uïïun  105, 

ynyur

  2006

(Janvier  2006)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

asniwju n lkddafi i lkungris amaziv

Imazighen n sserbis

Aneqqis n igiwr n islmadn n tmazight

Ingha yagh ifsti

Tiqessisin inu itmenghan

Ass a

Iniyat as

A tamurt

Tihellal

Français

Le complexe d'Augustin

L'amazighophobie de l'istiqlal

Réponse à l'article de "libération"

Le droit à un État pour chaque peuple

Entre les larmes et le sourire

Autonomie économique

Précieuse amazighité

L'amazighité

Communiqué du CMA  

العربية

استضافة الرئيس الليبي للكنكريس الأمازيغي

من هم أحفاد ليوطي الحقيقيون؟

بوجمهة... مأساتنا جميعا  

هرهرة الألسن وسياسة الذاكرة عند الأمازيغ

ردا على كفاح عباس الفاسي

عاش المغرب عربيا فرنسيا

متى سيعيد العرب النظر في تاريخهم الاستعماري؟

بيبلوكرافيا الأدب الأمازيغي الريفي

يوميات سرير الموت

دسترة الأمازيغية بين مطرقة المخزن وسندان الأحزاب

فترة تاريخية محظورة في التاريخ والعلام  

الضجة على ظهير 16 ماي 1930

دفعا لمغالطات صاحب عمود تعرية

التجربة الطلابية بالجامعة

معتقلو تماسينت يغادرون السجن  

بلاغ الحزب الديموقراطي الأمازيغي

بيان المؤتمر الليبي

بيان الحركة الطلابية الأمازيغية

بيان التسيقية الوطنية للحركة الطلابية الأمازيغية  

بيان تنسيقية أميافا

جمعية أزا للثقافة والتنمية

بيان لجنة ميثاق الجمعيات الأمازيغية بالريف

جمعية أزغنغان

جمعية تانوكرا بتنغير

ندوة الأمازيغية بين الوطني والدولي

 

يوميات سرير الموت
بقلم: محمد زاهد

صدرت عن منشورات جذور للنشر، وضمن سلسلة مكتبة محمد خير الدين، الطبعة الأولى من ترجمة "يوميات سرير الموت" للكاتب المغربي الراحل محمد خير الدين. وهي الترجمة التي قام بها الأستاذ عبد الرحيم حزل، وهو نفسه الذي سبق وأن ترجم "زمن الرفض: "حوارات خير الدين" الصادر عن نفس دار النشر سنة 2003، ويضم كل حوارات محمد خير الدين منذ أول حوار له مع مجلة "جون أفريك" سنة 1967 إلى غاية 1995 سنة رحيل الطائر الأزرق.
ومما جاء في تقديم المترجم: "قليلة هي الكتابات التي تعيش الموت وتكتبه. لا أريد الكتابة التي توضع في الموت، فتعيشه موضوعا غيريا أو متخيلا، بل الكتابة التي يفزع إليها صاحبها في حالة احتضار، تطول أو تقصر. ويوميات محمد خير الدين واحدة من هذه الكتابات، بل تتبوأ منها موقعا مرموقا.
أهمية هذا النص هو صدوره عن "محتضر" يناوش الموت ليحفظ للكلمة طاقتها على مساءلة الآخرين، ومراجعة الذات، مصداقا للاعتقاد أن المحتضر يرى حياته كتابا، يتصفحه في لمح البصر!".
وجدير بالذكر أن هذه اليوميات كتبت في غشت 1995 من طرف خير الدين وهو طريح فراش المرض بالمستشفى العسكري بالرباط، أو بضيعة الغزالة ببوزنيقة وهو في ضيافة ثريا وبول روسلون اللذين حملت كلمتهما في حق الكاتب الراحل عبارات الوفاء: "كيف للمرء أن يكتب عن محمد خير الدين، فلا يتملكه شعور بالتواضع، بل شعور بالحرج؟ ما أعظمها دقة في المعجم وصفاء في العبارة! كان مدهشا! يرفض حتى أن يسمي مرضه "سرطانا" cancer، إذ رآها كلمة عامة جدا، فآثر أن يسميه سرطانا غديًّا carcinome. كان خير الدين شديد الاعتداد بنفسه، لا يرضى التواضع الكاذب، فهو يقدم نفسه، أحيانا، بقوله: «أنا الخير الكبير!!» لكي يكون أكثر إقناعا. لكن هل كان في حاجة، حقا، ...؟ فلقد كان كبيرا بلا مراء».
الطائر الأزرق
محمد خير الدين، الطائر الأزرق أو «مِّيس نْ تمورث» كما كان يناديه الكاتب العالمي الراحل محمد شكري. ابن «تافراوت» بجنوب المغرب، ولد سنة 1941 وينتمي لأسر التجار التي هاجرت من منطقة سوس للاستقرار بالدار البيضاء. وبهذه المدينة التي كانت أول من احتضن خير الدين بعد رحيله من الجنوب وترامى هو في أحضانها، تابع دراسته الابتدائية. ولما كانت حرقة الشعر والكتابة قد بدأت تلعب لعبتها، وأصبحت ملازمة له ومنذ نعومة أظافره إلى أن رحل يوم 18 نونبر 1995 بالرباط، بعد أن كان قد أصيب بمرض السرطان، فقد كان فِعل الكتابة هذا عند خير الدين «تجربة إنسانية حقيقية».
بعد أن انقطع عن الدراسة وهِجْرانِه لأسرته، خاصة بعد أن طلقت والدته وتزوج والده من جديد، تولى تسيير مكتب جهوي لفائدة مؤسسة صندوق الضمان الاجتماعي من 1 يوليوز 1961 إلى غاية 1 ماي 1963، حيث أشرف على إعادة هيكلة هذه المؤسسة بعد الزلزال العنيف الذي ضرب أگادير سنة 1960... وحيث أن أجنحة الطائر الأزرق بدأت تكبر مثلما بدأ يكبر الوطن في عينيه، وحيث أنه أصبح يعيش زلزالا داخليا كما ظل يقول خير الدين نفسه، خاصة في ظل الظروف العامة التي كان يجتازها المغرب خلال مرحلة الستينات، وطبيعة الواقع الاجتماعي الذي مر منه، شأنه في ذلك، شأن العديد من النماذج الأخرى، فقد بدأت «الهزات» و «الزلازل» تخالج ذات محمد خير الدين، وهي الهزات التي ظل يشعر بها خاصة مع احتدام الوضعية العامة التي كانت سائدة آنذاك، وهو ما سيدفعه منذ 1964 إلى رفض هذا الواقع في صيغة تمرد شامل على الأوضاع السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي طبعت المرحلة كانعكاس وتمظهر لخيبة الآمال لجيل كان يتطلع لمغرب حر وواعد، كما تمرد خير الدين على كل القيود والطقوس التي تقيد المجتمع وتفسده وكانت شاذة عن الخصوصيات الثقافية التي تؤثث المحيط الذي انتمى إليه وتؤسس للعلاقات الاجتماعية من داخل التربة الزكية المحلية وتتفاعل مع الأنساق الثقافية الأخرى في تلاقح دائم مثلما كان صوت الجنوب في تيه دائم في غمرة البحث عن الحرية المفقودة.
لقد جعل محمد خير الدين، وهو «الذي كانت السماء كلها له»، كما جاء في إحدى شهادات نظيره القديس محمد شكري، من الأدب أداة لاستنكار ورفض الواقع والنضال في سبيل تغيير جذري وحقيقي، حيث ساهم في تأسيس مجلة «أنفاس» وأطلق أول بيان شعري وسياسي منذ مرحلة الستينات وتقاسم هذه التجربة الأدبية والنضالية مع أسماء عديدة مثل عبد اللطيف اللعبي ومصطفى النيسابوري وآخرين...
كل هذه العوامل، وعوامل أخرى ترتبط أساسا بطبيعة جذور وهوية الانتماء الحضاري والثقافي والاجتماعي للكاتب محمد خير الدين، ستجعل من شخصيته المتمرد الدائم والرافض في صورة «لا نبي ولا شيطان» كما كتب ذات مرة الكاتب التونسي الصافي سعيد.
وقد ظل محمد الجنوب (محمد خير الدين) كما محمد الشمال (محمد شكري) على الدوام، سيما خلال هذه الفترة، متوهجا، محاربا لا يعرف الاستراحة ولا يضع سلاح القلم والورقة ويناهض كل أشكال المهادنة، خاصة في حق دعاة الكتابة وأنصار الاسترزاق والمتطفلين على حقل «الكتابة الحقة». ولأن رحاب الانتماء عند خير الدين تمتد من عمق الجنوب وبين ثنايا قرية «Azru n wadu» في قلب «تافراوت» وصلابة الحجر ونقاء السماء وقوة الشمس والطبيعة والصفاء الروحي الذي تشكل المجاري المائية عنصره الأساسي ونفحات أركان.. إلى كل مداخل الانتماء الكوني العميق التي شكلت باريس محطته الأولى والأساسية، بعد أن غادر المغرب سنة 1965 في اتجاه فرنسا كحالة منفى اختياري بعد أن ضاق به الحال والمقام هنا وتَزَايُد الاضطرابات التي ميزت هذه المرحلة بدء من حالة الاستثناء إلى حين عودته بعد مدة 14 سنة إلى وطنه الذي لم يغب عنه طيلة اغترابه، ذلك أنه لبى نداء الوطن من خلال رجوعه سنة 1979 وكذلك من خلال الارتباط الوثيق بجذور الانتماء الذي ظل يشده على مر الأعوام التي قضاها بعيدا عن أحضان رقة صوت الجنوب وعُذوبَة مياه المغرب العميق ولغة الحجر الوحشي.
وبين مدة منفاه الاختياري ومختلف المحطات التي وشمتها وصنعت منها ملحمة بطولية، وعودته إلى المغرب بعد «نداء الوطن» والذي قضى فيه مدة 26 سنة قبل رحيله النهائي وبعد رجوعه من الاغتراب، وكذا مختلف الرحلات التي زار من خلالها الكثير من المناطق خاصة إفريقيا (السنغال، الجزائر...) وعبر شريط الوقائع والعلاقات التي نسجها خير الدين، تمتد حكاية رجل/ أسطورة خالدة عبر الأزمنة والأمكنة الممتدة في عمقها الإنساني، ويبقى خير الدين جبلا شامخا يحمل مجد الأجداد وبطولية شعب أبيٍّ يجعل من الحرية الأمومة الأبدية وجاعلا من الأدب-الكتابة سلاحا جميلا كما يقول. إضافة إلى أن خير الدين الطائر أعطى معنى آخر للكتابة والالتزام والصدق والتمرد والنضال والانتماء المجرد من أصناف الاستلاب المختلفة...
ولأن خير الدين أحب «لغة الماء والحجر الوحشي» وظل يعتبر الحياة كلها كتابة دائمة الاحتجاج في زمن الرفض والتمرد في «منتهى الحلم والجنون».. فقد كان نموذج الكاتب والمثقف والمواطن الذي يعيش التمزق والتوَّاق إلى واقع عادل وحرية أكبر، وخلد نفسه كأحد الأسماء المغاربية مثل شكري وكاتب ياسين والعالمية مثل بابلو نيرودا وآخرين كثر، التي جعلت من المبدأ و»الالتزام السياسي والاجتماعي» أساس الملحمة الأدبية التي صنعوها كل وفق خصوصياته وأشكال كتابته وتمرده وعانوا أكثر على مستوى التهميش وكل ما تعرضوا له من أصناف التضييق والمنع والحرمان والرقابة... وهو ما جعله يكتب في: «حياة، حلم وشعب في تيه دائم» ليعكس في هذا المقطع جزء من الواقع، ما يلي: «العيش على أرض دائمة التقلب والاضطراب شديدة القَرِّ، رغم بهاء الشمس التي تدفئها جُل العام، ثم، مع ذلك، الموت على مهل، والحرمان من الكلام ومن الوسيلة ومن ثمار هذه الأرض التي نحبها والتي من أجلها نعرق من الشروق إلى الغروب، ذلك ما يكابده شعبي منذ زمان. ولهذا السبب كثيرا ما يشهر غضبه الساطع، إنه لا يهاجم الأشخاص وإن كانوا ألدَّ أعدائه، بل يهاجم الذي يخلق منهم ما هم عليه... كي يرغمهم على أن يكابدوا ما يكابد هو، أن يشعروا بنفس القلق الذي لا يحتمل. بنفس الجزع البيِّن وبنفس الحب حيال تلك الأرض التي كان أجدادنا مشغوفين بها أكثر من صيارفة هذا الزمان، الجزارين، مصاصي الدماء...» ويضيف في مقام آخر: «إنني أنحدر من الأمازيغيين، وأكلت من القصعة نفسها التي أكلوا منها... ينبغي أن ننسى العقلانية الغربية، وأن نعيد مد الصلات بإنسان القبيلة. فهو في الأخير، من يقوم بالثورة وهو الذي علينا الإنصات إليه».
ومثلما هو كذلك، فبدورنا ينبغي علينا أن نعيد مد الصلة بمثل هذه الأصوات والأسماء التي أصبحت في عداد «الملعونين» أو»المَلاَعين» ونعيد فك رموز كلامها وكتاباتها وإخراجها من المهمش وإعادة الاعتبار لها، وخير الدين واحد من تلك الأصوات والأسماء الساطعة والنجوم التي تضيء ليل هذا الشعب الذي أحبه الطائر الأزرق وأحب هذه البلاد والجبال والحشرات... وظل وفيا لغنى الموروث الثقافي واللغوي بالمغرب وللمخيال الأمازيغي وللأحداث التاريخية، غير منسلخ عن جذوره الأصلية، وجعل من كل ذلك مادة خصبة للكتابة إضافة إلى مخزونه الثقافي المتنوع وزاده المعرفي وما اكتسبه من خلال علاقات متميزة مع كبار الكُتَّاب والفلاسفة والفنانين مثل جون بول سارتر، صمويل بيكيت، سيمون دي بوفوار، كزافيه كرَال، جاك بيرك، محمد شكري... كما انفرد بطابع خاص على جميع المستويات وظل مشاكسا ومناضلا على الدوام.
ومن أعمال هذا الكاتب والإنسان نجد : (أكادير/ Agadir)- (حياة، حلم، شعب في تيه دائم/ une vie, un rêve, un peuple toujours errants)- (هذا المغرب !/ ce Maroc!)- (أنا المرّ/ Moi l’aigre)- (النَّبَّاش/ le déterreur)- (حياة وأسطورة أغونشيش/ légende et vie d’Agoun’chich)... إضافة إلى أزيد من 10 أعمال أخرى موزعة على مختلف الأجناس الأدبية والفنية وأعمال أخرى.
ونختم هذه السطور القليلة عن حياة «محمد خير الدين الكاتب المغربي الكبير العظيم والإنساني» بما كتبه عن نفسه: «لست أسطورة. هذه الكلمة تعني أن يناكف المرء نفسه لينتهي إلى رقاد يتخلق. فراشات..... سئمت من البارود. سموني المشاكس أو المزعج. وباختصار سموني المنبوذ».
يوميات سرير الموت
تنفرد «يوميات سرير الموت» عن باقي الكتابات الأخرى لمحمد خير الدين، بخاصية كونها، أولا، يوميات –أشبه ما تكون بسيرة ذاتية- كجنس أدبي آخر غير الرواية والشعر والقصة وكل الأجناس الكلاسيكية المألوفة، وثانيا، كون هذه اليوميات محكومة بهاجس الحالة التي كان عليها الكاتب وهو طريح فراش المرض/ سرير الموت، رغم أن هذه الخاصية الثانية لم تغير شيئا من طابع كتابة خير الدين ولا يبدو أن ذلك أثر في شكل ومضمون هذه اليوميات. أما أهميتها فتكمن في ما تحفل به من معطيات وأماكن وشخوص وعوالم متعددة تكشف مختلف جوانب حياة خير الدين الكاتب والإنسان، مقدمة في قالب/ معجم دقيق وبأسلوب متنوع يختزل تميزات الكاتب على مستوى طبيعة كتاباته وطبيعة شخصيته ونمط تفكيره ونظرته لكل ما حوله وللعالم. وأهم ما تجسده هذه اليوميات، الحالة التي كان عليها أثناء فترة مرضه الشديد ومعاناته القاسية بسبب داء السرطان الذي أصابه، كما أنها –اليوميات- تعكس الحالة النفسية والعامة التي وُجد عليها محمد خير الدين. ولعل العنصر الثابت في كل ما ذكر هو عنصر النقاء الروحي والقوة والثبات والإرادة الثابتة والثقة... التي ظل يتسم بها الطائر الأزرق.
و «يوميات سرير الموت» تقدم لنا جوانب متعددة وتلقي الأضواء على فضاءات شتى وعلاقات خاصة وشخوص جمعها جسر التواصل والصداقة مع الكاتب. ومما جاء في تقديم المترجم: «تكشف لنا كتابة خير الدين في هذا النص عن خصائص الإنسان والكاتب المبدع فيه، واضحة شفافة. فأما خير الدين الإنسان فنجده صريحا في حديثه عن الآخرين؛ من تلك الصراحة التي كانت دأبَه وإياهم أيام العافية. يقول الأشياء بأسمائها. في كثير من القسوة، الأمور الشخصية أحيانا، وفي شؤون الأدب والثقافة دائما. لكنها، مع ذلك، صراحة لا تعتدي على سمو الكتابة، ولو كانت على حافة الموت.
وأما خير الدين المبدع، فتراه في دقة العبارة، ونقاء اللغة وصفاء الذهن؛ حتى لتجده، وهو المحتضر، يذكر الأشياء والأماكن والسنوات والأيام، بل الساعات والدقائق، في أمور تفصله عن معظمها سنوات عدة، بل عقود!» ص:5.
وأول ما استهل به خير الدين كتابة هذه اليوميات التي بدأها في 7 غشت 1995، ما يلي: «لن ألزم نفسي مهنا تسلسلا زمنيا. فلست أستمرئ التسلسل الزمني كثيرا. غير أني لن أظن على القارئ من الإشارات بما يسمح له بالاهتداء إلى زمن هذه اليوميات» ص:11.
ومن تيمات «يوميات سرير الموت» أنها ترافق محمد خير الدين عبر مختلف فترات مرضه وتعكس حالة المتاعب والهموم التي بدأت منذ اللحظة التي «كانت مبتدأ المحنة» بعد «خطأ مهني قاتل» وكل ما سيسببه له المرض ويعانيه من صعوبات على صعيد المستويات الحياتية. «ها أنذا طريح الفراش. يتنازعني عالمان غامضان مشوَّشان. هزيل . أمنيتي الوحيدة أن أنعم، بعد لأي، بالهدوء ولا ألم من شيء. أخرج من هذا الجسد المؤلِم. وأتنفس الصعداء، ولو هنيهة. لم يتسن لي الخروج غير مرات ثلاث. وفي ثلاث مرات أخرى متوالية أغمي علي. وغبت عن الوعي» ص: 12-13. ورغم ما أصبح يشكله داء السرطان الخبيث الذي أصاب خير الدين من محورية في كل فترات مرضه هذا وإلى حين وفاته، فإن الراحل ما انفك يخرج وينفلت من قبضة الطقوس التي كانت ترافق طريح فراش المرض/ سرير الموت، وهو ما تعكسه كتابته من خلال نصوص «يوميات سرير الموت». ومن الأمور الأساسية التي كانت تشغل الطائر الأزرق رغم شدة الداء، موضوع الكتابة ومشاريع الأعمال الأدبية التي كان خير الدين بصدد كتابتها أو إكمال كتابتها. يقول في ص: 15: «كنت أقاوم الألم، جاهدا للإفلات من حبائله، والإفلات من هذا الجسد وسمومه... يصوِّر لي الخيال شخصيات أسطورية. تستخفُّني الرغبة في الكتابة عن إحداها. يعتمل رأسي جملا مكتملة البناء. في ذلك الخذر الشبيه بالحلم (النوم اللامعقول). في ذهني كتاب، جاءني من حيث لا أحتسب. قصة تحكي عن زوج عجوز، تعيش، من غير ذرية، في قرية بوادي أمَّلن... أفلحت في إتمام هذا المؤلف الجديد في مدة لا تزيد عن الشهر إلا قليلا». علاوة على ذلك، هناك كتابات أخرى مثل «طوبياس» و»عجوزان من القرية»... وهي كتابات ظلت تأخذ من وقت وجهد الراحل محمد خير الدين الشيء الكثير رغم ما كان يعانيه إثر المرض الذي أصابه وجعله يعيش متاعب عدة.
كما أن الكاتب ينفلت، من حين لآخر، في اتجاه فضاء من الفضاءات التي كانت تعتبر الجانب الآخر من شخصيته وتشكل إضاءة من الإضاءات الأخرى حول عوالمه المتعددة بكل أحيائها وأمواتها وشخوصها وأساطيرها وأطياف «الصعلكة» التي كان يمارسها... وهذه اليوميات تحفل كذلك ب»أنطولوجية» وقَّادة عن كبار الكتاب والأصدقاء والشخصيات الذين عاش إلى جانبهم الكاتب المغربي والكوني محمد خير الدين لحظات كانت حافلة ومتميزة بدء من إقامته عند صديقيه بول روسلون وثريا ومظاهر حفاوة التعامل معه. ومن الأسماء والشخصيات الأخرى التي تتضمنها هذه اليوميات نجد: جاك بيرك- بيير برنار- أحمد السنوسي (بزيز)- محمد شكري- كاتب ياسين- ميشيل ليريس- أندري لود- سارتر- لوي ماسينيون- مكسيم رودنسون- لوسيان بيترلان- مارسيل بيالو- فيرنان هوز- كلود بونفوا...
وبجانب هذه الأسماء التي ذكرها خير الدين في يومياته، يستوقفنا شريط الفضاءت التي تقترن في الغالب بهذه الأسماء مثل: باريس (زنقة جاكوب، ساحة الجمهورية، الحي اللاتيني...)- الرباط- الدار البيضاء- طنجة- تيزنيت- الجنوب المغربي- نانتير- ميجيڤ... وعبر كل ذلك يقف خير الدين عند ذكر بعض المنابر الإعلامية والمجلات التي يقترن ذكرها هذا بالعديد من الأسماء السابقة مثل: لوموند- أنفاس- الأزمنة الحديثة- ليترنوفيل- الكانزين ليتيرير- لاپاسريل... كما تحفل هذه اليوميات ببعض أعمال كتاب عالميين، وكنموذج على ذلك نسوق: «أعياد الغطاس»- «عنكبوت الماء»- «شمس مقطوعة الرأس»- «الرِّجل»... وكلها معطيات واردة في هذا الكتاب/ اليوميات، وهي بمثابة مؤشر دال عن حجم إطلاع خير الدين وعلاقاته المتعددة ومعارفه وكل ما يجعل منه كاتبا عالميا بامتياز.
ولا يكتفي محمد خير الدين بسرد وذكر الأسماء وفقط؛ وإنما يسوق مواقف ومشاهد عن قضايا راهنة أو يتطرق لظاهرة ما أو حدث ما أو قضية ما مثل حديثه عن الإرهاب ودوامة العنف والتطرف والفرنكوفونية والتخلف... ومختلف القضايا الأخرى التي نجد خير الدين يتحدث عنها وبميزة خاصة، وكل ذلك يجعل من هذه اليوميات موسوعة تشمل ما لا يتضمنه كتاب يُفترَضُ أنه يعالج كل ما أورده خير الدين وتطرق له. وإذا كان خير الدين يبدو أنه انساق وراء «لعبة التذكر» فإنه سرعان ما يعود من رحلة الحديث عن الماضي: «إن كان أكثر كتابتي هذه عن الماضي، فلأنني ليس لدي كثير مما أقوله عن يوميَّ. الماضي أكثر ثراء من هذه الأيام التي أقضيها رهين السرير، أنتظر شفاء في علم الغيب. ثم إن الحياة في الرباط تافهة كئيبة، حتى لا تستحق مني كلمة واحدة وكذلك هي الدار البيضاء فهي لا تثير عندي من اهتمام. وعلى خلافهما هي مراكش، والصويرة وأماكن أخرى كثيرة... بينها طنجة حيث يعيش صديقي محمد شكري» ص:108. وبقدر ما يحاول خير الدين الانفلات من قبضة المرض، بقدر ما يجد نفسه يتلوى من الألم ويقاسي: «ألا ما أقساه علي من حال! الألم يهاجمني دون إنذار. لا يدفعه عني ما أبتلع من مضادات الالتهاب. ماذا تراني كنت أفعل لو لم أكن أكتب؟...» ص:110.
إن «يوميات سرير الموت» تزخر بالتفاصيل اليومية النابضة بالحياة على الرغم من أنها يوميات تخص طريح فراش مرض السرطان، كما تتسم بوفرة المعلومات والمعطيات والتنوع.. وهي -اليوميات- في نهاية المطاف تجسد صورة الحياة عند خير الدين وتعكس حيويته؛ إذ لا مكان للموت في هذه اليوميات، ذلك أن الشيء الوحيد يحظى بمكانة خاصة لدى الكاتب هي الكتابة ذاتها. فـ»الإلهام يلغي الألم» كما كتب محمد خير الدين نفسه.
عود على بدء
يحز في النفس كثيرا أن نرى مثل هؤلاء الكتاب الكبار الذين أنجبهم المغرب وهم يموتون أكثر من مرة! فعديدة هي الأسماء التي ذاع صيتها في مجال من المجالات وكانت لها إسهامات نَيِّرة في حقل من الحقول، لكن طواها النسيان والتناسي وأصبحت تعيش الاغتراب حتى في مماتها..!
ومحمد خير الدين –الطائر الأزرق- واحد من تلك الأسماء التي عانت التهميش على جميع المستويات، في مقابل ما يغدَق على أشباه كُتَّاب متملقين لا يعرفون لحرقة الكتابة معنى وأحرى لهم ألاَّ يتطاولوا على هذا الميدان.
إن المدخل لإعادة الاعتبار لهؤلاء المهمشين –وهم كثر- هو رفع الحيف عن كل إنتاجاتهم وكتاباتهم وإرثهم الفكري والرمزي والاعتناء بها، وكذا إعادة الاعتبار لحقل الكتابة والكاتب، وكم هم عديدون الكتاب المغاربة الذين ماتوا وفي قلبهم شيء من...! مثل خير الدين- شكري- باطما- زفزاف... أو غير الكتاب وهم ينتمون لحقول أدبية وفنية مختلفة، بل ومنهم من مات دون أن يُعْرَف!
وحتى يتسنى لهذه الأسماء والأصوات البقاء حية في ذاكرة المغاربة والمغاربيين وتنال بذلك حظها من الاهتمام، فقد آن الأوان لأن نعيد لها ألف اعتبار.
إحالات معتمدة:
- زمن الرفض: حوارات (1967-1995)، إعداد وتقديم: عبد اللطيف العبوبي، ترجمة: عبد الرحيم حُزَل، جذور للنشر، الطبعة 1، الرباط، 2003.
- محمد خير الدين، يوميات سرير الموت، ترجمة عبد الرحيم حُزَل، جذور للنشر، الطبعة 1، الرباط، 2004.
- الصافي سعيد، لا أنبياء ولا شياطين، جريدة الاتحاد الاشتراكي، 25/17/1997.
- محمد العزوزي، جريدة الصحيفة، عدد: 55، 1-7 مارس 2002.
 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.