست فينيقية ولا رومانية ولا بيزنطية ولا إسبانية ولا فرنسية... الجميع متفق على هذه الخلاصة الأخيرة. لكن عندما نقول بأنها ليست عربية، الكثير من المغاربة يغضبون ويرفضون هذه النتيجة. مع أن نفس الاستدلال الذي يثبت أن هوية المغرب ليست فينيقية ولا رومانية ولا فرنسية...، يثبت في نفس الوقت أنها ليست عربية. لماذا إذن رفض القول إن المغرب ليس ذا هوية عربية؟

لأن فكرة الهوية العربية للمغرب، لكثرة تكرارها وسماعها وتعلّمها وقراءتها وكتابتها ونشرها وتعميمها وفرضها...، اكتسبت شرط بديهية لا تُناقش ككل البديهيات. لكن لو فقط نتساءل متى وكيف نشأت هذه البديهية وفرضت نفسها، سندرك بسهولة أنها لم تتشكّل إلا في القرن العشرين، بعد 1912 بالتدقيق. أما قبل هذا التاريخ، فبضع عشرات الآلاف من المهاجرين العرب الذين يُفترض ـ نعم يُفترض فقط ـ أنهم استقروا بأرض الأمازيغ، لم يكن بمستطاعهم، لا واقعيا ولا منطقيا، تحويل الهوية الجماعية الأمازيغية لكل شمال إفريقيا إلى هوية جماعية عربية. بل العكس هو الصحيح، أي أن حفدة هؤلاء المهاجرين هم الذين يكونون قد ذابوا في الهوية الأمازيغية، متبنّين لها كهويتهم الوحيدة، لا تمييز بينهم وبين الأمازيغيين الأصليين. هذه هي القاعدة العامة بخصوص هوية سليلي المهاجرين الذي يستقرون بصفة دائمة ونهائية بالبلد الجديد الذي هاجروا إليه. فكرة "مغرب عربي" هي إذن فكرة حديثة جدا، مرتبطة بالتعريب الهوياتي الذي لم يبدأ في المغرب إلا مع الحماية الفرنسية.

التعريب والهوية في المغرب:

في ما يتعلق بهذا التعريب، يجدر التأكيد أن المغرب، على الخصوص، عرف ثلاث مراحل من التعريب: الأولى أمازيغية، والثانية فرنسية، والثالثة وطنية.

1ـ المرحلة الأولى، التي تبتدئ منذ اعتناق الأمازيغ للإسلام إلى 1912، كانت أمازيغية لأن الأمازيغيين هم أنفسهم الذين اختاروا التعريب ومارسوه في سبيل تحوّلهم إلى عرب، معتمدين على ثلاث "حيل" للإقناع والاقتناع أنهم عرب ولم يبقوا أمازيغيين:

أ ـ انتحال النسب العربي بادعاء الانحدار من أصل عرقي عربي، مثل العرب الحقيقيين، وهو ما يفسّر الانتشار الواسع لثقافة "أشجار النسب العربي" بالمغرب، مع هوس خاص بخرافة "النسب الشريف"، ذات الخلفيات العنصرية.

ب ـ التحدّث بالعربية كما يفعل العرب الحقيقيون، وهو ما أدّى إلى ظهور الدارجة، حسب ما سبق شرحه.

ج ــ إطلاق الأسماء الشخصية العربية على المواليد الأمازيغيين، والتخلي عن الأسماء الأمازيغية الأصيلة، تعبيرا عن الرغبة القوية لدى مجموعة من الأمازيغيين في ممارسة التحول الجنسي والهوياتي (تقمصهم للجنس العربي والهوية العربية، وتنصلهم من جنسهم الأمازيغي وهويتهم الأمازيغية)، وانتحال الانتماء العربي. فهذا الأمازيغي الذي يسمي ولده باسم عربي، يعطي بذلك الدليل على أنه يتمنى رمزيا لهذا الولد أن يكون مثل الحامل الأصلي لهذا الاسم، أي يتمنى له أن يكون عربيا.

لكن هذا التعريب الذاتي بقي محدودا في إطار فردي وعرقي وقبلي دون أن يكون له أي أثر على الهوية الجماعية التي ظلت شمال إفريقية وأمازيغية. وهذا ما يفسّر أن المغرب لم يسبق أن اعتبِر أو اعترِف به كبلد عربي قبل 1912. ومعروف أن عبارة "المغرب العربي" لم تظهر ولم تستعمل إلا في أواخر أربعينيات القرن الماضي.

2 ـ المرحلة الثانية للتعريب، التي دامت من 1912 إلى 1956، هي فرنسية لأنها من فعل الاستعمار الفرنسي الذي خطّط لهذا التعريب وأشرف عليه وأنجزه. وهو تعريب سياسي لأن هدفه كان هو تعريب السلطة السياسية والدولة التي تمارسها بإعطائها هوية وانتماء عربيين. وحتى تنجح السلطات الاستعمارية في هذا التعريب السياسي للدولة وسلطتها السياسية، قامت عمليا بخلق دولة عربية بالمغرب، مع توفير كل الشروط السياسية والمؤسساتية والقانونية والرمزية (العلم والنشيد الوطنيان)، الضرورية لهذه الدولة العربية، ذات الصنع الفرنسي. 

الملاحظ أن هذا التعريب، الذي باشرته السلطات الاستعمارية، فلأنه سياسي يستهدف الدولة وسلطتها السياسية بجعلها دولة عربية، فهو يمثّل أول تعريب حقيقي عرفه المغرب طيلة تاريخه.

3 ـ المرحلة الثالثة للتعريب، التي بدأت من استقلال المغرب في 1956 ولا تزال متواصلة، هي تعريب وطني، تقوده الدولة المغربية نفسها، متمّمة عملية التعريب الموروثة عن فرنسا، لكن بشكل كلي وشامل، مسخّرة لذلك كل الموارد المتوفرة، وخصوصا التعليم الذي تحوّلت فيه المدرسة إلى معمل لاستنبات العروبة واقتلاع الأمازيغية. وهو ما أنتج مخيالا جماعيا وثقافيا يُتصوّر فيه المغرب كمجرد امتداد للمشرق العربي، والأمازيغية كمجرد مؤامرة استعمارية جاء بها "الظهير البربري"، تلك الأكذوبة التي اختلقتها "الحركة الوطنية" اختلاقا.

ما حققته سياسة التعريب إذن، ليس هو ترقية العربية إزاء هيمنة الفرنسية، حسب الدعوى التي لا يملّ التعريبيون من تكرارها، وإنما هو إقصاء الهوية الحقيقية والأصلية للمغرب، وهي الأمازيغية، مع فرض ونشر العهر الجنسي، المتجلّي في تحويل جنسي ـ من الجنس الأمازيغي إلى الجنس العربي ـ وهوياتي للمغاربة. وهو ما تُرجم بعداء المتحوّلين المغاربة ـ وضمنهم العديد من الناطقين بالأمازيغية ـ لذاتهم، أي لأمازيغيتهم، ممارسين على أنفسهم مازوشية هوياتية وثقافية يشعرون معها باللذة والسعادة وهم يحتقرون هويتهم وانتماءهم، منتحلين انتماء إلى هوية أجنبية لا يعترف أصحابها الحقيقيون بانتماء المغاربة المتحوّلين إليها. ولهذا يستصغر العرب الحقيقيون هؤلاء المتحوّلين بسبب تنكّرهم لأصلهم وهويتهم. ومع ذلك فهم متمادون في التباهي الزائف بهذا الانتماء الزائف، الذي يعطيهم شعورا زائفا بسعادة زائفة فقط لأنهم يتصوّرون أنهم عرب وليسوا أمازيغيين، مع أن العرب الحقيقيين لا يعترفون ـ كما قلت ـ بعروبتهم الزائفة. إنه سلوك مازوشي، لدى المتحوّلين، يكاد يكون فريدا في التاريخ. هذا هو النجاح الوحيد الذي حققته سياسة التحويل الجنسي، التي تسمّى رسميا بسياسة التعريب.

الهوية في الدستور المغربي:

يجب الاعتراف أن الدولة قامت، منذ 2001، بمجهود مشكور في سبيل الاعتراف بالهوية الأمازيغية للمغرب، ووضع حد لإنكارها وإقصائها. وقد تُوّج هذا المجهود بترسيم الأمازيغية هوية ولغة في دستور فاتح يوليوز 2011. لكن، بدل أن يصحّح هذا الدستور الجديد الوضع الهوياتي الشاذ للمغرب، المتجلِّي في عدم التطابق بين الهوية الأمازيغية لأرض المغرب وبين هوية الدولة التي تسود على هذه الأرض، رسّم وكرّس التصوّر العامّي للهوية عندما اعتبرها متعددة ذات مكونات وروافد متنوعة. وهكذا نقرأ في التصدير: «المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية - الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية». إنه فهم ميكانيكي للهوية بتصورها كإضافات عددية توضع جنبا إلى جنب، وبشكل اعتباطي ولا منطقي.

فلماذا توقفت هذه المكونات عند ما هو عربي وأمازيغي وصحراوي، ولم تشمل ما هو فاسي وريفي وجبْلي ومراكشي وفيكيكي ويزناسني وسوسي...، ما دام أن المعيار العرقي أو الجهوي، الذي على أساسه اختيرت المكونات الثلاثة الأولى، حاضر كذلك في هذه المكونات الأخرى؟ ثم لماذا اقتصرت "الروافد" على ما هو إفريقي وأندلسي وعبري ومتوسطي ولم تتضمن كذلك ما هو فينيقي وروماني ووندالي وإسباني وأوروبي... ما دام أن نفس المعيار الحاضر في "الروافد" الأولى متوفر كذلك في الثانية؟ فليس هناك إذن أي مبرر منطقي ولا واقعي يحصر "المكونات" و"الروافد" في هذا العدد بالضبط أو عدد آخر بالضبط، ولا في هذه العناصر من "المكونات" و"الروافد" دون عناصر أخرى. مما يبيّن أن التصنيف اعتباطي ومزاجي لا غير، كما قلت، ككل التصورات العامّية غير العلمية. مع أن الأمر يتعلق بدستور يحرره فقهاء القانون، مما يستوجب أن تكون ألفاظه دقيقه ومفاهيمه محددة ومصطلحاته علمية ومضبوطة.

إذا كانت "المكوّنات" تعني العناصر الداخلية، و"الروافد" تعني العناصر الخارجية، فكيف يصح الحديث عن "روافد" إفريقية لهوية المغرب مع أن هذا المغرب جزء من هذه القارة الإفريقية نفسها؟ فاستعمال عبارة "روافد إفريقية" سيكون سليما وملائما لو أن المغرب ينتمي إلى قارة أخرى خارج إفريقيا، التي جاءت منها "روافد" خارجية تغني هوية المغرب غير الإفريقية. ففي فرنسا مثلا، التي لا تنتمي إلى إفريقيا، يصح الحديث عن "روافد إفريقية" لأنها بالفعل روافد خارجية، وليس بالنسبة للمغرب الذي هو جزء من إفريقيا ومنتمٍ إليها. كما أنه لو كان هناك تحديد جغرافي وقُطري لهذه "الروافد الإفريقية"، كوصفها بالسينيغالية أو المالية أو النيجيرية، أو الطانزانية...، لكان الأمر، على مستوى الاستعمال السليم لمفهوم "الروافد"، مقبولا ومعقولا. فما دام أن المغرب جزء من إفريقيا، فإن القول بأن "روافد إفريقية" تغني هوية المغرب، كما جاء في الدستور، يساوي القولَ بأن "روافد مغربية" تغني الهوية المغربية. وهذا خُلْف، ودوران، وكلام متناقض ومتضارب، إذ كيف يمكن تصور عناصر مغربية داخلية كمجرد "روافد" خارجية في نفس الوقت؟ اعتبار المكونات الإفريقية الداخلية للهوية المغربية مجرد "روافد"، بمعناها الذي يفيد أنها خارجية، يعبّر لاشعوريا عن قناعة أن المغرب، بما أنه بلد "عربي"، فهو لا ينتمي إلى إفريقيا لأن البلدان العربية ليست جزءا من إفريقيا. فكل ما يمكن أن تعنيه هذه القارة الإفريقية بالنسبة للمغرب، هو نفس ما تعنيه للبلدان العربية، أي قارة "أجنبية" لا تجمعها مع هذه البلدان العربية ـ والمغرب واحد منها على هذا المستوى من الوعي الهوياتي الزائف ـ سوى "روافد" خارجية مصدرها إفريقيا البعيدة والأجنبية. ولهذا نجد أن الدستور السابق، دستور 1992 المعدل في 1996، كان متقدما على الدستور الحالي (دستور 2011) في ما يخص العلاقة الهوياتية بإفريقيا، إذ نجد أن الأول ينص صراحة على ما يلي: «وبصفتها (يعني المملكة المغربية)، دولة إفريقية فإنها تجعل من بين أهدافها تحقيق الوحدة الإفريقية». واضح أن هذا الدستور يعترف أن المغرب دولة إفريقية، وهو ما يعني أن انتماءه إفريقي، عكس الدستور الجديد الذي يجعل من إفريقيا "رافدا" فقط، أي شيئا أجنبيا وخارجيا.

اللافت كذلك أن ترتيب المكونات الهوياتية المزعومة (العربية - الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية) مخالف للواقع التاريخي الذي يشهد ويثبت أن الأمازيغية هي الأسبق وهي الأصل. والملاحظ أيضا أن المكوّن "العربي ـ الإسلامي" استعمل كمصطلح واحد مركب من لفظين تجمع بينهما واصلة، دليلا أن اللفظين يشكلان مفهوما واحدا. وهذا الجمع بين ما هو عربي وما هو إسلامي بشكل يجعل منهما شيئا واحدا، هو كذلك من التصورات العامّية والشعبية الخاطئة المنتشرة حول العلاقة بين العروبة والإسلام. وكتابة ذلك في نص دستوري فيه نصب وتضليل لأنه قد يحمل على الاعتقاد أن الانتماء إلى العروبة يعني الانتماء إلى الإسلام. وهو ما يعني أن التمسك بالعروبة هو تمسك بالإسلام. وهذا خلط خطير غير مقبول، فيه احتيال وخداع عندما يجعل العروبة مرادفا للإسلام. مما يعطي لها، باعتبار أنها جزء من الإسلام، امتيازا على باقي "المكونات" الهوياتية الأخرى. والأخطر أكثر أنه يدفع إلى الاعتقاد أن هوية المغاربة لا يمكن أن تكون أمازيغية ـ إسلامية إذ لا بد من العنصر العربي، مقرونا بالإسلام، حتى "يحسن" و"يقبل" إسلامهم.

هكذا يكون الدستور الجديد قد تعامل مع موضوع الهوية تعاملا "سفسطائيا": فبقدر ما يثبت هذا الدستور الهوية المغربية كهوية غنية جدا بتعدد "مكوناتها" و"روافدها"، فهو ينفيها كانتماء يميّز المغرب والمغاربة عن غيرهم من الشعوب الأخرى، وهو التميز الهوياتي الذي يستمدونه من موطنهم الأمازيغي بشمال إفريقيا، كما هو الأمر بالنسبة لهويات كل الشعوب والبلدان، كما سبق تبيان ذلك. فما تنفيه إذن الوثيقة الدستورية هو هذا الانتماء الأمازيغي الترابي للمغرب والمغاربة، واستبداله بخليط اعتباطي من الأعراق و"المكونات" و"الروافد" التي لا علاقة لها إطلاقا بمفهوم الهوية الذي يتحدد بالأرض أولا ثم باللغة ثانيا، كما عند كل شعوب المعمور. فإذا كانت الهوية تعني التحديد (S’identifier, c’est se déterminer)، فإن الدستور الجديد جعل منها شيئا فضفاضا وغير محدد، وذلك عندما اعتبرها خليطا هجينا من المكونات والروافد. وإذا لم يكن من الممكن أن ينص الدستور صراحة على أن المغرب بلد أمازيغي في هويته وانتمائه، بسبب ما تثيره كلمة "أمازيغية" من حساسية وسجال وجدل، فقد كان بإمكانه التنصيص، ودون أي ذكر للفظ "أمازيغية"، على «أن المغرب بلد يستمد هويته وانتماءه من موطنه بشمال إفريقيا». وهو تعبير موضوعي وجغرافي محايد يعبّر عن الانتماء الترابي، ولا يحيل على أي انتماء عرقي.

ولهذا فإن الدستور الجديد، رغم ما أقرّه من مكاسب رمزية هامة لصالح اللغة والهوية الأمازيغيتين، إلا أنه لم يحلّ المشكل الهوياتي بالمغرب، ولم يؤسس لمصالحة حقيقية مع الهوية الأمازيغية للمغرب. فما هي شروط هذه المصالحة؟

المصالحة الحقيقية مع الأمازيغية:

المعروف أنه من أجل إيجاد حل ناجع لمشكل ما، ينبغي أولا تشخيصه وتحديده. ما هو المشكل الحقيقي للأمازيغية في المغرب؟

مشكل الأمازيغية لا يكمن في إقصائها اللغوي والثقافي، الذي عانت منه لأزيد من نصف قرن، لأن هذا الإقصاء ليس إلا مظهرا للإقصاء الأول والرئيسي الذي هو الإقصاء السياسي، الذي يجد مصدره في كون السلطة السياسية في المغرب تُمارس، لأنها تُعتبر سلطة عربية، ليس من طرف العرب، ولكن باسم الانتماء العربي. وهو ما ينتج عنه أن الأمازيغية ـ وليس الأمازيغيون بصفتهم أشخاصا طبيعيين ـ مقصاة سياسيا. القضية الأمازيغية هي إذن سياسية في عمقها وجوهرها، قبل أن تكون لغوية وثقافية. ولهذا فإن كل ما قامت به الدولة لصالح الأمازيغية منذ 2001، انصب على معالجة الأعراض فقط، المرتبطة باللغة والثقافة، دون الاقتراب من جوهر المشكل الذي هو سياسي. هذا ما يفسّر أن المصالحة المزعومة مع الأمازيغية، مع كل القرارات المتخذة بهذا الشأن، لم تخرج عن كونها "سياسة بربرية" جديدة، على غرار "السياسة البربرية" القديمة التي مارستها سلطات الحماية الفرنسية. هذه "السياسة البربرية" الجديدة تتلخص في التعامل مع الأمازيغ كأقلية تطالب من الدولة "العربية" حيث يعيشون، أن تعترف بحقوقهم الإثنية واللغوية والثقافية. وهو ما حدا بهذه الدولة إلى تبنّي وتطبيق هذه "السياسة البربرية" الجديدة، التي تراها الحل المناسب لطبيعة مشكل الأمازيغية، كلغة وهوية وثقافة "أقلية". ورغم أن هذه "السياسة البربرية" الجديدة مفيدة للغة والثقافة الأمازيغيتين، إلا أنها حل زائف ومصالحة زائفة مع الأمازيغية، لأنه لا توجد بالمغرب "أقلية" ولا "أغلبية" أمازيغية، لكون المغرب، في مجموعه، أمازيغيا في هويته الجماعية، التي يحددها انتماؤه الشمال الإفريقي، والتي لا علاقة لها بالأصول العرقية لسكانه، التي قد تكون متنوعة ومتعددة.

ولهذا فإن المصالحة الحقيقية مع الأمازيغية، والحل الحقيقي للمشكل الهوياتي بالمغرب، يتطلبان تبنّي وتطبيق، ليس "سياسة بربرية"، كما هو الأمر حاليا، وإنما سياسة أمازيغية. والفرق بين الاثنين ليس تورية وتلاعبا في الكلمات، وإنما هو تعبير عن القطيعة مع تدبير ذي طابع "أجنبي" للقضية الأمازيغية، يعبّر عنه لفظ "بربري" ذو الأصل الأجنبي، واعتماد تدبير وطني يعبّر عنه استعمال لفظ "أمازيغي" ذي الأصل المحلي. هذا الانتقال من "سياسة بربرية" إلى سياسة أمازيغية يقتضي من الدولة، هي نفسها أولا، الاعتراف بهويتها الأمازيغية انسجاما مع هوية موطنها بشمال إفريقيا، حيث ستنتقل الأمازيغية من وضع موضوع Objet، سلبي ومنفعل، إلى وضع ذات Sujet فاعلة وسيّدة، ومصدر للقرارات التي تخصها.

المصالحة الحقيقية مع الأمازيغية تشترط إذن أن تُمارس السلطة السياسية، ليس من طرف أشخاص أمازيغيين، بل باسم الانتماء الأمازيغي باعتباره انتماء للدولة المغربية ولسلطتها السياسية. وهو ما سيكون حلا نهائيا للمشكل الهوياتي في المغرب، الناتج عن الانشطار بين الهوية المعلنة للدولة وانتمائها الجغرافي.

هذه العودة للدولة إلى هويتها الامازيغية الشمال إفريقية ستكون شرطا لاسترداد المغاربة لما فقدوه من أصالة وسيادة وكرامة هوياتية، عندما تنازلوا عن هويتهم الأمازيغية وكفّوا أن يكونوا ما هم عليه، وتحولوا من جنسهم الأمازيغي الإفريقي إلى جنس عربي أسيوي، بانتحالهم هوية بالتبنّي، معلنين بذلك أنهم غير شرعيين هوياتيا، مثل الأطفال مجهولي الوالدين، جاعلين من أنفسهم "البدون" الهوياتيين لأن الذين يعتقدون أنهم يتقاسمون هويتهم العربية لا يعترفون بهم كعرب مثلهم.

لكل هذا فإن استعادة الهوية الأمازيغية للمغرب، كجزء من الهوية الأمازيغية الجماعية لشمال إفريقيا، هي استعادة، كذلك، للحقيقة المتمثلة في أن نكون مطابقين لما نحن عليه، في توافق مع خصوصيتنا التي هي الأمازيغية، التي تميزنا عن كل شعوب الأرض. وهذا ما سيضع حدا للزيف وانتحال الصفة، وللتزوير واستعماله اللذيْن كنا ضحاياهما ومقترفيهما في نفس الوقت. هذه هي المصالحة الحقيقية مع الأمازيغية، والتي هي في نفس الوقت مصالحة مع الحقيقة. 

 

*هذا الموضوع هو في الأصل مداخلة شارك بها الكاتب في ندوة "حوار الثقافات وأسئلة الهوية"، التي نظّمها "مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم" بمكناس، يومي 26 و27 يناير 2018، بمناسبة الاحتفاء بالسنة الأمازيغية 2968.

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.