uïïun  142, 

sinyur 2959

  (Février  2009)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

tanttit jar tmurt d tutlayt

Tagrawla n isemghan

Afgan

Tagrawla

Amzruy

Hnna d yinsi

Azvru n tmazirt

Turart i yan uzal ijelan

Français

L'histoire obsédante

L'affaire suspecte des "12 siècles"

Aîcha Heddou, le témoin de l'ultime combat de Zaid Ouhmad

Une justice pour imazighen

Minucius Felix, l'africain voilé

Les "fleurs du ciel" de Omar Taws

Ouvrage en poésie berbère

Communiqué du CMA

العربية

الهوية بين الأرض واللغة

ويستمر الكذب المخزني

ثلاثة رؤوس السنة

هاجس الهوية عند محمد شكري

الهوية والأصل

من تاريخ قبائل أيت عطّا

جمالية الاسم المركب في الأمازيغية

ديوان عبد الرحمان بلّوش

ديوان الشاعر أفولاي

تأهيل العمران وإهمال الإنسان بالريف

الإعلام الإلكتروني الأمازيغي

كتاب يوميات مقاومة مغتالة

بيان الحركة الأمازيغية بمراكش

بيان العصبة الأمازيغية

مسرح تافوكت على القناة الثانية

تقديم وثيقة: من أجل دولة تستمد هويتها من الأرض الأمازيغية

القضاء ينصف المندى الأمازيغي

بيان الحركة الأمازيغية بمكناس

بيان الحركة الأمازيغية بالقنيطرة

نداء إلى القناة الثانية

تقرير عن أسبوع أمود

 

 

 

افتتاحية:

الهوية بين الأرض واللغة

بقلم: محمد بودهان

 

في العدد 103 (شهر دجنبر 2008) من "العالم الأمازيغي"، نشر الأستاذ مبارك بولكيد مقالا بعنوان "عن الأرض والهوية: وجهة نظر"، يناقش فيه وينتقد الوثيقة/الأطروحة التي نشرتها "جمعية الهوية الأمازيغية" بسلوان (الناظور) تحت عنوان "من أجل دولة أمازيغية تستمد هويتها من الأرض الأمازيغية بالمغرب".

من بين ما يؤاخذه الأستاذ بولكيد على أطروحة "جمعية الهوية الأمازيغية":

ـ اعتبارها الأرض المحددَ الأول للهوية مع إهمال للعناصر الأخرى المكونة لهذه الهوية، وخصوصا اللغة.

ـ التركيز على هوية الأفراد مع تجاهل «للهويات الجماعية».

سأناقش تحليل الأستاذ بولكيد من خلال النقط التالية، مع الإشارة إلى أن الأقوال الموضوعة داخل هذا النوع من المزدوجين «» هو كلام الأستاذ بولكيد.

الهوية بين الأرض واللغة:

فيما يتعلق بانتقاد الوثيقة لأنها اعتبرت الأرض هي المحدد الأول للهوية، يقول الأستاذ بولكيد: «إن الوثيقة حين اختارت الأرض أساسا لتحديد الهوية إنما شوشت أكثر، فيما يبدو، على المفهوم الذي اختلفت آراء الباحثين بشأنه أصلا، والذي له أبعاد وعناصر أساسية وفرعية كثيرة».

يجدر التذكير والاعتراف أن الهوية تتكون حقيقة من عناصر متعددة، كما أشار الأستاذ بولكيد، مثل: الأرض، الشعب، اللغة، الثقافة، التاريخ، العرق، وحتى الدين في حالات خاصة. لكن، ضمن هذه العناصر، ينبغي التمييز بين ما هو أصل وما هو فرع، ما هو سابق وما هو لاحق، ما هو مستقل وما هو تابع، ما هو أول وما هو ثانٍ، ما هو رئيسي وما هو ثانوي... وعندما تؤكد وثيقة/أطروحة "جمعية الهوية الأمازيغية" أن الهوية تتحدد بالانتماء إلى الأرض، فذلك بناء على أن الأرض عنصر أصلي وأول ومستقل وسابق عن العناصر الأخرى التي هي بمثابة فروع ولواحق وتوابع رغم أهميتها ودورها في قيام الهوية.

الأستاذ بولكيد يرى، على عكس الوثيقة، أنه يجب، بخصوص حالة المغرب، «التركيز على سؤال اللغة أولا ثم على السبل الكفيلة بتأطيرها وحمايتها على الأرض ثانيا، أرض الواقع المتعدد والمعقد في تعدديته»، وذلك لأن «اللغة في مختلف دول العالم هي عنوان الهوية».

أمام هاتين الوجهتين المختلفتين من النظر حول العنصر الأساسي في تحديد الهوية، الأرض أم اللغة، كيف يمكن الحسم والاختيار؟ أعتقد أن الأمر بسيط: يكفي أن نعرف، من بين هذه العناصر المكونة للهوية، من هو العنصر المستقل الذي لا يحتاج إلى عناصر أخرى لوجوده؟

لنأخذ عنصر اللغة الذي يعتبره الأستاذ بولكيد هو الأول والأساسي في حالة المغرب، لأنه هو عنوان الهوية. فهل توجد لغة بلا إنسان يتحدث تلك اللغة ويسكن أرضا معينة؟ الجواب طبعا لا. إذن، اللغة، كعنصر في الهوية، لا تقوم بلا إنسان، هذا الإنسان الذي لا يمكن أن يوجد إلا في موطن خاص به على الأرض. وكذلك بالنسبة لكل العناصر الأخرى من غير الأرض: فالشعب لا بد له من أرض أولا، والعرق لا بد له كذلك من موطن يتوالد به ويتكاثر، والثقافة لا بد لها من إنسان ينتجها ويمارسها في بلد ما من الأرض، والتاريخ لا بد له من إنسان يصنعه في أرض تجري فيها أحداث ذلك التاريخ ووقائعه. إذن هذه العناصر، رغم أهميتها في تكوين الهوية، إلا أنها تتوقف على عنصر أساسي يضمّها ويجمعها لتدخل في تشكيل الهوية. إنه عنصر الأرض التي يمكن أن توجد خالية من أي إنسان يتحدث لغة ما. وهو ما يعني أنها عنصر مستقل ـ وليس تابعا ـ عن العناصر الأخرى لأنه أول وأصلي وسابق. فالأرض أولا، ثم الإنسان ثانيا، فاللغة ثالثا. فلا لغة بلا إنسان، ولا إنسان بلا أرض. في حين أن الأرض يمكن أن توجد بلا لغة ولا إنسان، كما سبقت الإشارة.

وأسبقية عنصر الموطن وأولويته في تحديد الهوية تؤكده حتى الأسماء التي تحملها الشعوب ولغاتها، في الظروف الطبيعية والعادية عندما لا تتدخل قوى أجنبية خارجية لتطلق على تلك الشعوب تسميات تنتمي للمعجم اللغوي لتلك القوى الأجنبية. فهذه الأسماء التي تعرف بها الشعوب وتسمى بها كذلك لغاتها، ليست سوى أسماء لمواطنها التي تعيش فوقها تلك الشعوب طوال تاريخها: فاللغة "الصينية" هي اللغة التي بتكلمها الشعب "الصيني" الذي هو الشعب الذي يسكن أرض "الصين". فاسم "الصين" كموطن هو مصدر اسم "الصين" كشعب، واسم اللغة "الصينية" كلغة. فهناك إذن اسم واحد هو اسم الموطن أي الأرض، منه يُستمد اسم الشعب واسم اللغة التي يتكلمها ذلك الشعب. الشيء الذي يبيّن أسبقية عنصر الأرض واستقلالية، كعنصر موضوعي ومادي، عن العناصر الأخرى التي يتوقف وجودها، هي، عليه.

لنر الآن ما سيترتب عن اعتبار اللغة هي المحدد الأول للهوية.

لنفرض أن شعبا واحدا، وبهوية واحدة ولغة واحدة، يعيش على أرض واحدة، في جزيرة معزولة لم تعرف هجرات ولا اختلاطا بأقوام أخرى، ولا غزتها ولا استعمرتها شعوب أخرى حتى يكمن القول بأن هوية ذلك الشعب "متعددة" بسبب الاختلاط والهجرات والغزو والاستعمار. إذن إلى الآن كل شيء واحد لا تعدد فيه: لغة واحدة، شعب واحد، أرض واحدة، هوية واحدة. لكن هذا الشعب بدأ، لأسباب نفعية واقتصادية وعلمية، يعلّم أبناءه اللغة الإنجليزية التي أصبح جزء من ذلك الشعب يستعملها في تخاطبه اليومي إلى أن تخلى، بعد قرون من استعماله للإنجليزية، عن لغته الأصلية التي لم يعد يعرفها ولا يتكلمها، مستعملا مكانها الإنجليزية كلغة الأسرة والشارع، أي كلغة الأم. ولنفرض كذلك أن جزءا ثالثا ورابعا من ذلك الشعب أصبحت لغتاه الأم، لنفس الأسباب وبنفس العملية التي رأينا بخصوص الإنجليزية، وبعد قرون كذلك، هي اللغة الصينية والإسبانية. وبما أن اللغة هي عنوان الهوية والأساس المحدد لها، كما يذهب إلى ذلك الأستاذ بولكيد، فإن شعب الجزيرة الواحد، ذا الهوية الواحدة، سيصبح أربعة شعوب بأربع هويات تبعا للغات الأربع المستعملة بالجزيرة: الشعب الأصلي بهويته الأصلية ولغته الأصلية، الشعب "الإنجليزي" بهويته الإنجليزية ولغته الإنجليزية، والشعب "الصيني" بلغته الصينية وهويته الصينية كذلك، والشعب "الإسباني" بلغته الإسبانية وهويته الإسبانية أيضا. والأدهى في الأمر أنه لا توجد حدود ترابية فاصلة بين هذه الهويات الأربع. كل ما هناك هو استعمال أربع لغات مختلفة. فكيف يعقل أن يصبح جزء من هذا الشعب ـ شعب الجزيرة ـ إنجليزيا وذا هوية إنجليزية، وجزء ثالث صينيا وذا هوية صينية، وجزء رابع إسبانيا وذا هوية إسبانية، مع أنه لم يسبق لأي إنجليزي أو صيني أو إسباني أن وطأ تلك الأرض لأننا افترضنا أنها معزولة ولا يهاجر إليها أحد ولا يختلط بسكانها بأحد. فهذا أمر غير معقول أو خُلْف لا يستقيم مع منطق الأشياء. مع أن اعتبار اللغة هي المحدد للهوية يؤدي منطقيا إلى هذه النتيجة التي يرفضها الواقع. لكن إذا اعتبرنا أن الموطن هو المحدد للهوية، فإن هذا الشعب سيبقى شعبا واحدا وبهوية واحدة تبعا للأرض الواحدة التي ينتمي إليها، رغم فقدان جزء من هذا الشعب للغته الأصلية واستبدالها بالإنجليزية أو الصينية أو الإسبانية، لأن اللغة تدخل في إطار عناصر التعدد التي لا تؤثر على الهوية المستمدة من هوية الأرض.

إن هذه الحالة الافتراضية هي الحالة الواقعية للمغرب. الفرق الوحيد هو أن المغرب لم يكن جزيرة معزولة، بل كان أرضا مفتوحة عرفت غزوا واستعمارا وهجرات من جهات الشرق والشمال والجنوب، كان من نتائجها انتشار لغات أخرى، بشمال إفريقيا بجانب اللغة الأصلية التي هي الأمازيغية.

ثم إذا كانت اللغة هي عنوان الهوية والعنصر الأول في تحديدها، فسيترتب عن ذلك أن الهوية الفرنسية جزء من الهوية الوطنية للمغرب ما دامت إحدى اللغات التي يستعملها المغاربة هي اللغة الفرنسية، حتى أن بعض الأسر المغربية، كما يعرف ذلك الأستاذ بولكيد جيدا، لا تستعمل سوى الفرنسية كلغة للتخاطب الأسري ولا تعرف التحدث بالدارجة المغربية. وكذلك ينبغي اعتبار الهوية الأمازيغية والهوية العربية جزءا من "الهويات" الفرنسية ما دامت هاتان اللغتان ـ الأمازيغية والفرنسية ـ مستعملتين من طرف جزء من سكان فرنسا. وحسب هذا المنطق "اللغوي"، تصبح الهند دولة ذات هوية إنجليزية لأنها تستعمل اللغة الإنجليزية كلغة رسمية، وكذلك السينيغال، بالنسبة لاستعماله الرسمي للفرنسية، أو المكسيك بالنسبة لاستعماله الرسمي للإسبانية، أو البرازيل بالنسبة لاستعماله الرسمي للغة البرتغالية. لكن نعرف أن هوية هذه الدول ليست إنجليزية ولا فرنسية ولا إسبانية ولا برتغالية بل هي هويات تابعة لهوية أرض تلك الدول وليس للغات المستعملة.

إن اعتماد اللغة كعنوان على الهوية الأمازيغية، وليس الأرض الأمازيغية كما تؤكد ذلك الوثيقة، هو تبرير وتأييد لفكرة أن الأمازيغيين لا يشكلون سوى "أقلية" ما دام عدد مستعملي الأمازيغية لا يتجاوز 30% كما جاء في الإحصاء "الرسمي" الأخير للسكان. وإذا واصل التعريب قتله للأمازيغية بجانب الهجرة القروية التي تساهم بشكل كبير في تناقص عدد مستعملي الأمازيغية، فإن عدد المتحدثين بالأمازيغية سينخفض سنة بعد أخرى، مما يهدد اللغة الأمازيغية بالانقراض، مع ما قد يؤدي إليه ذلك من انقراض للهوية الأمازيغية التي لن يعود هناك "عنوان" يدل عليها ويعلن عن وجودها حسب فرضية أسبقية اللغة في تحديد الهوية، والتي يدافع عنها (الفرضية) الأستاذ بولكيد.

ثم إن هذا المنظور "اللغوي" يؤكد ويؤيد كذلك الأطروحة القومية العروبية التي تقول بأن المغرب "عربي" في هويته وانتمائه، ما دامت اللغة "شاهدة" على ذلك و"عنوانا" له. بل إن هذا المنظور "اللغوي" لا يختلف في مضمونه عن المدلول "الهوياتي" القومي العروبي لذلك "الحديث" المنسوب للرسول (ص)، والذي يقول: "من تكلم العربية فهو عربي". لكن إذا انطلقنا من كون الهوية تابعة للأرض ونابعة منها، فإن الهوية الأمازيغية للمغرب لن تتراجع مع تراجع عدد المتحدثين بالأمازيغية لأن هذه الهوية مرتبطة بعنصر موضوعي ومادي هو الأرض، إلا في حالات الاستيلاء على هذه الأرض من طرف الغير وإلحاقها بأرضه لتصبح امتدادا لهويته كما حصل في الشام وأستراليا وأميركيا الشمالية. وهذا ما لا ينطبق على المغرب كما يعرف الجميع.

يقول الأستاذ بولكيد: «إن الهوية الجماعية التي يراد لها أن تحظى بالدوام والاستمرار لا مناص من أن تأتلف / وترتكز على المقومات التالية: لغة مميزة ووعي جماهيري بأهمية اللغة كعنصر أساسي في الهوية وأرض خاصة بها وحكومة راعية لها». أليست هذه هي مقومات العروبة بالمغرب؟: لغة مميزة هي اللغة العربية ـ لغة الدولة والمدرسة والمؤسسات ـ؛ ووعي جماهيري (ترسخه المدرسة والمسجد والتلفزيون والإعلام والأحزاب...) بالانتماء "العربي" للمغرب؛ ودور اللغة العربية في هذا الانتماء؛ وأرض تعتبر "عربية" هي المغرب "العربي" كجزء من الوطن العربي الذي يمتد من الخليج الهادر إلى المحيط الثائر كما يحلو للقوميين أن يرددوا؛ وحكومة عروبية تدعو إلى مزيد من التعريب لحماية اللغة العربية. فماذا تبقى من الهوية الأمازيغية أمام هذا المسخ الذي يستهدفها ويدمرها بفعل غسل الدماغ الذي يمارسه التعريب على عقول المغاربة؟ نلاحظ إذن كيف أن هذا المنطق "اللغوي" يخدم العروبة بالمغرب لأنه ينطلق من اللغة التي أصبحت سوقها تحت هيمنة اللغة العربية التي وجدت حكومات تحميها لأنها لغة الدولة والسلطة. لهذا فإن السبيل الوحيد لاستعادة الوعي بالهوية الأمازيغية لدى المغاربة هو ربط هذه الهوية بالأرض التي كانت دائما ولا زالت أمازيغية، وهو ما يثبت أن هوية سكانها أمازيغية لأنها مستمدة من أرضهم الأمازيغية، سواء كانوا ناطقين أو غير ناطقين باللغة الأمازيغية.

الهوية بين الفردي والجماعي:

من الانتقادات التي يوجهها الأستاذ بولكيد إلى أطروحة "جمعية الهوية الأمازيغية"، هو تركيزها، في رأيه، على هوية الأفراد وتجاهلها «للهويات الجماعية». يقول في هذا الصدد: «أما حين تم التمثيل لعلاقة الأرض بالهوية عبر دول العالم بالأفراد المندمجين بدل الجماعات المستقلة، فقد بدا أن الأطروحة المحكومة بشعار تغيير هوية الدولة لم تستطع، في هفوة أخرى، أن تميز بين أفضلية وأهمية طرح إشكال الهوية ببلادنا من منظور تعددي جمعي بدل المنظور الفردي».

فهل صحيح أن الأطروحة تتناول الهوية بمفهومها الفردي كما في الفلسفة وعلم النفس؟

اعتمد الأستاذ بولكيد على أمثلة توضيحية استشهدت بها أطروحة "جمعية الهوية الأمازيغية" ليستخلص منها أن هذه الأطروحة تتضمن "منظورا فرديا" للهوية. فلنحلل مع القارئ هذه الأمثلة:

مثال الرئيس "ساركوزي" و"أوباما" (في مقال مستقل بنفس العدد من "تاويزا") وملك إسبانيا خوان كارلوس، هم أفراد حقا وليسوا جماعات. ولكنهم ليسوا أفرادا عاديين أو نكرة، بل هم أفراد يمثّلون، ليس جماعات فحسب، بل شعوبا ودولا بكاملها نظرا لمناصبهم السياسية العليا التي تأتي في قمة هرم السلطة. وقد اختارت أطروحة "جمعية الهوية الأمازيغية" ـ والمقال المصاحب لها في ما يتعلق بالرئيس "أوباما" ـ هذه الأمثلة عن قصد لتبيّن من خلالها أن هوية الدول ليست تابعة للانتماء العرقي لحكامها كما في المغرب، وذلك تمشيا مع موضوع الأطروحة الذي هو الهوية الأمازيغية للدولة، وليس للأفراد ـ كما يريد أن يوحي بذلك الأستاذ بولكيد. وهو ما يؤكده عنوان الأطروحة: "من أجل دولة تستمد هويتها من الأرض الأمازيغية بالمغرب". فوظيفة هذه الأمثلة بيداغوجية، ترمي إلى تبيان أن حالة المغرب، في ما يخص هوية الدولة، حالة شاذة وغير طبيعية، لأنها مخالفة لهوية الأرض التي تسود عليها هذه الدولة.

ثم إن الذين عرّبوا المغربَ، بفضل مناصبهم السياسية الحساسة في الدولة، وجعلوا هوية دولته عربية، هم أفراد كذلك وليسوا جماعات. فإدريس الثاني الذي تحتفل الدولة بالذكرى 1200 لتأسيسه لأول دولة عربية بالمغرب، كان فردا وليس جماعة عربية. كما أن مولاي علي الشريف مؤسس الدولة العلوية "العربية"، هو فرد وليس جماعة. فبهذا المعنى السياسي، وليس الفردي والشخصي ـ رغم أن الممثل بهم أفراد ـ استشهدت الأطروحة بالرئيس ساركوزي وخوان كارلوس.

نضيف بأن القول إن الأطروحة تفضل المنظور الفردي للهوية على المنظور التعددي الجمعي، فيه تناقض صارخ وبارز مع الملخص الذي أعطاه الأستاذ بولكيد عن الأطروحة، والذي يقول فيه: «إن هويات الشعوب لا تتحدد انطلاقا من العرق بل من الأرض. فالأرض هي التي تمنح هويتها لسكانها وليس العكس». إذا كان هذا هو مضمون الأطروحة كما يعرضه الأستاذ بولكيد نفسه، فكيف يستقيم "المنظور الفردي" للهوية، الذي ينسبه الأستاذ بولكيد إلى الأطروحة، مع التصور الترابي للهوية، الذي تدافع عنه الوثيقة؟ فإذا كانت «الأرض هي التي تمنح هويتها لسكانها وليس العكس»، فمعنى ذلك أن كل هؤلاء السكان ينتمون إلى هويتها وليس فقط هذا الفرد أو ذاك. والوثيقة بكاملها خالية من كلمة "فرد" و"أفراد"، كما يسهل التأكد من ذلك بقراءتها بالعدد 140 من "تاويزا" لشهر دجنبر 2008. بل إن المنظورين اللغوي والعرقي للهوية هما اللذان يسمحان بالحديث عن "منظور فردي" للهوية: فيمكن أن نجد فردا يتكلم هذه اللغة وآخر يتكلم لغة أخرى، مما يعني، اعتبارا أن اللغة هي المحدد للهوية حسب رأي الأستاذ بولكيد، أن لهذا الفرد هوية تختلف عن هوية الفرد الآخر تبعا لاختلاف لغتيهما. كما يمكن أن ينحدر هذا الفرد من هذا الأصل العرقي، وينحدر فرد آخر من أصل عرقي آخر، مما يجعل هويتيهما، حسب المنظور العرقي، مختلفتين تبعا لاختلاف أصولهما العرقية. أما من يعيشون فوق أرض واحدة، على وجه الدوام والاستقرار، فهم جميعا ـ وليس بعض الأفراد فقط ـ ينتمون إلى هوية تلك الأرض حسب استدلال الوثيقة.

في الحقيقة، إن ما ركزت عليه الأطروحة/الوثيقة، ليس هوية الأفراد ولا حتى هوية الجماعات، بل تجاوزت الاثنين لتنشغل بهوية الدولة التي هي عنوان الأطروحة كما سبقت الإشارة.

بالنسبة للسيد بولكيد، لا يمكن للعرب المستقرين بالمغرب أن يفعلوا مثل أوباما الذي «لم ينتخب رئيسا للولايات المتحدة إلا بعد تخليه أيضا عن عنصر غير أساسي من عناصر الهوية الجماعية: الدين». ثم يطرح السؤال: «فهل الوثيقة تريد من العرب المغاربة أيضا أن يندمجوا بالطريقة ذاتها غدا؟ أي بعد استعادة الدولة المغربية لهويتها الأمازيغية؟». لا مجال للمقارنة هنا، في ما يتعلق بالدين، بين حالة أوباما وحالة العرب المغاربة. لماذا؟

ـ لأن "أوباما" لم يأت بدين جديد إلى الأميركيين فآمنوا به واعتنقوه كما فعل الأمازيغيون الذين حمل إليهم المهاجرون العرب الدين الإسلامي الجديد الذي أصبح دينا للأمازيغيين بقدر ما هو دين للعرب.

ـ لأن الدين الذي تخلى عنه "أوباما" ليس هو دين الأميركيين الذين كان ينتظر "أوباما" أن يصوتوا عليه.

ولهذا فإن الاندماج الهوياتي "للعرب" المغاربة ببلاد تامازغا لا يحتاج إلى تخليهم عن دينهم لأنه دين الأمازيغيين كذلك. وبالتالي فإن احتفاظهم بدينهم، عكس "أوباما"، هو عامل يسهل الاندماج لأن العرب والأمازيغ يدينون بنفس الدين.

ما تجب مقارنته بين "أوباما" و"العرب" المغاربة"، ليس عنصر الدين، بل كون كليهما مهاجرين ينتمون إلى أصول عرقية خارج الهوية الأصلية للبلد المضيف. وكما أن "أوباما" أصبح ذا هوية أميركية تبعا للأرض الأميركية التي أصبح يعيش بها، فكذلك ينبغي أن يخضع "العرب" المغاربة الذين يعيشون بأرض تامازغا لنفس القاعدة العامة والكونية، أي اعتناق هوية البلد المضيف.

الفكرة التي يدافع عنها الأستاذ بولكيد، انطلاقا من مفهوم «هويات الجماعات» أو «الهويات الجماعية»، هي أن المغرب "متعدد" في هوياته لأن «الوطن متعدد بمجوعات لغوية معينة ذات خصائص هوياتية». وهنا يسقط الأستاذ بولكيد في الخطاب الاستهلاكي "للهوية المتعددة" للمغرب نتيجة اعتماده، في تحديد الهوية، على عنصر اللغة الذي هو أصلا متعدد. فبما أن اللغات متعددة بالمغرب، يستنتج من ذلك السيد بولكيد أن الهويات متعددة كذلك بالمغرب تبعا لتعدد اللغات. وهو تكرار، من منظور لغوي، لموقف الذين يقولون، انطلاقا من منظور عرقي، بأن هوية المغرب "متعددة" لأن سكانه ينتمون لأعراق متعددة. مع أن التعدد، إذا كان يشمل اللغات والأعراق والأديان والثقافات، فو يتنافى مع طبيعة الهوية التي هي بالتعريف واحدة لا تعدد فيها، وقد تضم لغات وأعراقا وأديانا وثقافات مختلفة ومتعددة.

أما مثال الباسك الذي اختاره السيد بولكيد، ليرد به على أطروحة "جمعية الهوية الأمازيغية"، فهو مثال ضده وليس معه، ويؤيد الأطروحة ولا يعارضها.

فإسبانيا اعترفت، في إطار نظام فيدرالي للحكم الذاتي للجهات، بالحقوق اللغوية والهوياتية للشعب الباسكي كهوية قائمة بذاتها متميزة عن هوية الأغلبية المتحدثة باللغة الإسبانية (الفشتالية) والأقلية الكطالانية. هنا، مرة أخرى، يستعمل الأستاذ بولكيد القياس مع وجود الفارق، في حين أنه لا قياس مع وجود الفارق، كما يقول الفقهاء. فحالة الباسك ـ كما أوضح ذلك الأستاذ براهيم أسافو في مناقشته لرأي الأستاذ بولكيد بالعدد 141 (يناير 2009) من تاويزا ـ لا تصدق على حالة الأمازيغ بالمغرب، لسبب بسيط، هو أن الباسك يشكلون هوية قائمة بذاتها داخل دولة تضم هويات أخرى تفصل بينها حدود لسنية وترابية معروفة. أما في المغرب، فلا وجود لهوية عربية وهوية أمازيغية مستقلتين وقائمتين بذاتهما تفصل بينهما حدود لسنية وترابية معروفة. فهل توجد بالمغرب منطقة خاصة بالعرب وأخرى خاصة بالأمازيغيين مثلما توجد بإسبانيا منطقة خاصة بالباسك؟ فأينما وليت وجهك في المغرب، ستجد أمامك دائما ناطقين بالعربية وناطقين بالأمازيغية. فلا توجد حدود ترابية تفصل بين هؤلاء وأولئك كما في حالة الباسك بإسبانيا. فغياب حدود ترابية يعيش داخلها شعب ينتمي إلى هوية ما، ينتج عنه غياب لهذه الهوية بالكامل. لأن العنصر الترابي هو العنصر الأول لقيام الهوية. وإذا لم تكن هناك حدود ترابية تفصل بين الهوية العربية والهوية الأمازيغية بالمغرب، فلماذا نعتبر المغرب ذا هوية أمازيغية وليس عربية ما دام لا يمكن التمييز بين الهويتين ترابيا؟ الجواب بسيط: لأن هذه الأرض هي في الأصل، تاريخيا وجغرافيا، أرض أمازيغية. وبالتالي، فكل من يعيش فوقها يفترض أنه أمازيغي، وعلى من يدعي العكس أن يثبت ذلك.

ولأن الأستاذ بولكيد يتجاهل عنصر الموطن كمحدد أول للهوية ويعطي الأولوية لعنصر اللغة، فهو يقول، ردا على ما اعتبره أمثلة فردية لا تصدق على «الجماعات الهويايتة»، بأن العرب بالمغرب «جماعات لغوية متجانسة تتوفر على العناصر الأساسية الضرورية لتشكيل الهوية بل لتشكيل هويات». وهذا ما يبرر، حسب منطقه "اللغوي"، الاعتراف بالهوية العربية للمغرب بجانب الهوية الأمازيغية. لكن لنعد إلى مثال الباسك الذي استشهد به الأستاذ بولكيد لتأكيد منظوره "اللغوي": لماذا اعترفت إسبانيا بالهوية الباسكية ومنحت الباسكيين الحكم الذاتي لحماية لغتهم وهويتهم؟ ليس لأنهم "جماعة لغوية متجانسة"، بل لأن لهم موطنا خاصا بهم معروفا بحدوده الترابية، وهو ما لا يتوفر "للعرب المغاربة"، الذين لا موطن لهم سوى الموطن الذي هو موطن الأمازيغيين، وبالتالي فإن هوية هؤلاء "العرب" ستكون أمازيغية تبعا لهوية الموطن. والدليل أن الموطن هو العنصر الرئيسي الذي على أساسه اعترفت إسبانيا للباسك بالاستقلال الهوياتي، هو أن هذه الدولة، التي أثنى الأستاذ بولكيد كثيرا على ديمقراطيتها، لم تتعامل بنفس الطريقة مع "جماعات لغوية متجانسة" أخرى لم تعترف لها بالاستقلال الهوياتي والسياسي كما فعلت مع الباسك، مثل "جماعات" الغجر Gitans الذين يشكلون «جماعات لغوية متجانسة»، تجمعهم عناصر هوياتية أخرى من غير اللغة، كالثقافة والعادات والممارسات الاجتماعية والمعتقدات الدينية، فضلا عن الشعور المشترك بالانتماء إلى قومية واحدة. فلماذا لم تمنح إسبانيا لقوم "الغجر" الحكم الذاتي اعترافا بهويتهم المتميزة كما فعلت مع الباسك؟ لسبب بسيط ـ يؤكد ويدعم الأطروحة الترابية لـ"جمعية الهوية الأمازيغية" ويدحض الأطروحة "اللغوية" للأستاذ بولكيد ـ وهو أن الغجر لا يتوفرون على موطن معروف بحدوده الترابية بإسبانيا مثل الباسك أو الكاطلان. وبالتالي فليست لهم هوية مستقلة وقائمة بذاتها لأنها تفتقر إلى الركن الأساسي في الهوية وهو الأرض. فرغم أن للغجر لغة وثقافة وتاريخا، إلا أن هويتهم تصبح تابعة لهوية الأرض التي يعيشون فيها لافتقارهم لموطن خاص بهم يكون عنوانا على هويتهم: فهم في منطقة الباسك باسكيون، وفي منطقة كاطالونيا كاطالونيون، وفي بولونيا بولونيون، وفي بلجيكا بلجيكيون... إلخ. ونفس الشيء نلاحظه كذلك مع اليهود بإسبانيا: فرغم أنهم يشكلون «جماعات لغوية متجانسة»، لهم دين وثقافة وتاريخ خاص بهم، إلا أن إسبانيا لم تتعامل معهم كما تعاملت مع الباسك ولم تمنحهم بالتالي حكما ذاتيا اعترافا "بهويتهم الجماعية" لأنهم لا يتوفرون على موطن خاص بهم في إسبانيا، عكس الباسك. وهذا يثبت إذن أن الموطن هو العنصر الأول المحدد للهوية، وليس اللغة. وإذا لم يكن "للعرب المغاربة" هوية مستقلة بالمغرب، فلنفس السبب "الترابي"، أي غياب موطن "عربي" خاص بهم في المغرب، كما سبقت الإشارة.

كل هذا يبيّن ـ عكس ما يذهب إليه الأستاذ بولكيد ـ أنه لا يكفي أن توجد «جماعات لغوية متجانسة»، لتكون لها هوية مستقلة وقائمة بذاتها ما لم تكن لها أرض خاصة بها كإطار ترابي لهذه الهوية.

الأستاذ بولكيد لا يميز بين دولة ذات هوية واحدة كألمانيا أو اليابان أو إيطاليا، وبين دولة ذات هويات متعددة (بالجمع، وليس هوية متعددة بالمفرد)، مثل إسبانيا أو بلجيكا أو عراق ما بعد صدام. وكيف نميز بين الدولة ذات الهوية الواحدة والدولة ذات الهويات المتعددة؟ بوجود هويات مستقلة وقائمة بذاتها تفصل بينها حدود لسنية وترابية، كما في حالة الباسك والكطلان بإسبانيا، أو الفلامان والفالونيين ببلجيكا، أو العرب والأكراد بالعراق... فهذه الهويات لها مواطنها الترابية الخاصة بها داخل الدولة الواحدة. أما في المغرب، فلا وجود لمواطن خاصة بهذه الهوية أو تلك، لأنه ذو هوية واحدة هي الهوية الأمازيغية بحدودها الترابية التي تتطابق مع الحدود الترابية للدولة، بغض النظر عن مختلف الأعراق واللغات المتعددة بالمغرب، لكن ضمن هوية واحدة هي الهوية الأمازيغية النابعة من الأرض الأمازيغية، كما هو شأن كل الهويات في باقي بلدان المعمور.

هويات الجماعات أم هوية الدولة؟:

بنى الأستاذ تصوره للهوية على مفهوم «هويات الجماعات» أو «الهويات الجماعية» الذي يتكرر كثيرا عبر المقال كمفهوم رئيسي لتحليل إشكالية الهوية.

في الحقيقة، اعتماد هذا المفهوم الجمعي لتحليل إشكالية الهوية، هو تجنب لهذه الإشكالية وتهرب من تحليلها، وذلك بتحويل النقاش إلى موضوعات جانبية وهامشية لا تربطها بالإشكالية الحقيقية إلا علاقة بعيدة وضعيفة. لماذا؟

1 ـ لأن مفهوم "الهويات الجماعية" يحيل على الشعور بالانتماء المشترك إلى جماعة محدودة، كأعضاء قبيلة أو سكان قرية صغيرة، أو أبناء عائلة ينحدرون من جد واحد، أو عمال شركة تجمعهم المهنة ومكان العمل، أو جنود يعيشون بثكنة واحدة، أو فريق نادٍ رياضي لكرة القدم مثلا... وهكذا يمكن أن تتعدد "الهويات الجماعية" بشكل لا حدود له تبعا لعدد العائلات والقبائل والقرى والأحياء السكنية والوظائف والمهن... وهو ما يلغي نهائيا المفهوم الحقيقي للهوية، التي هي شعور ـ ليس بالانتماء المشترك إلى نفس المهنة أو نفس الحي أو نفي القبيلة أو نفس الجيل... ـ بل بالانتماء المشترك إلى نفس الأرض، مع ما يصاحب ذلك من اشتراك في نفس القيم واللغة والثقافة والتاريخ.

2 ـ بهذا المفهوم ـ الهويات الجماعية ـ يتم تجنب المشكل الحقيقي المتمثل، ليس في هويات الجماعات، بل في هويات الشعوب التي تملك هوية حقيقية تتجلى في أرض وتاريخ ولغة وثقافة. وإذا كانت إسبانيا قد منحت الاستقلال الذاتي للباسك، فليس لأنهم يشكلون "جماعة هوياتية"، بل لأنهم شعب له موطن ترابي وليس مجرد جماعة. ونفس الشيء بالمغرب: فالأمازيغيون ليسوا مجرد "جماعات هوياتية"، بل هم شعب يُعرف بموطنه الجغرافي أولا، بجانب تاريخه ولغته وثقافته.

3 ـ إلا أن أخطر ما في هذا المفهوم ـ الهويات الجماعية ـ هو القفز على جوهر مشكل الهوية الذي هو مشكل سياسي أصلا وانتهاء. ويتجلى هذا القفز في السكوت عن هوية الدولة، والاستعاضة عنها بـ"الهويات الجماعية"، المحلية والصغيرة والمتعددة، مع بقاء الهيمنة للهوية العربية كهوية للدولة. وهذا هو الاتجاه الذي تسير فيه "السياسة البربرية الجديدة" التي لا ترى حرجا في الاعتراف بالحقوق الأمازيغية كحقوق لـ"جماعات هوياتية" محلية، شريطة أن تبقى هوية الدولة عربية. والمشكل، كل المشكل، هنا، أي في هوية الدولة، وليس في "الهويات الجماعية". فلا أحد يمنعك من أن تكون منتميا إلى الأمازيغية. لكن يمنع عليك أن تكون منتميا إلى دولة أمازيغية، لأن الدولة عربية وتملك السلطة السياسية التي تحافظ بها على طابعها العربي وتمنع الهوية الأمازيغية من الوصول إلى هذه السلطة السياسية.

ولأن الأستاذ بولكيد يسكت عن هوية الدولة، فهو لا يعارض في أن تبقى الدولة عربية في الوقت الذي تعترف فيه هذه الدولة بهويات الجماعات الأمازيغية. يقول بأن الجهود يجب أن تتوحد «للنضال من أجل نظام ديموقراطي فيديرالي يقر بتعدد الهويات الجماعية المحلية بغض النظر عن طبيعة اسم الدولة أو شكل هويتها المعلنة». إنها وصفة أخرى "للسياسة البربرية الجديدة" التي لا ترى مانعا في الاعتناء بالأمازيغية كتعابير محلية وتراث مرتبط بجماعات جهوية صغيرة، محايد سياسيا، يبرز الوجه "المتعدد" و"الغني" للثقافة الوطنية، ما دام أن ذلك الاعتناء بالأمازيغية لا يمس الثوابت العروبية للدولة بالمغرب لتستمر العروبة، بالمفهوم العرقي والسياسي، في استئثارها بالسلطة والثروة، ليس على المستوى المحلي، بل على المستوى الوطني، بعد أن تم تحييد الأمازيغية سياسيا حتى لا تشكل أي خطر سياسي على العروبة الحاكمة والمهيمنة. فكل شيء بالمغرب ينبغي أن يكون "متعددا" و"متنوعا" لتبقى العروبة وحدها واحدة وموحدة. إنه مبدأ "فرق تسد"، الذي تسانده أطروحة الأستاذ بولكيد دون أن يقصد ذلك أو ينتبه إليه.

وعندما يقول: «إن إسبانيا لم تكن مضطرة كي تحقق الكرامة لشعوبها أن تعرف نفسها بأنها دولة باسكية أو كاطالانية»، فهو يستعمل، مرة أخرى، آلية القياس الفاسد، إذ يقارن حالة الباسك بحالة الأمازيغيين، مع أن الفرق كبير بين الحالتين: فالباسك هم أقلية تحتل منطقة محدودة من شمال إسبايا، وليسوا كالأمازيغ الذين يحتلون كل المغرب، من طنجة إلى الكويرة، كما شرح ذلك الأستاذ براهيم أسافو. ولهذا فليس من المعقول، ولا من الديمقراطية، أن تكون هوية إسبانيا كلها باسكية أو كاطالانية فتغير هويتها من دولة إسبانية إلى دولة باسكية أو كطلانية. لأن هذين الشعبين ـ الباسكي والكطلاني ـ لم يطالبا بذلك وليس لهما الحق في ذلك وإلا لكانا توسعيين يريدان الاستيلاء على أرض الغير. ولهذا منحا فقط حقوقهما المشروعة المتمثلة في تمتعهما بالسيادة السياسية والهوياتية واللغوية داخل حدودهما الترابية فقط. ولذلك، فإن تطبيق النظام الفيديرالي الجهوي بالمغرب، بشكله الإسباني، إن كان مفيدا على المستوى الاقتصادي والإداري والسياسي الديموقراطي، فإنه لا يحل مشكل الهوية كما في إسبانيا، بل يعمقه ويؤزمه أكثر.

فالذي يحتاجه المغرب، لحل مشكل الهوية، ليس منح الاستقلال الذاتي "للهويات الجماعية المحلية" على الطريقة الإسبانية، بل الحصول على استقلال هوياتي وطني للمغرب كله كدولة أمازيغية. آنذاك فقط، يمكن منح الاستقلال الذاتي للجهات، ليس لأسباب هوياتية كما في حالة الباسك، بل لأسباب ديموقراطية وإدارية واقتصادية كما سبقت الإشارة، لأن الهوية ستكون واحدة، وهي الهوية الأمازيغية، سواء للسلطة المركزية أو للجهات المتمتعة بالحكم الذاتي. فالنموذج المناسب، إذن، لحالة المغرب، ليس إسبانيا، التي انبهر بنظامها الأستاذ بولكيد وكل المطالبين بالحكم الذاتي "للمناطق" الأمازيغية، بل نموذج النظام الفيدرالي الألماني لأن هوية الجهات الفيدرالية جرمانية مثل هوية السلطة المركزية التي هي جرمانية كذلك.

وعندما نقول إن النموذج الإسباني لا يناسب حالة المغرب فيما يخص إشكالية الهوية، فليس بسبب «إيديولوجيا مقدسة شعارها التوحيد في كل شيء»، بل لأنه لا توجد بالمغرب شعوب مختلفة وبهويات مختلفة ومتمايزة بحدودها وأراضيها، كما في إسبانيا وبلجيكا والعراق مثلا. ولهذا فإن موقف "جمعية الهوية الأمازيغية" هو أول أطروحة أمازيغية انتقلت بمشكل الهوية من المستوى الفردي والجماعي إلى المستوى السياسي المتمثل في هوية الدولة. ولهذا تدعو الأطروحة الحركة الأمازيغية، وكل المغاربة، سواء كانوا ناطقين أو غير ناطقين بالأمازيغية، إلى النضال والضغط في اتجاه تغيير هوية الدولة إلى هوية أمازيغية تبعا لهوية الأرض الأمازيغية التي تحكمها هذه الدولة.

ورغم أن الأستاذ بولكيد يؤكد بوضوح «أن القضية الأمازيغية ببلادنا قضية سياسية بامتياز»، إلا أنه تجنب مناقشة ما هو سياسي، أي هوية الدولة، وحصر النقاش في ما هو ذو طبيعة سيكولوجية واجتماعية وأنتروبولوجية أكثر مما هي سياسية، عندما ركز تحليله على "الهويات الجماعية"، وليس على هوية الدولة.

وإذا كان الصراع بين العربية والأمازيغية «ليس مفتعلا بل حقيقيا وقاتلا»، فلأن الدولة عربية في هويتها، وبالتالي فهي تعتني بلغتها التي هي لغة انتمائها على حساب اللغة الأمازيغية التي تدمرها يوميا سياسة التعريب التي ترعى بها الدولة العربية لغتها الهوياتية وتمنع الأمازيغية من منافستها. ويتساءل الأستاذ بولكيد: «وما هي الحلول المناسبة لتعايشهما واستمرارهما (يقصد العربية والأمازيغية)؟». الحل هو ما تقترحه أطروحة "جمعية الهوية الأمازيغية"، والمتمثل في تمزيغ هوية الدولة التي تصبح دولة أمازيغية. ففي إطار هذه الدولة الأمازيغية، لن يكون هناك صراع بين اللغتين. لماذا؟ لأن اللغة العربية ستأخذ موقعها الطبيعي كلغة وليس كهوية تدمر وتلغي الهوية الأمازيغية، كما هو الحال اليوم في إطار الدولة العروبية. فمصدر الصراع، ليس هو اللغة العربية في حد ذاتها كلغة، بل في استعمالها السياسي كهوية للمغرب وللدولة. ولهذا نلاحظ غيابا لمثل هذا الصراع بين الأمازيغية والفرنسية رغم أن هذه الأخيرة لغة المستعمر. لأن وظيفة اللغة الفرنسية في المغرب وظيفة لغوية محضة وليست وظيفة هوياتية ترمي إلى إحلال الهوية الفرنسية محل الهوية الأمازيغية بالمغرب كما أريد للعربية في الدولة العروبية لمغرب اليوم.

أما عن اللغة الأمازيغية «وهل هي اللغة المعيارية المفترضة أم اللغات المتداولة حاليا؟ وما موقع كل هذه التنويعات اللسنية في الحياة العلمية والعملية داخل الوطن الموحّد؟»، فهذا ليس مشكلا حقيقيا إلا في إطار الدولة العروبية التي تواجه المطالب الأمازيغية بهذه المشاكل والأسئلة لتقنع الرأي العام أن تدريس الأمازيغية لا يمكن أن ينجح، وأن ترسيمها الدستوري غير ممكن: فأية أمازيغية ستدرس؟ وأية أمازيغية سترسّم؟ هل هي أمازيغية الحسيمة أم تزنيت أم خنيفرة ام فكيك أم أزرو...؟ إذن ينبغي الاحتفاظ باللغة التي لا تطرح مثل هذه المشاكل وهي اللغة العربية. هذا هو منطق خصوم الأمازيغية.

أما في الدولة الأمازيغية، فهناك عدة حلول ممكنة لهذه المشاكل:

1 ـ فقد تفرز الأمازيغيات المتداولة، بعد مدة طويلة قد تتجاوز نصف قرن، لغة أمازيغية موحدة تفرض نفسها بالممارسة والكتابة والإبداع والإنتاج الثقافي.

2 ـ وقد تبقى الفروع الثلاثة للغة الأمازيغية كلغات للدولة الأمازيغية.

3 ـ وقد تلجأ الدولة الأمازيغية إلى اختيار لغة أخرى، كالعربية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية، كلغة رسمية للدولة الأمازيغية، مع استمرار اللغات الأمازيغية في القيام بوظيفتها التواصلية والتخاطبية مع الرفع من أدائها الكتابي واستعمالها في الإدارات والقضاء بعد تعميم تدريسها في كل المؤسسات التعليمية بشكل جدي وحقيقي وليس بالشكل الهزلي والعبثي كما نلاحظ اليوم. وهذا ما فعلته الهند التي اختارت الإنجليزية كلغة رسمية رغم أن اللغة الهندية لغة حضارية عريقة عرفت الكتابة منذ آلاف السنين ودونت بها نصوص دينية مقدسة.

المشكل، إذن، ليس اللغة، بل الهوية العربية للدولة التي تنحاز للغة هويتها وتقصي اللغة الأصلية للسكان. وعندما تنتفي الأسباب، ستنتفي معها نتائجها منطقيا وتلقائا، أي عندما تكون الدولة أمازيغية، فلن تكون هناك مثل هذه المشاكل المرتبطة بالهوية العربية للدولة.

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.