uïïun  101, 

Tzayur  2005

(Septembre  2005)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

oli ãidqi azayku, aggag izwarn i tallit nns

Agga iggiren zeg ungal Ugadir

Tamendvawt d tesga

Tamazight

Ur as samhagh

Ixfiw

Asfru n tawiza

Timurkas n tayri

Zund tudert

Amssiwel n usettva

Amcawar n ifggigen

Lalla tammurt inu

Français

4 ème Congrès Général du CMA  Nador

Régénération de l'humain à travers les symboles zoomorphes

Remarques critiques sur le livre scolaire de tamazight

Regard mystique sur la musique amazighe

Le parti démocratique amazigh marocain

العربية

علي صدقي أزايكو، المفكر الذي جاء قبل زمانه

معالم من حياة ونضال أزايكو

ماذا فعلتم بالمغاربة؟

الناظور عاصة لتامازغا وللأمازيغيين

تفكيك الصورة السياسية لعقبة بن نافع

قراءة في ديماميكية الحركة الأمازيغية

بئس نظرية بنسالم حميش

خالد الجامعي والأبارتايد اللغوي

نوسطالجيا المغرب النافع

أصل الألفاظ

أصل الألفاظ1

الإسلام والأمازيغية

الجنس كرمز للتحرر

حوار مع التشكيلي حستي

الفن الأمازيغي والأوروبي في ضيافة تملالت

شرق يشرق شريق

الريف بين الاستعمار الإسباني والاستعمار العربي

بلاغ للشبكة الأمازيغية

البيان الختامي للشبكة الأمازيغية

ألبوم جديد لمحمد ملال

بيان حقيقة

بيان إخباري

 

علي صدقي أزايكو، المفكر الذي جاء قبل زمانه*
بقلم: بودهان محمد

مقدمة:
عندما نتناول بالدراسة فنانا مبدعا، أو سياسيا محنكا، أو قائدا عسكريا، أو مفكرا صاحب نظريات ومذاهب مثلا، فغالبا ما نميل إلى البحث عن وصف تركيبي نلخص به أهم ما يميز تلك الشخصية من أعمال ومنجزات يختص وينفرد بها عن باقي من يشتركون معه في نفس الميادين الفنية أو السياسية أو العسكرية أو الفكرية، مثل وصف طه حسين بـ"قاهر الظلام"، والحسن الثاني بـ"مبدع المسيرة الخضراء"، أو بن بركة بشهيد الفكر الاشتراكي بالمغرب... إلخ.
وعندما نبحث عن هذه الصيغة التركيبية التي يمكن أن نطلقها على أزايكو كعنوان يلخص ما ينفرد به الرجل ويميزه، فقد نفضل مثلا استعمال صيغ من قبيل: "الشاعر الأمازيغي المبدع"، "المؤرخ المجدد"، "مؤسس الفكر الأمازيغي الحديث"، "المفكر المجهول"1، أو ـ وهذا ما يميز أكثر أزايكو ـ "المعتقل السياسي الأول بسبب الأمازيغية"... إلخ.
لكن بعد عودتي إلى قراءة مجموعة من المقالات والدراسات التي كتبها أزايكو ما بين 1968 و1981، استنتجت واقتنعت أن أصدق وصف يمكن أن يطلق عليه كعنوان يلخص ويجمع ما يميزه وينفرد به هو أنه "ذلك المفكر الذي جاء قبل زمانه"، وهو العنوان الذي اخترته لهذه المداخلة القصيرة.
لم يكن أزايكو سابقا عن زمانه بما أثاره من قضايا جديدة وطرحه من أسئلة غير مسبوقة فحسب ـ فهذه من مهام كل مفكر ـ بل أيضا لأن ما أثاره من قضايا جديدة وطرحه من أسئلة غير مسبوقة لم يثر اهتمام الباحثين والمهتمين بمثل تلك القضايا والموضوعات في ذلك الوقت، لأن طرحها الجديد من طرف أزايكو لم يكن يدخل بعدُ في إطار "المفكر فيه" المحدد لموضوعات المعرفة épistémè في تلك المرحلة. وبعد أزيد من ربع قرن على تطرق أزايكو لتلك القضايا والأسئلة، بدأنا ـ بدأنا فقط ـ نستوعب شيئا فشيئا قيمة وأهمية ما قاله وكتبه منذ أزيد من خمس وعشرين سنة كما قلت.
هذا التقدم عن العصر، يتجلى لدى أزايكو في فهمه المبكر، السابق عن المرحلة التي كتب فيها ذلك كما أشرت، لطبيعة وحقيقة إشكالية اللغة والثقافة والهوية بالمغرب. وبسبب هذا الفهم الجديد، الخارج عما هو معروف ورائج حول موضوع الثقافة والهوية واللغة بالمغرب في ذلك الوقت، سيتعرض للمحاكمة عقابا له على خروجه عن عصره بما جاء به من أفكار وحقائق جديدة وغير ومسبوقة.
هذه الحقائق الجديدة ـ الخاصة باللغة والثقافة والهوية بالمغرب كما قلت ـ استخلصها أزايكو من قراءته الجديدة كذلك لتاريخ المغرب، والسابقة هي كذلك عن تلك المرحلة. إذن هناك قراءة جديدة للتاريخ، أعطت فهما جديدا لمسألة الهوية والثقافة واللغة بالمغرب، وهو ما كان سببا لمحاكمته المشهورة.
وعليه، سأقسم هذا العرض إلى ثلاثة عناصر: من التاريخ إلى الثقافة والهوية، حقيقة وطبيعة المشكل الثقافي بالمغرب كما يراه أزيكو، محاكمة نبي.
من التاريخ إلى الثقافة والهوية:
أعرف أن هناك محورا خاصا بـ"أزايكو المؤرخ" سيتناوله الأساتذة المختصون إثناء هذه الندوة. لهذا فأنا لن أتناول في هذه الفقرة هذا الموضوع الخاص بمحور التاريخ، والذي أنا أجنبي عنه (التاريخ)، بل أريد أن أتتبع الطريق الذي سلكه أزايكو للوصول إلى التشخيص الحقيقي لمشكلة الثقافة واللغة والهوية بالمغرب، وهي المشكلة التي كان سابقا في طرحها على أبناء زمانه، كما قلت، وكما سأوضح لاحقا.
التاريخ هو الطريق إلى الهوية. والشعب الذي لا يعرف تاريخه فهو كالشخص اللقيط الذي لا يعرف من أنجبه. فمن جهل تاريخه جهل بالضرورة أصوله وهويته. لهذا فإن أول ما يقوم به المستعمر، لإحكام السيطرة الفكرية والثقافية على شعب ما، بعد الانتهاء من عملية السيطرة العسكرية، هو السيطرة على تاريخ ذلك الشعب للتحكم فيه وتوجيهه حسب ما يخدم مصالح وإيديولوجية المستعمر، وذلك بقطع الخيط الرابط بين الحاضر والماضي بالنسبة لسكان البلد الأصليين أصحاب الأرض، لإخفاء وطمس الطريق التي تؤدي إلى التعرف على الهوية والانتماء إليها. وإذا كانت كل الشعوب التي عرفت الغزو والاستعمار قد تعرضت لتشويه تاريخها من طرف الغازي المستعمر، فإن أحسن الأمثلة ـ وربما بصفة مطلقة ـ على تشويه تاريخ الشعوب من طرف هذا الأخير هو تاريخ المغرب. فتاريخنا، كما نتعلمه في المدرسة، يبدأ من شبه الجزيرة العربية للإقناع وإعطاء الدليل على أننا "عرب" نعتني بماضينا قبل الإسلامي وندرسه. أما كمغاربة فتاريخنا يبدأ من وصول إدريس الأول العربي "الشريف" إلى المغرب. كل ما يتعلق إذن بالأمازيغية مقصى ومحذوف بشكل يمنع المواطن المغربي أن يعرف أن له هوية أخرى غير الهوية "العربية".
وكما أن تشويه وتزوير التاريخ هو الوسيلة التي تؤدي إلى تشويه وفقدان الهوية، فكذلك استعادة الحقيقة التاريخية والوعي بها هو السبيل المؤدي إلى استعادة الهوية وتملكها. وهذا ما فعله أزايكو، وهو شيء طبيعي أن ينطلق مؤرخ، مثل أزايكو، من العلم الذي هو باحث مختص فيه.
في 1972 (عشر سنوات قبل محاكمته) سيكتب أزايكو مقالا بعنوان "تاريخ المغرب بين ما هو عليه وما ينبغي أن يكون عليه" نشره بمجلة "الكلمة"، عدد فبراير 19712 يقول فيه: «إن تاريخنا لم يكتب بعد». وهذا الحكم يضرب صفحا Fait table rase عن كل ما كتب عن تاريخنا، ويلقي بالعشرات من المجلدات التي ألفت حول الموضوع في صندوق القمامة. لماذا؟ يجيب أزايكو: «لأن الطريقة التي كتب بها غير سليمة، ولأن الظروف التي أحاطت بكتابته ظروف خاصة حتمت كتابته بالشكل الذي هو عليه الآن، ثم لأنه أتانا من الخارج، أي أن تاريخنا الذي نقرأه وندرسه ونتأثر به كتب بأيدٍ أجنبية وبعقلية ليست كعقليتنا، ولأهداف تخالف، بل تناقض ما يراودنا من آمال وأهداف»3. بل إن هذه الطريقة التي كتب بها تاريخنا يعتبرها أزايكو "أكبر عملية تزوير عرفها تاريخ الإنسانية المعروف"، كما سيقول في مقال آخر (تأملات حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين) نشره بالمجلة الأمازيغية "أوال" في عددها 2 لسنة 1986، أي أربع سنوات بعد محاكمته: «إنه أصبح من الضروري إعادة كتابة تاريخنا، وتحريره من التوجه الذي يلغي بشكل سافر دور الشعب الأمازيغي في صنع تاريخه وثقافته. إنها لأكبر عملية تزوير عرفها تاريخ الإنسانية المعروف»4. أزايكو يدعونا إذن إلى إعادة كتابة تاريخنا ـ الذي لم يكتب بعد حسب رأيه ـ انطلاقا من صفحة بيضاء، أي بعد إلغاء كل ما سبق أن كتب عنا من طرف غيرنا الأجنبي. وليس الهدف من إعادة كتابة تاريخنا هو البحث عن تاريخ تمجيدي ومدحي نختار منه الأحداث البطولية التي ترفع من شأننا ونهمل الأخرى. وفي هذا الصدد يقول أزايكو: «إنني لا أريد أن يكون تاريخنا أناشيد حماسية، كما أنني لا أريد أن يكون معاول تنهال على كياننا فتحطمه، وسموما قاتلة تنخر مقوماتنا الاجتماعية العريقة، وإنما الذي أريده هو أن يكون انطلاقنا ابتداء من أنفسنا، وأن يكتب تاريخنا بيد شبابنا وبروح مغربية صرفة. وبذلك وحده سنحس عندما نقرأ تاريخنا بأنه قريب منا، وبأنه فعلا سيساعدنا على فهم حاضرنا، وبالتالي على التقدم والرقي»5. فالغرض من إعادة كتابة تاريخنا بأنفسنا هو الوصول إلى فهم حاضرنا، وبالتالي فهم من نحن ومن نكون وإلى أية هوية ننتمي. وهنا يوضح أزايكو ما المقصود بالتاريخ: «وإذا قلت تاريخنا فأعني تاريخنا الطموح الباني للأمل، الذي يعبر عن فلسفتنا ويضم أيضا آمالنا، ويتخذ من الماضي أساسا لبناء الحاضر والمستقبل، تاريخنا الذي ينبعث منا لا ليتجاوزنا ويمسخنا، بل ليجيزنا ويبلور شخصيتنا. إن تاريخنا فسره لنا الأجانب فأصبحنا بذلك نرى أنفسنا بعيون غيرنا ونحاول أن نحقق فينا ما أوحى به إلينا، وقد أملى هذا الغير حسب وجهة نظره هو وطبقا لمشاربه»6. نلاحظ إذن مدى ارتباط كتابة التاريخ من طرف الأجنبي بالابتعاد عن الهوية والوقوع في الاستلاب ("نرى أنفسنا بعيون غيرنا"). أما كتابة تاريخنا بأنفسنا فيعيدنا إلى هويتنا ويكشف لنا عن غنى ذاتنا ("يعبر عن فلسفتنا ويضم أيضا آمالنا... ينبعث منا لا ليتجاوزنا..."). إن الوعي بالتاريخ، عند أزايكو، لا ينفصل إذن عن الوعي بالهوية، بل يحيل عليه ويرتبط به. فالغاية من تملك التاريخ هو تملك الهوية والانتماء المميز لهذا الشعب عن ذاك.
حقيقة وطبيعة المشكل الثقافي بالمغرب كما شخّصه أزايكو:
في مقاله الشهير "في سبيل مفهوم حقيقي لثقافتنا الوطنية"، الذي كان وراء محاكمته، والذي كتبه في أواخر 1981، يحلل أزايكو المشكل الثقافي في بلادنا بطريقة جديدة وغير مسبوقة. وقبل الوقوف على مضمون هذا التحليل، نشير إلى أن عبارة "المشكل الثقافي"، المتكررة في هذا المقال 21 مرة، تحيل بالأساس على مشاكل اللغة والهوية، كما يتضح ذلك من خلال ما كتبه عن بلجيكا وفرنسا فيما يخص المشكل الثقافي: «وإذا كانت بلجيكا قد وجدت حلا مرنا وواقعيا للمشكل الثقافي فيها... فإن فرنسا ما تزال تحتفظ، وبغيرة كبيرة على مفهوم لم يعد صالحا... وهذا ما جعلها تواجه بالإهمال مطالب سكان بروطانيا وأوكسيتانيا الثقافية على الخصوص»7. واضح إذن أن المقصود بالمشكل الثقافي في بلجيكا هو تواجد هويتين ولغتين وطنيتين هما الفلامانية والفرنكوفونية، وقد نجحت بلجيكا في حل هذا المشكل باعترافها بتلك اللغتين والهويتين، عكس فرنسا التي ترفض الاعتراف بالتعدد اللغوي والهوياتي. وفي هذا الإطار يؤكد أزايكو أن «اللغة هي الكنز الذي تتبلور فيه المعارف الإنسانية ومنها ينبغي الانطلاق، انطلاق كل مجهود هدفه الوصول إلى الحقيقة الإنسانية»8. وربما لم يرد الدكتور أزايكو استعمال عبارتي "مشكل اللغة" و"مشكل الهوية" لما قد يثيرانه من حساسية وما قد ينتج عنهما من تأويل. ورغم هذه الحيطة فقد قدم إلى المحاكمة بسبب مقاله هذا.
ففي ما يتعلق بـ"المشكل الثقافي" الذي أولاه أزايكو أهمية خاصة في مقالاته التحليلية ـ والذي سيعتقل ويحاكم بسببه ـ يقدم أزايكو تصورا وتحليلا جديدين كل الجدة بالنسبة لما كان سائدا من أفكار حول الثقافة واللغة والهوية بالمغرب.
وقبل أن نقدم التصور الجديد لأزايكو، نذكر أن في تلك الفترة ـ بداية الثمانينات (1981 بالضبط) ـ كان هناك موقفان حول مشاكل الثقافة واللغة والهوية بالمغرب:
ـ الموقف الذي ينفي وجود أية مشاكل من هذا النوع ـ المرتبطة بالثقافة واللغة والهوية ـ وتمثله الاتجاهات الماركسية اليساروية بصيغتها القومية العربية طبعا. ترى هذه الاتجاهات، تمشيا مع الأدبيات الماركسية السائدة آنذاك حول اللغة والثقافة، أن اللغة الثقافة تنتميان إلى البنية الفوقية التي ليست إلا انعكاسا للبنية التحتية المرتبطة بالإنتاج والاقتصاد. وبالتالي فإن المشاكل الحقيقية هي المشاكل الاقتصادية المرتبطة بصراع الطبقات واستغلال الإنسان والتوزيع الغير العادل للثروة. أما المشاكل الثقافية فليست سوى مشاكل زائفة خلقتها الطبقة البرجوازية المهيمنة لإلهاء الشعب عن مشاكله الحقيقية، ذات الطبيعة الاقتصادية.
وفي الحقيقة، هذه النظرة الاقتصادوية إلى مشاكل الثقافة واللغة لا تزال حاضرة تستعمل لتبرير رفض الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغة عندما يقال، كما ردد ذلك الدكتور عابد الجابري في إحدى حواراته التلفزيونية، بأن ما يطالب به الأمازيغ ليس هو الأمازيغية، بل الخبز والماء والإنارة!
ينتقد أزايكو هذه النظرة الاقتصادوية إلى مشاكل الثقافة واللغة ويقدم أمثلة من دول (بلجيكا، فرنسا، أنجلترا، الولايات المتحدة) تعرف تقدما اقتصاديا كبيرا لكنها لا تزال تعاني من مشاكل ثقافية. يقول: «كل هذه الأمثلة السريعة والخاصة بالدول المتقدمة تعبر بوضوح كامل عن عجز التقدم الاقتصادي والاجتماعي عن حل المشكل الثقافي أو تجاوزه. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للدول المتقدمة، فإن الدول المتخلفة لا يمكنها بحال من الأحوال أن تنمو نموا طبيعيا متزنا بتوجيه كل مجهوداتها نحو التنمية الاقتصادية وحدها ناسية أو متناسية الجانب الثقافي»9. ويضيف، متحدثا عن حالة المغرب، بأن هذه المشاكل المرتبطة بالثقافة واللغة والهوية «مشاكل إنسانية حضارية تمتد جذورها إلى أعماق الماضي، وهذه في نظري أشد خطورة من النوع الأول (يقصد المشاكل الاقتصادية) لأنها وثيقة الصلة بكل ما في الإنسان من إنسانية: بكرامته كإنسان، بأصالته كشخصية، وبماضيه كبعد من أبعاده وبكبريائه كموجود معنوي يكره الذوبان والاستلاب»10.
ـ هناك الموقف الثاني الذي يعترف بوجود مشكل ثقافي بالمغرب. لكن «يتلخص ـ عند أصحاب هذا الموقف ـ في وجود لغتين تتنافسان السيطرة على البلاد: لغة رسمية تتوفر على إمكانات الدولة الضخمة... هذه اللغة هي العربية، ولغة أجنبية طارئة جاءت مع الاستعمار وفرضت على المغاربة فرضا، وبقيت بعد الاستقلال وسيلة ضرورية بالنسبة للبعض الآخر. وهذا ما يظهر على الأقل على الصعيد السياسي»11. والحل الوحيد الذي يطالب به المسؤولون لحل هذا المشكل هو التعريب. ويعني أزايكو بـ"المسؤولين" «أجهزة الدولة والأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والثقافية، وكذا المثقفين بصفة عامة»12. نلاحظ إذن أن مشكل الأمازيغية ليس مغيبا أو غير مطروح فحسب، بل هو في حكم المنعدم الغير الموجود إطلاقا عند هؤلاء الذين يحصرون المشكل في الصراع بين العربية والفرنسية. لكن أزايكو يبين ويكشف أن الهدف وراء تركيزهم على هذا الصراع المزعوم بين العربية والفرنسية هو إقصاء الأمازيغية: «وبما أن هذه اللعبة دامت أكثر من عشرين سنة، فإن البعض منا أدرك كل الإدراك أن الحيلة ليست بليدة في حد ذاتها، لأن الهدف المقصود من تلك الشعارات ليس إحلال العربية محل الفرنسية بقدر ما هو رغبة في محو لغة ثالثة. وهذا ما يتحقق يوما بعد يوم»13. ويضيف فاضحا المنادين بالتعريب: «إن مقارنة بسيطة بين شعارات المدافعين عن التعريب من الشخصيات الحزبية والرسمية... وبين سلوكهم اليومي في بيوتهم ومع أصدقائهم تبين بوضوح أنهم لا يؤمنون بشعاراتهم، بل يستعملونها ليستهلكها الغافلون والمؤلفة قلوبهم من الشعب»14.وهنا يرد أزايكو، بجرأة وقناعة، وهو ما لم يسبقه أحد إلى ذلك، على المنادين بالتعريب بدعوى محاربة الفرنسية: «إننا لا نعتبر بحال اللغة العربية وحدها اللغة الوطنية الوحيدة في وطننا، لأن في ذلك إجحافا كبيرا وتضليلا سافرا، وبعدا عن الحقيقة الاجتماعية التي نعيشها. فبجانب العربية توجد الأمازيغية التي ما تزال تستعملها نسبة كبيرة من مواطنينا، وفي مختلف أنحاء المغرب. وهذه هي الحقيقة المرة التي يخفيها أو يتجاهلها المسؤولون في هذه البلاد»15.
إن الجهر، في تلك المرحلة، التي عين فيها وزير خاص بتعريب التعليم وهو عز الدين العراقي، بأن الأمازيغية لغة وطنية وينبغي التعامل معها على هذا الأساس، ليس مجرد رأي يرى معارضوه أنه "مجانب للصواب"، بل سيعتبر جريمة سيحاكم صاحبها كما حصل. قلت إن أزايكو، حسب علمي، هو الأول الذي جهر بهذه الحقيقة البسيطة والبديهية وهو أن الأمازيغية لغة وطنية. فإذا كان هناك آخرون قد تناولوا، بشكل من الأشكال، موضوع الأمازيغية قبل أزايكو، إلا أنهم ـ حسب علمي كما قلت ـ لم يسبق لهم أن أعلنوا أو كتبوا أو نشروا أنها لغة وطنية مثل العربية. ولكي ندرك خطورة الجهر بهذه الحقيقة في ذلك الوقت، بالنسبة للمسؤولين ـ بالمعنى الذي يعطيه لهم أزايكو ـ ينبغي أن نعرف أنه رغم مرور ربع قرن على ما كتبه أزايكو، فلا زال الكثير من هؤلاء المسؤولين يرفضون، وبتعصب شديد، أن تكون الأمازيغية لغة وطنية، مع استنجادهم في بعض الحالات، وبشكل مضحك، بما يسمونه "أدلة علمية" لتبرير هذا الرفض، كما رأينا ذلك مؤخرا لدى الدكتور عباس الجراري، الذي هو مستشار بالقصر الملكي وعضو أكاديمية المملكة، في محاضرة ألقاها في الندوة التي نظمتها هذه الأكاديمية حول اللغة العربية، ونشرتها جريدة العلم في أعدادها لأيام 30، 31 ماي و 1 يونيو 2005.
الخطورة بالنسبة للمسؤولين، هو أن تحليل أزايكو ينقل المشكل مباشرة من مستواه الثقافي إلى مستواه السياسي الحقيقي لتتحول معه الأمازيغية، بوضعها كلغة وطنية، من مجرد موضوع سلبي ومنفعل كما يريد المسؤولون، إلى ذات فاعلة وحاضرة ومنتجة للمعنى وللقيم الرمزية كلغة وطنية ذات سيادة.
وقد ذهب أزايكو بعيدا في جرأته وتحليله فبين، بوضوح ودون تردد ، أن اللغات الأخرى التي عرفها المغرب، من غير الأمازيغية، جاءت مع «تدخلات (خارجية) تشترك جميعها في كونها أجنبية لغة وحضارة، وفي كونها تخطت الحدود إلينا بقوة السلاح، وفي كونها حاولت أن تفرض لغتها وحضارتها على الأمازيغيين، وفي كونها كانت تستغل البلاد والسكان استغلالا ماديا»16. ويؤكد في نفس السياق: «إذا كنا نحن نجرؤ على إبداء مثل هذه الآراء، فلأننا نميز أحسن ما يكون التمييز بين حقيقتنا الاجتماعية الحاضرة كمغاربة مسلمين وطبيعة الغزو العربي كحركة تاريخية جاءتنا من الخارج»17. اللغة العربية إذن لغة أجنبية جاء بها غزو أجنبي وهو الغزو العربي. وهو ما سينضاف إلى لائحة التهم التي سيحاكم بسببها أزايكو. ويعترف أزايكو أن مثل هذه الحقائق «لا بد وأن تثير الكثير منا، وخاصة أولئك الذين ينتهزون كل الفرص لإقبار كل محالة لتوضيح مشاكلنا»18. وقد أثارت بالفعل محاكمته وسجنه.
محاكمة نبي:
لماذا حوكم أزايكو بتهمة المس بأمن الدولة والإخلال بالدستور19؟ هل القول بأن الأمازيغية لغة وطنية، وأن ما يسمى بالفتح العربي كان غزوا عسكريا يشكل مسا بأمن الدولة؟ إن اعتبار ما كتبه أزايكو حول اللغة الأمازيغية جناية يبين كيف أن السلطة السياسية تعمل، حسب رغبتها ومصلحتها، على تغيير واقع موضوعي، مثل كون الأمازيغية لغة وطنية، بإنكار هذا الواقع وتجريم الاعتراف به، رغم أن هذا الإنكار والتجريم لا يلغيان لذلك الواقع واقعيته. فالخطورة، كل الخطورة، في اعتبار الأمازيغية لغة وطنية بالنسبة للمسؤولين، ناتجة عن المضمون السياسي لهذه الحقيقة البسيطة: إذا كانت الأمازيغية لغة وطنية، فمعنى ذلك أنها لغة السيادة الوطنية، المستمدة من سيادة الشعب صاحب تلك اللغة. وبالتالي فإن السيادة الوطنية للغة الأمازيغية تحيل بالضرورة على سيادة الشعب الأمازيغي الحامل لتلك اللغة. وهذا ما يقلب أطراف المعادلة ـ اللغة، الشعب، السيادة ـ ويخيف، إلى حد الذعر، من يستمدون مشروعيتهم وسلطتهم من سيادة أخرى، هي سيادة العربية والعروبة.
في الحقيقة إن مثل هذه الحقائق، رغم بساطتها وبداهتها، كان نشرها والجهر بها في بداية الثمانينات يعتبر بمثابة محاولة انقلاب، وبالتالي مسا بأمن الدولة واستقرارها. لماذا؟ هنا ينبغي أن نستحضر أن مجموعة من الأفكار الأساسية حول التاريخ والثقافة واللغة والهوية والعروبة بالمغرب، كلها عبارة عن أساطير أدى تدريسها وتكرارها وحفظها والتذكير بها في كل مناسبة إلى أن أصبحت بديهيات لا تناقش رغم أنها بديهيات كاذبة، مثل أسطورة استقبال الأمازيغ للغزاة العرب بترحاب وحفاوة كمحررين لهم، أسطورة أن الأمازيغيين كانوا يعيشون في الوثنية والجاهلية إلى أن أنقذهم العرب من ذلك، أسطورة أن الأمازيغ اختاروا بمحض إرادتهم اللغة العربية والدين الجديد، أسطورة إدريس الأول المؤسس الأول للدولة بالمغرب، أسطورة أن العربية لغة الجنة والأمازيغية لغة الوثنية والجاهلية، أسطورة أن العرب سلالة شريفة وأن الحكام ينبغي أن يكونوا منهم، أسطورة "الظهير البربري"... إلخ. لقد أصبحت هذه الأساطير شبه حقائق راسخة وثابتة، بل مقدسة. وماذا فعل أزايكو؟ لقد قوّض هذه الأساطير. وماذا يعني تقويض هذه الأساطير؟ يعني تقويض الأركان التي يقوم عليها الوجود السياسي العروبي بالمغرب وتفكيك أسس إيديولوجيته المشرقية، وبالتالي فضح وتعرية كل الذين يعيشون من هذه الإيديولوجية سياسيا وثقافيا ولغويا ودينيا وحتى اقتصاديا، ودحض كل المبررات التي كانوا يتسترون وراءها ويستمدون منها الشرعية والمشروعية.
إن ما فعله أزايكو، في رؤيته الجديدة والغير المسبوقة، إلى التاريخ والثقافة والهوية واللغة بالمغرب، يشكل ما يشبه ثورة كوبرنيكية حقيقية: لقد كان كل شيء في المغرب ـ ولا زال للأسف ـ يدور، ثقافيا ولغويا وهوياتيا ودينيا وغنائيا، حول المشرق العربي إلى الدرجة التي يظهر معها الأول مجرد كوكب صغير يستمد حركته وضوءه من دورانه حول النجم الكبير الساطع الذي يمثله المشرق العربي. لقد قلب أزايكو هذه العلاقة بتبيان أن المغرب نجم قائم بذاته وله محوره الخاص الذي ينبغي أن يدور حوله بدل الدوران حول محور المشرق. إنها ثورة كوبرنيكية جديدة تشكل تهديدا للذين يستمدون مشروعيتهم ويحافظون على مصالحهم وامتيازاتهم من ارتباطهم وتبعيتهم للمشرق العربي.
لقد جاء أزايكو إذن بفكر مضاد يزعزع البديهيات الكاذبة للفكر السائد حول تاريخ المغرب وثقافته ولغته وهويته. ولنتصور أن مثل هذا الفكر المضاد سمح له بالانتشار والتداول والوصول إلى عقول الناس. سيكون ذلك بمثابة "تلنيش" Lynchage لأصحاب تلك الأساطير التي قوضها أزايكو، وتلك البديهيات الكاذبة التي عراها وكشف عنها. إذن إن الذين حاكموه كانوا منطقيين مع أنفسهم ولم يكن لهم من خيار آخر غير محاكمته، لأنهم في الحقيقة كانوا في موقع الدفاع الشرعي من أجل البقاء، هذا البقاء الذي يهدده أزايكو بالحقائق الجديدة التي نشرها وجهر بها. لقد كان هناك إذن مس حقيقي بأمن الوجود السياسي العروبي بالمغرب بتهديد أسسه المتمثلة في تلك الأساطير والبديهيات الكاذبة التي كشف عنها أزايكو. كان لا بد على الذين حاكموه إذن، حفاظا على وجودهم المهدد، من وضع حد لذلك الفكر بحبس صاحبه. لقد كانت محاكمة أزايكو بالنسبة لهم "دفاعا شرعيا" عن البقاء..
قلت بأن أزايكو كان متقدما عن زمانه، لهذا حوكم في ذلك الوقت على ما نكتبه نحن اليوم دون أن نتعرض لأية محاكمة رغم أن تلك القوانين التي حوكم بها لا تزال هي هي ولم تتغير. وهذا يعني أنه كتب ذلك قبل أوانه ووقته.
كان متقدما وسابقا عن زمانه كذلك بالنسبة لنا نحن الأمازيغيين، وخصوصا الذين كانوا مهتمين بالأمازيغية أو منخرطين في الحركة الأمازيغية الناشئة آنذاك. لم نستوعب جيدا قيمة وأهمية الأفكار الجديدة لأزايكو حول اللغة والثقافة والتاريخ، ولهذا بقيت تلك الأفكار شبه منسية لأزيد من عشرين سنة. وإذا كان ميثاق أكادير قد تضمن بعضا منها كمطالب، مثل تدريس الأمازيغية ودسترتها كلغة وطنية، إلا أن فكر أزايكو بقي متقدما على ميثاق أكادير رغم أن ظهور هذا الأخير جاء بعد أزيد من عشر سنوات على نشر أفكار أزايكو التي حوكم من أجلها. ولكي ندرك هذا التقدم، ينبغي التمييز بين المطالبة مثلا بتدريس الأمازيغية ودسترتها كلغة وطنية، وبين تحليل الأسس التي ينبني عليها رفض هذه المطالب. فما فعله أزايكو هو أنه أبرز من خلال تحليلاته، أن الأمازيغية قضية سياسية وأن تهميشها ذو مضمون سياسي صرف. أما مطالب ميثاق أكادير ـ وتحليلاته هو أيضا ـ فتركز على ما هو ثقافي. وبالتالي فتلك المطالب ليست فيها زعزعة للبديهيات وتقويض للأساطير التي يبرر بها رفض تلك المطالب. ليس فيها إذن ما يهدد شرعية وأمن الوجود السياسي العروبي المتمثلين في تلك البديهيات وتلك الأساطير.
ولنبرز الفرق بين المطالب التي تضمنها "ميثاق أكادير" حول اللغة والثقافة الأمازيغيتين وبين تحليل أزايكو لنفس الموضوع، أي موضوع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، نعطي المثال التالي:
تصور مثلا أن شخصا سرق منك كل ما تملك. وبعد مدة طويلة لم تعد تتذكر أنه سرقك، لأن طول بقاء المسروق بحوزته حوله إلى شبه ملك شرعي لا ينازعه أحد في ذلك. فتقدمتَ أنت إلى هذا الشخص تطلب منه بعضا مما بحوزته دون أن تتهمه بالسرقة. هذا ما فعله "ميثاق أكادير" الذي طالب المسؤولين بدسترة الأمازيغية وتدريسها والاعتراف بها. أما أزايكو فكشف عن الشخص السارق وحدد المسروقات وبيّن أن هذا الشخص ما هو إلا لصا لا يملك في الحقيقية شيئا، لأن ما بحوزته مجرد أشياء مسروقة حصل عليها باستعمال القوة وبالتزوير والاحتيال والنصب والاختلاس، وبالتالي فكل تصرف فيها من طرفه هو تصرف غير شرعي وغير قانوني. فما يطالب به، ليس أن يجود عليه هذا الشخص المختلس ببعض ما يملك، كما فعل "ميثاق أكادير"، بل باسترداد كل ممتلكاته المسروقة إلى مالكيها الشرعيين. وهذا هو الفرق بين تحليل أزايكو للإشكالية الثقافية واللغوية بالمغرب وبين المطالب الأمازيغية لميثاق أكادير20.
لهذا أقول لو أن أزايكو نشر ميثاق أكادير باسمه بدل مقاله "في سبيل مفهوم حقيقي لثقافتنا الوطنية" لما تعرض لأي سوء ولا محاكمة. ولكن لو نشر نفس هذا المقال الأخير، وفي نفس تاريخ ظهور "ميثاق أكادير"، أي في 5/9/1991، للقي نفس المصير رغم أن هناك عشر سنوات تفصل بين التاريخين. أريد أن أبين بهذا أن أزايكو كان سابقا عن عصره، وحتى عن ميثاق أكادير عندما ظهر بعد عشر سنوات من محاكمته. ومع ذلك فإن هذا الميثاق نفسه كان لا زال متأخرا عن أفكار وتحليلات أزايكو لمشكلة الثقافة واللغة بالمغرب.
قلت إن أزايكو كان متقدما عن الحركة الأمازيغية الناشئة وكل المهتمين بالأمازيغية في ذلك الوقت. لهذا مرت محاكمته بخير وسلام بالنسبة لمن حاكموه، ودون أن ينتج عن ذلك تضامن جماعي ولا بيانات أمازيغية ولا وقفات احتجاجية تدين المحاكمة وتطالب بالإفراج عن المعتقل. لأن الأمازيغيين أنفسهم ـ وأقصد بهم من كانوا منخرطين بشكل أو آخر في الهم الأمازيغي ـ لم يستوعبوا آنذاك أفكار أزايكو التي هي موضوع المحاكمة لأنها جاءت، كما قلت، قبل عصرها.
وإلى الآن، أي بعد 24 وعشرين سنة عن تلك الجريمة/المحاكمة، لا تزال هذه الأخيرة غائبة عندنا كأهم حدث في تاريخ القضية الأمازيغية. والسؤال: لماذا لم يصبح هذا الحدث ـ حدث اعتقال ومحاكمة أزايكو من أجل أمازيغيته ـ حدثا مرجعيا في مسار وتاريخ الحركة الأمازيغية؟ لماذا لم يتحول إلى محطة تاريخية مفصلية معها تبدأ مرحلة جديدة على مستوى الوعي والمطالب والتنظيم ووسائل النضال؟ لقد تحولت مثلا أحداث الربيع الأمازيغي بالجزائر في 1980 إلى مثل هذه المحطة التاريخية المفصلية في مسار الحركة الأمازيغية هناك، رغم أن الذين قُتلوا واعتقلوا في هذه الأحداث هم أشخاص مناضلون فقط، في حين أن من اعتقل واغتيل في حدث محاكمة أزايكو هو الفكر الأمازيغي الذي كان يمثله هذا المفكر الكبير. لماذا إذن لم تعد محاكمة أزايكو حتى مجرد ذكرى معروفة التاريخ نستحضرها ونتذكرها؟ بل لماذا ظل صاحبها مجهولا ومنسيا ومغمورا رغم أن فكره الأمازيغي يشكل فتحا جديدا في تناول قضايا اللغة والهوية والثقافة والتاريخ والهوية؟ لا شك أن أحد الأسباب ـ وليس كلها ـ هو  أن صاحب هذا الفكر الذي حوكم من أجله كان، كما سبق أن قلت، سابقا لعصره ولمطالب الحركة الأمازيغية في تلك المرحلة. 
كم كتب عن هذه المحاكمة؟ بل كم كتب عن صاحبها أزايكو نفسه؟ كم من ندوات وأنشطة أمازيغية خصصت لأزايكو؟ لاشيء تقريبا. كل هذا يدل أن الوعي الأمازيغي بقيمة أفكار أزايكو وبدلالات محاكمته لا يزال، إلى الآن، لم يدرك أن من خلال محاكمة أزايكو حوكم شعب بكامله وأدينت لغته وثقافته. بل أكثر من ذلك، أنه في الوقت الذي تطالب فيه مجموعة من الجمعيات الحقوقية بتقديم الدولة لاعتذار رسمي للشعب المغربي وبالكشف عن المتورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومحاكمتهم، لا نجد أية جمعية أمازيغية تطالب الدولة بتقديم اعتذار لعائلة الفقيد وللشعب الأمازيغي، وبالكشف عن المتورطين في تلك المحاكمة/ الجريمة لتقديمهم للعدالة بالنسبة لمن لا زال منهم حيا.
كل شيء إذن، في ملف أزايكو، كان سابقا لأوانه بالنسبة للحركة الأمازيغية، سواء فكره الأمازيغي المضاد، المفكك للأساطير والمقوض للبديهيات الكاذبة، أو محاكمته بسبب ذلك الفكر.
إلا أن الغريب، والمفارق في نفس الوقت، هو أن أعداء الأمازيغية الذين حاكموه، فهموا ووعوا منذ البداية حقيقة الأفكار التي يدافع عنها أزايكو وأدركوا جيدا الخطورة التي تشكلها عليهم مثل تلك الأفكار. فكان لا بد من قتلها في المهد قبل أن تنتشر وتغزو العقول. لهذا كانت محاكمتهم لأزايكو تشبه، إلى حد بعيد، محاكمة الأنبياء الذين يبشرون بعقيدة جديدة تشكل خطرا على أصحاب العقيدة الفاسدة القائمة. وبالفعل، بالنسبة للذين أمروا بمحاكمته، اعتبروا أزايكو مبشرا بعقيدة جديدة، هي عقيدة الأمازيغية التي تهدد أمنهم ووجودهم وشرعيتهم، تماما كما حدث مع المسيح عندما كان أولُ من انتبهوا إلى خطورة أفكاره هم أحبار اليهود الذين أدركوا منذ البداية أن الأفكار الجديدة التي يدعو إليها المسيح تشكل خطرا حقيقيا على أساطيرهم وبديهياتهم الكاذبة التي كانوا يسيطرون على الناس ويحكمونهم بفضل تلك الأساطير والبديهيات. وليست هذه المقارنة لمحاكمة أزايكو بمحاكمة الأنبياء مبالغة، بل أعتقد أنه لو كان ممكنا أن يكون للأمازيغ نبي في القرن العشرين لكان هذا النبي هو أزايكو.
وأخيرا، إذا كان أزايكو، بفكره الأمازيغي الذي جاء قبل زمانه، وبمحاكمته بسبب هذا الفكر، يشبه الأنبياء كما أشرت، فلنشبه نحن الحواريين وأتباع الأنبياء، ونعمل على نشر هذا الفكر وترسيخه وتعميميه والدفاع عنه.
*(هذا العرض شارك به كاتبه في الندوة الدولية التي خصصتها جمعية الجامعة الصيفية في دورتها الثامنة أيام 28، 29، 30 لأزايكو)
الإحالات:
1 ـ سبق لي أن كتبت مقالا بعنوان: "علي صدقي أزايكو، ذلك المفكر المجهول"، منشور بالعدد 87 من "تاويزا".
2 ـ "معارك فكرية حول الأمازيغية"، صفحة 16، دفاتر طارق بن زياد (2)، نشر مركز طارق بن زياد، الطبعة الأولى 2002.
3 ـ نفس المرجع.
4 ـ نفس المرجع، صفحة 56.
5 ـ نفي المرجع، صفحة 17.
6 ـ نفسه.
7 ـ نفس المرجع، صفحة 36.
8 ـ نفسه
9 ـ نفسه
10 ـ نفس المرجع، صفحة 38.
11 ـ نفس المرجع 39.
12 ـ نفسه.
13 ـ نفسه.
14 ـ نفسه.
15 ، نفس المرجع، صفحة 39 ـ 40.
16 ـ نفس الرجع، صفحة 40.
18 ـ نفسه.
17 ـ نفسه.
19 ـ حاولت الحصول على نص الحكم الذي أدان أزايكو بسنة حبسا نافذا فلم أوفق في ذلك. فلا شك أنه يتوفر على معطيات مهمة في ما يتعلق باختلاق الحيثيات وتطويع النصوص القانونية لتكييفها مع الحكم المحدد سلفا. وأرجّح أن هذا الحكم لم يحرر نهائيا، ربما حتى لا يكون حجة على استعمال القانون من طرف السلطة لخرق القانون الذي وضعته هي بنفسها، وإنزال عقوبات ظالمة على كل من يجرؤ على الرمي بحجر الحقيقة وسط البركة الآسنة والرسمية من الكذب والبهتان والتزوير.
20 ـ قد لا يتغير المعنى المقصود من هذا المثال التوضيحي إذا اعتبرنا السارق هنا هي "الحركة الوطنية"، بكل امتداداتها العروبية الأمازيغوفوبية، التي سرقت تاريخ المغرب ولغته وهويته وثقافته.

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.