uïïun  128, 

mggyur 2957

  (Décembre  2007)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

"amlullt" musïafa loalawi itååd s tmazivt

Azvri n wawal

Abbas Lfasi ad ak nini yaw awal

Tuknda

Taseklut n uraji

Français

IRCAM, cette prison d'or de l'âme amazighe

Insolite

Imazighen du Maroc: un peuple margilalisé

Ax responsables du "poètes du monde"

Algérie: grève de faim des enseignants de tamazight

Les montagnards du Maroc s'organisent

Journée d'étude à Ayt-Baâmrane

العربية

الأمازيغية بين الوعي الإيديولوجي واستعادة الذاكرة الجماعية الأمازيغية

الأمازيغية في خطر

حكومة الفاسيين تشن حربا على الأمازيغ

الاستنجاد بالإخوة العرب في الرضاعة

الأمازيغية بين محاكمتين

الحركة الثقافية الأمازيغية والنقد الإيديولوجي

المصريون ليسوا عربا

قبائل آيت سدارت

مولاي محند والحركة لاريفية

إدسالم  في حوار مع تاويزا

صحافة حزب الاستقلال والاستغلال

الجمعية المغربية لح.إ.تطالب بترسيم الأمازيغية

قصة المثل الشعبي

بيان حقيقة بخصوص ادعاءات ليركام

ساكنة الجنوب الشرقي

تلاميذ يبيتون في المقاهي

حوار مع الفنانة سعاد شكوتي

اعتراض على جائزة ليركام

لاتسامح حفل التسامح

حوار مع حسن أوهمو

حوار مع حفيظ البوجدايني

المنتدى الأمازيغي لحقوق الإنسان

تأسيس جمعية الانطلاقة بأيث بوعياش

مسرحية ثازيري ثاميري

تعليم الأمازيغية بكاتالونيا

بيان ممن أجل حق الشعب الكردي

بيان النقابة المغربية للمهن الموسيقية

بيان العصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان

تجديد مكتب فرع تاماينوت لخصاص

بيان التنسيقية الوطنية للحركة الأمازيغية بالجامعة

بيان لطلبة مكناس

بلاغ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب

بيان المركز المغربي لحقوق الإنسان

بيان تنديدي لطلبة قنيطرة

بيان تنديدي لطلبة أكادير

بيان تنديدي لطلبة الناظور

بيان الجمعيات الأمازيغية بالناظور

بيان بشأن زيارة خوان كارلوس

بيان الشبيبة الأمازيغية

نعي سعيد الخطابي

تأجيل محاكمة الوزاني

 

مولاي محند والحركة الريفية

 (الجزء 15)

بقلم: القجيري محمد

ج- جرائم آيث بوقبارن بالريف الأمازيغي :
في الوقت الذي كان فيه من المفروض على الدولة المخزنية برئاسة محمد الخامس ومعه حفنة حزب الاستقلال تحقيق على الأقل بعض مطالب الجماهير الريفية للحد من اتساع رقعة الثورة على الأقل في بعض جهات الريف الأخرى، كان محمد الخامس وطغاة حزب الاستقلال يجتمعون في مجالسهم الوزارية، وفي بعض الأحيان الملحونية، لاتخاذ مزيد من القرارات الجائرة والظالمة في حق أهالي الريف بهدف إخماد ثورة الريف الديمقراطية. وبعد سلسلة من المباحثات والمداولات التي كان يشرف عليه محمد الخامس في ظل حكومة بلافريج الاستقلالية (21 ماي 1958 إلى دجنبر 1958) التي اتخذت فيه طبعا عدة قرارات تدعو إلى القضاء على ثورة الريف الأمازيغية بشكل سريع، وفي الوقت نفسه كان يعطي فيه محمد الخامس أوامره وتعليماته لأعوانه المستعمرين الجدد في الريف يطلب منهم قمع وسحق الريفيين المنتفضين، أو «المحرضين «و «الدجالين« كما كانوا ينعتون ويوصفون من طرف محمد الخامس، في هذا الوقت جاءت حكومة جديدة، هذه المرة من الجناح اليساري الرديكالي لحزب الاستقلال يرأسها عبد الله إبراهيم، وما يهمنا نحن في هذا السياق هو أن أهم وأخطر المجالس الوزارية التي انعقدت ضد الريف، كانت تلك المجالس المنعقدة في ظل حكومة عبد الله إبراهيم الاستقلالية (24 دجنبر 1958 -23 ماي 1959) التي كانت توصف تلك الحكومة قسرا وافتراء بالحكومة »التقدمية«. طبعا تقدمية في تقتيل الريفيين. لقد كان أولى مجالسها هو المجلس الوزاري الحربي المنعقد في يوم 26 دجنبر 1958 تحت رئاسة محمد الخامس الذي خرج بعدة توصيات وقرارات تدعو كلها إلى سحق الانتفاضة الأمازيغية في الريف وقتل ثوارها بالتدخل العسكري وبالأسلحة الثقيلة. وقد صادق على القرار كل من سلطان المخزن محمد الخامس والقيادة العليا للجيش المخزني أمثال الجنرال الكتاني والجنرال أمزيان، هذا دون أن ننسى رئيس أركانها الحسن الثاني. بالإضافة إلى كل من رئيس الحكومة عبد الله إبراهيم ووزير الداخلية إدريس المحمدي ووزير الدفاع المخزني أحمد اليزيدي من حزب الاستقلال الذي كان ضابطا سابقا في الجيش الفرنسي الاستعماري، علاوة على شخصيات سياسية وحزبية أخرى أمثال علال الفاسي والمهدي بن بركة، واللائحة طويلة، وبخصوص هذا الأخير أود أن أذكر هنا أن هذا المهدي كان قد صرح للصحفي الفرنسي جان لاكوتر (Jean Lacouture ) وقت ذاك أي في سنة 1958 ردا على سؤال حول الأزمة الأمازيغية في المغرب عقب أحداث تافيلات وانتفاضة الريف وقال: »... إن المشكلة البربرية المزعومة ليست سوى أحد رواسب السياسة الثقافية التي سلكتها الحماية. فهي ثمرة مدارس الأعيان المخصصة لأبناء الطبقة الأرستقراطية المدينية التي كانت تدرك أهميتها بالنسبة لتكوين ناشئتها... إن الرجل البربري هو، بكل بساطة، شخص لم يسبق له أن ذهب إلى المدرسة. «(أنظر أرضية: الإختيار الأمازيغي).
بعد 11 يوما على القرار المخزني الذي اتخذه المجلس الوزاري الحربي القاضي بسحق الريف وقتل أهاليه، جاءت محطة 6 يناير 1959 ليعطي فيه محمد الخامس مهلة 48 ساعة للسكان الريفيين المنتفضين في جبال الريف لينزلوا من تلك الجبال ويعودوا إلى بيوتهم ومنازلهم ويقبلوا بأمر الواقع المر، وكان ذلك في خطاب إذاعي، أذيع عدة مرات عبر أمواج الإذاعة المخزنية باللغة الريفية، وحول هذا الموضوع كتبت جريدة »لومند« الفرنسية من خلال مراسلها في المغرب في عدد 7 يناير 1959 تقول: في الحقيقة كان نداء الملك موجها للجماهير الريفية بالدرجة الأولى. كانت الإذاعة الوطنية تعيد هذا النداء بانتظام وبلهجة الريف والأمازيغية«. هذا وقد صاحب خطاب محمد الخامس توزيع 100 ألف منشور بالعربية يكرر فيه ما جاء في نداء محمد الخامس من تحذير، ألقي بواسطة الطائرات في عدة مناطق من الريف قبل إلقاء قنابل النابلم، ومما جاء في ختام نداء محمد الخامس إلى سكان الريف: »لا نسمح لأي فرد ولا جماعة من الدجالين ودعاة الفتنة والتفرقة بالاستمرار في مخادعة الشعب وتغليطه ومواصلة أعمالهم الهدامة والتآمر على وحدة الوطن واستقلاله. ونحن عازمون على استعمال كل الوسائل للضرب على أيديهم الآثمة ووضع حد لجرائمهم.( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) « (171).
هذا والجدير بالذكر هنا أن محمدا الخامس كان قد سبق له أيضا أن وجه خطابا إذاعيا إلى عدة مناطق أمازيغوفونية ثائرة وترجم الخطاب إلى مختلف اللهجات الأمازيغية حسب كل منطقة، والذي كان قد وجهه على وجه الخصوص إلى كل من أمازيغ الريف والأطلس والمناطق المحاذية لفاس، علاوة على المنتفضين في تافيلالت وكذلك المنتفضين في المناطق المجاورة للجزائر في ناحية فكيك ووجدة يدعو فيه محمد الخامس سكان تلك المناطق الأمازيغية بالتزام الهدوء وإيقاف الانتفاضة بالعودة إلى حياتهم اليومية السابقة وقبول تلك الحياة الصعبة والمؤلمة، وفي الوقت نفسه يحذرهم من عواقب وخيمة ومن الانتقام إذا لم يعملوا على وقف أعمال الثورة. وحول هذا الموضوع كتبت جريدة »لومند« الفرنسية في عد 4 نونبر 1958 تقول: »أقدم الملك على مخاطبة سكان الجبال الساخطين بثلاثة لغات على أمواج الإذاعة الوطنية، فكون الملك اختار استعمال اللغة الأمازيغية بدل لغة الرسول محمد، يعني أن القصر لا يريد تفويت أية فرصة لبسط نفوذه كما أنه أدرك أهمية خصوصيات المناطق الجبلية«.
فعلا لقد هدد محمد الخامس في خطاباته السابقة وخطابه الأخير التحذيري والإنذاري في يوم السادس من شهر يناير 1959 سكان الريف المنتفضين في الجبال بأقصى العقوبات وبالعقاب الشديد، وأنه سيرسل إليهم حملة »تأديبية« لترهيبهم و»تأديبهم« بعد أن تنتهي المهلة المحددة في يومين. وبالضبط تنتهي في يوم الأربعاء 7 يناير 1959 والذي سيشهد ذلك التاريخ طرد الصحفية »إيمليا أرغون« من مكتبها بالرباط، التي كانت تنشر من هناك تقارير اخبارية عن أحداث الريف في »التايم« و»اللايف« من خلال علاقتها المباشرة مع بعض ثوار حركة الريف، ويبدو أن المخزن كان يريد من خلال ذلك إخفاء ما سيفعله في حملته على الريف بعد يوم الأربعاء.
لم تكن تهديدات محمد الخامس التي كان يطلقها من الرباط، ويأمر فيها المنتفضين الأمازيغ في مرتفعات الريف بأن يوقفوا المقاومة ضد المخزن وحزب الاستقلال وأن ينزلوا من الجبال ويعودوا إلى بيوتهم وديارهم وأن يقبلوا العيش تحت الحكم المخزني والحزبي، أن تمر دون أن يستجيب لها بعض معتصمي جبال الريف من الناظور إلى تطاوين، ولاسيما بعض الشيوخ والنساء والأطفال وبعض الأسر الريفية التي لبت النداء لسبب من الأسباب قبل الوقت المحدد، الذي كان قد حدده محمد الخامس في يوم الأربعاء 7 يناير 1959 على الساعة الواحدة بعد الزوال. غير أن الجزء الكبير من الريفيين ولاسيما في منطقة آيت ورياغل القوية والشجاعة رفضت الاستجابة لنداء وتهديد محمد الخامس الذي كان يذاع باستمرار في أبواق الإذاعة المخزنية باللغة الريفية -ليس حبا في تلك اللغة وإنما كوسيلة غايتها إبادة تلك اللغة والناطقين بها- ، إلا إذا استجاب المخزن لمطالب حركة الريف العادلة والمشروعة. طبعا كان ذلك في الوقت الذي بدأت فيه جحافل القوات المخزنية تغزو بلاد الريف بقيادة ولي العهد آنذاك الحسن الثاني على رأس عشرين ألف جندي بالكمال والتمام، وأيضا في الوقت الذي بدأت فيه القوات الجوية المظلية تنزل في ميناء الحسيمة الذي كان محاصرا من طرف أصحابه المقاومين الريفيين. وحول هذا الموضوع كتبت جريدة »تراو« (trouw) الهولندية في عدد 9 يناير 1959 تقول: »وقد حاصرت مجموعة من المتمردين الأمازيغ، الذين رفضوا الاستسلام، ميناء الحسيمة واختفى خمسون جنديا كانوا في طريقهم إلى مدينة الحسيمة. وفي يوم الثلاثاء كانت هناك مواجهات في المنطقة بين المتمردين والقوات النظامية ووقعت في كلا الطرفين أضرار كثيرة والبارحة تم إرسال قوات تعزيزية إضافية. وحسب الأنباء الواردة من المنطقة، احتل المتمردون مطار الحسيمة«.
أول عمل تكتيكي قام به حكام الدولة المخزنية في بلاد الريف قبل إبادة سكانه هو رسم خطة فريدة من نوعها للمكر والغدر والبطش بأولئك الريفيين الذين سينزلون من الجبال التي كانت تحميهم من بطش طغاة المخزن وحزب الاستقلال، إذ مباشرة بعد نداء محمد الخامس الشهير سيقوم علال الفاسي بعدئذ، وبالضبط قبل انتهاء المهلة بيوم واحد بتوجيه هو أيضا نداء مخادعا إلى سكان الريف يطلب منهم النزول من الجبال والعودة إلى البيوت، ويوهمهم بأن نزولهم من الجبال سوف لن يصاحب بالاعتقال والمتابعة والعقاب من طرف رجال الدولة. وفي الوقت نفسه يحذرهم من عقاب شديد إذا لم يستجيبوا لنداء محمد الخامس، هذا علاوة على توصية أتباعه في حزب الاستقلال الذين كانوا يحتلون البلاد ويعيثون فيها فسادا بإسماع خطاب محمد الخامس في قرى ومداشر الريف من أجل أن ينزل المعتصمون الريفيون من الجبال، وفي علاقة بهذا الموضوع كتبت جريدة »لوموند« في الثامن من يناير 1959 تقول بأنه قبل انتهاء المهلة بيوم واحد وجه »سي علال الفاسي عبر الإذاعة الوطنية نداء من أجل الهدوء وطالب مناضلي حزب الاستقلال بإسماع الخطاب الملكي في قرى الريف«.
طبعا لا نداء محمد الخامس ولا نداء علال الفاسي كانا سيجعلان الجيش المخزني بقيادة الحسن الثاني يتراجع عن قرار اتخذه في مهاجمة الريف وقتل أبنائه، بقدر ما كانوا يخدعون ويكذبون على الريفيين في النداء، حيث كانوا يوهمون الأهالي أن نزولهم من الجبل سيكون في صالحهم وأنهم لن يتابعوا أو يعاقبوا من طرف رجال المخزن وحزب الاستقلال. لكن الواقع كان غير ذلك، اذ بعد استجابة بعض الريفيين ذوي النيات الضعيفة لنداء الرباط ونزلوا من الجبل الذي كان يحميهم من الإرهاب والتعريب المخزني، سيستغل المخزن الفرصة وتعود حليمة المخزنية إلى عادتها القديمة، حيث سيعود المخزن إلى أسلوبه المعتاد الذي سبق له أن انتهجه لأكثر من مرة في بلاد الريف، وهو أسلوب المكر والغدر والشماتة والبطش والقتل بأولئك الريفيين الذي سينزلون من الجبل، وهذا إنما يذكرنا بأسلوب السفاح المخادع بوشتى البغدادي.
مع وصول التعزيزات المخزنية إلى بلاد الريف والتحاق القوات الملكية المسلحة بمنطقة الريف الأوسط في حالة حرب وغزو في بداية يناير 1959 أو في »عام إقبارن«، كما سيعرف ذلك العام تاريخيا عند سكان الريف، أي عام تواجد الخودات العسكرية، سيقوم جنود المخزن أو آيت بوقبارن (أصحاب القبعات الحديدية) بقيادة الحسن الثاني بالهجوم على أهالي الريف ومطاردتهم بالكلاب البوليسية، بعد أن خدعوا بأكاذيب الرباط وفاس عبر الإذاعة المخزنية ونزلوا من الجبل الريفي الذي كان يحميهم من بطش آيث بوقبارن. والأدهى من هذا، لم يستثن من المطاردة المخزنية والكلاب البوليسية حتى الذين لم يطلعوا قط إلى الجبل. وعن هذا الهروب الاضطراري يقول مصطفى أعراب، الصحافي بالإذاعة الريفية بهولندا وصاحب مؤلف حول أحداث الريف لسنة 1959 إن »الروايات الشفوية المتداولة تشير إلى وقائع غريبة. كان المواطنون قد استجابوا فعلا لنداء الملك غير أن القوات الملكية المسلحة التي التحقت بالمنطقة في حالة حرب هي التي أرغمت الجماهير على الهروب إلى الجبال« (172).
وأثناء المطاردة لم يراع آيت بوقبارن إطلاقا التمييز بين الرضيع والطفل والشيخ والمرأة، ومارسوا خلال الهجوم والمطاردة أبشع أشكال الاضطهاد والإذلال والبطش والقتل في حق سكان الريف. أما الذين لم يقتلوا ووقعوا في أيدي المخزن وميليشيات حزب الاستقلال فقد كانوا ينقلون إلى سجونهم ومعتقلاتهم الجهنمية. وهناك كانوا يعذبون بأبشع أشكال وأساليب التعذيب المعروفة آنذاك، والتي سبقت الاشارة الى بعضها. وفي حالات عديدة كانوا يعذبون حتى الموت للبحث عن المعلومات والانتقام. وإلى جانب التعذيب الجسدي انتهج الجلادون أيضا أسلوب التعذيب النفسي من القذف والشتم بكلمات نابية تحقيرية مخلة بالأخلاق أمام مسمع أسرة الضحية وذلك لإلحاق مزيد من الأذى النفسي بالمعتقلين والمختطفين الريفيين، علاوة على أشكال وأساليب أخرى، التي من شأنها أن تحط من كرامة وكبرياء وإنسانية الإنسان الريفي الأمازيغي. ومن نماذج تلك الأساليب الدنيئة التي كان ينتهجها جلادو المخزن لاحتقار الإنسان الريفي، نورد هنا شهادة أحد ضحايا المخزن الذي كان أوفر حظا بكثير من إخوانه الريفيين الآخرين، يقول: »يحزنني كثيرا عندما أتذكر تلك الفضاعات، ويحزنني أكثر عندما أتذكر ذلك "الرجل" الذي لم تره عيناي المعصبتان، اللتان حجب عنها النور في دهاليز ثكنة قوات التدخل السريع بمدينة وجدة، عندما قال لي وهو يستعد ليدخل معي في "معركة" التوقيع على المحضر الذي سأحكم به: "وبما أنك ريفي مساخط ديال سيدنا غادي نضيف ليك هدجوج د الكلمات باش نتهلا فيك مزيان أو نغبر دين أماك أولد الريفية الخانزة" « (173). ونفس الشيء حصل على سبيل المثال مع المرحوم محمد أكروح بن عمر »ميس ن عمار« الساكن قيد حياته بدوار اغميرن بآيت بوعياش الذي اعتقل في الأسبوع الأول من شهر يناير 1959 من طرف آيث بوقبارن، ومكث ثلاثة أشهر في معتقلات المخزن الرهيبة، حيث ذاق هناك مرارة العذاب وقسوة الضرب وأبشع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي كما تؤكد زوجته علية البقوجي بنت محمد الحاج محمادي بنت فظمة بنت موحند أغدار في ملفه إلى ما يسمى بهيئة الانصاف والمصالحة لطلب التعويض وجبر الضرر إثر اعتقال زوجها المرحوم محمد أكروح خلال شهر يناير 1959 ، والذي نتوفر على نسخة منه.
لم تكن هذه الأعمال الإرهابية وغيرها التي كان يرتكبها جنود المخزن وميلشيات حزب الاستقلال وحزب الإصلاح الوطني أن تمر دون أن ترغم سكان الريف والناجون من بطش »إمخزنيان« على الهروب الاضطراري والعودة إلى مرتفعات الريف البعيدة عن قوى الشر المخزنية والحزبية، لحماية أنفسهم وحماية أبنائهم وبناتهم من الاغتصاب والاعتقال والاختطاف والتعذيب والقتل من طرف سفاحي آيت بوقبارن. وقد بقي هذا التاريخ من الهروب الاضطراري موشوما وومرسوما في الذاكرة الشعبية عند سكان الريف، ويعرف الآن ب »عام ن ثورا« أي »عام الهروب« ، هروبا من التعذيب المخزني والحزبي التي بقيت ذكراه مشوؤمة وموصومة العار في التاريخ المغربي الرسمي الاستعماري في بلادنا الأمازيغية، ولا تزال الذاكرة الجماعية عند أهالي الريف تحتفظ بأحداثها المأسوية والمؤلمة وتعبر عنه بـ »أعموذ ن يحيى« للدلالة على التعذيب المبرح جدا الذي لقيه أهالي الريف على يد جنود الملك، المشابه لحد ما لـ »أعموذ ن حياني« الذي له حكاية أخرى من حكايات مآسي الريف.
أمام هذا الوضع الخطير أعلنت حركة الريف الأمازيغية أو جبهة النهضة الريفية، الثورة المسلحة على المخزن بأكمله ومقاومة الزحف والعدوان العروبي العسكري على بلاد الريف، وهو ما جعل هذه الثورة الأمازيغية في الريف تتحول إلى ثورة مسلحة كبيرة يستحيل إخمادها بالقوات العسكرية المخزنية العادية، ليعود فيه شبح جمهورية الريف الأمازيغية من جديد بشكل قوي جدا من طرف شعب الريف الأمازيغي آنذاك، إذا لم نرجح ونقول بأن 99 في المائة من الريفيين آنذاك كانوا يريدون استقلال الريف عن دولة المخزن وتأسيس دولة ريفية أمازيغية.
إذن على إثر هذا التطور المفاجئ ستندلع المعارك المسلحة بين الحركة الريفية المسلحة والمستعمرين المخزنيين، الثانية من نوعها بعد حرب الريف بقيادة بطلها مولاي محند، وقبل الدخول في تفاصيلها لابد لنا أن نتطرق ولو في عجالة إلى بعض ما قيل وذكر وكتب عن هذه الانتفاضة الريفية الأمازيغية ضد التسلط العروبي، من خلال بعض المنابر الإعلامية والصحف العالمية، وأيضا المراكشية (المغربية) وخاصة الاستقلالية منها إضافة إلى أعدائها التقليديين، ولنبدأ بالمنابر العالمية التي كانت في مجملها واقعية إلى حد ما والتي كانت تتحدث في قنواتها التلفزية والإذاعية والصحفية عن »حرب أمازيغية عربية«. فمثلا في قصاصة »المانشتر كارديان « (Manchester Guardian) كانت تقول في بداية الانتفاضة بأن »الأمازيغ ينتفضون ضد العرب« ، أما جريدة »زيت« (ziet) الألمانية فقد كتبت في عدد 14 نونبر 1958 مقالة بعنوان »انتفاضة أمازيغ المغرب« بينما جريدة »تراو« (trouw) و »فولكس كرانت« (volkskrant) الهولنديتان فقد تحدثتا في شهر يناير 1959 عن حرب »بين المتمردين الأمازيغ والقوات النظامية«، وفي نفس الاتجاه تحدثت قصاصة »فرانس أوبسير فاتور« (France abservateur) في بداية الثورة عن انتفاضة الأمازيغ ضد المخزن وحزب الاستقلال وقالت في عدد 3 يناير 1959 بأن »الاضطرابات في الأطلس المتوسط وفي الريف، كان قاسمها المشترك هو العداء لحزب الاستقلال، وضد سياسة الاقصاء والتهميش والتواجد العسكري الأجنبي في شمال إفريقيا«.
أما جريدة (NRC Handelsblad) الهولندية التي ما تزال تصدر لحد اليوم فقد تحدثت في عدد 2 دجنبر 1958 وأيضا في أعداد أخرى عن »ديمقراطية مطالب سكان الريف في مقابل ديكتاتورية المخزن وحزب الاستقلال«، ونفس الشيء بالنسبة لمجلة »الإكسبريس« (l’express) التي كانت حاضرة في المنطقة، وكانت تتحدث خلال الانتفاضة الأمازيغية عن »المشاكل في بلاد الأمازيغ، وعن الريف يتحرك ضد حزب الاستقلال، وعن مطالب الريف العادلة«. وهو حال كذلك صحيفة »التايم« البريطانية التي كانت حاضرة في المنطقة من خلال مراسلها ستنالي كارنوف التي كانت موضوعية إلى حد ما في نقل الأخبار الحية عن الريف المنتفض.
بهذا الشكل كانت الصحف العالمية تتحدث عن انتفاضة أمازيغ الريف ضد تسلط الأقلية العربية الحاكمة، في مقابل ذلك كانت الصحف المخزنية والحزبية تصف ثورة الريف الديمقراطية بعدة أوصاف احتقارية، فمثلا كانت جريدة العلم لسان حزب الاستقلال الفاسي تصف الثورة بأنها »مؤامرة تدبر ضد الوطن« ، »مؤامرة وجدت طريقها بين بعض هؤلاء السكان ضد سلطة صاحب الجلالة والنظام الجاري به العمل« ، »دسيسة تحاك ضد مكاسب الاستقلال« ، »أعمال فوضوية« ، »اضطربات وقلاقل«، كما كانت هذه الجريدة الاستقلالية تصف سكان الريف المنتفضين في جبال الريف بـ »الانفصاليين« ، »المتمردين« ، »المحرضين« ، »الفتانين« ، »أعداء الوطن يستغلون الظروف... « ، »ناشري الفتنة«.. وغيرها من الأوصاف والنعوت القدحية المشابهة لأوصاف مجلة »المشاهد« التي كانت تصدر من سيدة فرنسية، ويديرها الأمازيغوفوبي مصطفى العلوي، والذي كان يعمل صحافيا بإذاعة المغرب (Radio Maroc) التابعة للاستعمار الفرنسي. لقد كان هذا المخبر الفرنسي الملقب قسرا بقيدوم الصحافيين بالمغرب، مدير ورئيس تحرير مجلة »المشاهد« وصاحب جريدة »الأسبوع الصحافي« الحالية يصف سكان الريف المنتفضين في جبال الريف بعدة أوصاف احتقارية مهينة ومشينة، فعلاوة على مثل الأوصاف الواردة في جريدة العلم الاستقلالية كان يصف الريفيين ب »المعتدين« ، »جهال« ، »منشقين«. فمثلا يقول في أحد تقارير مجلة »المشاهد« في عدد يناير 1959 إن »هؤلاء الذين حموا السلاح واعتصموا بالجبال وقاموا ببعض الاعتداءات أكثر من علة يتذرعون بها، فكلهم جهال قبل كل شيء، ولقد ضرب لهم من دعاهم إلى التمرد على النغمة التي تثيرهم وتجعلهم يسارعون إلى حمل السلاح«.
لقد ظلت مجلة »المشاهد« الفرنسية المغربية طيلة فترة الانتفاضة الريفية الأمازيغية تحتقر الريفيين وتعادي ثورة الريف الأمازيغية، ونفس الشيء عندما سيفعله فيه القومجي عبد اللطيف جبرو الذي سيتولى فيما بعد مكانة ومهمة مصطفى العلوي ويصبح رئيس تحرير المجلة.
كما كانت الصحف المراكشية (المغربية) الأخرى تصف ثورة حركة الريف الديمقراطية بعدة أوصاف احتقارية، تذكر منها »حركة فوضوية« ، »حركة تمردية« ، »نزعة انفصالية عنصرية« ، »مؤامرة القواد« ، »مضادين للنظام«، »منشقين«، »انفصاليين« ، »فوضويين« ، »أيادي حفية«...إلخ.
أما محمد الخامس، ففي إطار الدعاية التي كان يقوم به ضد حركة الريف الديمقراطية، فقد كان يصف الديمقراطيين الريفيين بـ »المحرضين« ، »الدجالين« ، »دعاة الفتنة والتفرقة« ، »مدبري الفوضى والانقسام« وغيرها من الأوصاف المخزنية الاحتقارية، كما هي حال أوصاف الاستقلالي الاتحادي المهدي بن بركة الذي كان يصف ثورة الريف الأمازيغية على سبيل المثال ب »الإقطاعية«. وكل هذه الأوصاف المخزنية والحزبية الاحتقارية التي كانت توصف بها حركة ثورة الريف وزعماؤها كانت تكرر باستمرار على ألسن أعداء الريفيين في التصريحات والبيانات وعبر أمواج الإذاعة المخزنية.
إذن بهذه الأوصاف القدحية الاحتقارية كان المخزنيون والحزبيون يصفون أبناء الريف في السنوات الأولى من »الاحتقلال«، بعد أن ضحى الريفيون بالغالي والنفيس في سبيل طرد الاستعمار الأوربي من بلاد الريف وبلاد الأمازيغ عامة دفاعا عن الأرض والشرف الأمازيغي، لكنهم وجدوا أنفسهم مرة أخرى من جديد بعد سنة 1956 أمام استعمار جديد يكرههم ويحتقرهم وينعتهم بعدة أوصاف مشينة ومهينة لما نهضوا وطالبوا بإرجاع حقوقهم الضائعة والمسلوبة من طرف هذا الاستعمار الجديد، الذي بسبب جوره وإرهابه غير المنتهى، انتفض أهالي الريف ضد هؤلاء الحكام الاستقلاليين في فاس والرباط، وهو الشيء الذي جعل سلطان المخزن وحزب الاستقلال محمد الخامس يرسلون جيشا كبيرا إلى بلاد الريف لقتل الريفيين، مدعم بأحدث التقنيات الفرنسية والآليات الحربية والعسكرية الثقيلة، هذا بالإضافة إلى الطائرات الفرنسية والأمريكية كما تؤكد التقارير الواردة آنذاك بقيادة الراحل الحسن الثاني، الذي كان يعسكر في مدينة تطاوين الريفية. ومن هناك انطلق الزحف المخزني لترهيب وتقتيل الريفيين. وكانت البداية الأولى في المناطق المحاذية لتطاوين ثم المناطق المجاورة لوجدة، لتندلع المقاومة الريفية المسلحة في المنطقة الممتدة بين وجدة والناظور إلى تمسمان حتى الجبهة بتطاوين. وقبل أن تصل شرارة الثورة المسلحة إلى قلب الثورة بآيت ورياغل تصدى المقاومون الريفيون لجنود »إمخزنيان« في الناظور وفي منطقة آيت إسادن وآيت بوفراح وابقيوين وكل المناطق الممتدة بين تركيست وآيت حذيفة.

                                 (يتبع في العدد القادم)

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.