uïïun  138, 

mrayur 2958

  (Octobre  2008)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

mlmi vad tssçmç tavdmt tamaäalt imasayn n usizdg atlay di lmuvrib?

Tazrawt n tedyazt

Imttvawn n wmsbrid

Ighghed

Inuffaren

Awal inu s dar willi ferknin

Kradv n isefra

Akamiyyu n ughayyu

Français

La mémoire collective à travers "tasrit" de Bouzeggou

Marcus Cornelius Fronton

V congrès du CMA aura lieu à Meknass

Rappel du CMA aux associations

Imazighen à l'université de "régions et peuples solidaires"

Appel à contribution

العربية

متى ستتابع العدالة الدولية المسؤولين عن التطهير اللغوي بالمغرب؟

الانفصاليون العرب

اثنا عشر قرنا من التاريخ فقط أو الإصرار على الفضيحة

فرخ الوز عوام

تعريب السحور

إغرم أو قصر أيت عمر إبراهيم كتنظيم اجتماعي وبنية سكنية أمازيغية

وقفة تأملية في المسيرة الفنية لمولاي علي شوهاد

الغزل في الأغنية الأمازيغية

قراءة في الأبوم الجديد لمصطفى الوردي

المعجم العربي الوظيفي

الميتولوجيا الأمازيغية

كتاب بالعبرية حول زلزال أكادير

عن كتاب المجموعات الغنائية  العصرية السوسية

الكنكريس العالمي الأمازيغي يحط الرحال بمكناس

رفض الاسم الأمازيغي سيفاو

تأسيس جمعية الهوية الأمازيغية بسلوان

نشاط ثقافي لجمعية محمد خير الدين

بيان المعتقلين السياسيين للحركة الأمازيغية

بيان المؤتمر الليبي للأمازيغية

دورة تكوينية حول تدريس الأمازيغية

تأسيس جمعية إسوان

الإفراج عن معتقلين من الحركة الأمازيغية

بيان جمعية أفريكا

 

 

 

 

افتتاحية:

متى ستتابع العدالة الدولية المسؤولين عن سياسة التطهير اللغوي بالمغرب كما تابعت المسؤولين عن سياسة التطهير العرقي بالسودان؟

بقلم: محمد بودهان

رغم أن المجتمع الدولي أفرز نظاما عالميا ليس دائما عادلا ولا متوازنا، في الثروة والتقدم والقوة، بل فيه الكثير من الحيف والفوارق واللامساواة والتحيز و"الكيل بمكيالين"، إلا أنه، مع ذلك، لا يمكن إنكار ما يقوم به هذا النظام، من حين لآخر، من أعمال خيرة جليلة كالتضامن الدولي في حالات الكوارث الطبيعية، أو مساعدة الدول الفقيرة، أو المتابعة القضائية لمجرمي الحرب والإبادة الجماعية لأسباب عرقية وعنصرية أو دينية. هذه المتابعة القضائية الدولية هي موضوع تحليلنا هذا.

وملاحظتنا السابقة عن عيوب المجتمع الدولي تصدق كذلك على نظام المتابعات والمحاكمات الجنائية الدولية لمجرمي الحرب والإبادة الجماعية: فرغم أن هذه المتابعات والمحاكمات غالبا ما تكون وراءها حسابات سياسية بين الدول، وتحركها مصالح ظاهرة وخفية، وتتحكم فيها الدول ذات الوزن الثقيل بمجلس الأمن، إلا أنها، رغم ذلك، تعبر عن وعي دولي جديد ومتنامٍ بالعدالة وضرورة الاقتصاص من مرتكبي جرائم ضد الإنسانية. وهو وعي بات يقلق، بجدية، راحة الكثير من الحكام، خصوصا في بعض الدول التي تنتمي إلى ما يسمى "العالم العربي"، والتي توجد بها ما تعتبره هذه الدول "أقليات" إثنية ولغوية غير عربية يخصص لها تعامل عنصري خاص، كما في السودان بالنسبة لسكان دارفور، وفي عراق صدام حسين بالنسبة للأكراد، وفي مصر بالنسبة للأقباط، وفي شمال إفريقيا بالنسبة للأمازيغ...

هذا الوعي الدولي بضرورة معاقبة الجناة الذين يرتكبون جرائم الإبادة الجماعية، سينتقل إلى مرحلة جديدة غير مسبوقة منذ أن طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولة لويس مورينو أوكامبو Luis Moreno Ocamapo من المحكمة أن تصدر مذكرة اعتقال الرئيس السوداني عمر حسن البشير بتهمة الإبادة الجماعية للسكان الأصليين لدارفور لدوافع عرقية وعنصرية. فلأول مرة يُتهم ويُتابع فيها رئيس دولة من طرف القضاء الجنائي الدولي وهو لا زال يمارس مهامه "الدستورية" كرئيس للدولة. وهذا يعني أن الحصانة والامتياز الدبلوماسي اللذين يتمتع بهما رؤساء الدول لم يعودا يحميان المجرمين منهم. وهذا تقدم مهم في مسطرة ملاحقة القادة المجرمين حتى لا يفلتوا من العقاب بسبب بقائهم على رأس الدولة ـ مع تجديد "الثقة" فيهم عند كل ولاية رئاسية ـ إلى أن يموتوا كأبطال مغاوير كما في كثير من الديكتاتوريات التي لا يقيل حكامَها وملوكَها من "قيادة" البلاد إلا الموتُ، مما يجعلهم في منأى عن كل متابعة أو محاكمة رغم ما يرتكبونه من إبادة جماعية في حق جزء من شعوبهم.

والجديد كذلك في متابعة الرئيس السوداني أن التهمة الموجهة إليه تتعلق بجرائم ارتكبت ضد جزء من شعبه، وليس بجرائم ارتكبت ضد شعب دولة أخرى بسبب نشوب حرب بين الدولتين.

وقد كان طبيعيا أن لا يخرج رد فعل العرب على اتهام شقيقهم الرئيس السوداني عن التكرار المملول لنظرية المؤامرة التي تقول بأن هذا الاتهام يستهدف العروبة ويقف وراءه ـ كالعادة ـ الصهاينة وأعداء الإسلام والأمة العربية المحسودة لأنها أفضل الأمم.

ما علاقة متابعة الرئيس السوداني من طرف المحكمة الجنائية الدولية بالقضية الأمازيغية؟

إن الجرائم التي ارتكبها النظام السوداني برئاسة عمر البشير بإقليم دارفور سببها الوحيد والمباشر هو كون سكان هذا الإقليم هم من السكان الأصليين الذين ليسوا عربا في هويتهم ولغتهم مثل حكام الخرطوم. وبالتالي فإن هذه الانتهاكات تكتسي طابع تطهير عرقي وإبادة جماعية عنصرية تقوم بها المجموعة العربية ـ بالمعنى العرقي ـ الحاكمة ضد سكان دارفور بسبب انتمائهم الإثني والهوياتي غير العربي. إنه نوع من العقاب لهم لأنهم ولدوا من سلالة غير عربية.

وفي بلدان تامازغا بشمال إفريقيا، وخصوصا بالمغرب والجزائر وليبيا، تعرف الأمازيغية حصارا وتهميشا وإقصاء من طرف الأنظمة العروبية الحاكمة لأنها (الأمازيغية) تمثل انتماء غير عربي، هوية ولغة وثقافة وتاريخا وإنسانا. وبالتالي فإن تهميشها وحصارها وراءهما أسباب عنصرية تظهر في إصرار المجموعة العربية الحاكمة على فرض لغتها وهويتها وثقافتها وإنسانها مع إقصاء كل ما هو أمازيغي مختلف عما هو عربي.

وعندما اتهم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الرئيس البشير، صاح العروبيون بأن تلك التهمة مؤامرة صهيونية تستهدف "الأمة العربية العظيمة". وعندما تطالب الحركة الأمازيغية برد الاعتبار للأمازيغية والاعتراف بالهوية الأمازيغية لشمال إفريقيا، يصيح العروبيون بأن المطالب الأمازيغية مؤامرة صهيونية تستهدف الثوابت الوطنية ـ أي الثوابت العروبية ـ تماما مثل رد الفعل العربي على اتهام البشير من طرف المحكمة الجنائية الدولية.

منذ مجازر دارفور أصبح الرئيس السوداني يُنظر إليه في بلده، ولدى الكثير من "أشقائه" العرب، كبطل مغوار مقدام، وكمثال نادر في "الشجاعة" و"الوطنية" والدفاع عن ثوابت الأمة العربية. والذين كانوا وراء إقصاء الأمازيغية بدول تامازغا، وخصوصا بالمغرب، يعتبرهم كذلك "أشقاؤهم" العرب "مجاهدين" و"أبطالا" "مغاوير" يتممون عمل "البطل" العربي الأول عقبة بن نافع.

وقد سبق للرئيس السوادني، جزار دارفور حسب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، أن زار المغرب واستقبل بحفاوة كبيرة وبترحاب حار كصديق حميم وأخ شقيق، وكان ذلك متزامنا مع هجوم "الجانجويد" المغاربة على طلبة الحركة الأمازيغية. وقد تساءلنا آنذاك عن توقيت تلك الزيارة ومناسبتها: فهل جاء ماس عمر حسن البشير إلى المغرب، في هذا الوقت بالضبط، لتقديم نصحه الثمين للسلطات حول كيفية التعامل مع السكان الأصليين، مقترحا نموذجه "الجانجويدي" المطبق بنجاح منقطع النظير على السكان الأصليين بـ"دارفور"؟ (انظر "تاويزا"، عدد 123 لشهر يوليوز 2007). وربما بسبب هذا التقارب في وجهات النظر وتبادل "الخبرات" و"التجارب" في كيفية التعامل مع السكان الأصليين، أعلن وزير الخارجية المغربي تضامن بلاده مع الرئيس البشير، أي التضامن مع مجرم متابع من طرف القضاء الجنائي الدولي، وهو موقف تجاوز حتى موقف الجامعة العربية التي طالبت بأن يتولى القضاء السوداني نفسه التحقيق في جرائم دارفور، كأن السودان هي إسرائيل التي يقوم فيها ضابط شرطة عادي باستنطاق رئيس الوزراء والتحقيق معه حول المنسوب إليه كما يفعل مع أي مواطن عادي متهم. أن يتولى القضاء السوداني بنفسه التحقيق في جرائم دارفور معناه أن الرئيس البشير هو الذي يحقق في جرائمه ويحكم على نفسه بالسجن. إنه العبث والهراء والخواء كما عودتنا على ذلك جامعة العرب في قراراتها ومواقفها.

قد تبدو حالة الرئيس البشير بعيدة كل البعد عن الوضع الذي تعيشه الأمازيغية في بلدان تامازغا بشمال إفريقيا. فالحالة الأولى تتعلق بتقتيل وإبادة جماعية لأسباب عرقية وعنصرية، في حين أن الأمر، في ما يخص الأمازيغية، يتعلق بالتهميش والتنكر وعدم الاعتراف. لكن بغض النظر عن حالات الإبادة الجماعية الكثيرة التي تعرضت لها الأمازيغية قديما وحديثا، والتي لا تختلف عما جرى في دارفور، مثل الإبادة الجماعية لسكان الريف في نهاية 1958 وبداية 1959، والمقابر الجماعية المكتشفة أخيرا، والتي تؤكد هذه الحالات من الإبادة الجماعية التي كان ضحيتها الأمازيغيون، بغض النظر عن ذلك، فإن الإقصاء السياسي للأمازيغية، لغة وهوية وثقافة وتاريخا وإنسانا، يعبر عن شكل آخر من الإبادة الجماعية ذات الدوافع العرقية والعنصرية، تفوق في خطورتها جرائم القتل الجماعي كما في دارفور. فإذا كان الأمازيغ لم يتعرضوا للإبادة الجماعية المادية عن طريق التقتيل والمحق والإفناء، فذلك لأنهم غير موجودين ولا معترف بهم كأمازيغيين، بل هم موجودون ومعترف بهم فقط كعرب منتمين إلى بلدان عربية ـ وليست أمازيغية ـ تسمى "المغرب العربي". وعدم الاعتراف بالأمازيغيين إلا كعرب ذوي هوية وانتماء عربيين، يشكل جريمة إبادة جماعية أخطر بكثير، في نتائجها وأبعادها، من جريمة الإبادة الجماعية التي تحصل عن طريق القتل المادي للأشخاص بسبب عرقهم وانتمائهم. لأن هذا النوع الأخير من الجرائم يتعلق فقط بإبادة الأشخاص بسبب انتمائهم، في حين أن النوع الأول ـ الخاص بالأمازيغيين ـ هو إبادة لهذا الانتماء نفسه ـ الانتماء الأمازيغي ـ والقضاء عليه نهائيا بإفناء جذوره لمتمثلة في الهوية الأمازيغية التي حلت محلها الهوية العربية الدخيلة. هذه الإبادة الهوياتية ـ التي تفوق في خطورتها إبادة الأشخاص كما قلت ـ هي التي ترتكب باسم التعريب الذي هو سياسة تطهير لغوي وثقافي وهوياتي شبيهة بسياسة التطهير العرقي المطبقة من طرف النظام السوداني بدارفور.

والجدير بالذكر أن فرنسا، أثناء فترة الحماية، هي التي وفرت شروط نجاح هذه السياسة "التطهيرية" المبيدة للأمازيغية هوية ولغة وثقافة. وما تعيشه اليوم الأمازيغية من إبادة هوياتية جماعية من طرف "أبناء فرنسا" ليست إلا مواصلة، كمرحلة استقلالية ثانية، للعمل الاستعماري الذي بدأته فرنسا من قبلُ، والتي باشرت الإبادة الجماعية المادية للأمازيغ في عدة مناطق أمازيغية قاومتها ورفضت التعاون معها. وقد تعهدت الدولة العروبية التي أنشأتنها فرنسا بالمغرب بإكمال المرحلة الثانية لهذه الإبادة في جزئها الهوياتي، وبحماس منقطع النظير كما لو أن الأمر يتعلق ب"جهاد" و"نضال وطني" من أجل استكمال تحرير البلاد، تماما كما فعل الرئيس السوداني بدارفور حين يعتبر سياسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية لسكان هذا الإقليم استكمالا للسيادة العربية ـ بالمفهوم العرقي ـ على كل مناطق السودان.

وعندما نقول بأن مخطط التعريب، كما مورس بالمغرب بعد الاستقلال، هو سياسة تطهير لغوي وهوياتي وثقافي وتاريخي، فإن الأمر لا يتعلق بتاتا بالتعريب الذي موضوعه تعليم اللغة العربية كمجرد لغة، بل المقصود التعريب الهوياتي الذي يرمي إلى استبدال الهوية الأمازيغية للمغاربة بهوية عربية دخيلة ومفروضة، وتحويل المغرب من بلد أمازيغي إلى بلد عربي عضو بالجامعة العربية. والدليل على أن سياسة التعريب تدخل في إطار إبادة هوياتية ولغوية، وليس في إطار تعليم اللغة العربية، هو أنه رغم مرور أزيد من نصف قرن على هذه السياسة التعريبية الإجرامية، فلا أحد من المغاربة يتحدث باللغة العربية ويتخاطب بها. لكن، على العكس من ذلك، فإن هذا الذي لا يتحدث العربية ولا يتخاطب بها، يعتبر نفسه، مع ذلك، "عربيا" ذا هويته عربية يعيش ببلد عربي جزء من "الوطن" العربي. فحيث فشل تعليم وتعميم اللغة العربية، نجحت الإبادة الهوياتية للأمازيغ بتحويلهم إلى شعب "عربي" وبوعي عربي يعيشون في "مغرب عربي". فلو كان القصد من التعريب هو تعليم اللغة العربية، لبقي المغرب بلدا أمازيغيا في هويته وانتمائه مع استعمال العربية كلغة رسمية مثلا، كما في الهند أو السينيغال أو المكسيك حيث احتفظت هذه البلدان بهويتها الحقيقية الأصلية مع استعمالها للغات استعمارية وأجنبية كلغات رسمية لها دون أن يترتب عن ذلك الاستعمال تحول هويتها إلى هوية البلدان الأصلية لتلك اللغات التي تستعملها.

فهذا التعريب، الذي ليست غايته اللغة العربية بل هي وسيلته فقط، هو الذي يشكل جريمة إبادة جماعية هوياتية ضحيتها الشعب الأمازيغي ببلدان تامازغا بشمال إفريقيا. والمضحك أن من بين ما يلجأ إليه المسؤولون عن هذه الإبادة الهويايتة الجماعية التي هي التعريب، لتزكية سياسية التطهير اللغوي التي يمارسونها، هو قولهم بأنهم يفعلون ذلك لأن العربية لغة القرآن. مع أن هذا القرآن نفسه يقول: "ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين"، ولم يقل "توحيد ألسنتكم" أو "تعريب ألسنتكم". فجريمة الإبادة الهوياتية لسياسة التعريب التطهيرية هي أولا جريمة في حق الإسلام الذي يقر باختلاف الألسن واللغات كآية من آيات الله، وهو ما يرفضه مجرمو التعريب عندما يتبعون سياسية تطهير لغوية بشمال إفريقيا للقضاء على التعدد اللغوي ببلدان تامازغا وتوحيد الألسن في لسان واحد هو اللسان العربي القرشي، فضلا عما في هذه الجرم من تحدٍّ للقدرة والحكمة الإلهيتين وذلك بتحويلهم من خلقه الله أمازيغيا إلى كائن عربي. وهي ثانيا جريمة ضد الإنسانية لما فيها من انتهاك جسيم لحق من حقوق الشعوب عندما فرض الحكام العروبيون على الشعب الأمازيغي أن يكون شعبا عربيا وبهوية عربية إلى درجة منع استعمال حتى الأسماء الأمازيغية لأنها غير عربية.

هناك من يرى أن مثل هذه الجرائم المتعلقة بالإبادة الهوياتية الجماعية للشعوب لا تدخل في نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية التي تقتصر على متابعة جرائم الدم وليس جرائم الهوية. نعم هذا صحيح، ولكن إلى حين فقط. فقبل عقد ونصف من الزمن من كان يتصور أن مثل الرئيس السوداني عمر البشير سيصبح متابعا من طرف المحكمة الجنائية الدولية وهو يمارس عمله كرئيس، وبسبب جرائم داخلية ارتكبها ضد جزء من شعبه وليس ضد شعب آخر أجنبي كما في حالة الحروب بين دولتين؟ لقد كانت مثل هذه المتابعة تعتبر تدخلا في السيادة الوطنية للدولة المعنية وهو ما تمنعه الأعراف والقوانين الدولية. لقد كانت المحاكم الجنائية الدولية، منذ محاكمة النازية في "نورنبرغ" (1945 ـ 1946)، تتابع المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي تكون ضحيتها شعوب أخرى، وليس شعوب مرتكبي تلك الجرائم. وقد كانت هذه المحاكمات عبارة عن محاكمة المنتصر للمنهزم كما في محاكمة ألمانيا واليابان في نهاية الحرب الثانية. لكن الأمر تطور اليوم، فأصبحت المحاكم الجنائية الدولية تتابع المسؤولين عن جرائم داخلية يرتكبونها ضد شعبهم وداخل بلدهم. وهذا يعني أن "السيادة الوطنية" الداخلية أصبحت نسبية يحدّ من إطلاقيتها القضاءُ الجنائي الدولي.

وكما أن هذا القضاء الجنائي الدولي تطور وتوسع ليشمل حتى الجرائم الداخلية التي ترتكب في نطاق ما تتمتع به الدول من سيادة وطنية، فقد تطور كذلك وتوسع على مستوى نوعية الجرائم حيث أصبح مختصا في النظر في ما يصنف بجرائم ضد الإنسانية. ثم أضيفت، أخيرا، إلى اختصاصه جريمة أخرى هي جريمة "العدوان" (Agression)، عدوان دولة على أخرى. هذا التطور والتوسع الترابيان والنوعيان (نوعية الجرائم) لاختصاصات القضاء الجنائي الدولي يبينان أنه ليس هناك ما يمنع أن يستمر هذا القضاء في تطوره ويتوسع اختصاصه أكثر فأكثر ليشمل، ليس فقط جرائم التطهير العرقي، بل كذلك جرائم التطهير اللغوي والهوياتي والثقافي والتاريخي كالتي ترتكب ببلدان شمال إفريقيا باسم التعريب. واعتبار هذه الجرائم من اختصاص القضاء الجنائي الدولي ليس أمرا مستبعدا على المدى القريب، خصوصا مع زحف العولمة التي ستنتج كذلك بالتأكيد، كآثار جانبية وثانوية مصاحبة، عولمة جنائية تعاقب مجرمي الحرب والإبادة إلى جانب مجرمي الهوية والثقافة واللغة. كما أن تطور مفهوم "حقوق الإنسان" يسير في اتجاه اعتبار الاعتداء على لغة الشعوب وهويتها انتهاكا جسيما لحق من حقوقها، مما يعرض المسؤولين عن هذا الانتهاك للمساءلة الجنائية الدولية، بحيث تصبح جرائم الإبادة الجماعية، التي هي من اختصاص القضاء الجنائي الدولي، لا تتعلق فقط بالمس بالسلامة الجسدية للأشخاص، بل كذلك بسلامتهم الهوياتية واللغوية والثقافية.

وفي الحقيقة، إن جرائم الإبادة الهويايتة الجماعية التي ترتكب ببلدان تامازغا باسم التعريب الذي هو سياسة تطهير لغوي وهوياتي وثقافي كما شرحنا، لا يزال المجتمع الدولي يجهلها ولا يعرف عنها شيئا. ولم تفلح بعدُ الحركة الأمازيغية في تعريف المجتمع الدولي بهذه الجرائم نظرا للهيمنة الإعلامية والدبلوماسية للدول العروبية بشمال إفريقيا الذي تسميه "مغربها العربي". ففي اليوم الذي سيكتشف فيه العالم حجم الإبادة الهوياتية الجماعية التي ارتكبتها سياسة التعريب العنصرية، فإن القضاء الجنائي الدولي لا شك أنه سيتدخل لمحاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم التعريبية بعد أن يكيفها كجرائم ضد الإنسانية، كما تدخّل في حالة دارفور بالسودان.

وبما أن الجرائم التي يتابعها القضاء الجنائي الدولي لا تخضع للتقادم باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، فإن كل حكام المغرب وكل المسؤولين عن سياسة التعريب الإجرامية منذ الاستقلال إلى اليوم، سيكونون موضوع متابعة من طرف هذا القضاء الجنائي الدولي عندما تصبح هذه الجرائم الخاصة بالتطهير اللغوي ـ الذي يسمونه التعريب ـ داخلة ضمن اختصاصه. ومن المتوقع، آنذاك، أن تصدر مذكرات بحث واعتقال في حق الأحياء منهم، كما أنه قد يلزم الدولة المغربية، نظرا لخاصية الاستمرارية المرتبطة بالدولة، منح تعويضات لضحايا التطهير اللغوي والهوياتي والثقافي.

وإذا كانت دول مثل أستراليا وكندا قد اعترفت بارتكاب جرائم إبادة هوياتية جماعية في حق الشعوب الأصلية للبلدان التي استعمرتها وحكمتها تلك الدول، واعتذرت عن تلك الإبادة التي تمثلت في تعليم أبناء تلك الشعوب الأصلية لغة أولئك الحكام الأجنبية مع إقصاء ممنهج للغة وهوية وثقافة السكان الأصليين، إذا كانت مثل هذه الدول تعترف بذلك وتستعد لدفع التعويضات (حالة كندا)، فإن الدولة المغربية ماضية، وبشكل هوسي وجنوني، في سياسة التطهير اللغوي والهوياتي والثقافي، خصوصا مع الحكومة الاستقلالية الحالية التي قررت تعريب الإنسان والمحيط! وربما لن تتوقف عن هذه السياسة التطهيرية إلا عندما تتوصل بمذكرات اعتقال من طرف القضاء الجنائي الدولي تخص المسؤولين عن هذه السياسية التطهيرية، كما فعل الرئيس السوداني الذي لم يرتدع ويكفّ عن سياسة التطهير العرقي بدارفور إلا عندما طلب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية من المحكمة إصدار مذكرة بحث واعتقال في حق الرئيس عمر البشير.

فمتى سيحاكم المسؤولون المغاربة من طرف القضاء الجنائي الدولي عن جرائم الإبادة الهوياتية الجماعية التي ارتكبوها في حق الشعب الأمازيغي؟

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.