Amezwaru

(Page d'accueil)

 

مقالات  

 

قاموس الدارجة أو تصعيب الدارجة من أجل تفصيحها

بين إنكار أحاديث البخاري وإنكار وجود المسيح

شعب الدولة أم دولة الشعب؟

خطأ الاستهانة بفاجعة طحن محسن فكري وتداعياته

الاستثناء المغربي الحقيقي

بين قمع الكاطالانيين وقمع الريفيين

حراك الريف وميلاد "الهومو ـ زفزاف" المغربي

عندما يُستعمل القضاء للقضاء على العدالة

خرافة "المحاكمة العادلة" لمعتقلي حراك الريف

خرافة وحقيقة "أن التحقيق سيذهب بعيدا"

الأمازيغية والمثقفون المغاربة

هل نفّذ الزفزافي تهديده بالتسبّب في سعار المخزن؟

من يحكم المغرب؟

ناصر الزفزافي أو بروميثيوس المغرب

المخزن يعود عاريا بعد أن مزق حراك الريف أقنعته

لماذا أرفع الراية الأمازيغية وراية الريف ولا أرفع الراية المغربية؟

حكومة العثماني وفرصة الوحدة السياسية بين الأمازيغية والإسلام

كتاب إمازيغن وحتمية التحرر

تظاهرة الناظور وغباء السلطة الذي لا حدود له

نبوءة مولييراس بخصوص تعريب المغرب في القرن العشرين

اغتيال محسن فكري وفرصة التحرر من فوبيا السلطة

مشروع القانون التنظيمي لمنع ترسيم الأمازيغية

متى يكتشف المغاربة لغتهم الدارجة؟

قضية حميد أعطوش: من الاعتقال الجائر إلى الإفراج الماكر

أعطوش وأوساي: لغز الإدانة رغم أدلة البراءة

من أجل علمانية إسلامية

أربعينية إزم: الرسالة والدلالة

المايسترو أو النجم إذا سطع وارتفع

معاشات الوزراء والبرلمانيين

زلزال خطْب الجمعة بمسجد حمزة بسلا

اقتراحات بخصوص القانون التنظيمي للأمازيغية

مطالب الشعب المغربي لـ1934 وميلاد الوعي الوطني الزائف

أي تصور وأية مقاربة لتدريس أمازيغية موحدة ومشتركة؟

هل مساندة المغرب للقبايل اعتراف ضمني أنه بلد أمازيغي؟

الدليل الإحصائي أن الناطقين بالدارجة هم أمازيغيون

ميمون أمسبريذ، ذلك الكاتب الأمازيغي المجهول

التعريب نجح أولا بالفرنسية قبل العربية

متى ينتقل المغرب من السياسة البربرية إلى السياسة الأمازيغية؟

يوطوبيا التعريبيين في المغرب

لماذا لا يجوز تصنيف الأمازيغيين ضمن الشعوب الأصلية؟

نعم لاستفتاء شعبي حول العربية والأمازيغية

الأستاذ حميش والبوصلة التي لا تتحرك إلا في اتجاه المشرق

عبد الله حمودي والفهم العامي للهوية

ولماذا تتركون برنامج الله وتطبقون برنامج إبليس؟

مأزق المتحولين الجنسيين في المغرب

لماذا ليست العربية ضرورية لكفاءة المسؤولين الحكوميين؟

في دحض خرافة الوظيفة التوحيدية للعربية

الداعشية اللغوية

في دحض خرافة "اختيار" الأمازيغيين الطوعي للعربية

في دحض خرافة "الانصهار" بين العرب والأمازيغ

المتحولون الجنسيون في المغرب

المطالب الأمازيغية بين ردّ الفعل وغياب الفعل

من أجل إستراتيجية جديدة لاسترداد الهوية الأمازيغية للدولة المغربية

في الإقصاء السياسي للأمازيغية

L'Afrique absente du Maroc africain

جاهلية القرن الواحد والعشرين

توفيق بوعشرين يستعيذ باللطيف ضد الأمازيغية من جديد

الأمازيغية والعربية في إحصاء 2014

دولة النوم

النزعة الأمازيغوفوبية: نشأتها وتطورها

نعم "للمقاربة الإسلامية"، لكن بدون مضامين وأهداف تعريبية

الأمازيغية المنبوذة في كتاب "الأمير المنبوذ"

معاناة الإسلام من العروبة العرقية

خطْب الجمعة مرة أخرى

لماذا لا يريد التعريبيون الخير للمغرب؟

الأمازيغية والمرأة، ضحيتان لتمييز واحد

من هم الناطقون بالدارجة في المغرب؟

"التضبيع" في تجريم "التطبيع"

هل هو موقف جديد لحزب الاستقلال من الأمازيغية؟

بين ديودوني الفرنسي والمقرئ أبوزيد المغربي

عبقرية اللغة الأمازيغية وسر صمودها

المقرئ الإدريسي أبوزيد أو الأمازيغوفوبيا بلا حدود

الرسام الأمازيغي موحند سعيدي يغادرنا إلى الأبد

فرنسا تواصل سياسة التعريب

الدارجة ولاتاريخانية الأستاذ العروي

لمَ الخوف من الدارجة المغربية؟

متى يعترف المغرب بالفرنسية كلغة رسمية؟

حزب العدالة والتنمية، هبة من السماء للنظام المخزني

رفقا باللغة العربية أيها التعريبيون

المجانية والتعريب أو آلة تدمير التعليم العمومي بالمغرب

خطْب الجمعة

وما هو الحل لإصلاح التعليم بالمغرب؟

لماذا وصف مصري مساند للإخوان المغاربة باللقطاء؟

لماذا سكت رجال الدين عن مسألة العفو عن مغتصب الأطفال؟

"النسب الشرف" أو عندما يصبح الميز العنصري من الثوابت

طارق بن زياد، الأسطورة المقدسة

قداسة الشيخ الكتاني

العقل في تدبير التعدد اللغوي والثقافي في المغرب

ما تفتقر إليه العربية هو استعمالها في الحياة

المغرب من أغنى بلدان العالم

الأسباب الحقيقية لضعف مستوى اللغة العربية عند التلاميذ

اللغة العربية أو المعشوقة التي لا يرغب عشاقها في الزواج منها

لأي شيء ينفع إقرار اللغة الأمازيغية بويندوز 8؟

التعريب والهوية بالمغرب

"الفانطاسمات" اللسنية حول الأمازيغية بالمغرب

عادة التهرب من المسؤولية بإلقاء اللوم على الجميع

الحركة الأمازيغية بالمغرب: عيون على المستقبل

الأساطير المؤسسة للعروبة العرقية بالمغرب

كلمة الختام

وزير العدل والحريات يجهل مفهوم المعتقل السياسي

الأمازيغية في عمق الصراع الإيقوني

منذ متى أصبح ربيع الشعوب يهدد الأوطان؟

مدينة إفران: من السياحة الطبيعية إلى السياحة الثقافية

الأمير والتاريخ المحاصر

جريدة تاويزا في حاجة إلى تاويزا

الممثل الناطق بالأمازيغية واّلإنتاج التلفزي

أيت وراين: أبطال سلكوا درب الحرية

 

 

 

 

"قاموس الدارجة المغربية" أو تصعيب الدارجة من أجل تفصيحها

 

بقلم: محمد بودهان

(23 ـ 12 ـ 2017)

أصدر مركز تنمية الدارجة (زكورة)، نهاية 2016، "قاموس الدارجة المغربية". بقراءتي للمقدمة، وتصفّحي بعض المواد لأخذ فكرة عن المنهجية التي اتبعها المؤلفون لإعداد القاموس، استخلصت أن غالبية الذين كتبوا عن هذا القاموس وانتقدوه لم يطلعوا عليه البتة، وإنما انطلقوا في آرائهم من أحكام جاهزة حول الدارجة، وإشاعات مسبقة تخص السيد نور الدين عيوش، الذي ينسبون إليه القاموس، ولا تخصّ المعجم لا في شكله ولا مضمونه ولا منهجيته ولا أهدافه، علما أن اسم السيد عيوش لا يحضر ضمن لائحة مؤلفي القاموس، مما يبيّن أن موضوع "الانتقادات" هو السيد عيوش كشخص، وليس المؤلَّف كقاموس للدارجة. 

سأناقش، في هذا الموضوع، منهجية القاموس ومضمونه المعجمي وأهدافه والطريقة التي اختارها المؤلفون لكتابة الدارجة. وهذه المناقشة مناسبة لإثارة مجموعة من القضايا المرتبطة بالدارجة، سواء في ما يخص وضعها ووظيفتها، أو علاقتها بالعربية والأمازيغية. وستتناول المناقشة المحاور التالية:

ـ نواقص بسبب تجاهل دور الأمازيغية في تشكّل الدارجة،

ـ وهم "العربية الوسطى"،

ـ طريقة كتابة الدارجة فرع من تصوّرها،

ـ ما هي الطريقة الأفضل للكتابة؟،

ـ صعوبات إضافية بسبب تطبيق الإملائية العربية،

ـ تصعيب الدارجة بتفصيحها،

ـ البناء والإعراب،

ـ بيت القصيد: ما الهدف من قاموس للدارجة؟، 

ـ موقف الحركة الأمازيغية من الدارجة.

نواقص بسبب تجاهل دور الأمازيغية في تشكّل الدارجة:

يمكن اعتبار هذا القاموس أول عمل معجمي، جدي وأكاديمي، خاص بالدارجة المغربية. وقد رُتبت مادته اللغوية بطريقة ألفبائية حسب نطق الألفاظ المشكّلة لهذه المادة، خلافا للطريقة المتبعة في صناعة المعاجم العربية، والتي تعتمد على جذور الألفاظ كمداخل، ثم عرض ما يشتق من هذه الجذور من مفردات. وواضح أن هذه الطريقة الألفبائية أبسط وأسهل، لأنها لا تتطلب، لاستعمال القاموس، من مستوى تعليمي سوى معرفة قراءة الحروف العربية، عكس طريقة المداخل الجذرية التي تتطلب حدا أدنى من التكوين في العربية. وقد لا يكون مبرر اختيار هذه الطريقة الألفبائية كون القاموس خاصا بلغة "عامّية"، وموجّها لمستعملي هذه اللغة ممن لا يتقنون بالضرورة العربية. فقد يكون هناك مبرر آخر لهذا الاختيار، مثل اعتبار الدارجة لغة مستقلة عن العربية، ويجب بالتالي التعامل معها معجميا بطريقة تناسب وضعها، وتختلف عن طريقة المعاجم العربية.  

لكن إذا كانت الدارجة مستقلة عن العربية، وهو شيء لا أشك أن المؤلفين يختلفون حوله، إلا أنهم لم يتخلصوا من الفكرة الشائعة، العامّية وغير العلمية (حتى عند العديد من علماء اللسانيات)، التي تربط الدارجة بقبائل عربية. هكذا نقرأ في المقدّمة أن: «اللهجة "العروبية" كا تواجد على الساحل الأطلسي اللي كا يعرف كثافة سكانية مرتفعة. وهي الجهة المعروفة باللهجات العربية اللي من أصول هلالية» (صفحة. 9). وهذا ما حدا بهم إلى اعتبار هذه الدارجة «اللغة العربية الأم» (صفحة 19) للمغاربة الذين يستعملونها كلغتهم الفطرية الأولى، مكررين بذلك نفس الأخطاء، الشائعة كـ"بديهيات" لا تناقش، حول طبيعة وحقيقة وموطن نشأة الدارجة. ولهذا فهم يحصرون علاقة الدارجة بالأمازيغية، كما هو شائع في اللسانيات "العامّية"، في ظاهرها الخارجي الذي تمثّله الكلمات والألفاظ ذات الأصل الأمازيغي، والتي تشكل جزءا من معجم الدارجة. وهو ما عبّروا عنه بكون الدارجة نتيجة «لامتزاج الكلمات العربية المغربية والأمازيغية بكلمات من أصل أجنبي، وأخرى فصيحة»، دون التوقف عند تراكيب ومعاني الدارجة التي هي ترجمة حرفية لمثيلاتها الأمازيغية (انظر: "متى يكتشف المغاربة لغتهم الدارجة؟" على رابط "تاويزا: http://tawiza.byethost10.com/1tawiza-articles/arabe/darija.htm)، مما يكشف أن العلاقة بين الاثنتين ليست فقط علاقة معجمية، بل هي علاقة سببية وتكوينية، أي أنه لولا الأمازيغية ومستعملوها الأمازيغيون لما كانت هناك هذه اللغة التي نسميها الدارجة.

هذا التجاهل للدور التكويني الخلاق (لولا الأمازيغية لما وجدت الدارجة) للأمازيغية في علاقتها بالدارجة، يفسّر لماذا بقيت بعض مواد المعجم ملتبسة لم تُوضّح، ولم تُشرح بما فيه الكفاية لرفع اللبس الذي يشوبها. فمثلا نجد المعجم يشرح كلمة "راس" كما يلي: «الهامة، الجمجمة، أعلى الجسد [...]. راس المال: قدر ديال الفلوس اللي كترو ج شي شركة [...]. راس الحربة: متزعم شي حركة [...]. راس الحانوت: مجموعة د العطرية مطحونة ومخلّطة». نلاحظ أن شرح معنى "راس" قد أحاط بكل دلالات هذه المفردة، بما فيها المعنى الحقيقي والمعاني المجازية الأخرى. لكن عندما نبحث عن معنى كلمة "سوق"، يورد المعجم معناها الذي تؤدّيه العبارة المسكوكة "سوق الراس"، ، والذي يشرحه بـ«شغل الواحد والأمور اللي كا تهمه بالخصوص»، موضحا لذلك المعنى بالمثالين التاليين: «ما بغاش يدخل سوق راسه. اخرج من هذ السوق ودّيها في راسك». نلاحظ إذن أن "راس" تتضمن، في هذه الأمثلة الخاصة بكلمة "سوق"، معنى آخر جديدا غير مذكور في مادة "راس". وهو ما قد يخلق التباسا لدى الباحث عن معنى "راس" عندما يفاجأ بهذا المعنى الجديد الذي أهمله المعجم في عرضه لمعاني "راس". ولأن المعجم ربط هذا المعنى الجديد (جديد لأنه مذكور عرَضا بصدد مادة "سوق" وليس مذكورا ضمن معاني الكلمة الأصلية التي هي "راس") باستعمال كلمة "سوق"، من خلال العبارة المسكوكة "سوق الراس"، فإن هذا الربط ـ التخصيص ـ يغلّط مستعمل المعجم عندما يعتقد أن هذا المعنى، غير المذكور ضمن معاني كلمة "راس"، هو مقصور على استعماله بجانب كلمة "سوق" فقط. وهذا غير صحيح طبعا، لأن كملة "راس"، بهذا المعنى المرتبط بكلمة "سوق"، شائعة الاستعمال في الدارجة وفي سياقات واستخدامات مختلفة لا علاقة لها بكلمة "سوق"، كما في: "جا هو براسو"، "قتل راسو"، "جابها فراسو"، "دبّر على راسو"، "حظي راسك"... وواضح أن "راس" تعني في هذه الأمثلة "الشخص نفسه"، "هو نفسه"،" هو ذاته"، وهو معنى أمازيغي مترجم حرفيا من الأمازيغية. هذا التجاهل لمعنى أساسي لكلمة "راس" في الدارجة، شائع وكثير الاستعمال، يرجع إذن إلى الجهل بالدور الأساسي ـ بل التأسيسي ـ  للأمازيغية في وجود ونشأة الدارجة.

ونفس الالتباس نلاحظه بخصوص كلمة "حتّى"، التي يشرحها المعجم هكذا: «"حرف كا يعني" إلى حدّ، إلى غاية: طلع حتى لراس الجبل. كا يصومو المسلمين من طلوع الشمس حتى للغروب ديالها. حتى واحد ما جا». إذا كان المثال الأول (طلع...)  والثاني (كا يصومو...) مطابقين للمعنى المحدّد للفظ "حتّى" كما شرحه المعجم (إلى حدّ، إلى غاية)، فإن المثال الثالث (حتى واحد ما جا) لا علاقة له إطلاقا بهذا المعنى، إذ أن هذه الجملة/المثال لا تعني البتة "إلى حدّ، إلى غاية"، وإنما تعني "لا أحد جاء، لم يأت أحد". وإذا كان المؤلفون قد وقعوا هنا في التباس يؤدّي إلى خطأ مؤكد في ما يتعلق بمعاني "حتّى"، فذلك لأنهم لم يستحضروا الأصل الأمازيغي لهذا التعبير الدارج (حتى واحد ما جا)، الذي هو ترجمة حرفية لهذا الأصل الأمازيغي: "أولا د يان أور ديويض". هذا التغاضي عن إدراك واستحضار الدور التأسيسي للأمازيغية في نشأة الدارجة، كما أشرت، يفسّر هذا النوع من الالتباس والأخطاء في فهم العديد من الألفاظ والتعابير المستعملة في الدارجة.

ولا يرجع هذا التغاضي إلى جهل المؤلفين بالأمازيغية، لأن فيهم من يتقنها كلغته الفطرية الأولى مثل الدكتور خليل امغرفاوي منسق فريق المؤلفين، بل قد يرجع إلى القناعة الخاطئة لديهم ـ والشائعة كبديهية كاذبة عند العديد من اللسانيين ـ بأن الدارجة منتوج لسني عربي، خلقه وأبدعه العرب. أما اعتبارها منتوجا صنعه وأبدعه الأمازيغ، فهو شيء خارج المفكّر فيه. ولم يكن مطلوبا من المؤلفين، عندما يكون معنى الكلمة أو التعبير ذا أصل أمازيغي، أن يذكّروا تصريحا بهذا الأصل. وإنما كان عليهم، وهذا هو المطلوب في كل معجم، أن يذكروا معاني الكلمة دون إيقاع القارئ في الخطأ أو الالتباس، كما فعلوا في العديد من الكلمات والتعابير التي ذكروا معناها، الذي هو أصلا أمازيغي، دون الإشارة إلى أنه كذلك بكتابة علامة (مز)، التي خصّوها لما هو ذو أصل أمازيغي، كما نقف على ذلك بخصوص كلمات مثل: "حل" بمعناها الأمازيغي (فتح شي حاجة كانت مسدودة)، و"شدّ" بمعنييهما المترجمين من الأمازيغية ("اغلق، سد باب أو سرجم أو أي حاجة مفتوحة"، "قبط بشي حاجة أو شي واحد")، و"حْضي" (احرس، ردّ البال، راقب: احض راسك) التي هي كلمة أمازيغية، والتعبير "باغي غير يسافر ويبدل الجو"، الذي يستمدّ معناه من أداة "غاس" الأمازيغية التي ترجمت بـ"غير"، والتي لا علاقة لها بأداة الاستثناء العربية المعروفة بـ"غير"...

وقد نتج عن هذا التجاهل لدور الأمازيغية في تشكّل معاني وتراكيب الدارجة، ليس فقط تلك النواقص التي أشرنا إليها، والمتمثّلة في وجود التباس وأخطاء في شرح معاني العديد من الكلمات والتعابير، بل نتج عن ذلك أيضا أن المعجم لم يستوف كل المعاني الحقيقية والمجازية، المتداولة بشكل واسع وشبه يومي، لكثير من الكلمات الدارجة، مثل: "حلف" التي لم يذكر معناها الذي يفيد "التهديد" كما في عبارة "حلف فيه"، و"مشى" التي لم يذكر معناها الذي يفيد "ضاع" و"اختفى" كما في عبارة "مشاو لو حوايجو فسّوق"، و"خرج" التي لم يذكر معناها الذي يفيد "المآل والنتيجة" كما في عبارة "خرجت لو طّوموبيل زوينا"، و"جرى" التي لم يذكر معناها الذي يفيد "طرد" و"أبعد" كما غي عبارة "جرى عليه من الدار"، و"طاح" التي لم يذكر معناها الذي يفيد "صادف ووجد"، كما في عبارة "طاح فمرا زوينة "، أو معناها الثاني الذي يفيد "الكلفة النهائية" كما في عبارة "طاحت عليه الدار بخمسين مليون"، و"ضرب" التي لم يذكر معناها الذي يفيد "أكثر وأفرط" كما في عبارة "ضرب كيلو حوت بوحدو"، "ضربها بنعسة ما ناض حتى لمغرب"... وأكرر أنني لا أقصد أنه كان يجب على المعجم أن يحتوي بالضرورة كل المعاني، الحقيقية والمجازية، التي تؤدّيها كل كلمة، وهو ما يتطلب مجلدات، وإنما أقصد تلك المعاني الكثيرة الاستعمال والتداول، كما في الأمثلة التي استشهدت بها، والتي يكون، بالتالي، تضمّنها في المعجم إغناءً لمضمونه ومفيدا لمستعمليه.

وهم "العربية الوسطى":

الدارجة، كما سبق أن قلت، ورغم ارتباطها المعجمي بالعربية، فهي تشكل لغة قائمة بذاتها ومستقلة عنها. لكن يبدو أن أحد أهداف القاموس هو إلغاء هذه الاستقلالية، وذلك عن طريق "الرقيِّ" بالدارجة نحو مستوى العربية، و"النزول" بهذه الأخيرة قليلا في اتجاه مستوى الدارجة، بغية ـ كما يقول المؤلفون ـ «ردم الهوة بين الدارجة والفصحى» (صفحة 13)، للوصول في النهاية إلى ما يسمّونه بـ"العربية الوسطى" التي يعرّفونها، نقلا عن أحد الكتّاب، كما يلي: «يمكن وصف العربية الوسطى بأنها اللغة اللي كا يستعملو المتعلمين منين كا يتحاوروا بيناتهم أو مع متعلمين آخرين من بلدان عربية أخرى. والسمة الرئيسية لهذه العربية هي أنها كا تحذف بشكل عفوي كل الخصائص والسمات الإقليمية اللي من المحتمل أن الناطقين بلهجات أخرى ما يفهموها شي» (صفحة 14). ويوضّحون ذلك بالأمثلة التالية: «يمكن لمتعلم مغربي أو عربي يقرا على سبيل المثال مقال على "اللقاح" في جريدة أو على الأنترنيت، أو يسمع على "اللقاح ضد نزلة البرد" على قناة إذاعية أو تلفزية. ولكن منين كيتكلمو زوج المتعلمين في هذا الموضوع كا يستعملو بعض الأشكال اللغوية اللي يمكن نقولو أنها الفصحى ممزوجة بواحدة من اللهجات المحلية. تحديد ما إلا كانت هذه المفردات [الجو]، و[الثلج]، و[صحة الطفل]، و[اللقاح ضد نزلة البرد]، طبيب الأطفال]، و[صيدلية الحراسة] كاتنتمي إلى اللهجة أو الفصحى، كا تتوقف في الحقيقة على نطق "ثلج" بالتاء عوض الثاء [تلج]، و"نزلة البرد" كا تنطق [النّزلة] أو [البْرد]. اللي كا يجعلنا نعتبرو المفردات لهجة هو النطق ديالها بالحركة المركزية [الحركة المختلسة [ Ə ] عوض الحركات التامة [فتحة، وكسرة وضمة]، بالإضافة لغياب العلامات الإعرابية في آخر الكلمات» (صفحة 15). ويختمون كخلاصة واستنتاج أن «هذا السلوك اللغوي اليومي ديال الناطقين بالعربية المغربية كا يردم الفجوة بين السجلين وكا يأسس لغة "منتصف الطريق"، اللي انبثق منها اسم "العربية الوسطى"» (صفحة 15).

هذا السعي لـ«ردم الهوة بين الدارجة والفصحى» باستعمال "عربية وسطى"، ينمّ عن تصور ميكانيكي للعلاقة بين العربية والدارجة، وعن فهم ناقص لطبيعة وحقيقة العربية والدارجة. هذه بعض مظاهر هذا التصور الميكانيكي وهذا الفهم الناقص:

ـ بالنسبة لأصحاب هذا المشروع ـ مشروع "العربية الوسطى" ـ يكفي أن يستعمل المتحدّثون بالدارجة مفردات ومفاهيم تنتمي إلى معحم الفصحى، لتتحوّل هذه الدارجة إلى "عربية وسطى"، كالتي يستعملها في حديثهما متحاوران متعلّمان. مع أن الدارجة منذ أن نشأت وهي تستعمل معجما ينتمي إلى العربية الفصحى في أكثر من سبعين في المائة من مفرداتها، دون أن يجعل منها ذلك "عربية وسطى". حسب هذا التصوّر، تكون إذن هذه العبارة :"الدولة للي ما فيهاش العدالة، ما كايحسش فيها الإنسان بالكرامة ديالو كمواطن" (الدولة التي تنعدم فيها العدالة لا يشعر فيها الإنسان بكرمته كمواطن)، مصاغة بـ"عربية وسطى" لأن المتحدّثين بها متعلّمون يستعملون مصطلحات ومفاهيم من الفصحى. وبنفس المنطق ستكون هذه العبارة الأخرى: "ضربو لْفم هرّس لو ثلاثا ديال سنان" (ضربه في الفم فكسّر له ثلاثة أسنان) لغة دارجة، فقط لأنها لا تستعمل مصطلحات ومفاهيم من الفصحى لأن المتحدّثين بها غير متعلّمين. فهل هذا صحيح؟ هل الجملة الأولى "عربية وسطى" والثانية دارجة فحسب؟ فإذا كانت الجملة الأولى "عربية وسطى" لأنها تستعمل مفردات من العربية الفصحى، فسيكون كذلك التعبير الثاني "عربية وسطى" لأنه يستعمل مفردات هي من صميم الفصحى (ضرب، فم، هرّس، ثلاثة، أسنان). وكذلك إذا كان هذا التعبير الثاني دارجا فقط رغم أنه مصاغ بمفردات من العربية الفصحى، فسيكون الأول هو أيضا دارجا رغم أنه يستعمل مفردات من المعجم الفصيح.

الخطأ الذي وقع فيه المؤلفون هو اعتمادهم على مفردات الفصحى كمعيار للتمييز بين "العربية الوسطى" والدارجة، كما لو أن هذه الأخيرة لا تستعمل نفس المعجم المنتمي إلى الفصحى، وهو ما قد يُفهم منه أنهم  يختزلون اللغة في المفردات، مع أن هذه الأخيرة لا تشكّل لوحدها اللغة من دون الأدوات النحوية وحروف المعاني والربط، وهي موجودة في التعبير المعتبر "عربية وسطى" (الاسم الموصول "للي"، حرفا النفي "ما" "ش" في "مافيهاش"، حرف "كا" الدال على الزمن الحاضر، حرف النفي "ش" في ما "كا يحسش"، أداة النسبة إلى المتكلم "ديالو"). وهذه الأدوات والحروف، هي ما يجعل من الدارجة لغة دارجة وليس المفردات المستعملة. لأن إذا كانت تلك المفردات تجعل من التعبير "عربية وسطى"، فقد تجعل منه أيضا "فرنسية وسطى" بالنسبة للمتعلم المفرنس، الذي يعبّر عن نفس المعنى بكلمات فرنسية هكذا: "ليطا (الدولة)  للي ما فيهاش لاجوستيس (العدالة)، ما كايحسش فيها الإنسان بلادينيتي (الكرامة) ديالو كوم سيتوايان (كمواطن)". فرغم أن هذا الكلام يستعمل مفردات فرنسية فصيحة وراقية، إلا أن ذلك لا يجعل منه فرنسية متوسطة، بل يبقى كلاما دارجا لأن أدواته النحوية وحروف المعاني والربط تنتمي إلى قواعد اللغة الدارجة وليس الفرنسية. ولهذا فإن هذا التعبير: "الدولة للي ما فيهاش العدالة، ما كايحسش فيها الإنسان بالكرامة ديالو كمواطن"، هو تعبير باللغة الدارجة وليس بـ"العربية الوسطى".

ـ وحتى إذا افترضنا أن هذه الدارجة، التي تحتوي على مصطلحات ومفاهيم مجرّدة خاصة بالفصحى، وتُستعمل ـ بسبب ذلك ـ من طرف المتعلّمين والمثقفين، هي "عربية وسطى"، فإنها لن تكون لغة طبيعية وفطرية اكتسبت كلغة أم، بل ستكون لغة مدرسية تُعلّمت ـ ولم تكتسب مثل اللغة الأم ـ في المدرسة كأي لغة غير فطرية (لغة الأم)، مما سيجعل استعمالها مقصورا على المتعلمين والمثقفين، وبالتالي فهي ـ لهذا السبب ـ لغة مختلفة عن الدارجة، التي هي لغة فطرية تُكتسب ولا تُتعلّم.

ولا يمكن الاعتراض بأن هذا هو حال كل اللغات الحية التي تدرّس، كالإسبانية والفرنسية والألمانية الإنجليزية...، حيث يكون مستواها المدرسي مختلفا عن مستوى اكتسابها واستعمالها الفطريين (كلغة أم). هذا غير صحيح لأن الاختلاف، في ما يتعلّق بمثل هذه اللغات، يخص فقط المفردات الجديدة (المصطلحات والمفاهيم) المعبّرة عن الأفكار الجديدة التي يتعلّمها التلميذ في المدرسة، حيث يتوسّع معجمه اللغوي موازاة من توسّع أفكاره، نتيجة للتلازم القائم  بين اللغة والفكر. فالتلميذ، في حالة هذه اللغات، لا يتعلّم لغة جديدة، وإنما يتعلم مفردات جديدة (مفاهيم ومصطلحات) داخل نفس النسق اللغوي الذي اكتسبه كلغة أم، بحيث تكون لغة المدرسة استمرارا وتطورا للغة الأم. أما التلميذ المغربي، الذي تكون لغته الأم هي الدارجة، فإنه لا يتعلم في المدرسة فقط مفردات جديدة داخل نفس النسق اللغوي للدارجة، وإنما يتعلم نسقا لغويا جديدا مختلفا، هو النسق اللغوي للعربية الفصحى، الذي يستعمل تراكيب وقواعد وأدوات نحوية وحروفا للمعاني والربط مختلفة كل الاختلاف عن تلك التي يستعملها النسق اللغوي للدارجة. وهذا ما تنتج عنه قطيعة ـ وليس استمرارية ـ بين لغة البيت ولغة المدرسة. وهذه القطيعة "اللغوية" هي السبب الأول لفشل نظام التعليم ببلادنا.

النتيجة أن ما يسمّيه مؤلفو القاموس بـ"العربية الوسطى"، التي ينتظرون منها أن تردم «الهوة بين الدارجة والفصحى»، وتجعل «اللغة العربية حاضرة وحية وقريبة من اللغة الأم» (صفحة 14)، كما كتبوا، ليست إلا الدارجة نفسها، مع احتوائها مفاهيم ومصطلحات مدرسية يستعملها المتعلّمون والمثقفون. ولهذا فالهوة بين اللغتين، العربية والدارجة، بحكم أن العربية لغة كتابة وليست لغة تخاطب في الحياة اليومية، هي هوة أبدية يستحيل ردمها لاستحالة أن تعود العربية لغة تخاطب في البيت والشارع.

ـ ثم إذا كانت هذه "العربية الوسطى" خاصة بالذين يجيدون العربية، التي يستعملون مصطلحاتها ومفاهيمها المجردّة عند حديثهم بهذه "العربية الوسطى"، فما الذي يمنعهم من الحديث بالعربية الفصحى نفسها، التي تعلّموها ويستطيعون التحدث بها، كما يفعل من تعلّم الفرنسية أو الإسبانية أو الإنجليزية مثلا؟ الجواب: لأن العربية فقدت وظيفة التخاطب الشفوي في الحياة، وأصبحت وظيفتها مقصورة على الاستعمال الكتابي فقط. لهذا فهي لا تملك إلا مستوى واحدا، هو مستوى اللغة الكتابية المدرسية، وبذلك فهي لغة نصف حية أو نصف ميتة، عكس اللغات ذات الوظيفة الشفوية بجانب وظيفتها الكتابية، كالفرنسية والإسبانية والإنجليزية...، والتي تملك، بالإضافة إلى مستواها الكتابي المدرسي، مستوى عامّيا يستعمل في التخاطب الشفوي، ينشأ تحت إكراهات التواصل الشفوي اليومي، ويُكتسب كلغة أم. والفرق بين المستويين هو فرق بين الاستعمال الكتابي والاستعمال الشفوي في التخاطب اليومي، لكن داخل نفس اللغة الواحدة، وبنفس القواعد التركيبية والنحوية لتلك اللغة، مع اختلاف فقط في نسبة من الألفاظ قد تُستعمل في أحد المستويين ولا تُستعمل في المستوى الآخر. وهو فرق لا علاقة له إطلاقا بالفرق الموجود بين الدارجة والعربية، الذي هو فرق بين لغتين اثنتين، مختلفتين ومستقلتين إحداهما عن الأخرى. ولهذا فمن غير المعقول، منطقيا وواقعيا ولسنيا، الحديث عن مستوى "العربية الوسطى" يكون خاصا بالاستعمال الشفوي، قياسا على المستوى العامّي لمثل تلك اللغات التي أشرنا إليها، وذلك لأن العربية، كما قلنا، لا تعرف إلا مستوى واحدا هو المستوى الكتابي، سواء سميناه بالمستوى الفصيح أو المدرسي أو الأكاديمي أو الأدبي، لأنها فقدت، كما بينّا، وظيفة التخاطب في الحياة اليومية، والذي تؤدّي ممارسته إلى ظهور مستوى عامّي شفوي مختلف قليلا عن المستوى الكتابي المدرسي لنفس اللغة.

ـ أما القول إن شكل النطق بالمفردات المستعملة في "العربية الوسطى"، هو الذي يحدّد ما إذا كانت تلك المفردات تنتمي إلى اللهجة أو الفصحى، مثل نطق "ثلج" "تلج"، فهو أولا، بلغة المرافعات القضائية، وسيلة غير مجدية، لأن طريقة نطق الحروف، بالنسبة لأية لغة موحّدة، تختلف قليلا أو كثيرا من جهة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، بل حتى من شخص إلى آخر كأن يكون المعني بالنطق قد فقد أسنانه، أو أصيب بزكام حادّ، أو بمرض في حلقه أو حنجرته أو لسانه... وبتتبّع نشرات الأخبار بالفصحى على الفضائيات العربية، نكتشف اختلافا في نطق بعض الحروف من منطقة عربية إلى أخرى، رغم أن العربية الفصحى المستعملة في هذه النشرات هي لغة واحدة وموحّدة. والاختلافات النطقية الطفيفة لنفس اللغة من جهة إلى أخرى، ظاهرة عامة موجودة داخل كل بلد. ففي فرنسا، مثلا، نلاحظ بسهولة أن نطق فرنسيي منطقة مارسيليا يختلف عن نطق الباريزيين، مع أنهم جميعا يتحدثون نفس اللغة الفرنسية.

وهو (القول) يعبّر، ثانيا، عن سوء فهم لطبيعة اللهجة وللاختلاف بينها وبين اللغة، إذ يعتبر اختلاف النطق معيارا للتمييز بينهما. وهذا غير صحيح طبعا، وإلا لكان نطق "ثاء" "الثلج" "تاء" في هذه الجملة الفصيحة: "يتسبب الثلج في ارتفاع درجة البرودة"، سيجعل منها لهجة مع أنها عربية فصيحة. أما معيار التمييز بين اللغة واللهجة فيبقى هو المدرسة، مما يسمح بتعريف اللغة بأنها "لهجة" تُدرّس، الشيء الذي يرتقي بها إلى مستوى الاستعمال الكتابي، وبتعريف اللهجة بأنها "لغة" لا تُدرّس، الشيء الذي يبقيها شفوية لا تستعمل في الكتابة.   

طريقة كتابة الدارجة فرع من تصوّرها:

فبما أن الحكم على الشيء فرع من تصوّره، كما تقرر القاعدة الأصولية، ولأن مؤلفي القاموس يتصوّرون أنه من السهل تحويل الدارجة إلى "عربية وسطى"، فقد عملوا على اتباع طريقة كتابة العربية المدرسية (الفصحى) في كتابة الدارجة، مطبّقين تقريبا نفس القواعد الإملائية، وحتى النحوية في بعض الحالات. وهو خطأ آخر يقعون فيه نتيجة اقتناعهم الخاطئ بإمكانية وجود "عربية وسطى" "تردم الهوة بين الدارجة والفصحى"، كما كتبوا.

فرغم أنهم يذكّرون بالموقف الذي «يطالب بكتابة الدارجة بشكل يخلّيها أقرب ما يمكن من المنطوق»، وهو الشيء «اللي غادي يخلّيها تكون سهلة في القراءة والكتابة» (صفحة 11)، إلا أنهم لم يتبنوا هذا الموقف، مكتفين بتبرير رفضهم له بالقول: «لكن بعض القواعد الإملائية واللغوية تقدر تولّي أكثر تعقيدا» (صفحة 11)، ودون إعطاء ولو مثال توضحي واحد لهذا التعقيد الذي ينتج عن تلك الطريقة في الكتابة، حتى نتفهّم ونتقبّل التخلّي عن هذه الطريقة. وعندما يكتبون بأنهم لم يختاروا هذا الموقف ولا الموقف الثاني الذي «كا يعتبر بأن الدارجة ما هي إلّا عربية فصحى منطوقة في بعض الكلمات بنطق مغاير [...]. وفي هذ الحال ما شي مشكل إلا كان الشكل الكتابي ديال الكلمات ما كا يتطابق شي في كل الحالات مع المنطوق» (صفحة 11)، ليختموا بالقول: «اخترينا الطريق الوسط اللي كا يسمح للدارجة باش تتبّت كتابتها بلا ما تبعّد على الفصحى إلا كان ممكن»، (عندما يكتبون ذلك) فهم في الحقيقة يتبنّون الموقف الثاني الذي يدعو إلى كتابة الدارجة على أساس أنها ليست «إلّا عربية فصحى منطوقة في بعض الكلمات بنطق مغاير». لماذا؟ لأن هذا "الطريق الوسط" هو بالفعل المتّبع في كتابة العربية الفصحى، والذي يجمع بين كتابة مطابقة للمنطوق، كما في هذه الأفعال: "ضرب"، "دخل"، "خرج"، وكتابة قد تكون مخالفة للمنطوق، كما في مصادر نفس هذه الأفعال: "ضرْب"، "دخول"، خروج"، والتي تنطق "ضرْبُن، دخولُن، خروجُن"، بنون منطوقة لكن غير مكتوبة، أو كما في مثل هذه العبارة: "في الشارع"، حيث نكتب ألف ولام "الشارع" دون أن ننطقهما. ومعروف أن هناك طريقتين فقط للكتابة: طريقة تطابق المكتوب مع المنطوق écriture phonétique، وطريقة اختلاف المكتوب عن المنطوق (قليلا أو كثيرا) écriture phonologique. هذا فقط لتبيان أن "الطريق الوسط"، الذي يزعم المؤلفون أنهم تبنّوْه في كتابة الدارجة، هو أصلا غير موجود، لأنه هو نفسه الطريقة المتّبعة في كتابة الفصحى. وبالتالي فإن تطبيق هذه الطريقة يستند ضمنيا إلى التعامل مع الدارجة على أنها «عربية فصحى منطوقة في بعض الكلمات بنطق مغاير»، مع كل ما سيترتّب عن ذلك من أخطاء والتباسات وصعوبات إضافية كان من السهل تجاوزها لو تم التعامل مع كتابة الدارجة بطريقة مستقلة عن طريقة كتابة العربية، وذلك باستنباط القواعد الإملائية لكتابتها من طبيعة هذه الدارجة وخصوصيتها كلغة مستقلة عن الفصحى.

ما هي الطريقة الأفضل للكتابة؟

يجدر التذكير، بخصوص موضوع الكتابة، أن الأصل في اللغة أنها منطوقة. هكذا نشأت تاريخيا، وهكذا يكتسبها الأنسان كلغة أم، قبل أن يتعلّم الكتابة. وهو ما ينتج عنه إذن أن أفضل طريقة لكتابة اللغة هي تلك التي تنقل المنطوق وتحافظ عليه كما هو، أي الكتابة الصوتية Ecriture phonétique، التي يطابق فيها المكتوبُ المنطوقَ، حيث يكون لكل صوت حرف خاص به.

وإذا كانت العديد من اللغات لا تحترم كتابتُها هذا المبدأَ، فذلك لأن طريقتها الحالية للكتابة، وخصوصا ما يتعلق منها بالعلاقة بين المكتوب والمنطوق، لم تتحدّد، دفعة واحدة وفي صيغتها النهائية، منذ تجربتها الأولى في ممارسة الكتابة. بل إن التطور التاريخي لهذه الممارسة هو الذي أدّى إلى الشكل الحالي الذي تُكب به تلك اللغات، ويفسّر ما تحتوي عليه طريقة كتابتها، كما في الإنجليزية والعربية والفرنسية مثلا، من حروف زائدة تُثقل الكتابة وتجعل ضبط قواعدها صعب الاستيعاب والتطبيق بيداغوجيا بالنسبة لتلميذ يتعلم كتابة هذه اللغات. وهي حروف تشكّل، وحتى عندما يكون لها معنى تاريخي ولغوي يدلّ على بقايا ألفاظ اختفت أو ألفاظ استُوردت من لغات أخرى أجنبية، عوائق وصعوبات إملائية ليست ضرورية لكتابة تلك اللغات بطريقة أسهل وأفضل. ولهذا فلو كان من الممكن أن يبدأ لسانيو وخبراء تلك اللغات تأسيس قواعد كتابتها من جديد، كما لو أنها لم يسبق أن عرفت الكتابة من قبلُ مثل الدارجة، فمما لا شك فيه أنهم سيضعون قواعد لكتابتها تتجاوز عيوب تلك المطبّقة حاليا، وتكون أبسط وأخفّ وأنسب، وأيسر بيداغوجيا لتعلّم كتابة وقراءة تلك اللغات. ولأن كتابة الدارجة مشروع جديد لا تتوفر معه على إرث كتابي بقواعد للكتابة قد لا تكون هي الأفضل والأنسب، فإن هذا المشروع هو إذن فرصة لاختيار الطريقة الأفضل والأنسب لكتابتها.

عودة إلى طريقة الكتابة الصوتية Ecriture phonétique، التي يطابق فيها المكتوبُ المنطوقَ، والتي قلنا إنها أفضل طريقة للتعبير خطّيا عن اللغة المنطوقة، يجدر التنبيه أن الأمور، من الناحية العملية، لا تسير بهذه البساطة "الميكانيكية" حيث يُعيّن لكل صوت شكل كتابي خاص به. فهناك حالات كثيرة يؤدّي تطبيق هذه الطريقة عليها إلى التباس في فهم المقصود ببعض الكلمات التي تُنطق بنفس الأصوات. فمثلا في الفرنسية لا يمكن التمييز بين المفرد والجمع في هذه الجملة التالية، لأنها تُنطق بنفس الأصوات، سواء في صيغة الجمع أو المفرد: il parle, ils parlent. ولهذا تقرّر، كقواعد صرفية وإملائية للغة الفرنسية المكتوبة، إضافة حروف مكتوبة لكن غير منطوقة، وذلك للتمييز بين صيغتي الجمع والمفرد، كما في المثال، ورفع الخلط الذي قد يحدث بين الصيغتين. لكن قد نجد لغات أخرى تستغني عن اللجوء إلى مثل هذه الحروف غير المنطوقة  للتمييز بين الجمع والمفرد في المثال الذي قدّمناه، كما في اللغة الإسبانية التي يُعبّر فيها عن تلك الصيغتين، من نفس المثال، بهذا الشكل: él habla, ellos hablan. هنا، بالنسبة لهذا المثال في الإسبانية، لا حاجة لحروف زائدة عما هو منطوق. لماذا؟ لأن التمييز بين الجمع والمفرد تقوم به الأصوات المنطوقة نفسها.

أما عندما تُكتب الكلمة بشكل مختلف عن المنطوق، أو بإضافة حروف غير منطوقة، ودون أن يكون هناك مسوّغ وظيفي وتمييزي لهذا الإجراء، فإن هذا الأخير، بدل أن يرفع اللبس والخلط المحتملين، يضاعفهما ويزيد من إمكان حضورهما. القاعدة المثالية إذن أن كتابة نفس الأصوات بشكل مختلف، أو بحروف زائدة غير منطوقة، تكون ضرورية فقط عندما يكون لها دور وظيفي وتمييزي  pertinent, distinctif، يرمي إلى تلافي اللبس والخلط المحتملين بين معنيين مختلفين لكلمتين بنطق واحد، مثل mer (بحر) و mère (أم) في الفرنسية.

صعوبات إضافية بسبب تطبيق الإملائية العربية:

بناء على هذه القاعدة تكون أفضل طريقة لكتابة الدارجة هي كتابتها بشكل مطابق للمنطوق، إلا عندما يكون اختلاف المكتوب عن المنطوق ضروريا، لأنه يؤدّي دورا وظيفيا وتمييزيا. لكن عندما نتصفّح قاموس الدارجة، نلاحظ أن طريقة الكتابة المتّبعة لا تستجيب لهذه القاعدة، إذ نجد كلمات تُكتب بحروف زائدة عمّا هو منطوق دون أن تكون لتلك الزيادة ما يبرّرها، لا منطقيا ولا نحويا ولا صرفيا ولا لغويا ولا بيداغوجيا. في ما يلي نماذج توضّح ذلك:

أ ـ كتابة الاسم المعرّف:

لنقرأ هذه العبارة من الصفحة 11، وهي مكتوبة بالطريقة التي اختارها المؤلفون لكتابة الدارجة: «لازم من التذكير بأن الكتابات ديال الدارجة الموجودة اليوم...». نلاحظ أن الشكل المكتوب لهذه العبارة مختلف عن منطوقها الصوتي الذي هو: "لازم من تّذكير بأن لْكِتابات ديال دّاريجا لْموْجودا لْيومْ...". لماذا إذن  كتابة "تّذكير"، "لْكِتابات"،  "دّاريجا"، "لْموْجودا" و"لْيومْ"، بأداة التعريف "ال"، التي تختفي في المنطوق الصوتي لهذه الكلمات؟ قد يكون المبرّر الوحيد لذلك هو أن "ال" ضرورية للتمييز بين المعرفة والنكرة. لكن هذا التمييز موجود صوتيا ولا حاجة، بالتالي، لتـأكيده بإضافة حروف زائدة: فعندما يتعلق الأمر بما يقابل "ال" الشمسية، مثل "تّذكير" و"دّاريجا"، يكفي تشديد الحرف الأول للكلمة، كما هو مطابق لنطقها،  لتفيد معنى التعريف. امّا إهمال ذلك التشديد، كما في منطوقها الصوتي، فيفيد معنى النكرة، مثل "تذكير" و"داريجا". أمّا عندما يتعلق الأمر بما يقابل "ال" القمرية، مثل "لْموِجودا" و"لْيُوم"، فيكفي، كما هو مطابق لمنطوقها الصوتي، تسكين اللام التي تبدأ بها لتفيد معنى المعرّف. في حين أن كتابتها بدون لام، كما هو نطقها، تفيد معنى النكرة. وهذه قاعدة قارّة مضطردة في الدارجة. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا إثقال هذه الدارجة بقاعدة خاصة بالعربية الفصحى، حيث هي أصلا قاعدة "ثقيلة" في العربية نفسها. وهذا يعرفه كل المعلّمين الذين وقفوا على ما يعانيه التلاميذ من صعوبات في استيعاب هذه القاعدة الخاصة بـ"ال" الشمسية والقمرية.

ب ـ همزة الوصل:

ويرتبط بهذه الصعوبة، التي ينقلها القاموس من العربية إلى الدارجة، كتابة همزة الوصل غير المنطوقة في أول الكلمة. إذا كان النحويون أنفسهم يعترفون أن الغاية من هذه الهمزة في العربية هي فقط تجنب البدء بالسكون، فلماذا فرضها حتى في الدارجة ما دامت لا تقوم بدور نحوي أو إملائي وظيفي وتمييزي؟ وإذا كان العديد من المتمكّنين من العربية لا زالوا يخلطون، كما تدلّ على ذلك كتاباتهم، بين همزة الوصل والقطع، فكيف نطالب من يستعمل الدارجة بالتمييز بينهما على الوجه الصحيح؟ ويُدرج القاموس همزة الوصل كذلك في كتابة أفعال ذات صيغة غير عربية، كما في هذه الجملة من الصفحة 11 من الكتاب: «مشكل الكتابة اتّطرح بقوة». مع أن هذه الصيغة لفعل "طرح" ليست عربية، بل هي أمازيغية يُعبّر بها في هذه اللغة عن المبني للمجهول للفعل الثلاثي. وهي الصيغة المستعملة في الدارجة للتعبير عن معنى المبني للمجهول للفعل الثلاثي المتعدّي، مثل: "تّقْتلْ"، "تّضْربْ"، "تّوْلدْ"، "تّشْوَى"...، والتي لا علاقة لها بالصيغة العربية للمبني للمجهول: قُتل، ضُرب، وُلد، شُويَ...، ولا بصيغته في اللهجات الخليجية ـ وليس المصرية التي قد يسري عليها، في علاقتها بالعربية، ما يسري على الدارجة ولو بدرجات متفاوتة ـ التي يحضر فيها معنى المبني للمجهول ـ من غير التي حافظت على صيغته الفصيحة مثل اللهجة النجدية ـ عبر فعل المطاوعة بصيغته للمعلوم: انقتل، انضرب، انولد، انشوى... (حسين محمد حسين، "المبني للمجهول في اللهجة البحرانية" ـ http://www.alwasatnews.com/ipad/pdf/3759/mon14.pdf ).

ج ـ حرف الجر "في":

وبعدما شرح المؤلفون (صفحة 12) أنهم اختاروا الاحتفاظ بالحروف (المقصود حروف المعاني والربط) متصلة بالكلمة التي تليها إذا كان الحرف أحاديا (حرف وحيد). لكنهم استثنوا حرف الجر "في"، الذي اختاروا كتابته منفصلا عن الكلمة التي تليه، كما يُكتب في الفصحى. والأهم في هذا الاختيار هو المبرر الذي يستند إليه المؤلفون، حيث يقولون لتعليل اختيارهم: «السبب هو أن منين كا تلتصق ب [في] ضمائر متصلة بحال [ك] [ه] [ها] [كم] [هم]، الخ. كا يتّنطق كيف ما في الأمثلة: [الكتاب فيه التصاور] أو [الجرائد فيها إعلانات كثيرة]، [واش ما خدّام حتّى واحد فيكم هذ الصباح؟]» (صفحة 12).نستنتج إذن من هذا التعليل أن حرف "في" يُكتب منفصلا عن الاسم الذي يليه، فقط لأنه يُكتب غير منفصل عن الضمائر التي تأتي بعده (لا حاجة لتأكيد أن الأمر يتعلق بالضمائر المتصلة تمييزا لها عن الضمائر المنفصلة، لأن حرف "في" لا يدخل على هذه الضمائر المنفصلة). سيكون هذا التعليل لمؤلفي القاموس مفهوما ومقبولا، لأنه ينبني على وحدة  في القاعدة الإملائية لكتابة هذا الحرف، لو أنهم اختاروا وفسّروا كتابته متصلا بالاسم لأنه يُكتب كذلك عندما يدخل على الضمائر. ولهذا فإن أقل ما يقال عن هذا التعليل أنه عليل، وخصوصا أنه يفضي إلى قاعدة إملائية، لكتابة هذا الحرف في مختلف الأوضاع، غير سهلة بالنسبة للتلميذ الذي يتعلم كتابة الدارجة، لأن هذه القاعدة تتطلب التمييز بين حالتي الاسم والضمير، والتمييز، كذلك، بين ما يُكتب طبقا للمنطوق (حالة دخول "في" على الضمير) وما يُكتب مختلفا عن المنطوق (حالة دخول "في" على الاسم). مع أنه يمكن صياغة قاعدة بسيطة وعامة، مستخلصة من خصوصية النطق بالدارجة، لكتابة حرف "في"، وهي أنه "يكتب كجزء من الكلمة التي تليه، وكما يُنطق بها" ("فلْمدرسا ـ في المدرسة ـ، "فدّار" ـ في الدار ـ،"فيه"، "فيها"، "فيكم"...). لماذا إذن تجاهل هذه القاعدة السهلة والبسيطة والعامة، التي تنطلق من مبدأ مطابقة المكتوب للمنطوق، إذا كان اعتمادها لا يتسبّب في أي خلط أو التباس وغموض؟ فطريقة كتابة حرف "في"، كما يقترحها القاموس، ولأنها تختلف عن المنطوق دون سبب ضروري معقول، فهي صعبة ومعقّدة بيداغوجيا، ودون أن تكون هذه الصعوبة والتعقيد ضروريين، يستلزمهما مثلا رفع التباس أو خلط ممكنين في معنى الكلمة أو التعبير.

د ـ الضمير المتصل  للمذكّر المفرد الغائب:

وفي ما يتعلّق بالضمير المتصل المسند إلى المذكر المفرد الغائب، الذي تدلّ عليه الضمة المشبعة (حرف "الواو") في الدارجة كما في: "كتابو" (كتابه)، يقترح المؤلفون كتابته بالهاء كما يُكتب في الفصحى (كتابه). ويبررون هذا الاختيار كما يلي: «إلا وضعنا قاعدة كا تقول بأن الضمير كا يتّكتب "واو" في حالة المذكر المفرد، خاص القاعدة تكون شاملة وتفسّر لينا علاش هذ الواو كا يولّي هاء في المؤنث والجمع: [كتاب]   < [كتابو، كتابها، كتابهم]» (صفحة 13). مع أن السؤال نفسه يعطي الجواب، وهو أن هذا "الواو"، الناتج عن الضمّة المشبعة لحرف الباء، والدال على ضمير المذكّر المفرد، إذا كان يختفي وتحلّ محله هاء بفتحة مشبعة في المؤنث، وهاء متبوعة بميم في الجمع، فلأن الأمر يتعلق بضميري المؤنث والجمع وليس بضمير المذكّر المفرد. فلو انطلقوا من خصوصيات الدارجة وحدها، كلغة مستقلة عن العربية، ليستخلصوا منها القواعد الإملائية المناسبة لكتابتها، لأدركوا أنه ليس من الضروري أن  حرف "الهاء"، الغائب نطقا في ضمير المفرد المذكّر، يجب أن يحضر خطيا في كتابة هذا الضمير، فقط لأنه حاضر في ضميري المؤنث والجمع. فإذا كانت تلك قاعدة خاصة بالعربية، فلا يعني أنها عامة بالنسبة لجميع اللغات، وضمنها الدارجة، وإلا لكان ضمير الجمع في الفرنسية، كما في عبارة Leur livre، يجب أن يظهر خطّيا كذلك في صيغة المفرد، فنكتب Son leur livre ولا نكتفي فقط بـ Son livre.

  هكذا يختار إذن مؤلفو القاموس طريقة لكتابة الدارجة، أصعب بكثير من طريقة الكتابة الصوتية (مطابقة المكتوب للمنطوق)، فقط لأنهم يريدون نقل القواعد الإملائية والنحوية للعربية إلى الدارجة، حتى يخلقوا من هذه الأخيرة "عربية وسطى". فهدفهم ليس هو وضع قواعد لكتابة الدارجة الموجودة والواقعية، بل وضع قواعد لكتابة لغة متخيّلة وغير موجودة، وهي ما يسمونه بـ"العربية الوسطى". وهذا ما وضّحوه بقولهم إن «هذا الاختيار كا يحل إشكال بيداغوجي آخر كا يتمثل في ردم الهوّة بين الدارجة والفصحى» (صفحة 13)، وهو "الردم" الذي سيعطينا تلك "العربية الوسطى". وقد اضطرهم تحقيق هذا الهدف إلى التضحية بسهولة الكتابة الصوتية التي تتميز بها كتابة العربية، بخصوص هذه الحالة المتعلقة بالضمير المتصل، وحرمان  الدارجة من هذه السهولة، ليجعلوا كتابتها، بسبب إضافة حروف غير منطوقة ودون أن يكون ذلك ضروريا، أصعب وأعقد بالنسبة لمن يتعلم قراءة وكتابة هذه الدارجة، وذلك فقط من أجل إعطاء الدليل على أن ذلك الضمير يرجع في أصله إلى الفصحى، مع أن الأمر يتعلق بلغة أخرى غير العربية الفصحى.

هـ ـ التاء المربوطة للاسم المؤنث:

ونفس الشيء فعله المؤلفون مع الأسماء المؤنثة التي كتبوها بتاء مربوطة في آخرها، كما في الفصحى: "مدرسة" وليس "مدرسا"، "الدارجة" وليس "دّارجا"، "سيارة" وليس "سيارا"، "فاطمة" وليس "فاطما"...، كما تُنطق هذه الكلمات في الدارجة. فليس من الضروري كتابة هذه التاء غير المنطوقة لأنها تدلّ على الاسم المؤنّث، ذلك أن علامة تأنيث الاسم في الدارجة تدلّ عليها، في الغالبية العظمى من الأسماء وليس كلها، الفتحة المشبعة للحرف الأخير في الاسم: دارجَا، مدرسَا، سيارَا، رجل زوين ـ مرا زوينَا، ولد مريض ـ بنت مريضَا... كما أنه ليس من الضروري كذلك أن تُكتب هذه التاء غير المنطوقة للاسم المؤنث، لأنها حاضرة ومنطوقة في الجمع (صيغة المؤنث السالم)، وإلا فإن "نون" جمع المذكر السالم في العربية، كما في "مسلمون"، يجب أن يحضر كذلك في المفرد "مسلم". ويمكن صياغة قاعدة لتفسير حضور هذه التاء منطوقة في الجمع مع غيابها في المفرد، مفادها أن "الاسم المؤنّث يُجمع بإضافة تاء ساكنة في آخره: مريضا ـ مريضات، زوينا ـ زوينات، خدّاما ـ خدّامات، سيارة ـ سيارات، فايقا ـ فايْقات... وهكذا تكون لدينا كتابة سهلة وبسيطة لأنها مطابقة للمنطوق، وتكون لدينا في نفس الوقت قاعدة سهلة وبسيطة لصياغة جموع الاسم المؤنث. وإذا كنا سنحتج بأمثلة تشذّ عن هذه القاعدة الخاصة بالجمع، فهو شيء نلاحظه كذلك ـ وفي العربية الفصيحة أيضا ـ حتى بالنسبة للاختيار الذي يقضي بكتابة التاء غير المنطوقة، كما في "نمرة" التي يجمعها القاموس على "نوامر"، وخنشة" على "خناشي"، و"جفنة" على "جفاين" و"جلفة" على "جلوف"...، بدون التاء الدالة على جمع المؤنّث السالم، مما تكون معه كتابة التاء في الاسم المؤنث المفرد أمرا لا معنى ولا مسوّغ له. إذن، إذا كان عدم شمولية القاعدة لجميع الحالات الممكنة أمرا لا مفر منه، سواء كتبنا التاء غير المنطوقة كما فعل مؤلفو القاموس، أو استغنينا عنها لهذا السبب، أي لأنها غير منطوقة، فإن هذا الاختيار الأخير يمتاز، على الأقل، عن الأول بالبساطة والسهولة والوضوح، لأنه يطابق المنطوق، وهو فرق له آثاره البيداغوجية في تعليم وتدريس الدارجة والتدريس بها.

وتضيف كتابةُ تاء الاسم المؤنث، غير المنطوقة، صعوبة إملائية أخرى لكتابة الدارجة، وهي التي يلخصها السؤال التالي: لماذا ستُكتب هذه التاء مربوطة وليس مفتوحة؟ ما هو معيار التمييز بين التاء المربوطة والتاء المفتوحة؟ إذا كان العديد من التلاميذ، وحتى في المستوى الإعدادي، لا يضبطون القاعدة التي تحكم كتابة التاء مربوطة أو مفتوحة، فلماذا ننقل هذه الصعوبة إلى الدارجة، مع أن هناك إمكانية لتجاوزها؟ إذا تعاملنا مع الدارجة انطلاقا من خصوصياتها كلغة مستقلة عن العربية، ومن خارج منطق القواعد الإملائية لهذه العربية، فإن التاء المربوطة يجب أن تختفي نهائيا في كتابة الدارجة، لأنها لا تقوم بأي دور وظيفي وتمييزي، ما عدا جعل كتابة هذه الدارجة أعقد وأصعب.     

أما تعليل كتابة تاء تأنيث الاسم على أنها تصحيح للكلمة المنطوقة في الدارجة بلا تاء، وذك بردها إلى أصلها الفصيح الذي تُنطق فيه هذه التاء، فهو تعليل عليل ومردود للأسباب التالية:

ـ إذا كان الأصل الفصيح للكلمة هو الذي يحدّد قاعدة كتابتها في الدارجة، فلماذا الاعتناء أصلا بكتابة هذه الدارجة ووضع قاموس خاص بها، إذ كان ينبغي، حسب هذا المنطق الذي يُرجع الدارجة إلى أصلها الفصيح المفترض، الاكتفاء بالعربية الفصحى، التي تمثّل هذا الأصل، وعدم التفكير نهائيا في كتابة الدارجة، ما دامت هذه الكتابة هي عودة بها إلى الفصحى. سيكون إذن من العبث بذل كل هذا المجهود من أجل كتابة الدارجة وتصحيحها بردها إلى أصلها الفصيح المفترض، في الوقت الذي كان يجب فيه ربح الوقت والجهد بالاكتفاء بالفصحى المتوفّرة والجاهزة، والتي لا تحتاج إلى جهد ووقت لتصحيحها وتقويمها.

ـ إذا كان الأصل الفصيح للكلمة هو الذي يحدّد قاعدة كتابتها في الدارجة، فلماذا لم يكتبوا كل كلمات الدارجة حسب أصلها الفصيح كما فعلوا لتاء الاسم المؤنث؟ لماذا كتبوا "راجل" وليس "رَجُل، "جا" (لم ترد هذه الكلمة في المعجم (؟)، لكنها مذكورة في مادة "أجي" التي تحيل على "جا" كأصل اشتقاقي لها) وليس "جاء"، "كال" وليس "أكل"، "سال" وليس "سأل"، "برا" (من المرض) وليس "برئ"، "نسا" وليس "نساء"...، كما تكتب في أصلها الفصيح؟

ـ ثم إن هذا التعليل لكتابة تاء الأسماء المؤنثة لا يشكّل قاعدة قارة وشاملة، وهو ما تبيّنه كتابة "ماكلة"، المنطوقة "ماكلا"، مع أن أصلها في الفصحى اسم مذكر يكتب بلا تاء مربوطة في آخره (مأكل)، وكتابة "مباتة"، المنطوقة "مباتا"، مع أن أصلها في الفصحى اسم مذكّر يكتب بلا تاء مربوطة في آخره (مبيت)، وكتابة "مثْلة"، المنطوقة "مثْلا"، مع أن أصلها في الفصحى اسم مذكّر يكتب بلا تاء مربوطة في آخره  (مثَل)، وكتابة "قباحة"، المنطوقة "قْباحا"، مع أن أصلها في الفصحى اسم مذكّر يكتب بلا تاء مربوطة في آخره (قُبْح)، وكتابة "فهامة"، المنطوقة "فْهاما"، مع أن أصلها في الفصحى اسم مذكّر يكتب بلا تاء مربوطة في آخره (فهْم)... بل حتى الألفاظ الأجنبية، التي يُنطق بها مؤنّثة في الدارجة، والتي لا أصل لها في الفصحى، كتبها القاموس بتاء مربوطة في آخرها، تطبيقا لقواعد الفصحى التي لا تنتمي إليها تلك الألفاظ، مثل: "لامبة" التي تُنطق "لامبا" (Lampe)، "طبلة" التي تُنطق "طابلا" (Table)، "بيسكليطة" التي تُنطق " بيسكليطا" (Bicyclette)، "نمرة" التي تُنطق "نمْرا" (Numéro)، "ماكينة" التي تُنطق "ماكينا" (Machine)، "باليزة" التي تُنطق "باليزا" …(Valise) كل هذا يبيّن أن هذه الكتابة لتاء مربوطة غير منطوقة، للأسماء المؤنثة في الدارجة، يخضع للاعتباطية، ولا ينبني على قاعدة قارة ومضطردة، وتعليل منطقي ومقنع. 

تصعيب الدارجة بتفصيحها:

في الحقيقة، لا يمكن فهم هذه الطريقة لكتابة الدارجة، التي اختارها مؤلفو القاموس، مع كل ما يرتبط بها من صعوبات وعيوب ومعيقات واعتباطية، إلا في ضوء القاعدة المشهورة، المشار إليها، والتي تقول إن الحكم على الشيء فرع عن تصوّره. فلأنهم يتصوّرون أن الدارجة ما هي إلا عربية "منحرفة" عن صواب أمها الفصحى، فلهذا صاغوا لها قواعد للكتابة مستمدة من هذه الفصحى نفسها، لتُطبّق عليها قصد تقويم "انحرافها" بتفصيحها على شكل "عربية وسطى"، تُكتب بنفس القواعد الإملائية للفصحى. ومن هنا نفهم إدراج همزة الوصل، والتاء المربوطة للاسم المؤنّث، وهاء الضمير المتصل للمذكّر المفرد الغائب، وكتابة "في" منفصلا عن الاسم الذي يليه...

والمشكل في هذه الطريقة لكتابة الدارجة، ليس فقط أنها أصعب وأعقد لأنها مختلفة عن المنطوق، بل لأنها تشترط ضمنيا في من يضبط هذه القواعد الإملائية الخاصة بالدارجة، أن يضبط مسبّقا القواعد الإملائية للفصحى، وهو ما يعني أن يكون متقنا للفصحى ومتمكّنا منها. وإذا عرفنا أن كل الجدل الذي ثار حول الدارجة كانت وراءه مشاكل العربية (المدرسية) كأحد أسباب عطب النظام التعليمي بالمغرب، الشيء الذي ظهر معه من ينادي بضرورة استعمال الدارجة في التعليم لتجاوز الصعوبات البيداغوجية المرتبطة بالعربية كلغة مختلفة عن لغة البيت، التي هي الدارجة التي يتقنها التلميذ الدارجفوني بصفتها لغته الفطرية، مما سيجعل استعمالها في المدرسة عاملا للرفع من جودة التعليم لما قد ينتج عن ذلك من استمرارية بين لغة البيت والمدرسة، (إذا عرفنا ذلك) فسيكون مشروع أصحاب القاموس متناقضا مع "أسباب نزول" الدارجة: فإذا كان الهدف هو تسهيل عملية التحصيل المدرسي بتسهيل لغة ذلك التحصيل باستعمال الدارجة، فلماذا ننقل صعوبات ومعيقات كتابة الفصحى إلى الدارجة نفسها؟ لماذا نطبّق على الدارجة نفسها أسباب فشل العربية، والتي (أسباب) كانت وراء التفكير في الدارجة كبديل؟ لماذا نتبنّى في الدارجة نفسها ما "هربنا" منه في العربية؟ فالدارجة، التي "استُنجد" بها كلغة سهلة لتجاوز صعوبات الفصحى، تصبح هي نفسها لغة صعبة مثل الفصحى، لأننا سنكتبها وفق القواعد الصعبة للفصحى. بل إن استعمالها الكتابي سيكون أصعب من استعمال الفصحى نفسها. لماذا؟ لأن استعمالها يتطلب، كما شرحنا، التمكّن من العربية وقواعد كتابتها أولا، وهو ما كانت الرغبة في التخلّص منه وراء التفكير في استعمال الدارجة، ثم تطبيقها في كتابة الدارجة ثانيا. فتصبح تلك الصعوبة، المرتبطة باستعمال العربية، صعوبتين: تلك المرتبطة أصلا بالعربية، ثم صعوبة تطبيقها على الدارجة. وهذا نوع من العبث: فما نريد التخلّص منه بسبب دوره في تخلف نظامنا التعليمي، نتمسّك به في الدارجة، التي لجأنا إليها لتجاوز ما كان سببا في تخلف نظامنا التعليمي.

طريقة الكتابة التي اعتمدها قاموس الدارجة تصبّ في تفصيح الدارجة، وهو ما يعني تحويلها إلى لغة ستعاني، عند استعمالها الكتابي، من نفس الأعطاب التي تعاني منها العربية وأكثر، كما سبقت الإشارة. ولهذا فـ"العربية الوسطى" التي يبشّر بها القاموس، إن كانت ـ كما سبق توضيح ذلك ـ دارجة في استخدامها الشفوي مع استعمالها لألفاظ ومفاهيم تنتمي إلى الفصحى، إلا أنها تتحوّل إلى لغة أصعب حتى من الفصحى نفسها عندما تُكتب بتلك الطريقة وتلك القواعد التي يقترحها القاموس. فتضيع بذلك الفائدة والهدف من مشروع الانتقال بالدارجة من مستوى الاستعمال الشفوي إلى مستوى الاستعمال الكتابي.

القاموس، بتبنّيه لقواعد الفصحى لكتابة الدارجة، يضعنا إذن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما أن تظلّ الدارجة، مع استمرار اغتناء معجمها بألفاظ ومفاهيم من معجم العربية العالمة والفصيحة كما كانت تفعل دائما، كلغة شفوية وعامّية لا ترقى يوما إلى لغة كتابة قد تستعمل في التدريس والإنتاج الثقافي والفكري، وإمّا أن ننتقل بها إلى الاستعمال الكتابي عن طريق تفصيحها بتطبيق قواعد كتابة الفصحى عليها هي نفسها، وهو ما سيجعل منها، مثلها مثل الفصحى، لغة صعبة التعلّم والاستعمال كلغة كتابة، فتضيع الفائدة من الانتقال بها من الشفوية إلى الكتابة، كما سبقت الإشارة.

البناء والإعراب: 

هذه الطريقة لكتابة الدارجة لا يمكن أن يضبطها إلا من كان يتقن العربية وقواعدها الإملائية، كما شرحنا. وهذا هو المشكل. ومصدره أن قواعد الكتابة مستوردة من خارج الدارجة وليست مستخلصة من خصوصياتها كلغة قائمة بذاتها. في حين أن المفترض، لكون الدارجة لغة مستقلة وقائمة بذاتها، أن من يتعلّم قراءة وكتابة الدارجة، ويضبط قواعدها النحوية والإملائية، لا يشترط فيه بالضرورة أن يكون متمكّنا من العربية ولا ضابطا لقواعدها النحوية والإملائية، ما عدا معرفته للحرف العربي، مثل المواطن الإيراني الذي يجهل العربية لكن يستعمل الحرف العربي في كتابة لغته الفارسية.

إذن حتّى تنجح الدارجة في الانتقال حقا إلى مستوى الاستعمال الكتابي، ينبغي أن تكون قواعد كتابتها، مثل قواعد نحوها وصرفها، ملائمة لطبيعتها وخصوصياتها. وأهم هذه الخصوصية، التي تميّزها عن العربية، هي أنها لغة مبنية، عكس العربية التي هي لغة مُعرَبة. هذا الفرق يترتّب عنه بالضرورة فرق بين القواعد الإملائية الخاصة بالعربية، وتلك الخاصة بالدارجة. فقواعد كتابة الدارجة، بما فيها قواعد الفصل بين الكلمات العادية وحروف المعاني، ينبغي أن تنبني على معطى كون هذه الأخيرة لغة مبنية. وليس هناك من طريقة للكتابة تلائم خاصية البناء التي تميّز الدارجة، مثل الكتابة التي تطابق المنطوق إلا في حالات رفع اللبس والخلط، كما سبق أن شرحنا ذلك.

يمكن تعريف اللغة المبنية بأنها تلك التي يمكن قراءة ما هو مكتوب بها قراءة سليمة قبل فهم معناه، مثل الفرنسية والأمازيغية والإسبانية...، عكس اللغة المُعربة التي يجب أن يُفهم أولا ما هو مكتوب بها حتى يُقرأ قراءة سليمة، مثل العربية، حيث تحدّد حركات حروف الكلمات معنى تلك الكلمات، وخصوصا الحروف الأخيرة منها. ولذلك لا يمكن قراءة جملة عربية قراءة سليمة وصحيحة إلا إذا فُهم أولا معنى تلك الجملة. ولا يمكن فهم المعنى إلا بمعرفة القواعد النحوية للعربية، لأن الوضع النحوي للكلمة هو الذي يحدد حركات حروفها، التي تحدد بدورها المعنى. وهذا الإكراه، المرتبط بخاصية الإعراب التي تتميز بها العربية، والتي تربط بين حركات حروف الكلمات ـ وخصوصا الأخيرة منها ـ والمعنى، يشكّل نوعا من "الإعاقة" التي تعاني منها العربية، والتي هي أحد العوامل التي جعلت هذه اللغة تموت كلغة تخاطب لتعيش فقط كلغة كتابة.

وإذا كان الحرف العربي، رغم أنه يبدو الأنسب لكتابة العربية كلغة مُعربة، لأن الحركات (الصوائت) في هذه الأبجدية تُنطق ولا تُكتب ـ باستثناء الحركات المشبعة ـ إلا بإضافة علامات إعرابية خاصة منفصلة عن رسم الحرف، وذلك لأن من يفهم المعنى، كما هو مفترض في من يستعمل العربية، ينطق الكلمات بشكل سليم دون حاجة إلى العلامات التي تُرشده إلى القراءة السليمة للكلمات والجمل، (إذا كان رغم ذلك) مصدرا للعديد من الصعوبات الإملائية التي تجعل تعلم العربية بالنسبة للتلميذ أمرا غير يسير، فإن استعمال هذا الحرف لكتابة لغة مبينة كالدارجة، كما فعل القاموس، هو اختيار غريب يتنافى مع طبيعة الدارجة كلغة مبنية ـ وليست مُعربة مثل العربية ـ، لا تلعب الحركات أي دور فيها لتحديد معاني الكلمات، كما سبق أن شرحنا. فما يناسب إذن اللغة المبنية هو أن تُكتب بأبجدية تتشكّل من صوامت وصوائت كحروف كاملة.

ولهذا فإن أنسب حرف لكتابة الدارجة لكونها لغة مبنية، هو الحرف الأمازيغي، الذي يضمّ كل أصوات الدارجة، أو الحرف اللاتيني بعد تعديله بما يلائم النظام الصوتي للدارجة. وإذا كان مؤلفو القاموس قد استبعدوا هذا الاختيار، فلا يرجع ذلك إلى أسباب علمية أو تقنية أو تربوية، بل يرجع إلى أسباب إيديولوجية تجعلنا نضحّي بالفعالية والسهولة والبساطة في سبيل قناعات إيديولوجية خاطئة. ولذلك فاختيار الحرف الأمازيغي أو الحرف اللاتيني لكتابة الدارجة، على اعتبار أن الحرف العربي لا يلائم الدارجة لكونها لغة مبنية، يتطلّب شجاعة فكرية وسياسية لا يتوفر عليها، في المغرب، لا السياسيون ولا المثقفون. ولهذا فاختيار القاموس للحرف العربي لكتابة الدارجة لا تحكمه اعتبارات علمية ولا تربوية ولا لغوية، بل تمليه فقط مراعاة "اللائق سياسيا" Le politiquement correct.   

وهنا، بخصوص الحرف الأنسب لكتابة الدارجة، يجدر استحضار حالة اللغة المالطية، التي لا تختلف إلا قليلا عن الدارجة، إذ تتشكل مثلها من معجم ذي أصل عربي بنسبة تفوق 80% (Martine Vanhove,"La langue maltaise: un carrefour linguistique" - http://www.persee.fr/doc/remmm_0997-1327_1994_num_71_1_1642)، وهي نسبة تساوي ـ أو تقلّ عن ـ نسبة الكلمات ذات الأصل العربي في الدارجة المغربية. ومع ذلك فإن هذه اللغة المالطية تبنّت الحرف اللاتيني فقط منذ 1921، وهو ما مكّنها أن تصبح لغة المدرسة والتعليم والصحافة، ولغة رسمية لدولة مالطا في1934، وإحدى لغات الاتحاد الأوروبي. ورغم أنها لم تمارس الكتابة ولم تدخل المدرسة إلا في ثلاثينيات القرن الماضي، إلا أنها تعرف تقدما هائلا على مستوى الإنتاج الأدبي والثقافي، وذلك بفضل اعتماد الحرف اللاتيني في كتابتها، علما أن الجزء الأهم من معجمها عربي الأصل مثل الدارجة المغربية، كما سبقت الإشارة. وهذا يؤكد أن اللغة، عندما تكون مبنية، ويكون استعمالها مقصورا على التواصل الشفوي فقط، أي كلهجة، مثل الدارجة، لا يمكن أن تنجح في انتقالها إلى مستوى الاستعمال الكتابي إلا باعتماد الحرف اللاتيني، أو الحرف الأمازيغي بالنسبة لدارجة المغرب، والذي يضم، مثل الحرف اللاتيني، الحروف الصامتة والصائتة، ويُكتب مثله من اليسار إلى اليمين. الفرق بين الحرفين هو فقط في شكل رسم الحروف، لا غير.

بيت القصيد: ما الهدف من قاموس للدارجة؟ 

يتغيّى من القاموس واضعوه أن يساهم في جعل الدارجة «لغة ديال التعبير في كل المجالات: العلمية والاقتصادية والثقافية والأدبية والتربوية والإعلامية» (صفحة 19). وهو الهدف الأول والحقيقي، الذي يتجاوز ما هو لغوي ومعجمي محض، والذي يعمل من أجل تحقيقه "مركز تنمية الدارجة" الذي أصدر القاموس. وتوضّح المقدمة أن "مركز تنمية الدارجة" يعمل «باش تولّي الدارجة لغة كا تدرّس خاصة في السنوات الأولى من التعليم»(صفحة 20)، مع التأكيد على أن «إقصاء اللغة الدارجة من المجال المدرسي، ومن الصحافة المكتوبة والإعلام والكتابة بشكل عام هو إقصاء لجزء مهم من الهوية والثقافة المغربية» (19صفحة). رغم وضوح الهدف، إلا أن هناك غموضا حول الوضع الذي ستحتله الدارجة، ونوع العلاقة التي ستربطها بالعربية عندما تلج مجال الكتابة والمدرسة. فإذا كنا ننتظر منها أن تكون لغة «التعبير في كل المجالات: العلمية والاقتصادية والثقافية والأدبية والتربوية والإعلامية»، فهذا هدف لا يمكن تحقيقه إذا اقتصرنا على تدريسها «في السنوات الأولى من التعليم» فقط. بل إن تحقيقه يشترط أن تكون لغة رئيسية في مقررات التعليم والتكوين. وهذا يعني أنها قد تنافس العربية، التي تستأثر بهذه المجالات ـ العلمية والاقتصادية والثقافية والأدبية والتربوية والإعلامية ـ، أو قد تحلّ حتى محلّها. وهذا ما تجنّب المؤلفون توضيحه والإعلان عنه، رغم أن ما يُسندونه إلى الدارجة من دور لاقتحام المجالات العلمية والاقتصادية والثقافية والأدبية والتربوية والإعلامية، يشترط أن تكون لغة رئيسية للتعليم والتكوين. هذا الغموض، في ما يخص دور الدارجة الذي قد ينافس أو يهدد العربية، والذي هو غموض ملازم لموقف المدافعين عنها، كان حاضرا وجليا في أجوبة الأستاذ الدكتور امغرفاوي خليل، منسّق فريق مؤلّفي القاموس، في أحد الحوارات التلفزيونية التي استضافته بمناسبة صدور القاموس. فقد أحرجه محاوراه المعارضان للدارجة عندما سألاه عن الغاية من القاموس، ومن الاهتمام أصلا بالدارجة. فاكتفى بالقول إن الدارجة هي إحدى لغات المغاربة التي يجب أن يعرفوها ويتوفروا على معجم لها. ويبدو أن هذا الجواب غير مقنع، ليس فقط للذين طرحوا السؤال، بل حتى لصاحب الجواب نفسه. ولهذا رد الضيفان المعارضان لمشروع تنمية الدارجة بسؤال آخر: إذا كانت الغاية من القاموس هي أن يعرف المغاربة دارجتهم ويتوفروا على معجم لذلك، فهذه المعرفة بالدارجة قائمة أصلا، يضمنها ويحفظ معجمها اكتساب واستعمال هذه الدارجة كلغة أم، وكلغة حية تُستخدم في التواصل اليومي. وهذا صحيح: فإذا كان ما يحفظ الدارجة هو اكتسابها واستعمالها كلغة تواصل يومي، فما الفائدة من قاموس لن يفيد في استعمالها ولا في اكتسابها، ما دام هذا الاستعمال والاكتساب يُمارسان تلقائيا بدون حاجة إلى معلّم أو مدرسة أو كتابة أو قاموس؟

هذا يبيّن أن أهداف أصحاب مشروع تنمية الدارجة يتجاوز، في الحقيقة، مجرد الاهتمام بها كلغة تواصل شفوي للمغاربة. وهو ما لم يسبق أن كان موضوع نقاش حول وضعها ووظيفتها. وإذا عرفنا أن سبب كل الضجة التي ثارت حول الدارجة لا يرجع إلى مطلب العناية بها كلغة تواصل شفوي، بل يرجع إلى الدعوة إلى إمكانية استعمالها كلغة تعليمية لحلّ مشكل لغة التدريس، الذي يعاني منه نظامنا التعليمي بسبب القطيعة بين لغة التلميذ (لغة الأم) ولغة المدرسة، سيتبين أن أهداف القاموس هو تنمية الدارجة لتكون لغة كتابة في أفق استعمالها كلغة للتدريس. وإذا كانت لغة للتدريس، فهذا يعني أن العربية سيتقلّص دورها وستتراجع وظيفتها المدرسية. ولأن "اللائق سياسيا" لا يسمح بالتصريح بهذا الهدف من تنمية الدارجة، لما يؤدّي إليه من إضعاف للدور المدرسي للعربية، فقد أبقى مؤلفو القاموس الغاية من الرقي بالدارجة، إلى مستوى لغة كتابية ومدرسية، شبهَ ملتبسة كنوع من "التقية"، تجنبا للاتهامات التحريضية، الجاهزة و"المسكوكة" من قبيل: محاربة العربية، خدمة الفرانكوفونية، استهداف الإسلام باستهداف لغة القرآن...

نعم يمكن للدارجة، بعد تأهيلها الملائم لذلك، أن تصبح لغة للتدريس بديلا عن العربية. فإذا لم يكن هذا هو الهدف من تنميتها في اتجاه استعمالها الكتابي لتكون لغة «التعبير في كل المجالات: العلمية والاقتصادية والثقافية والأدبية والتربوية والإعلامية»، كما جاء في القاموس، فإن كل اهتمام بها، مثل إعداد معاجم وقواميس، كهذا الذي أصدره "مركز تنمية الدارجة"، يكون عبثا ومضيعة للوقت والجهد والمال. وأنا أؤمن أن أصحاب قاموس الدارجة منزهون عن العبث وتضييع الوقت والجهد والمال بلا فائدة ولا نتيجة. ومشروع جعل الدارجة لغة للتدريس، تحلّ محلّ العربية، ليس مشروعا أخرق أو خياليا، أو يحرّكه العداء للعربية والتمكين للفرنسية، حسب الاتهامات المعروفة والجاهزة، بل هو مشروع معقول وواقعي، ينبني على معطيات تربوية تُثبت، وهذا شيء معروف، أن اللغة الأم هي الأفضل من أجل تعليم أفضل وأجود. وفي غيابها، تكون اللغة التي تليها في الأفضلية من أجل تعليم أفضل وأجود، هي لغة أخرى شرط أن تكون مستعملة كلغة أم في موطنها الأصلي، كالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية بالنسبة للمغرب مثلا.

الكثيرون قد يتساءلون بسخرية بها غير قليل من الاحتقار للدارجة، كما يفعلون كذلك بالنسبة للأمازيغية: كيف للهجة العامّة والأميين، ولهجة "الزنقة" والسوق والمواخير والحانات والحمّامات...، أن تكون لغة تعليم وثقافة وأدب، مثل العربية أو بديلا عنها؟ هؤلاء لا يدركون أن ما يجعل الدارجة كلغة تعليمية، وكذلك الأمازيغية، ذات امتياز عن العربية هو أنها تُستعمل من طرف العامّة والأميين، وفي "الزنقة" والسوق والمواخير والحانات والحمّامات... الشيء الذي يجعل منها لغة حية، متداولة في التخاطب والتواصل اليومي، ويجعل من العربية لغة نصف حية لأنها لا تستعمل من طرف العامّة والأميين، ولا في "الزنقة" والسوق والمواخير والحانات والحمّامات... وكل الدول ـ وهذا ما يعترف به الرافضون لاستعمال الدارجة والأمازيغية كلغتي تعليم ـ التي حققت تقدّما ورقيّا، وصلت إلى ذلك بفضل تقدم ورقي نظامها التعليمي، والذي صار متقدما وراقيا بفضل اعتماده على لغة الأم كلغة تعليمية، مثل كوريا الجنوبية واليابان والصين وفنلندا والسويد...، والتي هي نفسها لغة العامّة والأميين، ولغة "الزنقة" والسوق والمواخير والحانات والحمّامات... وقد أشرنا إلى اللغة المالطية، القريبة جدا من الدارجة المغربية، والتي هي، مثل الدارجة، لغة العامّة والأميين، ولغة "الزنقة" والسوق والمواخير والحانات والحمّامات... ومع ذلك فقد أصبحت لغة رسمية لبلدها وإحدى اللغات الرسمية للاتحاد الأوروبي، ولغة ثقافة وأدب وإعلام، واقتصاد وطب وبحث علمي وأكاديمي. ومعروف، أيضا، أن العديد من اللغات الأوروبية، التي تحتل اليوم مكانة عالمية، مثل الإنجليزية والألمانية والفرنسية...، لم تكن قبل القرن الخامس عشر سوى لهجات العامّة والأميين، ولهجات "الزنقة" والسوق والمواخير والحانات والحمّامات. وها هي اليوم لغات العلم والاقتصاد والفيزياء النووية والبيولوجيا الجزيئية وعزو الفضاء والتكنولوجيا المتطورة، ولا زالت كذلك لغات يتواصل بها العامّة والأميون، وتستعمل في "الزنقة" والسوق والمواخير والحانات والحمّامات...

ما تحتاجه الدارجة، هو فقط تأهيلها لتكون لغة المدرسة والجامعة والإعلام والاقتصاد والعلم والمختبر...، بعد توفر الإرادة السياسية لأن تكون كذلك، وإلا بقي تأهيلها مجرد تعبير عما يكنّه لها عشاقها من محبة وتقدير، مثل الأمازيغية التي أصبحت مؤهلة وجاهزة منذ مدة، لكن غياب الإرادة السياسية حال دون تفعيل هذا التأهيل بإدماجها في مؤسسات الدولة. وتأهيل الدارجة، بهدف استعمالها كلغة تعليمية لتجاوز المعيقات التربوية للعربية، يقتضي تجاوز حتى الحرف العربي الذي هو جزء من هذه المعيقات، وذلك، كما سبقت الإشارة، بتبنّي الحرف الأمازيغي لكتابة الدارجة، لأنه، أولا، حرف معروف ومستعمل في المغرب، وثانيا لأن الدارجة بنت للأمازيغية. وإذا تعذّر ذلك، فلا مناص من استعمال الحرف اللاتيني كثاني احتيار أنسب لكتابة الدارجة. وكل محاولة لتأهيل الدارجة باستعمال الحرف العربي، كما فعل القاموس، ستكون مجرد هواية تفتقر إلى الاحترافية والجدية والعلمية، كما سبق أن أوضحنا عندما ناقشنا مسألة البناء والإعراب.

موقف الحركة الأمازيغية من الدارجة:

ليس التعريبيون هم وحدهم الذين سيستنكرون القول بإمكان الدارجة أن تحلّ كلغة للتدريس محلّ العربية، وسيعتبرون ذلك مؤامرة فرانكوفونية، وخيانة لثوابت الأمة ومقوماتها، وتهديدا لوحدتها وهويتها. النشطاء الأمازيغيون أيضا سيستنكرون، وربما بدرجة أشد، وسيعتبرون هذا الموقف مؤامرة عروبية مخزنية، وخيانة للأمازيغة، وانقلابا على مبادئ وثوابت الحركة الأمازيغية. رد الفعل هذا، الغاضب، للمدافعين عن الأمازيغية، مفهوم ومتوقّع. لماذا؟ لأن من مبادئ وثوابت الحركة الأمازيغية أن الدارجة هي التي تهدّد الأمازيغية عمليا وحقيقة، لأنها تحتلّ كل يوم جزءا من فضائها وتستولي عليه وتتملّكه، وليس العربية التي تهددها إيديولوجيا فقط وليس استعمالا وانتشارا. ولماذا تهدد الدارجة الأمازيغية؟ لأن الحركة الأمازيغية تعتبرها لغة عروبية، وبالتالي فانتشارها يعني انتشار العروبة وتراجع الأمازيغية. وهذا أحد خِلال (جمع "خلل") تصور الحركة الأمازيغية لقضية اللغة والهوية بالمغرب. لأنها، في هذه النظرة إلى الدارجة، تتبنّى موقف خصومها التعريبيين، الذين يدّعون أن المغرب عربي بدليل أن غالبية المغاربة يتحدثون الدارجة التي هي لهجة عربية. وفي هذه الحالة، إذا كانت الحركة الأمازيغية ترى أن الدارجة لهجة عربية، وأن المتحدثين بها عرب، فمعنى هذا انها تُقر أن الأمازيغيين أقلية صغيرة، وهو ما يترتب عنه أنه من غير المعقول الدفاع عن أطروحة كون المغرب أمازيغيا في هويته، كما يتكرر ذلك في أدبيات الحركة الأمازيغية. أين يكمن المشكل في هذ الموقف غير المنسجم؟

يكمن في البديهيات الكاذبة، التي تنشرها الثقافة العروبية الأمازيغوفوبية، والتي تبنّتها الحركة الأمازيغية كحقائق، مثل القول إن الدارجة لغة عربية جاء بها العرب الفاتحون والمهاجرون. مع أنه بقليل من التحليل والمقارنة اللسنية بين الدارجة والأمازيغية والعربية، وحتى اللهجات العروبية لبلدان الخليج، نخلص إلى أن أول من نطق بالدارجة واستعملها لا يمكن أن يكون إلا أمازيغيا (انظر موضوع "متى يكتشف المغاربة لغتهم الدارجة؟"). وهو ما ينتج عنه أن الدارجة لغة أبدعها الأمازيغ الذين أرادوا التحدث بالعربية ليتحولوا من جنسهم الأمازيغي إلى الجنس العربي، فتحدثوها بألفاظها العربية لكن بمعاني وتراكيب لغتهم الأمازيغية، كترجمة حرفية لتعابير لغتهم الأمازيغية إلى العربية، وهي الترجمة التي أعطت هذا المنتوج اللسني الذي نسميه الدارجة. فالمغاربة إذن أمازيغيون، ليس فقط أرضا وموطنا، بل حتى لغة، إذ كل من الأمازيغية والدارجة هما من إنتاج واستعمال الأمازيغ، وبموطن الأمازيغ بشمال إفريقيا. فالمغربي أمازيغي، سواء تحدث بالدارجة أو الأمازيغية. فكما أن الأمازيغية دليل على الانتماء الأمازيغي للمتحدثين بها، فكذلك الدارجة دليل على نفس الانتماء الأمازيغي للمتحدثين بها.

بناء على هذا المعطى، فقد كان ينبغي على الحركة الأمازيغية أن تعمل على إرجاع الدارجة إلى حضنها الأمازيغي كمظهر للهوية الأمازيغية، مثلها مثل أمها الأمازيغية، مع محاربة وفضح التحول الجنسي (القومي والهوياتي) الذي جعل الناطقين بالدارجة يعتقدون أنهم عرب وأن دارجتهم لغة عربية. فبدل أن يستعملها خصوم الأمازيغية لتعريب المغاربة، كان يجب على هذه الحركة أن تعرف كيف تستعملها لإعادة تمزيع المستعربين منهم، بتبيان أن الدارجة نقلها إليهم أجدادهم الأمازيغيون وليس العرب. فمشكل الدارجة ليس مشكلا إلا عندما نعتقد أن المتحدثين بها عرب. أما لو اعتبرناهم أمازيغيين يتحدثون الدارجة، التي صنعها أجدادهم الأمازيغيون، لما كانت هذه الأخيرة مشكلا على الإطلاق. ووعي المتحدثين بالدارجة أنهم أمازيغيون قد يضع حدّا لتحوّلهم الجنسي (القومي والهوياتي)، ويحفّزهم على العودة إلى جنسهم الأمازيغي واسترداد لغتهم الأصلية، وتعلمها واستعمالها اعتزازا بهويتهم وانتمائهم الأمازيغي. فبدل محاربة الدارجة كان الأولى محاربة الفكرة الخاطئة، التي زرعها ورسّخها التحوّل الجنسي، وهي أن الدارجة منتوج عربي نشأ بالبلاد العربية، في حين أنها منتوج أمازيغي نشأ على يد الأمازيغ وفي بلدهم بشمال إفريقيا. فالأمازيغية لن تسترجع حقوقها كاملة بالمغرب خارج وعي واعتراف الدارجفونيين أنهم أمازيغيون. ولا يبدو أن الحركة الأمازيغية تبذل المجهود المطلوب لنشر مثل هذا الوعي وإدراجه ضمن أدبياتها.

 فهناك، اليوم، مع تبنّي الدولة ـ الاستعمارية ثم الوطنية ـ لسياسة التحول الجنسي، بمعناه القومي والهوياتي، منذ 1912، تراجع خطير لعدد المتحدثين بالأمازيغية، الذي يتناقص سنة بعد أخرى، وتزايد، نتيجة لذلك، في عدد المتحدثين بالدارجة. وهو ما سيجعل من المغرب بلدا عربيا إذا استمررنا في اعتبار المتحدثين بالدارجة عربا. لكن إذا اقتنعنا ـ وعملنا على الإقناع بذلك ـ أن المتحدثين بالدارجة هم أمازيغيون بدليل أنهم يتحدثون اللغة التي نشأت على يد أجدادهم الأمازيغ وفي بلادهم الأمازيغية، ولم تأت من المشرق، فلن تكون الدارجة مهدِّدة للهوية الأمازيغية للمغرب، لأنها ستكون، مثلها مثل أمها اللغة الأمازيغية، مظهرا لهذه الهوية وتعبيرا عنها. وبالتالي فإن تدريسها لن يكون خطرا على الأمازيغية، كما يتصور ذلك الذين يعتقدون أن الدارجة لهجة عروبية، وأن المتحدثين بها عرب. بل إن هذا الإرجاع للدارجة إلى حضنها الأمازيغي وهويتها الأمازيغية، سيعطي كل الشرعية والدعم لاستعمال الأمازيغية كلغة للدولة ولمؤسساتها ولوثائقها الرسمية، لأن الجميع، ناطقين بالأمازيغية والدارجة، لن يعارضوا ذلك، وإنما سيساندونه ويدافعون عنه. وقد لا يكون هناك حتى من يعارض المناداة بدولة أمازيغية. والوصول إلى الدولة الأمازيغية، بمفهومها الترابي، هو الشرط الحقيقي لانتقال الأمازيغية إلى مستوى لغة الدولة والسلطة. وآنذاك لا خوف عليها لا من صنوتها الدارجة ولا من أية لغة أخرى.

فما لم تستوعبه الحركة الأمازيغية، هو أن الهوية الأمازيغية للمغرب لا تتحدّد باللغة الأمازيغية وحدها، وإلا فستكون هذه الهوية الأمازيغية هي هوية تلك الأقلية الإثنية واللسنية التي تتحدث الأمازيغية، والتي لا يجب أن تنال من الحقوق إلا ما يناسب حصتها كأقلية، مقابل استئثار الأغلبية "العربية" بكل الحقوق. هذه هي النتيجة التي يؤدي إليها موقف الحركة الأمازيغية، التي تحصر الهوية الأمازيغية في اللغة الأمازيغية. أما إذا اعتبرنا أن الدارجة هي أيضا لغة الهوية الأمازيغية، تماما مثل اللغة الأمازيغية، كما أشرت، فإن الهوية الأمازيغية للمغرب ستكون واحدة وكلية وشاملة، ينتمي إليها وينضوي تحتها جميع المغاربة. وفي هذه الحالة، بعد انتشار الوعي بذلك، سيدافع المتحدثون بالدارجة أنفسهم عن هويتهم الأمازيغية، وسيطالبون، هم أنفسهم كذلك، بدولة أمازيغية بالمغرب، بمفهومها الترابي دائما، حتى تكون هوية الدولة منسجمة مع هوية أرضها وموطنها.   

  

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.