uïïun  117, 

ynyur

  2007

(Janvier  2007)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

zg "tayunt di tuggut" vur "tuggut di tayunt"

Dwer d a mmi ynu

Alghu

Taxertilt n amedyaz

Ameksa

Tayri

Aters

Afulki n tamazirt inu

Tmsaman jar ass d aytmas

Kker a yazilal

Français

La religion de Tertullien

Faut-il déclarer un armistice?

Fatima Mallal

Hommage à Sakkou

Condoléances à M.Chafik

Communiqué du collectif Azayku

Intervention du président du CMA

Solidarité du CMA

Prix du film amazigh

Le rapporteur des N.U  reçu par Tamaynut

العربية

ليركام أو عهد "العالم الأمازيغي" في دولة عربية

مدرستي الحلوة

أمازيغية ليركام

الأمازيغ والأكراد

مغاربة فغي خدنة فرانكو

مولاي محند والحركة الريفية

المغرب وسؤال الهوية

كفانا من أساطير القومية العربية

مكانة المرأة الأمازيغية

المسرح الأمازيغي وسؤال التجديد

حوار مع كامرا ن آيت سعيد

الفلاحون بدون أرض في تارودانت

كتاب رسالة الحياة

تعزية للأستاذ محمد شفيق

بيان الحزب الديموقراطي الأمازيغي

الأمازيغية والدستور

بيان هرهورة

نشاط ثقافي لجمعية أسيكل

بيان المجلس الوطني للمريك

بلاغ جمعية إكيدار

يوم الشهيد الريفي

دعوة لحماية أهالي زوارة بليبيا

بيان ح.م. لطلبة وجدة

بيان تنسيقية ح.م بالجامعة

تصريح الشبكة الأمازيغية

 

مولاي محند والحركة الريفية

 (الجزء السادس)

بقلم: القجيري محمد

 

لكن ما يعاب على تصريحات وأقوال مولاي محند منذ نزوله في مصر هو بعدها القومي العربي، فمعظم التصريحات المنسوبة إليه تحمل توجهات عروبية متطرفة. ففي تصريح له في جريدة الأهرام المصرية مثلا قال فيه بالحرف الواحد: «إن اسبانيا وفرنسا على اختلاف ساستهما، متفقتان على المغرب العربي بتنسيق خطتهما، ومواصلة العمل للقضاء على العروبة والإسلام في هذه البلاد(...) إنني أعلن أن الشعب العربي في تونس والجزائر والمغرب، مصمم على أن يواصل الكفاح إلى أن يحقق حريته الكاملة واستقلاله الناجز» (86). وفي حديث آخر هو عبارة عن بيان يحمل اسمه وتوقيعه حول الوضعية السياسية في تونس بتاريخ 12 يوليوز 1951 ألح فيه الحزب الدستوري التونسي الجديد والأحزاب المغاربية الأخرى إلى»الرجوع إلى ميدان الكفاح الصحيح على أساس المبادئ الاستقلالية التي أقرتها اللجنة (ومنها المبدآن الأول والثاني الخاص بالعروبة المفرطة) وارتبطت بها الأحزاب في كافة أقطار المغرب العربي» (87). سنكتفي بهذين المثالين المأخوذين من كتاب محمد أمزيان «محمد عبد الكريم الخطابي آراء ومواقف 1926-1963» والذي يحتوي على العديد منها، وكلها تنم عن نزعة عروبية مفرطة. لكن الملاحظ في مثل هذه التصريحات والبيانات المنسوبة إلى مولاي محند والمثيرة للاندهاش هو أنها تنافي وتناقض ما كان يؤمن به مولاي محند قبل سنة 1947 ولا تمت بصلة لأفكاره أيام جمهورية الريف الأمازيغية. وإذا كانت فعلا صحيحة من عند مولاي محند فإن هذا أقصى الاستلاب والخيانة للشعب الريفي الأمازيغي. غير أن ما يثير الانتباه فيما نسب إلى مولاي محند في الصحافة المصرية والعربية هي أنها متناقضة شيئا ما بالمقارنة مع تصريحاته للصحافة الفرنسية والغربية بشكل عام التي لا تحتوي على توجهات عروبية كما هو الشأن في الصحافة العربية، بل أمازيغية وإفريقية إلى حد ما، فتمازغا كان يسميها دائما بشمال افريقيا والمسماة «لجنة تحرير المغرب العربي» كان يسميها عادة «بجبهة تحرير شمال إفريقيا « كما نجد فيه أيضا تسميات أخرى لا تمت بصلة لأفكار العروبة من قبيل شعب الريف، شعب شمال إفريقيا، أهل إفريقيا، دول إفريقيا.. وغيرها من التسميات الأخرى التي تنم عن قومية ريفية وتمازغوية عكس الصحف المصرية والعربية التي كل التصريحات المنسوبة إلى مولاي محند فيها تحمل في طياتها توجهات وإيديولوجيات عروبية عنصرية متطرفة، فشمال إفريقيا تسمى بالمغرب العربي، وشعب تمازغا بالشعب العربي في المغرب العربي، كما تضاف كلمة عرب قبل أي دولة أمازيغية مثل عرب المغرب، عرب تونس.. وهذا إنما يؤكد أن مثل هذه التصريحات المنسوبة إلى مولاي محند ليست من عنده وغير صحيحة وإنما هي محرفة والدليل على ذلك أن مولاي محند كان يسمي شرق تمازغا في جنوب الريف بمراكش وليس بالمغرب أو عرب المغرب.

أما بالنسبة لجرائد وصحف الحركة الإسلاموية فعند تصفح وقراءة هذه الجرائد نجد تصريحات منسوبة إلى مولاي محند كلها تحمل أبعادا وأفكارا سلفية إسلاموية عروبية ويظهر فيها مولاي محند كأنه أحد كبار والمنظرين للحركة البودكازية الإسلاموية.

ومما لاشك فيه أن مثل هذه التصريحات المنسوبة إلى مولاي محند كانت تحرفها الصحافة المصرية وتضخم من كلام مولاي محند في إطار سياستها وتوجهاتها وإيديولوجيتها وفي علاقة بهذا الموضوع يقول عبد الله غلفان إن «الصحف المصرية كانت بدورها تعطي لتصريحات ابن عبد الكريم أبعادا إيديولوجية وسياسية خدمة لمكانة وشهرة الجامعة العربية» (88). ويمكننا أن نستنتج بعد ذلك أنه حتى المقالات والبيانات التي تحمل اسم و توقيع مولاي محند كانت العديد منها تحرف حسب أهواء وتوجه صاحب المنشور أو من كان يعيد كتابتها. وأكثر من هذا كانت معظم تلك المقالات والبيانات المنسوبة إلى مولاي محند يحررها أشخاص من اللجنة وبعض من كتاب مولاي محند ولم يكن هذا الأخير هو الذي يحررها كما نفهم من كلام محمد أمزيان الذي أطلع على العديد مما نسب إلى مولاي محند يقول: «إن الملاحظ في أسلوب تحرير المقالات والبيانات الموقعة من طرف الأمير، تختلف حسب اختلاف أسلوب المحررين، والمعروف أن الأمير غالبا ما كان يوقع فقط» (89) وتجدر الإشارة هنا إلى أن نجل مولاي محند «العرخزني» سعيد الخطابي رفض أن ينسب لأبيه وثيقة هي عبارة عن رسالة تحمل اسم وتوقيع مولاي محند موجهة إلى جمال عبد الناصر، تميزت بالهجوم الشرس على النظام المخزني وتنم عن نزعة قومية عربية مفرطة جدا، عندما أوردها زكي مبارك في ندوة عالمية نظمت بروتردام ما بين 9و 10و 11 نوفمبر 2001 تحت شعار «عبد الكريم الخطابي: شخصية القرن» التي نوقشت فيه الجمهورية الريفية بدون قيود.

إن كل ما أوضحناه أعلاه، لا يعني أننا سنصدق أن كل ما نسب إلى مولاي محند قد حرف أو أنه لم يعتنق العروبة ولم يصرح بها، بل نرجح أنه قد صرح بها في مرات عديدة ودافع عن القومية العربية لكن في ظروف خاصة وصعبة يستحيل فيها أن يعارض العروبة أولا يصرح بها لما سيكون ذلك من عواقب وخيمة على حياته ومشروعه التحرري. إذن بفضل خصوصية الظرفية السياسية آنذاك بمصر، تمكنت السلطات المصرية من استقطاب مولاي محند واستغلاله في مشروعها السياسي العروبي التوسعي والدعاية لخطابها القومي العربي في تمازغا. وطبعا هذا لا يدفعنا من منظور آخر إلى استنتاجات وتعليقات سريعة حول أفكاره التحررية النابعة من جبال الريف الأمازيغية، في غياب أدلة قاطعة لاسيما فيما يتعلق بشريط صوته عندما كان يعطي التصريحات للصحافة المصرية أو عندما كان يتحدث في الإذاعات المصرية وخاصة في «صوت العرب» وأيضا في القنوات والإذاعات الدولية.

من هذه الإشارة قد نتفق مع عبد الله غلفان حينما قال: «إن طابع الارتجال والظرفية الذي ميز تصريحات عبد الكريم للصحافة يجب أن لا يدفعنا إلى استنتاجات سريعة وخاطئة حول أفكاره(...) تفاديا للمغامرة في غياب الوثائق اللازمة»(90). لكن ما وصلتنا من معلومات حتى يومنا هذا لا تجعلنا نتحمس أن فكر مولاي محند ومعتقداته وقناعته كانت نابعة من الفكر الأمازيغي بل هي عروبية حتى النخاع استنادا للوثائق والنصوص التي نشرت وألحقت بالبحوث، رغم أن هذه الوثيقة التاريخية كما قال عنها زكي مبارك إنه «تظل روح وقلب الكتابة التاريخية وماهيتها لكنها لا يعني أنه يجب التصديق الكلي بما تتضمنه هذه الوثائق والنصوص» (91).

ج: مولاي محند وجيش التحرير بين الميلشيات الحزبية والمناورات المصرية:

بعد الإطاحة بالملك فاروق، آخر ملوك مصر في يوم 23 يوليوز 1952 وقيام الثورة الناصرية الدموية باستيلاء المستبد جمال عبد الناصر على الحكم بعد حكم محمد نجيب، الرئيس الأول للجمهورية المصرية الفرعونية أصبحت تحركات مولاي محند النضالية شبه منعدمة وتحت أعين ومراقبة المخابرات والسلطات المصرية، ولم يكن بإمكان مولاي محند أن يقوم بأي نشاط سياسي ونضالي ما لم يكن خاضعا ومقبولا من طرف السلطات الناصرية، وهذا ما لم يكن يقبله مولاي محند ويطيقه وقد أدى به الوضع إلى انتقاد السياسة المصرية ومعارضة حكم عبد الناصر عن طريق التصريحات التي كان يدلي بها للصحافة المعارضة والمناهضة للنظام الناصري يشكو فيها من سوء الوضع الذي أصبح يعيشه في مصر بعد أن تغيرت الأحوال السياسية في عهد عبد الناصر وضاقت فيها مساحة الحريات العامة خاصة فترة إبادة عبد الناصر لجماعة الإخوان المسلمين، والجدير بالذكر هنا أن فترة حكم عبد الناصر تميزت بعدة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من نفي واختطاف واغتيال لكل المعارضين للنظام الناصري الديكتاتوري.

وأمام هذا الوضع الجديد أي فترة انفراد عبد الناصر بالحكم في عام 1954 ودخول مصر مرحلة الحكم الشمولي الاستبدادي وبداية فترة الهيجان الناصري الدموي، وهستريا الاشتراكية العربية المزعومة –في حقيقة الأمر الامبريالية العربية- حاول مولاي محند في كثير من المرات الهروب إلى الريف حيث كان قد وضع مخططا يهدف إلى العودة إلى الريف وقيادة الثورة من جديد بعد أن يئس من الأوضاع الصعبة والعصيبة التي أصبح يعيشها في مصر وبعد أن يئس أيضا من التعامل مع الأحزاب المغاربية التي خانته ونصبت عليه في مصر.

لكن للأسف الشديد وسوء الحظ لم ينجح المخطط لعدة أسباب خارجة عن إرادة مولاي محند، الشيء الذي جعله يتصالح مع عبد الناصر ويطلب منه المساعدة لمواصلة النضال لتحرير كافة بلدان شمال إفريقيا وقيادة الثورة مرة أخرى من مصر، لكن هذه المرة عن طريق الكفاح المسلح. وبعد مفاوضات ومباحثات بين مولاي محند وعبد الناصر وافق هذا الأخير على إمداده بالسلاح لكن شريطة أن تكون القيادة تحت أوامره وتوجهاته، وهذا ما لم يكن باستطاعة مولاي محند أن يرفضه ويعارضه. وهكذا لم يلبث مولاي محند أن واصل العمل على إعداد وتكوين جيش التحرير من مقاتلي شمال إفريقيا، الذي كان قد ابتدأه منذ سنة 1948 بعد فشل لجنة تحرير المغرب اللاعربي، والذي أراده أن يكون بديلا عن اللجنة. وهذا ما لم تقبله الحركة اللاوطنية المغاربية التي كانت ترى أن ظهور جيش التحرير على الساحة سيسحب البساط من تحت أقدامها وهو الشيء الذي جعلها تكثف من نشاطاتها السياسية مع القيادة المصرية في القاهرة بغية الحصول هي على السلاح والمال بدل جيش التحرير. وفي ظل هذه الظروف التاريخية بالذات المتسمة بعدم الثقة بين مولاي محند والأحزاب المغاربية، عقدت هذه الأخيرة سلسلة من المباحثات والاجتماعات مع المخابرات المصرية، ويبقى أهمها الاجتماع الذي عقد في يوم 11 يناير 1955 بمنزل فتحي الديب المسؤول المصري في جهاز المخابرات المصرية. ولعله من المفيد هنا إدراج الأسماء التي حضرت الاجتماع كما ذكرهم فتحي الديب في كتابه «عبد الناصر وثورة الجزائر». فعن الجانب الجزائري حضر اللقاء كل من أحمد بن بلة ومحمد بوضياف والعربي بوالمهيدي وحسين آيت إيدر وعن مراكش (المغرب) حضر اللقاء كل من علال الفاسي وعبد الكبير الفاسي وعلاوة على هؤلاء المتحزبين المغاربة حضر اللقاء عدد من رجال المخابرات المصرية المسؤولين عن التنسيق بين القيادة المصرية والأحزاب المغاربية وفي مقدمتهم فتحي الديب والضابط سليمان وعبد المنعم النجار، وهذا الأخير هو ملحق عسكري بالسفارة المصرية في اسبانيا وأيضا مكلف بمراقبة ومتابعة التحركات المغاربية. وطبعا هذا الاجتماع خرج بعدة توصيات أهمها: إمدادا الجانبين المغربي والجزائري بالسلاح وبالدعم المالي للأحزاب المغاربية بمساهمة المسماة الجامعة العربية مقابل مصالح مصرية وعربية في تمازغا كما نص الاجتماع أيضا على توحيد النضال وتوجيه جيش التحرير للسياسة العربية القومية وانضمام دول تمازغا إلى المسماة دول الجامعة العربية بعد نيل هذه الدول الأمازيغية استقلالها.

وبعد انتهاء هذا الاجتماع واجتماعات أخرى بين مولاي محند والأحزاب المغاربية والقيادة المصرية أرسلت هذه الأخيرة باخرة «دينا» محملة بالسلاح إلى شرق تمازغا، وفي الوقت نفسه طار الاستقلالي عبد الكبير الفاسي إلى مدريد في ظروف أقل ما يقال عنها إنها جد غامضة وتحتاج إلى مزيد من البحث والتقصي سيما وأن عبد الكبير الفاسي كان مقبولا من طرف الديكتاتور فرانكو، وما يزيد من الغموض أكثر في رحلة الفاسي إلى مدريد المثيرة للشبهات والتي تشبه إلى حد ما رحلة الطريس وابن عبود إلى مدريد كذلك عندما كانا يخططان لإنزال مولاي محند في مصر، هو هل كان عبد الكبير الفاسي على علاقة بالمخابرات الاسبانية وأخبر الجنرال فرانكو بتفاصيل إرسال باخرة «دينا» من مصر إلى الريف، أسئلة كثيرة أخرى تبقى عالقة دون أجوبة مقنعة عن التحرك السريع للفاسي من القاهرة إلى مدريد ثم الناظور وبالضبط إلى ميناء «قابو ياوا» (رأس الماء) في إكبدانن مكان إنزال السلاح. وفي سياق نتائج هذه الرحلة، لا نستبعد أن يكون فرانكو قد تواطأ فعلا في عملية إنزال السلاح في الريف مثلما تواطأ في عملية إنزال مولاي محند في مصر طبعا مقابل أن يستعمل هذا السلاح ضد مصالح فرنسا فقط، سيما وأن هذه الأخيرة كانت تهدد مصالح ونفوذ إسبانيا في منطقتي الريف والصحراء الأمازيغيتين.

ومهما يكن من أمر، المهم أن باخرة «دينا» وصلت بأمان إلى ميناء «قابوياوا» لكن بمجرد أن رست فيها استولت الأحزاب المغاربية على السلاح ولم يحصل جيش التحرير الريفي إلا على القليل جدا، ليكتفي بذلك بالسلاح الذي غنمه من حرب الريف. وفور حصول هذه الأحزاب السياسية على السلاح أنشأوا ميليشيات مسلحة تابعة لأحزابهم، وهكذا أصبح كل حزب سياسي له جناح عسكري. ففي الجزائر أسس حزب جبهة التحرير الوطني جناحا عسكريا تابعا له أطلق عليه «جيش التحرير الوطني» وفي المغرب أصبح حزب الاستقلال شبه عسكري كما أسس بعض الأشخاص المتحزبين وعددهم في البداية خمسة وهم كالتالي عبد الكريم الخطيب والحسين برادة ومولاي الغالي العراقي وحسن صفي الدين واسعيد بونعيلات، تنظيما مسلحا أطلقوا عليه بدون حياء ولا حشمة «جيش التحرير». لكن في حقيقة الأمر هو جيش التخريب كما أسماه مولاي محند ومحمد سلام أمزيان في كتاباتهم غير المنشورة.

أول شيء قام به مولاي محند بعد وصول خبر إنزال السلاح في الريف وتقسيمه بين المغرب والجزائر –طبعا كان مولاي محند يعتقد أن جيش التحرير قد أخذ حصته الكاملة من السلاح- هو الإعلان عن قيام الثورة المسلحة في تمازغا وتفجير الصراع والمقاومة المسلحة في وقت واحد بغية تشتيت القوات الاستعمارية الفرنسية عبر كافة بلدان شمال إفريقيا حتى يصعب عليها مواجهة قوات جيش التحرير وكانت هذه الخطة المدروسة بعناية فائقة قد وضع معالمها مولاي محند في الخامس من شهر مارس عام 1948 وسماها «خطة حرب التحرير». وعن توقيت هذه الخطة يقول أحمد بن بلة: «أما توقيت بدء الثورة الجزائرية (والريفية طبعا) فقد تم تطبيقا لتوصيات زعيم الثورة الريفية محمد بن عبد الكريم الخطابي لقادة حركات تحرير «المغرب العربي» بتوحيد مقاومتها للاستعمار الفرنسي في وقت واحد بهدف إرغام فرنسا على توزيع قواتها العدوانية عبر مساحة شمال إفريقيا الشاسعة كلها، وهو ما يستحيل عليها مواجهته» (92)

إذن بهذه الطريقة اندلعت الثورة المسلحة في شمال تمازغا وبالضبط في جبال جنوب الريف وشمال الجزائر بجبال القبايل والتخوم المحيطة بها، وأروع ما في هذه الثورة هو التنسيق المحكم بين امازيع ثوار الريف وأمازيغ ثوار القبايل طبعا طبق «خطة حرب التحرير» التي ألهمها مولاي محند وكانت البداية الأولى لاندلاع معارك جيش التحرير في أوائل أكتوبر سنة 1955 في منطقة إكزناين المعروفة بمثلث الموت أكنول- بورد- تيزي وسلي، التي تزامنت مع ثورة القبايل ووهران في 2 أكتوبر من نفس السنة. وجاءت هذه الثورة بعد أزيد من 120 سنة على احتلال الجزائر في سنة 1830 وبسبب هذه المدة الطويلة من الاحتلال كانت تسمى الجزائر إذاك بالمقاطعة الفرنسية في إفريقيا.

وفيما يخص جيش التخريب أو على الأصح ميليشيات التخريب لأنه لم يكن هناك جيش بالمعنى الحقيقي للكلمة بل مجموعة من الأشخاص المتمخزنين والمتحزبين خاصة من حزب الاستقلال أسسوا تنظيما مسلحا في تطوان وأطلقوا عليه قسرا جيش التحرير طبعا لمنافسة جيش التحرير الحقيقي في مثلث الموت وتأسيس هذه الميليشيات الحزبية المخزنية لم تكن الغاية منها هي محاربة الاستعمار الاسباني والفرنسي بل جاء لأجل محاربة جيش التحرير والدفاع عن النظام المخزني وخطف واغتيال كل معارض للنظام العلوي وللحركة اللاوطنية وخلال تلك الفترة السوداء من تاريخ الزوايا السياسية المغربية ظهرت عدة تنظيمات انتحارية في المثلث النافع (فاس-الرباط- البيضاء) وهي تشبه إلى حد ما المنظمات الإرهابية الموجودة حاليا بالعراق في كل ما يتعلق بممارسة التخريب وقتل المدنيين المغاربة والأوربيين على السواء وكل من ناهض وعارض سلطان الحركة اللاوطنية. وفيما يخص بعض تلك المنظمات الانتحارية أو الفدائية كما تسمى في كتب المخزن والحركة اللاوطنية نجد في مقدمتهم «المتطوعين»، «المنظمة السرية»، «حركة المقاومة المغربية»، «الهلال الأسود»، «أنصار الحق»، «أسد التحرير» ، «اليد السوداء»، «اليد الحمراء» ... وهذه الأخيرة هي التي اغتالت النقابي والعمالي فرحات حشاد في شهر دجنبر سنة 1952، ومن لم يعرف فرحات حشاد فهو أحد النقابيين البارزين في تونس أسس «الاتحاد العام التونسي للشغل» سنة 1946، وقتل في الدار البيضاء.

صحيح أن معظم أعضاء جيش التخريب ينحدرون من هذه المنظمات المذكورة أعلاء، التي تدخل ضمن ما يسمى «بالمقاومة المسلحة الحضرية» إلا أنه لم يقم بأي هجوم مسلح على الاستعمار، بل فقط على أعضاء جيش التحرير، وفي علاقة بهذا الموضوع يقول محمد سلام أمزيان قائد انتفاضة الريف لسنة 1959 إن «جيش التحرير الحقيقي حمل البندقية في وجه الفرنسيين وهدد الأسبان ولم يستطع علال الفاسي أن يقضي عليه. مقابل ذلك أسس جيش التخريب لمواجهة جيش التحرير الحقيقي. نزل جيش التخريب إلى الميدان، لكن ليس لمحاربة المستعمر، بل لقتل أعضاء جيش التحرير. فالرؤساء المباشرون لجيش التخريب هم عمال الأقاليم، منهم منصور عامل إقليم الحسيمة، وفي المجموع كانوا خمسة. استعملوا أسلوب الاختطاف والاغتيال» (93).

وزيادة على هؤلاء، كان هناك أيضا أقطاب ورموز من حزب الإصلاح الوطني وحزب الاستقلال الذين استعملوا نفس الأسلوب تجاه أعضاء جيش التحرير وفي مقدمة هؤلاء عبد الخالق الطريس وعلال الفاسي والمهدي بن بركة والفقيه البصري واللائحة طويلة. إذن بهذا الشكل كان تعامل اللاوطنيين مع أعضاء جيش التحرير بعد أن وهموا مولاي محند في مصر أن حصولهم على السلاح من باخرة «دينا» سيوزعونه بين أعضاء جيش التحرير لكنهم سلحوا أحزابهم وميليشياتهم طبعا لمحاربة جيش التحرير وكل من تشم فيه رائحة علاقته بمولاي محند وبقادة جيش التحرير، وفي سياق هذا الموضوع يقول محمد سلام أمزيان «في الوقت الذي انطلق فيه جيش التحرير كان عبد الكريم الذي ساهم في تأسيه ويؤيده بيمنا كان حزب الاستقلال يحاربه ويحطمه» (94) وفي نفس السياق لا بأس أن نذكر هنا أيضا ما أورده الكولونيل الهاشمي عبد السلام الطود الذي كان قد كلفه مولاي محند في مصر بالذهاب إلى شمال إفريقيا لطلب المساعدة من الأحزاب المغاربية، يقول الطود في شهادته في ندوة «محمد بن عبد الكريم الخطابي وقضايا مغرب اليوم» التي نظمت بتمارة بتاريخ 5 فبراير 2005 وبمبادرة من «المجموعة المغاربية للبحث في تاريخ محمد بن عبد الكريم الخطابي» قائلا: «لقد أصبت بخيبة أمل كبيرة حينما اجتمعت مع قادة حزب الاستقلال الذين كانوا مجتمعين بمقر جريدة العلم قصد الحصول منهم على دعم لوجستيكي يخص توفير المسكن والمأكل لبعض الأفراد من المتطوعين في جيش التحرير -ثم يضيف ويقول– لقد هددوني إن عدت إليهم مرة أخرى وطردوني شر طرد من مقر الاجتماع رغم علمهم أني مبعوث شخصي من الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي». لاشك أن تعامل اللاوطنيين كان بهذا الشكل مع كل من له علاقة بمولاي محند أو يحمل أفكاره، وأكثر من هذا كانوا في مرات عديدة يختطفونهم ويعذبونهم في زنازنهم الجهنمية، الذين لم يستثن منهم حتى الصحافيين والإعلاميين كما حصل مع المختطف الصحافي عبد السلام الطود، وعن هذا الموضوع يقول محمد سلام أمزيان إن عبد السلام الطود «اختطفه حزب الاستقلال، عذبه الطريس والمهدي بن بركة، كانوا يعذبونه وهم يتفرجون عليه(...) كان هناك المختطفون كلهم، يتعذبون بحضور الطريس، بنونة، والمهدي بن بركة، كانوا يعذبون كل من اتصل بعبد الكريم الخطابي وعبد السلام الطود كان يصدر جريدة المغرب الحر وكان ينشر في الصفحة الأولى نداءات عبد الكريم وتنديده بجريدة الأمة التي كان يديرها الطريس(95). ومما لاشك فيه أن الأحزاب المغربية المسلحة كانت تعمل لصالح السلطات الاستعمارية التي كانت هذه الأخيرة تعلق عليهم آمالا كبيرة في إيقاف المد المسلح في مراكش (المغرب) والريف.

وعن عمالة الأحزاب المغربية للاستعمار، يقول إدغار فور، الوزير الأول لفرنسا في حكومة «جوزيف لاييل» الذي نفي في عهده محمد الخامس إن «اتصالات بيير جولي بالمعتدلين من المغاربة تؤكد أن هؤلاء لا زالوا يمنحوننا ثقتهم وهم يضاعفون من تعليماتهم إلى أتباعهم حتى يمتنعوا عن القيام باضطرابات في المراكز الحضرية الكبرى حيث كان تأطيرهم لها متينا، كما كانوا يتحفظون بالنسبة لبعض المناطق الريفية التي أبعد عنها مناضلوهم الرئيسيون وبقي المحرضون يتجولون فيها بدون رقيب»(96). وفي الإطار نفسه، يقول إدغارفور عندما كان يتحدث عن الأحداث الدامية والمأسوية التي شهدتها منطقة وادي زم والمناطق المحيطة بها في يوم 20 غشت 1954 والتي ذهب ضحيتها العديد من القتلى المغاربة قائلا: «وهكذا سينخرط الوطنيون (طبعا المؤيدون لفرنسا والأوفياء لمحمد بن يوسف حسب تعبيره) في اللعبة كما سنعترف بذلك فيما بعد، ولو كان الأمر بيدهم لما حدث أي شيء مما حدث يوم 20 غشت، وبالفعل فقد توصلوا إلى توقيف الإرهاب الحضري ليس مدة هذا اليوم بالذات فقط بل وللأيام التالية -ثم يضيف ويقول- لقد اعترف القائد العسكري لمنطقة الرباط أنه لولا تلك المساعدة (من اللاوطنيين) لحدثت انتفاضة واسعة جدا» (97).

كان هذا بعض ما جرى في بداية الخمسينات وبعض الدسائس التي حيكت ضد جيش التحرير من طرف شرذمة اللاوطنيين و مليشياتهم المسلحة المتعاونة مع الاستعمار. أما فيما يخص موضوعا آخر، ويتعلق اللأمر هنا بتأثير القيادة المصرية على جيش التحرير فمعلوم أن تأسيس جيش التحرير في تمازغا كان بدعم ومساندة القيادة المصرية وخاصة من طرف جمال عبد الناصر الذي كان يدعمه بالمال والسلاح وأيضا سياسيا في مقابل مصالح له في شمال تمازغا وأيضا اعتقادا منه أنه عندما سيحرر جيش التحرير شمال إفريقيا ستصبح هذه الأخيرة تابعة للسياسة المصرية العربية، ومن ثمة دخول كافة بلدان شمال إفريقيا إلى مشروعه العربي القومي الوهمي المتمثل في بناء دولة عربية كبرى من المحيط الأمازيغي إلى الخليج الفارسي. وطبعا كان هذا هو الدافع الحقيقي الذي جعله يدعم جيش التحرير ماديا وسياسيا وايديولوجيا، وفي إطار مساعي عبد الناصر لتحقيق حلمه الوهمي أرسل العديد من العملاء والجواسيس إلى شمال تمازغا بغية نشر خرافات القومية العربية في شعب تمازغا وتوجيه جيش التحرير للسياسة العربية القومية، وأيضا بهدف استمالة التنظيمات المغاربية الأخرى إلى خندقه العروبي وتنصيرها (من عبد الناصر) بالإيديولوجية العربية الناصرية، وكان في مقدمة هؤلاء العملاء والجواسيس عاطف عبده سعد الذي أرسله عبد الناصر إلى الريف في شهر غشت 1955 ليكون عينا له هناك ويعمل بجانب فتحي الديب والعقيد عبد المنعم النجار وهما من رجال المخابرات المصرية من المستوى الرفيع المكلفين بالتنسيق بين جيش التحرير والأحزاب المغاربية والقيادة المصرية، وإرسال العميل عاطف عبده إلى شرق الريف كان تحت ستار مراسل جريدة «الجمهورية» التابعة للنظام الناصري، الذي حدد له هذا الأخير عدة مهام كلها تهدف إلى توجيه جيش التحرير والأحزاب المغاربية إلى السياسة العربية الناصرية. ومن أهم هذه المهام، الذي كلف بها العميل عاطف عبده سعد:

- العمل كضابط اتصال بين القيادة المغربية والجزائرية في إطار توجهات وأوامر السلطات الناصرية.

- تقديم الاستشارة لقادة جيش التحرير والأحزاب المغاربية في كل ما يتعلق بالثورة والسياسة التي يجب اتباعها.

- الإشراف على توزيع المساعدات القادمة من مصر على كل من يواليهم في سياستهم.

- مراقبة توجهات جيش التحرير وموافاة القيادة المصرية بكل المعلومات عن تحركات جيش التحرير والأحزاب المغاربية.

إذن بهذا الشكل أصبح للقيادة المصرية أعين لها في عين المكان وتراقب جيش التحرير بشكل جيد ومستمر، وبموازاة لذلك عقدت عدة اجتماعات ولقاءات مع جيش التحرير في القاهرة بغية التأثير على أفكارهم وتوجهاتهم بشكل مباشر. وطبعا كما العادة كانت هذه الاجتماعات يشرف عليها رجال المخابرات المصرية وعلى رأسهم فتحي الديب صديق علال الفاسي، وقد حضرا إحدى هذه الاجتماعات عباس لمساعدي الذي كان يمثل جيش التحرير في الريف وعبد الكريم الخطيب والمهدي بن عبود اللذان كانا يمثلان جيش التخريب في تطوان، وطبيعي أن يستغل المصريون فرصة تواجد أولئك المغاربة في مصر للضغط عليهم والتأثير على أفكارهم وتوجهاتهم بهدف استمالتهم إلى أطروحة الثورة الناصرية ومن ثمة تصدير أفكار الثورة الناصرية إلى شمال إفريقيا، وفي هذا السياق يقول عبد الكريم الخطيب لقد «حاولوا معي في البداية، ولما يئسوا من استجابتي، لاشك أنهم انتقلوا إلى أعضاء آخرين. ولا علم لي بما صنعوه مع عباس» (98). وما يبدو لنا مستغربا في هذا الشأن هو أن عباس لمساعدي لما عاد إلى الريف، عاد حاملا معه أفكار الثورة الناصرية ( حسب بعض الكتابات) وأن علاقته أصبحت جد جيدة مع القيادة المصرية وأنه على اتصال دائم بالمخابرات المصرية. وفي هذا الإطار المثير للاستغراب والاندهاش يقول المخرب مولاي الغالي العراقي في شهادته التي تحمل الكثير من اللبس وعلامات التعجب والاستفهام إن «عباس يقضي جل أوقاته في الناضور في الاجتماع بالجزائريين تحت رعاية عبد المنعم النجار الملحق العسكري المصري بمدريد. واتضح أنه أصبح أداة مسخرة في أيديهم. وكنت متيقنا إذاك أنه كان ينتقل سرا إلى مدريد للقاء عبد المنعم النجار الذي كان الدكتور الخطيب يحترس منه، فهو رجل مخابرات في المقام الأول»(99). إذا قلنا هنا إن شهادة الغالي العراقي ينطلق فيها من عدائه وحقده الشديد على عباس لمساعدي وعلى جيش التحرير، العدو رقم واحد لجيش التخريب الذي يعتبر الغالي العراقي أحد مؤسسيه، لا يعني هذا أننا نصدق أن عباس الأمازيغي لم يتعاون و يتعامل مع المخابرات المصرية أو أنه لم يساند أطروحة السياسة الناصرية في تمازغا، لكن فيما يتعلق بتأثيره بأفكار القومية العربية الناصرية فإننا نعتقد أن الموضوع لا يزال يحتاج إلى مزيد من التنقيب والبحث في غياب أدلة تؤكد ذلك أو عكسه. وهذا ينطبق أيضا على كبار جيش التحرير الآخرين خاصة الضباط الذين تخرجوا من المدارس والكليات العسكرية في كل من سوريا والعراق الذين كانوا يشحنون هناك بأفكار القومية العربية. وفي هذا الشأن يقول الصحفي مصطفى أعراب: «كان كبار جيش التحرير مرتبطين سياسيا بحركة التحرر العربية بزعامة جمال عبد الناصر. كان هذا الارتباط بالنسبة لكبار جيش التحرير بمثابة التزام سياسي يجمع كل المغاربيين. معظم ضباط جيش التحرير كانوا قد تخرجوا من المدارس العسكرية في كل من سوريا والعراق وكانت الخطة قد درست في إطار لجنة تحرير المغرب العربي في القاهرة» (100).

وفي إطار المناورات المصرية لتوجيه كذلك جيش التخريب لأطروحة الثورة الناصرية يقول حسن صفي الدين في جوابه عن سؤال علاقة جيش التخريب بعبد المنعم النجار الملحق العسكري المصري بمدريد قائلا: «كانت لي اتصالات به. وفهمت منذ البداية أنه عسكري يأخذ التعليمات من قيادته ويهمه المحافظة على مصالح بلاده. كان يرغب في استمالتنا لاتجاهه السياسي، لكن كانت لنا آراؤنا»(101) طبعا عروبية مخزنية وليست ناصرية.

وخلافا لجيش التخريب كانت معظم الزوايا السياسة في شمال إفريقيا تساند سياسة عبد الناصر في المنطقة. وقد عقدت مع السلطات المصرية عدة اجتماعات في القاهرة بغية إيجاد حلول لتسييس جيش التحرير الأمازيغي بالسياسة العربية وتوجيهه لأطروحة الثورة الناصرية، سيما وأن جيش التحرير لم يكن له أي توجه سياسي. فقد كان همه الوحيد هو طرد الاستعمار من البلاد، أضف إلى ذلك أنه كان يشكل أكبر قوة عسكرية وجماهيرية في شمال إفريقيا إذا استثنينا هنا القوتين الاستعماريتين اسبانيا وفرنسا.

وكان من نتائج تلك الاجتماعات المشبوهة في أمرها التي كان يشرف عليها فتحي الديب وعزة سليمان من المخابرات المصرية إصدار بيان مشترك بين القيادة المصرية والأحزاب المغاربية التي كانت تدعي وتزعم في القاهرة أنها تمثل جيش التحرير، أعلنوا فيه عن ميلاد «جيش تحرير المغرب العربي» ووضعوا له برنامجا سياسيا ينم عن نزعة عروبية واعتبروه جزء من الجيش العربي الحامي والضامن لاستمرار القومية العربية رغم أن جيش التحرير الأمازيغي كان قد مر عليه زمن طويل على ميلاده. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت كل البيانات والمنشورات التي كانت تصدرها الأحزاب المغاربية والقيادة المصرية علاوة على جيش التخريب طبعا كانت تنسب لجيش التحرير كلها وتحمل أبعادا وأفكارا إيديولوجية عروبية عنصرية، فعلى سبيل المثال منشور أصدره جيش التخريب منسوب لجيش التحرير وهو عبارة عن بيان موجه إلى أحد الضباط المغاربة في الجيش الفرنسي يطلب منه الالتحاق بجيش التخريب وهذا بعض ما جاء فيه: «حضرة الأخ العزيز الضابط الحر، تحية طيبة وبعد، تعلم كما يعلم الجميع ما قاساه إخوانك في الجنس واللغة والدين لمكافحة الاستعمار البغيض طوال 27 شهرا مضت، الاستعمار الذي أذلك وأذل إخوانك(...) بل طعنك في عاهلك وملكك المعظم سيدي محمد الخامس ظانا بأن ذلك سيمكن له الخلود والاستقرار والقضاء على عروبتك وإسلامك (...) و عليك أن تقوم بواجبك نحو أمتك، نحو دينك، نحو عروبتك، نحو إسلامك (...) وإننا باسم جيش التحرير المغربي نعدك وعدا قاطعا بضمان أحسن مركز في المستقبل»(102) وأكثر من هذا وصلت الوقاحة بمخترعي ما سمي بجيش تحرير المغرب العربي الوهمي إلى وضع شروط شوفينية عنصرية على كل الذين كانوا يتوافدون إلى القاهرة وأردوا الانضمام لجيش التحرير، وأقل ما يقال عن هذه الشروط إنها تثير الاشمئزاز وتبا على من اخترعها، وحول هذه الشروط أورد محمد حمادي العزيز (رفيق الهاشمي الطود) في مذكراته غير المطبوعة أنه عندما ذهب إلى القاهرة وأراد الانضمام لجيش التحرير أو ربما لجيش التخريب شرطوا عليه أداء القسم على القرآن الكريم لخدمة العروبة وهذا ما كتبه حمادي العزيز إن صدق قول «الأوامر التي تتعلق بهذه المهمة أصدرها لنا رئيس لجنة الدفاع شقيق وخليفة رئيس لجنة تحرير المغرب العربي في منزله، طلب منا أداء القسم بالله على نسخة من المصحف الشريف وصيغته «أقسم بالله أن أخدم المغرب والعروبة والإسلام بإخلاص»(103). مما لاشك فيه، أن الأحزاب المغاربية والقيادة المصرية حاولوا بكل الوسائل أن يفرضوا العروبة في أدبيات جيش التحرير، وأرادوا من هذا الجيش الأمازيغي أن يكون جيشا عربيا قسرا، رغم أن كل مقاتليه ينحدرون من شمال إفريقيا، أمازيغيين أبا عن جد. لقد أطلقوا عليه بدون حياء ولا حشمة «جيش تحرير المغرب العربي» وفي مرات عديدة يطلقون عليه في منشوراتهم «الجيش العربي في المغرب العربي». إذن بكل بساطة أصبح جيش التحرير التمزغاوي جيشا عريبا في أدبيات القومجين العرب وأيضا في أدبيات لقطائهم القومجين من الدرجة الثانية، إلا أن ما يثير الانتباه في هذا الجانب هو كثرة التسميات التي تطلق على جيش التحرير. فعلاوة على التسميات المذكورة أعلاه هناك تسميات أخرى من قبيل «جيش التحرير المغربي»، «جيش التحرير الإسلامي المغربي» ، «جيش التحرير العربي»، وإنصافا للهوية والجغرافية والحق، نرى أن التسمية العادلة التي يمكن إطلاقها على جيش التحرير هي جيش التحرير الأمازيغي في تمازغا (أو التمزغاوي) والسبب واضح وبسيط جدا، لأن كل أعضائه أمازيغ وللمثال دليل فهل يعقل أن نسمي جيش التحرير الايرلندي بالجيش البريطاني أو الجيش الهولندي بالجيش الصيني طبعا سيكون الجواب بالنفي، ونفس الشيء ينطبق على الجيش الأمازيغي. لقد أدت كل هذه التطورات والحيثيات التي أشرنا إليها في السابق حول المناورات المصرية والحزبية للسيطرة على جيش التحرير الأمازيغي في تمازغا وتوجيهه للسياسة الناصرية، والتي عايشها مولاي محند عن قرب، إلى جعل هذا الأخير يسحب ثقته مرة أخرى من القيادة المصرية والأحزاب المغاربية ويغير من بعض مواقفه تجاههم، خاصة بعد أن أدرك أن السياسيين المغاربة والمصريين لا يهمهم شيء من تحرير شمال إفريقيا سوى مصالحهم الشخصية والسياسة، وأيضا بعد انكشاف الأسباب الحقيقة التي كانت وراء قيام عبد الناصر وجماعته بدعم جيش التحرير الأمازيغي الذي أسسه مولاي محند، وعن هذا الموضع يقول سعيد الخطابي إن «عبد الناصر والناس الذين كانوا حواليه لم يكونوا يعترفون إلا بأنفسهم، وهم بذلك أنانيون كما أنهم كانوا يشترطون الخضوع لسياستهم وتوجهاتهم على كل من أراد العمل بجانبهم. فحين كانوا يساعدون الجزائر أو تونس أو المغرب... فإنهم كانوا يساعدون من يواليهم، أما محمد بن عبد الكريم فقد كان ولاؤه للحقيقة وللضمير فقط ولم يكن له ولاء لأشخاص أو جهة معينة» (104). لاشك أن عدم انصياع مولاي محند لأوامر وتوجهات عبد الناصر، جعلت هذا الأخير يسحب ويوفق دعمه ومساعدته لمولاي محند ولجيش التحرير ولكل الذين كانوا يتعاملون معه. وقد أورد في هذا الصدد سعيد الخطابي أن «المخابرات المصرية كانت لديها أهداف أخرى، وسيعترف بن بلة أن المخابرات المصرية كانت تحذره بالتوقف عن مساعدته إن تعامل مع محمد بن عبد الكريم «(105).

مأساة إيكس ليبان والإجهاز على جيش التحرير:

المنتفعين الآخرين يشير تقرير استعلاماتي فرنسي بتاريخ مارس 1955 إلى أن «عبد الكريم كان دائما حذرا منهم و حتى محتقرا شيئا ما لهؤلاء «المدعين» بالقاهرة «الذين يأكلون و يشربون جيدا» كما يقول وإن كانوا مصرين على تزعم مقاومي الاستقلال فإنهم يحبذون البقاء خارج ساحة المعارك»(110).

ج- مأساة ايكس ليبان و نهاية جيش التحرير:

 

(يتبع في الأجزاء الأخرى).

(لقجيري محمد lakjiri@yahoo.fr)


 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.