uïïun  115, 

ymrayur

  2006

(Novembre  2006)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

aslmd n tmazivt jar asuyn d usntlay

Tazura

Taghlaghalt n wawal

Min ghar i d usigh?

Tamesghult n ilxiyana

Asitem

Français

Introduction de tamazight à l'université se Sélouane

La religion de Tertullien

Bravo! Chirac

La presse nationale dit-elle la vérité?

"Anzwum" de Mallal

Omar n Ayt Said

Le CMA interpelle

العربية

تدريس الأمازيغية بين التوحيد والتلهيج

تدريس الأمازيغية وإعادة الإنتاج الإيديولوجي

هل الحركة الأمازيغية حركة علمانية؟

القرضاوي يفتي بالشذوذ الديني لمغاربة

إدماج الأمازيغية بجامعة سلوان

تشكل الحركة الأمازيغية

النضال الأمازيغي وسيلة أم غاية؟

طربوش الوطن على الطريقة العرابية

الأمازيغية بين المقاربة الدستورية والتناول التربوي

الأمازيغية في المدارس الكاطالونية

هل هو موقف رسمي من تدريس الأمازيغية؟

معاناة مدرس أمازيغي

مأساة الطفل شيشنق بليبيا

مولاي محند والحركة الريفية

الإبدال في الأمازيغية

كتاب تابرات تاوراغت

لامريك تأسف لاستقالة خداوي

الأمازيغية في المهرجان العالمي للشعر

حوار مع الفنان مصطفى إزران

التحضير لتأسيس الحزب الفيديرالي

جمعية إيمازيغن بكاطالونيا

أوراش لكتابة الأمازيغية في رمضان

لجان العصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان

بيان استنكاري للمريك

بيان تاماينوت

بيان الشبكة الأمازيغية

 

 

مولاي محند والحركة الريفية

 (الجزء الرابع)

بقلم: القجيري محمد

وبخصوص تفاصيل المؤامرة المغربية-الاستعمارية في قضية إنزال مولاي محند بمصر أو "قصة النزول" كما سماها محمد سلام أمزيان في كتابته المرقونة وغير المطبوعة لحد الآن، وللإشارة فمحمد سلام أمزيان هو الذي أشرف على كتابة وتحرير مذكرات الأمير مولاي محند، التي تصل في مجموعها إلى حوالي ثمانون كتابا. لكن للأسف هذه المجموعة الضخمة مطبوعة فقط على الآلة الكاتبة ولم تنشر حتى يومنا هذا، وحسب قصة محمد سلام أمزيان التي سنعتمد عليها كثيرا في هذا الفصل، فبعد وصول المتآمرين المغاربة إلى أرض الفراعنة بمصر اتصلوا بالسلطات المصرية لتسهيل عملية إنزال مولاي محند بمصر التي اقترحها ابن عبود حسب شهادة عبد الكريم غلاب الذي يقول: "كانت فكرة منقذة اقترحها المرحوم ابن عبود هي الاتصال بالقصر الملكي"(43) بمصر، وهكذا وبعد أن هيئوا الشروط الدبلوماسية والمادية اللازمة لإنزال مولاي محند بمصر، طبعا بالتنسيق مع المخابرات المصرية والجامعة العربية وبتواطؤ بريطاني، وصلت باخرة كاتومبا إلى ميناء السويس المصري، الذي كان يعج هذا الأخير برجال العروبة والمتآمرين المغاربة، وعلى رأسهم ابن عبود صاحب الجنسية البريطانية والمحمي من طرف السلطات البريطانية، والذي، كما جاء في كتابات محمد سلام أمزيان، قد رشي بالمال المخزني والاسباني لإبعاد مولاي محند عن فرنسا.
وبطبيعة الحال فإن ابن عبود لم يكن سوى الآلة المسخرة من طرف الإسبان والمخزنيين والأداة التنفيذية للإشراف على عملية إنزال مولاي محند وخطفه بمملكة مصر الفرعونية التي كانت آنذاك تحت النفوذ البريطاني. وبخصوص ما جرى في ميناء السويس المصري يقول مولاي محند: "في ميناء السويس رست الباخرة وجاءني أحد أولادي يقول: هنا السيد محافظ السويس ومندوب الجامعة العربية الأستاذ وحيد الدين الدالي، والشيخ الخضر التونسي رئيس جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا، وبشارة وكيم، وممثلو الجمعيات العربية، والسيد محمد بن عبود رئيس الوفد المراكشي لدى الجامعة العربية، وحشد من الصحفيين والسياسيين يريدون مقابلتك"'(44). وهنا لا بأس أن نفتح قوسا ونذكر فيه أن الإعلام العروبي استغل تواجد مولاي محند على ظهر باخرة كاتومبا المشؤومة في ميناء السويس وعقد معه الصحافيون العرب مؤتمرا صحفيا، وقد نقلت صحيفة مراكش الصادرة بطنجة والناطقة باسم الحركة اللاوطنية المغربية في عدد 11/6/1947 وقائع المؤتمر، ونشرت تصريحات محرفة نسبتها إلى مولاي محند، ومن بين ما جاء فيه أن مولاي محند قال إن شمال إفريقيا "جزء لا يتجزأ من الوطن العربي وأن انضمامه إلى الجامعة العربية يزيدها قوة وبأسا واستكمالا لحلقاتها"، و "أن اتحادنا يجب أن يكون مع جامعة الدول العربية التي نشترك معها في اللغة والدين والجنس والتقاليد وغيرها من الوشائج والروابط الوثيقة". إن هذه التصريحات أو أكاذيب الإعلام العربي لا أساس لها من الصحة ولا يقبلها العقل ولا المنطق ولا الجغرافية كما أنها تنافي ميثاق الجمهورية الريفية الأمازيغية الذي يحمل توقيع مولاي محند والذي يقول فيه إن بلاد الريف تشكل جغرافيا جزء من إفريقيا وأن لغته الرسمية هي اللغة الريفية الأمازيغية، كما أن مولاي محند في تلك الفترة لم يكن يؤمن بالعروبة أو ما يسمى بالوطن العربي، وأكثر من هذا كان يحارب الجامعة العربية وكان يعتبرها من مخلفات الاستعمار البريطاني الذي أنشأها للقضاء على الخلافة الإسلامية بتركيا العثمانية. وبهذا فإن مثل هذه التصريحات المنسوبة إلى مولاي محند محرفة ولا أساس لها من الصحة.
عودة إلى كواليس ميناء السويس، فمباشرة بعد انتهاء المؤتمر الصحفي انفرد ابن عبود بمولاي محند وفاجأه باقتراح غريب حيث طالب منه النزول بأرض الفراعنة، وهو ما أثار حفيظة مولاي محند وبدأت تراوده الشكوك من هذا المطلب الغريب كما يفيد ذلك مولاي محند بقوله "فاجأني -يقول مولاي محند- باقتراح عجيب وغريب، لدرجة أنني اعتقدت أنه يريد إثارة أعصابي. قال لي: هل لكم أن تنزلوا هنا في أرض العروبة؟ واستسلمت لهواجس التشكيك والتصديق في وقت واحد، وبدأت سريعا أفكر في وسيلة لطرد الشك فيسهل الرد على الاقتراح الغريب"(45). بالفعل إنه اقتراح غريب من شخص غريب يمثل المخزن والحركة اللاوطنية بالإضافة إلى عمالته الواضحة لإسبانيا التي تسلم منها أربعة ملايين بسيطة مقابل إنزال مولاي محند بمصر حسب ما ذكره محمد سلام أمزيان في "قضية النزول ".
إذن أول ما طرحه ابن عبود على مولاي محند حينما انفرد به هو النزول بأرض مصر، وكان يوهمه ويقنعه بأن الهدف من النزول هو قيادة المجموعة، أي مجموعة المتآمرين المغاربة في معركة التحرير، وأن الاستعمار سيحسب لها ألف حساب... لكن في حقيقة الأمر، كان الهدف الأساسي هو تقزيم دور مولاي محند، بعد أن أعلنت فرنسا نيتها في التفاوض معه واعتباره رقما أساسيا في أية معادلة سياسية قادمة ستشهدها منطقة الريف ومراكش لاحقا. وبعد رد ونقاش وحيرة مولاي محند في ليلة طويلة من التفكير والتشاور مع محيطه الأسري، استسلم لإغراءات وضغوطات ابن عبود في وقت متأخر من الليل مثلما استسلم لإغراءات و ضغوطات الفرنسيين أيام حرب الريف. واستسلامه لابن عبود ليس ثقة فيه، وإنما لعدم ثقته في فرنسا التي غدرت به وخدعته في تركيست حول نتائج المفاوضات عندما نكثت بعهدها ونفته إلى جزيرة لاريونيون. هذا بالإضافة إلى أن مولاي محند لم يكن ينتظر اقتراحات سخية من فرنسا. ولهذا وافق على النزول بمصر بعد تردد طويل. وعن هذا الموضوع يقول روبير مونطاني: لقد "ظل عبد الكريم مترددا خلال يومين مقاوما دون شك ضميره لنسيان صنادا وتركيست ثم خضع للإغراء" (46). أما الفرنكاوي عبد الخالق الطريس فيصف صعوبة اقتناع مولاي محند في النزول بمصر بتردده في كتابة رسالة إلى الملك فاروق ليطلب منه اللجوء السياسي. يقول الطريس "إن الأمير بتأثير من ابن عبود بدأ يكتب البرقية المطلوبة للملك فاروق المتضمنة الرغبة في الالتجاء مرتين، وكلما قرب من إتمامها مزقها. وبجهد جهيد توصل معه إلى كتابة رسالة مختصرة " (47). وخلافا لما أورده عبد الخالق الطريس ففي بطاقة للاستخبارات الإسبانية في نيابة الأمور الأهلية بتطوان بتاريخ 1/2/1948، تفيد أن عبد الخالق الطريس هو الذي "قام بتحرير الرسالة البروتوكولية التي وجهها عبد الكريم إلى ملك مصر يضع نفسه تحت حمايته" (48). ومهما يكن من أمر فاستسلام مولاي محند لإغراءات وضغوطات ابن عبود لم يكن من الأمور السهلة ولم يكن من إرادته كما أنه كان مشروط بإحضار خمسة عشر مسدسا، و هو كما يبدو شرط تعجيزي إلى حد ما، ربما كان الغرض منه هو التخلص من عرض ابن عبود ومن ثمة مواصلة الرحلة إلى فرنسا. ومن قناة السويس إلى بور سعيد نفذ المتآمرون المغاربة الخطة، وأنزلوا مولاي محند في ميناء بور سعيد في يوم السبت 31 ماي 1947، وكان أول ما سأل عنه مولاي محند حينما نزل هي المسدسات، فقد كان مولاي محند لا يثق فيهم ولا يحس بالأمان والاطمئنان اتجاههم وكان يعتقد أن نزوله بمصر هو فخ للنيل منه، خصوصا وأن حرب الريف علمته وجوب الحذر والاحتياط من رجال المخزن، وقد أورد في هذا الصدد عبد الخالق الطريس مقتطفا من كلام مولاي محند في تلك اللحظات الحرجة يعبر فيه عن عدم إحساسه بالأمان تجاه المتآمرين المغاربة حيث قال لهم "إني معكم ولما أعرفه عنكم لن تفعلوا إلا ما فيه الخير" (49). هذا من جهة، أما فيما يخص الظروف والملابسات المحيطة بعملية النزول التي سهلته السلطات الفرنسية نفسها وأقصد هنا المسؤولين الفرنسيين الذين كانوا مكلفين بحراسة مولاي محند في باخرة كاتومبا، كما سيتبين ذلك فيما سيأتي، فحسب رواية محمد سلام أمزيان طبعا في قصة النزول، الذي يفيد فيها أنه مباشرة بعد نزول مولاي محند وعائلته في ميناء بور سعيد المصري جاءهم المسؤول الفرنسي متسائلا: إلى أين أنتم ذاهبون؟ وأجابه مولاي محند: في جولة سريعة يقوم بها الأطفال في الميناء. فما كان من المسؤول الفرنسي الذي يبدو أنه داخل في خطة المآمرة وتلقى تعليمات في التواطؤ في عملية الإنزال أن ابتسم وقال: الباخرة ستقلع في الساعة الحادية عشر. فرد عليه مولاي محند قائلا: سيعودون قبل الموعد، وفجأة وإذا بضابط المخابرات المصرية يصرخ في الحشد المصري، أفسحوا الطريق للأمير (مولاي محند).. وفعلا أفسحوا الطريق لمولاي محند وتقدم بخطوات ثابتة إلى خارج الميناء.
بهذه الطريقة والبساطة إذن تم إنزال مولاي محند و40 شخصا من عائلته الريفية في ميناء بور سعيد في ظروف أقل ما يقال عنها إنها جد غامضة، خصوصا وأن مكان الإنزال كان تحت الحراسة الشديدة ومحاصر بالبوليس الفرنسي الذي كان ينتشر في جميع أرجاء الميناء بحوالي 700 فرد، علاوة على البوليس المصري، لكن على الرغم من ذلك اختفى مولاي محند والعشرات من أتباعه الذين هرّبوا (بضم الهاء) إلى القاهرة. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو كيف يعقل أن يختفي هذا الكم الهائل من الأشخاص من ميناء بور سعيد الذي كان تحت المراقبة الشديدة من طرف الأجهزة السرية والأمنية الفرنسية والمصرية. ودون أن يمنعوا مولاي محند من مغادرته للميناء، وهذا إنما يؤكد أن عملية "تهريب" مولاي محند إلى مصر كانت بتواطؤ هذه الأجهزة التي كانت مكلفة بحراسة الباخرة والميناء. وسؤال ثان يطرح نفسه بإلحاح هو هل كان إنزال مولاي محند بمصر من تدبير السلطات الفرنسية نفسها كما اعتقد ذلك مولاي محند حينما نزل من الباخرة وظن "أن الأمر يتعلق بمؤامرة يدبرها الفرنسيون" (50).
فهل فعلا كان هناك تواطؤ فرنسي رسمي في إنزال مولاي محند بمصر، وإذا كان الأمر بغير هذا الشكل فإننا لا نفهم لحد هذه السطور لماذا لم تقم فرنسا على سبيل الاحتياط بنقل مولاي محند بواسطة الطائرة تفاديا لاحتمالات ومفاجآت الرحلة البحرية الطويلة التي دامت حوالي شهر، خصوصا وأنها تمر عبر مناطق جد حساسة. أسئلة كثيرة إذن تبقى عالقة دون أجوبة مقنعة عن عملية إنزال مولاي محند في مصر وعن الجهات الحقيقية المتواطئة فيها، لكن ما هو مؤكد حتى يومنا هذا هو أن عملية الإنزال كانت من تدبير السلطات المخزنية ورجال الحركة اللاوطنية رغم ما يلف ذلك من الغموض في بعض الأحيان حول الجهات التي تم التنسيق معها في العملية. وفي سياق موضوعنا هذا لا بأس أن نذكر بعض ما قيل وذكر عن عملية الإنزال المثيرة للغموض، فهذا الكاتب الفرنسي الشهير رم لاندو يقول في كتابه: "تاريخ المغرب في القرن العشرين": يجب أن نترك للتخمين الإجابة عن السؤال فيما إذا كانت ثمة علاقة بين ذهاب علال الفاسي الذي كان يقيم في طنجة تحت الحراسة الجبرية إلى القاهرة – عبر باريس طبعا - ونزول عبد الكريم الخطابي بها، ويعتقد بعض المغاربة بأن قرار عبد الكريم جاء في اللحظة الأخيرة"(51). في حين يقول الدكتور المصري جلال يحيى إنه "لم تثبت حتى الآن الطريقة التي تم بها نزول الأمير عبد الكريم الخطابي إلى أرض مصر" بينما يقول الكاتب المغربي محمد الكاديلي بأن تمت "عملية ’’إنزال’’ بطل الريف في مسرحية مكشوفة، في مصر بدل فرنسا" (52).
علاوة على هذه الكتابات غير الواضحة، هناك بعض التقارير والكتابات الأخرى تفيد أن بريطانيا كانت لها أيضا اليد الطويلة في عملية الإنزال بدليل أنها أرادت أن تثأر لفرنسا التي سبقت أن استضافت على أرضها العديد من معارضيها. هذا بالإضافة إلى حساباتها السياسية بمنطقة طنجة الريفية-الدولية. أما بالنسبة لتقارير الصحف الفرنسية فقد أكدت معظمها أن عملية الإنزال كانت من تدبير المخابرات الاسبانية وأن عميليها بالمغرب الطريس وابن عبود لم يكونا سوى الآلة التنفيذية لإسبانيا حيث كتبت هذه الصحف الفرنسية أن "أعوان الجنرال فرانكو من المنطقة الخليفية هم الذين دبروا أمر نزوله في مصر" (53).
على الرغم من هذه الكتابات والتقارير ما تزال عملية النزول تحمل الغموض واللبس لدرجة يصعب معرفة كل الجهات المتواطئة في هذه العملية، وإزاء هذا، يقتضي الأمر من الدول الآتية أسماءهم على وجه الخصوص: المغرب، إسبانيا، فرنسا، بريطانيا، مصر أن يتصالحوا مع التاريخ ويسارعوا في الكشف عن أرشيفهم العسكري ووثائق مخابرتهم لأجل معرفة الحقيقة الكاملة على ما جرى في تلك الفترة الغامضة ولأجل المصالحة مع التاريخ، هذا التاريخ الذي أرادوا تحريفه وتزويره والتشويش على صفحاته حتى يبقى في صالح المخزن والحركة اللاوطنية كما يكتب حاليا. والنموذج كتاب صدر مؤخرا تحت عنوان "لجوء محمد بن الكريم الخطابي إلى مصر: الأبعاد والدلالات الوطنية والدولية" الذي جاء تتويجا لأعمال الندوة الدولية بالحسيمة التي نظمتها مؤسسة محمد بن عبد الكريم الخطابي التابعة لسعيد الخطابي وبدعم من القصر ورجال الحركة اللاوطنية الذين لازالوا حتى يومنا هذا يوهمون الشعب على أنهم أنقذوا مولاي محند من فرنسا- طبعا بموافقة محمد الخامس والجنرال فرانكو- لكن في حقيقة الأمر لم ينقذوه بل أبعدوه عن الريف، لما كان يشكله ذلك من خطر عليهم وعلى مصالحهم بالمنطقة. ثم لماذا سينقذونه وهم كانوا ضده أيام حرب الريف ومشروعهم السياسي يناقض كليا مشروع مولاي محند؟ ثم هل نسوا ما قاموا به من عمل وتآمر خبيث عندما كانوا يجندون ويشحنون عشرات الآلاف من مواطني شعبه للمشاركة في الحرب الأهلية الإسبانية لكي يقتلوا هناك، أما أبناؤهم هم فيرسلونهم إلى فرنسا وسويسرا للدراسة هناك. وأكثر من هذا، لم يسبق لرجال هذه الحركة اللاوطنية الخبيثة أن طالبوا ولو لمرة واحدة بإطلاق سراح مولاي محند أيام كان في منفاه السحيق، بل كانوا يعارضون عودته، وفي مقدمة هؤلاء المعارضين، عبد الخالق الطريس الذي كتب في هذا الصدد مقالة في جريدة "المساء" القاهرية في الثلاثينات يعارض فيها عودة مولاي محند إلى أرض الوطن بشكل خبيث، يقول محمد أمزيان بعد تحليله لهذه المقالة ووصوله إلى الاستنتاج الذي لخصه في هذه الجملة: "فإذا كانت إسبانيا عارضت بصراحة، فإن الطريس يعارض بلباقة" (54). وفي علاقة بهذا الموضوع يقول ولد محمد أمزيان القائد محمد سلام أمزيان قائد انتفاضة 1958 إن "كل البيانات التي أصدرتها هذه الأحزاب من سنة 1928إلى غاية سنة 1948. لم تذكر اسم عبد الكريم نهائيا مع أنه في سنة 1928 كان رجال عبد الكريم ما يزالون في الجبال. نفي عبد الكريم سنة 1926 ... والأحزاب السياسية لم تذكره أبدا ولم تكن لها أية علاقة به، ولما أنزلوه في القاهرة - أقول أنزلوه ولم ينزل هو عن طواعية- فعلوا ذلك حتى لا يلجأ إلى فرنسا ويثير القلاقل انطلاقا من هناك. لقد تآمروا ضده"(55). وخلاصة لما سبق يمكن القول بلا مجازفة إن عملية إنزال مولاي محند في مصر كانت من تدبير الحركة اللاوطنية بالتنسيق مع السلطات المخزنية والاسبانية وبتسهيل من بريطانيا وبتواطؤ من السلطات المصرية، نفذها عملاء مغاربة مقابل رشاوي ومراكز سياسية مضمونة، وفي مقدمة هؤلاء ابن عبود وعبد الخالق الطريس اللذان كانا يمثلان السلطان في تطاوين والاستعمار الإسباني في بلاد الريف، وعلال الفاسي وعبد الكريم غلاب وآخرون الذين كانوا يمثلون المخزن والاستعمار الفرنسي في مراكش (المغرب). وبطبيعة الحال فإن هؤلاء الذين كانوا متفقين على هذه المؤامرة الدنيئة لم يكونوا سوى الآلة التنفيذية لما تريده إسبانيا والمخزن، وكان علال الفاسي هو المشرف على التنفيذ علاوة على ابن عبود. وتجدر الإشارة هنا إلى أن محمد سلام أمزيان(56) قد ذكر في مذكراته غير المطبوعة أن العميل ابن عبود في وقت لاحق من العملية بدأ يتباهى أمام أصدقائه بأنه قبض أربعة ملايين بسيطة من الحكومة الاسبانية كعمولة مقابل إنزال مولاي محند وأسرته، وكان يردد على الملأ: بعت أربعين خروفا بأربعة ملايين بسيطة!
فعلا تلقى المتآمرون المغاربة الرشاوي لتنفيذ العملية التي هي بالدرجة الأولى عملية سياسية تهدف إلى إزعاج الفرنسيين وتصفية الحسابات معها، وفي الوقت نفسه تهدئة نفوس الأسبان والمخزنيين علاوة على حساباتهم السياسية في المستقبل القريب والبعيد.
لقد كان الهدف من العملية إذن هو إبعاد مولاي محند عن الريف، حتى لا يسحب البساط من زعامة المخزن والحركة اللاوطنية وحتى لا يعود شبح الجمهورية الريفية مرة أخرى، بعد أن غيرت فرنسا من سياستها ومواقفها تجاه منطقة الريف. فالهدف من العملية هو تقزيم دور مولاي محند بعد أن أعلنت الحكومة الفرنسية نيتها في التفاوض معه حول مستقبل الريف وحول مستقبل مراكش (المغرب) بأكمله، وليس أن يكون لعبة في أيدي الفرنسيين ضد حلفائها بالمنطقة الأمازيغية كما رأى ذلك رجال الحركة اللاوطنية، فهذا الطريس يقول إن فرنسا "كانت تريد تركه مشهرا ضد السلطان والحركة الوطنية"(57). لم يكن مولاي محند سيقبل الدخول في اللعبة الاستعمارية، وما يفيد ذلك ما أورده عبد الحي العراقي في شهادته بجريدة الأحداث المغربية بتاريخ 20 نونبر 2001، حيث ذكر فيه أنه في خضم النقاش بعد عملية الإنزال "قال عبد الخالق الطريس لابن عبد الكريم: إن فرنسا تريد أن تضغط من خلالك على محمد بن يوسف، ولهذا الغرض فكرت ربما في أن يقع ترحيلك من لارينيون إلى مكان قريب، وأذكر أن محمد بن عبد الكريم الخطابي ثار في وجه الطريس ثورة كبيرة وأنبه كثيرا على قوله هذا وأن الخطابي يرفض أن يكون لعبة في أيدي الفرنسيين". لكن لا هذا ولا ذاك حصل، لقد نجح مخطط المتآمرين المغاربة أصحاب الطرابش الحمراء واللباس العصري (أي الزي القومي العربي) الذين تعاملوا بحيلة وحنكة وذكاء خارق في عملية الإنزال/الخطف، إذ أنهم استفادوا بعد ذلك من التأييد الشعبي وبدوا كأنهم حقا منقذون لمولاي محند من الاستعمار الفرنسي بعد أن نسوه لسنوات طويلة وحاربوه في السابق. لكن في واقع الأمر، أنقذوا محمدا الخامس ولم ينقذوا مولاي محند بل تآمروا عليه وخطفوه في مصر وأوقعوه فيما يسمى باللجوء السياسي. والمؤسف في هذا الأمر هو أنهم استفادوا من عملية الإنزال وأصبحوا بين عشية وضحاها قادة سياسيين ورموزا وطنية!! ويدعون أنهم حرروا مولاي محند بإنزاله في مصر إلى جانب المراهقين الطلبة المغاربة الذين كانوا يتابعون الدراسة في مصر، التابعين للخليفة التطوانية برئاسة العميل ابن عبود.
كل هؤلاء اللاوطنيين حينما حصلوا على مبتغاهم بإنزال مولاي محند في مصر اعتبروه خصما سياسيا يجب محوه من الذاكرة الشعبية للريف وشمال إفريقيا كلها حتى لا يسرق الأضواء مرة أخرى، وبهذا ستعود حليمة إلى عادتها القديمة كما يقال وكما سنتطرق إلى ذلك بتفصيل في الفصول القادمة.
إذن استفاد المتآمرون المغاربة من عملية النزول واكتسبوا شهرة في مؤامرتهم الخبيثة كما أكد ذلك الطريس بقوله: «أرحنا ملكا وسفهنا مناورة وكسبنا دعاية»(58)، طبعا في «أكبر عملية قرصنة سياسية في القرن العشرين» كما وصفها عبد الكريم غلاب أو في «خطف الخطف» حسب تعبير فتحي رضوان في مقالة كتبها في صحيفة مصرية بتاريخ 25 مارس 1976.
وبطبيعة الحال هذه العملية /القرصنة لم تمر دون رد فرنسي الذي كان طبعا سريعا وعنيفا جدا لدرجة أن سحبت الحكومة الفرنسية سفيرها من القاهرة وقدمت مذكرة شديدة اللهجة إلى مصر تتهم فيها السلطات المصرية بالتواطؤ في العملية ومساعدة المتآمرين المغاربة في إنزال مولاي محند بميناء بور سعيد. أما بخصوص الجانب الاسباني الذي كان في السابق يثير العالم ضجة واحتجاجا على إثر نقل مولاي محند إلى فرنسا، وكان يعتبر أن نقله غير قانوني وغير شرعي على اعتبار أن الاتفاق المبرم بين اسبانيا وفرنسا في العاشر من يوليوز 1926 ينص على أن مصير مولاي محند مرهون بموافقة إحدى الدولتين كما أشرنا إلى ذلك في السابق، لكن مع اختفاء مولاي محند في مصر اختفى معه الاحتجاج الاسباني ولم يصدر من الحكومة الاسبانية بعدها أي احتجاج ولا طالبت بأية إيضاحات من فرنسا والتزمت بالصمت، ثم لماذا ستطلب اسبانيا إيضاحات وتفسيرات من فرنسا وممثليها الطريس وابن عبود هما اللذان نفذا العملية الاستعمارية التي تقتضي ألا يصل مولاي محند إلى فرنسا أو الريف حتى تبقى اسبانيا مطمئنة على احتلالها لبلاد الريف، هذا وتجدر الإشارة إلى أن موقف اسبانيا هو نفس موقف المخزن المغربي.
مولاي محند في مصر:
في بداية هذا الفصل سنتطرق إلى المعاملة اللاإنسانية التي تعامل بها الخاطفون المغاربة مع المخطوفين الريفيين إبان عملية النزول، ثم بعدها سنتطرق إلى موضوع آخر يتعلق بما سمي بلجنة تحرير «المغرب العربي» وبمصطلحها العنصري.
أ- مأساة مولاي محند بعد النزول:
مباشرة بعد إنزال مولاي محند ومرافقيه في ميناء بور سعيد المصري، قام رجال الحركة اللاوطنية باقتيادهم كأسرى إلى خارج الميناء، واحتجزوا مولاي محند في أحد المنازل ثم أخذوا الأطفال والنساء كوديعة إلى منزل حسين التريكي التونسي، أما الرجال فقد وزعوهم في فنادق شبه مهجورة مثل الرهائن. دون أن يكون في جيوبهم ما يدفعونه لشراء حاجياتهم. وأكثر من هذا طالبوا من البوليس المصري والانجليزي أن يفرضوا على مولاي محند ورجاله الحصار والمراقبة الشديدة لدرجة أن منعوهم من الخروج واستقبال الزوار، وقد تلقى في هذا الصدد مولاي محند من الذين منعوا من زيارته عدة رسائل تتضمن استنكارهم لسلوك اللاوطنيين على أعمالهم الخبيثة لمنعهم من مقابلته. أما الذين حالفهم الحظ وقابلوه في إقامته الإجبارية فإن اللاوطنيين لا يتركون مولاي محند ينفرد بهم دون أن يحضروا للتنصت عليه وإبداء رأيهم في أي موضوع يتحدثون فيه، بهذا الشكل كان تعامل اللاوطنيين مع مولاي محند ورجاله، الذين عاملوهم مثل رهائن احتجزوهم في أماكن إقامتهم ومنعوهم من الخروج، فالخروج كان يعني بالنسبة للاوطنيين التقاء مولاي محند ورجاله مع الريفيين الذين حتما سيأتون إلى مصر فور وصول نبأ نزول مولاي محند، وبالتالي الخروج كان يعني للاوطنيين الهروب وعودة مولاي محند وحاشيته إلى الموطن الأصلي بالريف خاصة وأن مولاي محند كان قد صرح وأكد لجريدة «كومبا» الفرنسية في اليوم الموالي من نزوله «على عزمه الالتحاق بالريف أو أي بلد آخر لمواصلة النضال وأن إقامته بمصر مؤقتة ومرتبطة بحالته الصحية)59(.
هكذا كانت البداية الأولى لتعامل اللاوطنيين مع مولاي محند وحاشيته، لترك مولاي محند يحدثنا بنفسه عن هذا الموضوع، يقول: "لما عدت من المستشفى إلى القاهرة استقبلوني (المتآمرون المغاربة) بنفس العناق ونفس الأحضان التي استقبلوني بها على ظهر الباخرة، وسريعا حشرونا في منزل قريب من مكتبهم (يقصد مكتب المغرب العربي) وهو مكان ضيق لا يتسع للأسرة التي يزيد أفرادها عن أربعين شخصا- وبسبب رطوبة المكان- تعرضت الأسرة بكاملها إلى مرض جماعي، وإذا كنا قد حرمنا من الاتصال بالعالم الخارجي ونحن في جزيرة لارينيون نظرا لبعدنا عن المعمورة، ولأننا تحت رقابة الأعداء التقليديين وهذا أمر طبيعي، فإننا في هذا المنزل أصبحنا محرومين من الاتصال بالخارج أيضا نظرا للحصار الذي ضرب علينا من طرف من عانقونا بالأمس ورحبوا بنا» (60)، هذا عن الحصار الذي ضرب على مولاي محند وحاشيته، أما فيما يخص معاش مولاي محند وأسرته، فإن اللاوطنيين استغلوا حاجياتهم وبدأوا يرتزقون ويطلبون الأموال من شخصيات كبيرة ومنظمات دولية بدعوى تخصيصها لإعالة مولاي محند وأسرته، وبطبيعة الحال استفاد اللاوطنيون من تلك المساعدات التي كانت تأتيهم على وجه الخصوص من تركيا والعراق والسعودية وسوريا وجمعية الإخوان المسلمين بمصر... حيث كان لها ابن عبود بالمرصاد، إذ لسوء الحظ كان هو المكلف باستقبال تلك المساعدات والمبالغ المالية التي كانت مخصصة لمولاي محند، وقد أورد في هذا الصدد ميس ن رحاج سلام أمزيان في مذكراته التي سبق أن أشرنا إليها في فصل سابق أن ابن عبود لم يكن يعطي لمولاي محند من تلك المبالغ التي كانت تصل إليه إلا القليل جدا منها وفي مرات عديدة يأخذها بكاملها، كما سنبين ذلك من خلال بعض الأمثلة والنماذج المأخوذة من مذكرات ميس ن رحاج سلام أمزيان كما يلي:
-أخذ ابن عبود من مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني 500 جنيه فأكلها.
- استلم من السفارة التركية 2000 جنيه أخذها.
- تلقى مكتب «المغرب العربي» المنضوي تحته طبعا ابن عبود 1000 جنيه من السفارة التركية فاختلسها هو وجماعته.
المهم أن مجموع المبالغ المالية التي كانت ترسل إلى مولاي محند في الأيام الأولى من نزوله في مصر، تزيد عن 6500 جنيه مصري، لكن مولاي محند لم يتسلم منها إلا 65 جنيها فقط، أما الباقي فقد سرقها ابن عبود وجماعته حسب مدكرات ميس ن رحاج سلام أمزيان.
ليس غريبا أن لا يعرف مولاي محند أنه كانت تأتيه مساعدات من الخارج مادام أنه كان تحت الإقامة الإجبارية، لكن حينما جاء إليه التونسي الحبيب ثامر ليسلمه مبلغا ماليا، أخبره أنه جاءته أموال من السعودية سابقا، والتي لم يتوصل بها مولاي محند طبعا. فعرف أن ابن عبود وجماعته استحوذوا عليها، وفي الموضوع نفسه أورد ميس نرحاج سلام أمزيان أيضا أنه جاءهم مسؤول من الحكومة المصرية يسألهم: لقد خصصت الحكومة مبلغ 2000 جنيه في الشهر لهذه الأسرة فهل تكفي؟ لكن ابن عبود رفض وأجاب بسرعة لا... لا داعي لذلك فهم يعيشون بالكفاف وليسوا مثلنا.
ثم قال لهم المسؤول المصري: لقد وضعت الحكومة المصرية رهن إشارة هذه العائلة سيارتين، فهل تكفي؟ قالوا له: لا..لا .. إنهم ليسوا بحاجة للسيارة كمثلنا...
لقد عرض ملك مصر فاروق الذي كان يزور مولاي محند باستمرار بدون رسميات عليه مبلغا ماليا كبيرا يقدر بمليون دولار مقابل تزكيته كأمير للمؤمنين غير أن مولاي محند رفض هذا العرض رفضا شديدا طيلة الخمس سنوات التي قضاها في حكم فاروق وقال له «إنك لا تصلح لها» (61). وعن هذا الموضوع تقول نجلة مولاي محند، عائشة الخطابي: «بقي (والدي) وفيا لمبادئه لا تأخذه فيها لومة لائم، وحين منحه الملك فاروق مبلغا ماليا كبيرا يقدر بمليون دولار لكي يوقع على تزكيته كأمير المؤمنين، رفض وقال له أنت لا تصلح لها»(62). وعلاوة على محاولة المصريين استغلال مولاي محند سياسيا ودينيا، حاول كذلك رجال الحركة اللاوطنية استغلاله كورقة ضغط ضد اسبانيا وفرنسا، حيث كانوا يروجون بين الفنية والأخرى إشاعات مفادها أن عودة مولاي محند إلى الريف قريبة، يقول الطريس «فلذلك أرى لزاما استغلال ذلك النزول أتم استغلال وليكن الاستغلال على أساس الإشاعات بين حين وحين أنه سيأتي إلى المغرب واستدعاء الهيئات له وجعله على الدوام أمام الاسبانيين بالخصوص الشخص المرجو لحمل راية الانتفاض عليهم» (63). وبطبيعة الحال كانوا يهدفون من ذلك الضغط على الاستعمار الإسباني على وجه الخصوص، من أجل أن يسارع في التفاوض معهم حول مستقبل الريف بغية حصولهم في أسرع وقت ممكن على مراكز ومناصب سياسية كبيرة بالمنطقة الريفية.
بـ : مولاي محند بين «مكتب المغرب العربي» و»لجنة تحرير المغرب العربي»:
(لقجيري محمد lakjiri@yahoo.fr)

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.