uïïun  148-49, 

tamyur - tzayur 2959

  (Août - Septembre  2009)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

asudyt d usoarrb d asrtit d taçuëant d ictn

Nada

Tanessist

Akud n tmazight

Tarwa n imazighen

Awal d iman

Ar diqqar

Imal

Français

Entre racisme et nationalisme

L'amazighité entre le marteau historique et politique

Approche de l'érotisme à travers la poésie rifaine

La mer dans la chanson rifaine

"Timatarin" de lahoucine Jouhadi

Le "livre noir" et le temps des liquidations

Livre Sur M.Chafik

Communiqué de l'association Amghar

العربية

التهويد بفلسطين والتعريب بالمغرب: وجهان لسياسة عنصرية واحدة

أنا الأمازيغي بلادي عربية

لن ترضى عنك العرب والفرنجة حتى تسجد لأصنامهم

التمثيل الباراميتري للشلح

الفعل المدني والملف المطلبي الأمازيغي

المغرب مملكة أمازيغية

أمرّوك أم موراكوش؟

هل العرب عرب؟

التاريخ الاجتماعي لدادس

الخطب قد طمى

تملالت، وجهتي الأخيرة

المطالبة بالحكم الذاتي مضيعة للوقت والجهد

الشهد الشعري في الشعر الشوهادي

قراءة في فيلم بولملاين

كتاب الأمازيغية والسلطة

القصة الأمازيغية والطفل

ديوان أكزيرن

المؤتمر الأمازيغي الأول للشباب

جمعية إيكيدار تعقد جمعها العام

 

 

 

الفعل المدني، المجتمع المدني والملف المطلبي الأمازيغي (*)

بقلم: عبد الله زارو

 

لن نكون من هواة العدمية ولا من دعاتها فنبادر إلى النفي البسيط للفعل المدني بالمجتمع المغربي. فذلك الحكم عادة ما يحلو لعرابي التيئيس ومحترفي السياسة الحزبية الضيقة الترويج له بغية الاستمرار في ممارسة الوصاية المطلقة على تطلعات الناس واحتكار فعل تأطيرهم وتوجيههم و»تهذيب» مطالبهم.

لكننا وبالقــدر نفسه لا يستهوينـــا الطريق الســـهل في تعريف ماهية المدني ـ فعلا كان بإطلاق أو مجتمعا ـ بالتعاريف المعهودة. تعاريف ترى فيه بالجملة تلك القوة المهيكلة الموازية للمجتمع السياسي، وهو تعريف رائج بالمناسبة منذ هيغل. هذا الذي تنهض فلسفته العامة أو بالأحرى نسقه الفلسفي على منطق التضاد الجدلي وعلى التحديدات الكبرى التي عادة ما لا تأخذ بالحسبان سوى المهيكل والمتناهي بالكبر والبارز للعيان بصفته الخالق للتاريخ والحامل لروح عصر وزمن، ( ZEIST ) الألماني الشهير... فهوس المهيكل والضخم الواعي بوظيفته التاريخية وباتجاه حركته الغائية، هذا الذي صار له اسم تقني مع ماركس وهو المحدد في آخر المطاف instance le déterminant en dernière أقول هذا الهوس حجب عنهما معا القدرة الأخرى. قدرة ما هو أقل هيكلة وضخامة وبروزا وصخبا على نحت معالم التاريخ والأوضاع والأشياء والمجتمعات ولو على مهل.

وقد كان الفرد باعتقادي هو الضحية الأولى لهذا التصور الشمولي والتجميعي. الفرد وما يرتبط به من مبادرات فردية وكل ما هو دون الطبقي أو ما فوقه أو ما بين ثناياه وتضاعيفه كالقبلي والعشائري والإثني وابتكارات وبصمات الآحاد ودمغة النبوغ القومي سواء في النسيج العام لثقافة مجتمع أو في ما يدعى بالثقافات الفرعية المتحدرة منها Sous cultures. والذين درسوا هذه النقطة بالتفصيل الأكاديمي الضافي وقدموا تحاليلهم في طروحات قائمة بذاتها ذهبوا أبعد من ذلك. فرأوا على سبيل المثال لا الحصر أن موكب الضحايا، ضحايا هذا التصور النسقي الشمولي، يتمدد لنجد له آثارا على المستوى المعرفي الخالص كالحس السليم والمعرفة العادية وما كان يسمـى في لغة قدحية بالدوكسا (الرأي الشائع أو بادئ الرأي) والحدوس الفردية والأسلوب الشخصي والروح الجماعية والشخصية المجتمعية القاعدية وروح أمة. فهذا وغيره بعرف هؤلاء النسقيين (عبدة العقل الكوني حسب العبارة الشهيرة لسيوران) يندرج ببساطة ضمن التهيؤات والتخرصات والوعي الزائف الذي لا يعتد به عند الدراسة الجادة لسيرروة الأفراد والمجتمعات.

على الضفة الأخرى لهذا التصور الشمولي (الهولي من le holisme) نتموقع. وبناء عليه فإننا نرى ما يلي: الفعل المدني هو ببساطة فعل صادر عن هذا المنتمي مجاليا إلى المدينة، هذا الجدير بالانتماء إلى المدينة لما قد يكون أبان عنه من قدرة على التمدن وإتيان السلوكات المتمدنة والمتحضرة. فالمدينة والتمدن والمدنية لها بالمناسبة جذر لغوي واحد. المدينة هنا لا بصفتها فضاء مخصوصا مقابل القرية أو البادية بل بصفتها تكثيفا للقدرة، قدرة الأفراد والمجموعات على العيش المشترك داخل فضاء يفترض فيه أنه غير متجانس بشريا وثقافيا وهي المدينة وقدرتهم على تصريف خلافاتهم وتدبير منازعاتهم. تلك التي قد تعترضهم على طريق هذا العيش المشترك بما يمليه العقل الحصيف والمشاعر الخيرة والمصلحة العليا أيضا. تلك المصلحة التي لها معنى واحدا: حفظ التوازنات ومراعاة الخصوصيات. هذا بالمقام الأول.

بالمقام الثاني، قد يكون الفعل المدني صادرا عن أفراد أو مجموعات قد لايجمعهم أو يجمعها بالضرورة الهم الطبقي (الاقتصادي الصرف) بل وهموم أخرى كالهم الثقافي وهم الانتماء والتجذر في فضاء رمزي كالذاكرة أو مادي كالحي والإقليم والجهة والوطن أو الإخلاص لحساسية من الحساسيات التي تنغل بها المجتمعات منذ أن وجدت سياسة كانت أو اجتماعية أو جمالية أو فنية أو جثمانية وهلم جرا. والقارئ لحصيف دقيق الملاحظة كوالتر بنيامين سيستوعب جيدا هذه النقطة.

بالمقام الثالث، ليس من شرائط هذا الفعل الواجبة أن يكون واعيا دائما بذاته أي قصديا. يأتيه صاحبه ـ فردا أو جماعة ـ وهو يدرك أنه يفعله ويقصد من ورائه غايات مرسومة سلفا كما لو كان برنامجا أو خطة مضبوطة من ألفها إلى يائها أو من الألفا إلى الأوميغا. كلا. فميكانيزمات الدفاع الذاتي (الإواليات الدفاعية) ليست دائما واعية بذاتها ولا بمسارها ولا بما تقصده، لكن لا يجعلها هذا أقل قيمة من حيث النجاعة والفعالية. هذا مؤكد تماما ومعروف على مستوى البيولوجيا ومؤكد بدرجات متفاوتة على مستوى الجسم الاجتماعي (السوسيولوجيا ).

لذلك، فكل أنواع المقاومات التي تصدر عن الجسم الاجتماعي والفردي واعية كانت أو غير واعية هي في صلب هذا الذي ندعوه بالفعل المدني. تروم بشعور أو بدونه إلى إحلال توازن حيث اختلال أو إعادته بعد أن عمر الاختلال طويلا هنا أو هناك في أطراف ذلك الجسد. اختلال غالبا ما يتخذ شكل تعنيف مادي أو رمزي، لنقل لملمة تعرض لها الجسد المعنف يقابلها بحلحة دالة على أن الحياة لا زالت تدب في أطرافه ومفاصله. ومن هذا المنظور بالذات، لا نرى أبدا في ما يدعى بالمجتمع السياسي غريما أو ندا مطلقا للمجتمع المدني، فهما أصلا يشتركان في صفة الانتماء إلى المدينة ويحوزان جدارة الانتساب إليها للأسباب التي ذكرناها آنفا. كل ما هنالك أننا إزاء قوتين تتجاذبان وتتنازعان القدرة على الفعل. والأهم أن ذلك لا يتم دائما في صدام وجفاء وخصام. والفعل إياه يتمحور حول تدبير شؤون المدينة. فنعت Civil الملحق بالمجتمع يحيل أصلا على Civitas أي جمهرة من المواطنين (المنتمون إلى المدينة) ونعت Politique الملحق بالسياسي يحيل على Polis ودال أيضا على المدينة والقدرة التي قد تتميز بها نخبة (خاصة المجتمع) في تدبير شؤون هذه المدينة. والمشترك بين الاثنين ـ وليس باليسير ـ هو الانتماء إلى المدينة والعيش تحت سقفها ودينها عليهما معا. أما نقاط الخلاف التي قد تبرز إلى السطح موسميا أو دوريا أو بطرق عارضة أو متواترة، هادئة أو مهيجة، بين Civitas  و Polis إنما تكون ناتجة عن اختلاف في المنظور وتقدير للأمور الذي لا يكون دائما صائبا أو نزيها أو موضوعيا أو بمستوى اللحظة التاريخية كلما تعلق الأمر بقرارات يتخذها المجتمع السياسي أو تيارات ينساق وراءها المجتمع المدني.. لكن على العموم، يمكن القول إن الأول غالبا ما يكون مهووسا بإحكام قبضته على الثاني وبنزعة محافظة وبممارسة آلية المراقبة والحساب والعقاب. في حين غالبا ما يظهر المجتمع المدني كقوة موازية وموازنة وراصدة لمظاهر شطط وأخطاء وخطايا غريمه النسبي ومتطلع إلى تغييرات وإصلاحات. في موضع آخر سميته بوجهه الآخر، بنسيخه وضعفه. قلت غالبا لأن الآية يمكن أن تنعكس عندما يجذب المجتمع السياسي نحو الأمام أي يكون قوة جاذبة ويكون المجتمع المدني قوة نابذة وثمة أمثلة في التاريخ عن ذلك.

الكلام النظري المعروض حتى الآن ولو على عجل ضروري لنتموقع معرفيا. أما الآن فسأحاول أن أجد له صدى (أصداء) على الأرض. نختصر فنقـــول بأن الفعل المـــدني فـي الأغلــــب الأعم أي في الحــالة الطبيـــعية والسوية (والتاريخية) يتحدد في تقديرنا كسلطة تذكيرية، قوة أخلاقية لاشعور سياسي أو بالعبارة التصويرية الشهيرة لفرويد هو بمثابة الغرفة الخلفية للقرار السياسي الخالص. لا تنقص من مدنيته أن يكون عملا فرديا معزولا أو جماعيا مندمجا ومندغما، مهيكلا أو شبه مهيكل أو غير مهيكل. فالرصد اللبيب لحركية المجتمعات هو الذي يلتقطه بصفته حاملا ومعبرا عن مؤشرات تدل على حاجيات مجتمعية تتطلع إلى الإشباع والتلبية وبعدها إلى الاعتراف والتكريس والمأسسة.

** ** **

حتى وإن كنت لا أحب كثيرا أن أستشهد بنفسي لكن لا بأس في ذلك عندما يكون الهدف هو توظيف الذاتي من أجل بيان أكبر للموضوعي. لا زلت أذكر أنني قمت في أواخر الثمانينيات بتنسيق مع ثلة من الإخوة الجزائريين بإطلاق برامج ثقافية واجتماعية وسياسية حول الأمازيغية توليت فيها الشق المغربي على أمواج إذاعة تيويزي. وبما أن توقيت برامجنا المغربية بتاشلحيت يأتي متأخرا أي من 10 ليلا إلى ما بعد منتصف الليل فقد كنت أجد في حسي المدني الفردي ما يكفي من الزاد لأصبر وأصابر.. وكنت أقطع الطريق جيئة وذهابا من كليشي إلى مونتروي سيما وأن حركة المترو تقل في هذا التوقيت واستطعت رغم صعوبة الوقت آنذاك بالنظر إلى البعبع القبايلي الذي كان يتم تخويف المغاربة الأمازيغ منه في الأوساط الباريسية من قبل رجال الاستخبارات وما شابه أن أشهر تنسيقي مع هؤلاء الإخوة وتمكنت بالمثابرة و الصبر أن أخلق نواة مغربية أمازيغية قوامها طلبة وتجار وشباب ونساء عبر البرامج المباشرة. كما أجريت استجوابات صحفية مع مسؤولين جمعويين معروفين ومغمورين على مستوى المغرب لفائدة الإذاعة. أثرنا فيها حينها ما كان فعلا خطوطا يخشى الاقتراب منها في المسألة الثقافية وعرفت من خلالها بالصوت الأمازيغي المناضل سواء في فصاحته اللغوية (أوال إيموزغن) أو في درجة وعيه المتقدمة بهويته وتاريخ بلده وتطلعاته باتجاه حصولها على مكان تحت الشمس على أرضه... ورغم بعض محاولات التشويش والتخويف المقنعة والمعروفة مصادرها وأصحابها على كل حال، أولئك الذين أرادوا منا الانسحاب من التجربة أو على الأقل تحويل برامجنا إلى بوق باهت للإعلام الرسمي المغربي، فإننا أصررنا على المسير محافظين على استقلالية برامجنا من تأثير الحكومات وواصلنا الحفاظ على علاقاتنا الأخوية المميزة مع الأخوة القبايليين كما أخذنا بأيدي مواطنينا سيما من سوس والريف حتى يستفيدوا من تجاربهم الثرة في التنظيم والإشعاع وربط العلاقات العامة، فضلا عن التثقيف وسبل النشر والكتابة بالأمازيغية.

وعلى ما قد يظهر من هذه التجربة الشخصية اليوم التي أتذكرها بحنين واعتزاز من تواضع إلا أنها في سياقها كانت بحق عملا مؤسسا للفعل الثقافي الأمازيغي المغربي على الأرض الفرنسية. كما كان لها السبق في ربط الجسور الأولى للتواصل والتعاون بين النشطـاء الأمازيغ في المغربين الأقصى والأوسط. وهذه النواة أينعت وأزهرت اليوم بفضل الاستمرارية التي حققها الإخوة المؤسسون من الجيل الثاني...

وأذكر أن عودتي إلى أكادير كانت مصحوبة بهذا المخزون من التجربة أو بالأحرى ببقايا منه. واعتمادا عليه، قمنا بوضع اللبنات الأولى لتاماينوت المسماة آنذاك الجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية مع أقرباء وأصدقاء. وفي كل ذلك لم يكن يحركني سوى إحساسي المدني بالغبن الذي طال ولا زال هذا المكون القاعدي لهويتنا الوطنية.. كذلك كان الأمر في كتاباتي. ففي ترجماتي التي تعدت عشرة كتب في مختلف المجالات بتنسيق مع مؤسسات تاوالت الأمريكية، كان يقودني هذا الحدس نفسه، حدس أن الأمازيغية بحاجة أكثر إلى ذويها في البلاد الليبيية. وتحت تأثير ودفعة ذات الحدس وضعت كتاب «إيمازيغن أسا» لسالم شاكر والحلقات الدراسية لياكورن تحت تصرف نشطائنا كما وأطلقت على مستوى جامعة ابن زهر مجلة أناروز بتعاون مع الطلبة وقمت بسفريات إلى بلاد القبائل لعلي أستفيد منها أشياء في التنظيم والعمل الجمعوي المدني الأمازيغي. بهذه الروح المدنية كنت أتحرك. وهذه الحركة لم أكن أحصرها في اسم جمعوي ضيق أو انتماء مؤسساتي بعينه..

ولا شك أن المبادرات الفردية لأخوة آخرين في الحقل الأمازيغي المغربي أسبق وأكثر جرأة واقتحاميـة وغنى كانت تحركها نفس الروح وبنفس القناعات والتطلعات المشروعة «أن تشعل شمعة أفضل من أن تسب الظلام». والحق أن ما وصلت إليه أمازيغيتنا اليوم من انتعاش نسبي يدين في جزء كبير منه لهذه الاندفاعة الفردية التي هي في جوهرها من صميم السلوك المدني. وما يميزها هو صمتها وصبرها ونزاهتها وغالبا ما تكون بعد ذلك وبتلك المواصفات بمثابة الفترة الذهبية لكل تأسيس. هذا بطبيعة الحال قبل أن تتسرب إليها أمراض التهيكل والتنظيم والحلقية والتمترس خلف أطر بعينها ومسميات بذاتها.. هذا معطى لا يجب أن يغيب اليوم عن الفاعلين في الحقل الأمازيغي، أقصد لحظة التأسيس المثقلة بالبراءة النضالية. رغم ما يسمها من تشتت ظاهر وغلبة الطابع الفردي والرومانسية النضالية فإنها مؤسسة بالفعل لما سيتحول بعد ذلك إلى عمل جماعي وجمعوي مهيكل له ماله وعليه ما عليه. أي أنه يتلون بمزايا ونقائص كل تجمع بشري داخل وعاء ثقافي خاص.

بعد الزوال التدريجي لفترة «غربة الأمازيغية» على أرضها وبين ظهران أهلها، تناسلت الجمعيات الأمازيغية وتفرعت ولم تفلت بدورها من لوثة الانشقاق والانشطارات. تلك النزعة الانقسامية التليدة المخلدة في الأنثربولوجيا الكولونيالية والتي لم تفلت من سطوتها حتى صحافة المتفرقات. فمن رحم الصباح خرجت الصباحية والمساء ومن المساء إندلقت مسائية مقنعة (أخبار اليوم ). وعشنا حتى صرنا شهود عيان على أدعياء النقاوة السياسية والبكارة الثقافية الموهومة ينعتون حزب العدالة والتنمية على لسان أحدهم بعد انشقاقهم عنه بحزب النذالة والتعمية. وبعدها مباشرة أسسوا الفضيلة وهل من الفضيلة في شيء يـا شيخ إطلاق السباب والتنابز بالألقاب؟ كذلك صار للأمازيغية متحدثون ومحبون لها كل على طريقته بمن فيهم أصحاب الحب القاسي والدفاع الضعيف والواهن. لكن بفضل هذا التدافع نفسه في إعلان الارتباط بالمطلب الهوياتي الأمازيغي مورس ضغط اجتماعي على أصحاب القرار السياسي. والبقية معروفة...

الآن صـار المعطى الأمازيغي واقعا لا رجعة فيه كما أن الصوت الأمازيغي بات مسموعا بصفته تلك وإن لم يكن دائما مصغى إليه. فالاستماع شيء والإصغاء شيء آخر.. وفي تقديري أن الدرس ـ الأساس الذي ينبغي استخلاصه من التجربة الجمعوية الأمازيغية اعتمادها الكلي على قدراتها الذاتية وطابعها الحضاري الذي لا غبار عليه ورصيدها في الحركة وممارسة التأثير من خلال التحسيس وجلب المتعاطفين والأصدقاء والحلفاء.. وذلك في تنكر تام لها من قبل الإطارات السياسية الوطنية. هذه التي نعرف الآن، والآن فقط، بأنها أبعد ما تكون عن النبض المجتمعي وعن نموذج التنظيم الحداثي والعقلاني والشفاف وتجر وراءها كل لعنات ومثالب بنية الشيخ والمريد وما يدعى عادة بالساندروم المخزني..

فكم شبع النشطاء الأمازيغ من الشتم الصراح أو المبطن حتى من هؤلاء المحسوبين على اليسـار من المتحزبين. من منا لا يتذكر نعوتا قدحية كحفدة ليوطي ودعاة الظهير البربري وحتى اليوم نسمع عن النزوعيين في محاولة لإضفاء لمشروعية النظرية على ما كان بالأمس سبا وشتما.. بل إن أغلب المقالات التي كان يرسلها مناضلون أمازيغ ممن وهبوا قدرة الكتابة إلى صحف هذه الأحزاب كان لا يرى أبدا طريقه إلى النشر وما كان ينشر منه إلا النزر اليسير. هذا بطبيعة الحال قبل أن يصبح نشر المقالات حول الأمازيغية موضة صحافية تحركها هواجس تجارية. والمشكلة مع الحزبيين عندنا هي كالآتي: «اليمين» يعانـــي من عقـــدة الولادة ( على غرار صدمــة الولادة لـ OTTO RANK) إذ لم يولد وإنما تم توليده لأغراض إدارية معروفة الآن لدى القاصي والداني وبولادة قيصرية وعلى عجل.. «واليسار» يئن تحت وطأة عقدة التاريخ. فوحده المحتكر لصفة التاريخية فبات بفعل ذلك أسير أمجاده الماضية على الأقل كما يتصورها فعرقلت هذه حركته واندفاعاته باتجاه الحاضر وتحولاته والنبض المجتمعي وتموجاته.

هذه السيرورة النكوصية وصلت الآن إلى أوجها في المشهد الاجتماعي العام. وعندما تحدثنا في دراسة تحليلية لانتخابات 2002 عن ذلك السياسي الذي يحتضر لم نكن بكل تأكيد مبالغين ولا محرفين ولا مخرفين بل كنا نبوءيين! والمسافة النقدية (الإرتيابية) التي تحتفظ بها مكونات وأطياف المجتمع المدني لمهيكلة واللامهيكلة، المشهورة والمغمورة كما وتدثر بعض الإطارات السياسية بالأرضية الجمعوية لتمرير خطاباتها والحفاظ على شعرة معاوية مع الجموع أكبر دليل على ما نقول. فضلا على أن النظام السياسي المعروف في كل السياقات بنزعته المحافظة هو الذي يدعو هذه الإطارات إلى إصلاح بيتها الداخلي وكنس عتباتها المدنسة. وتلك مفارقة مغربية بامتياز!

إن العمل الجمعوي اليوم والأمازيغي جزء معتبر منه هو خط الدفاع ما قبل الأخير ضد الاعتباط والاستفراد وثقافة الاستبداد وكذا الرغبة في الاستمرار في ممارسته استبلاد الناس ونهب البلاد! لكن ليس هو الأخير إذ هناك في تصورنا بؤر أخرى للمقاومة، هناك في المدارات «المتوحشة» أقصد العفوية واللامهيكلة بإطلاق والتي تعبر عن نفسها في حساسيات عابرة للأجيال والجهات واللغات والمعتقدات والطبقات أيضا. وهي التي أكدت عليها في مقال: «بعد الخبز والسياسة: جيل جديد من الاحتجاج قادم!» في الأسبوعية الجديدة.

أتصور أننا اتفقنا حتى الآن على أن الفعل المدني قد يكون فرديا أو جماعيا مدركا لذاته بصفته تلك أم لا. واتفقنا على أن المجتمع المدني قد يكون مهيكلا أو لا. في الحالة الأولى ينتظم ويتأطر ويؤطر. يتحول ـ إن شئنا - إلى مؤسسة موازية ضاغطة وموازنة. وقد لا يكون مهيكلا في حالة ذيوعه كروح نفاثة وحساسية منتشرة بدرجات متفاوتة ( كمثال على ذلك المطلب الثقافي التعددي، صيحات مناصرة حرية الجسد والتدين وتوسيع هوامش الحريات الفردية والمسألة النسائية..). وبناء على هذه المعطيات العامة، تستهوينا منذ الآن هذه الفرضية التي تحتاج في كل الأحوال إلى التأكد منها حالا واستقبالا وهي: في الفترات التاريخية الكبرى أو الصغرى التي يضمر فيها الحس التاريخي والحدوسي والمدني عند المشتغلين بالسياسة والعمل المدني المهيكل تتولى إرادات فردية تجسيد ومضات منه على أرض الواقع. أفراد قد نسميهم نبوئيين سابقين على زمانهم، خارجين عن المألوف، رائد أهله، الطليعة، وأهم ما يميزهم أنهم جذابون ومنفرون. وعندما يضمر الحس إياه في المجتمع المدني بتلويناته، من الوارد أن يكون السياسي استباقيا وسباقا إلى المبادرة ( حالة محمد الخامس الذي بادر إلى تدريس بناته، حالة بورقيبة الذي انتبه إلى أهمية الطرح العلماني في تحييد النزوعات الدينية المهيمنة على المجتمع والحياة العامة. وفي حالتنا الأمازيغية أزايكو وخرجته الإعلامية حول الغزو العربي، إد بلقاسم ولوحته المهنية، ذلك الطالب المغمور من آسفي الذي خلق الحدث ذات امتحان بكالوريا وهويجيب على الاختبارات بحرف تيفيناغ..) و حين يغط السياسي في سباته الدوغمائي ويرتاح إلى مسلماته المتآكلة، لا بد وأن تنتفض بؤر المجتمع المدني مهيكلا كان أم شبه مهيكل : حالة النسيج الجمعوي الأمازيغي وحالة الحركة النسائية التي انتبهت إلى وضع اللاتزامن والتنافي بين القوانين الدينية والقوانين الوضعية في التعامل مع المرأة... والأهم في كل ذلك أن الحركية التاريخية دائمة الجريان وتجد دائما من يخلخلها ويرمي بحصى في مياه بركتها عندما تغدو آسنة وراكدة... ففي فترات الجدب على مستوى الجموع والنخب، يتولى هؤلاء المارقون، الخارجون عن المألوف والهراطقة حمل المشعل وإرسال الإشارات المستفزة الدالة على احتقان ما ولكن أيضا على الاتجاه الذي يجب أن تأخذه حركة التاريخ في هذا المجال أو ذاك. وأحسن التحاليل التي قرأتها في هذا الباب لهذه النقطة هي التي يتضمنها كتاب [جان دوفينيو] بعنوان : الأنوميا والبدعة والهرطقة. الأولى بصفتها خرقا للعادة والمعتاد والمعايير السائدة ولو كانت ظالمة، البدعة بصفتها إبداعا مجهضا وثقبا تجديديا في الجدار الديني المتكلس والهرطقة بصفتها خروجا عن المألوف في المجال القيمي ومساءلة ما كان يعتبر ثوابته.

** ** **

أما الآن فنتساءل : ماذا تنتظر الحركية الأمازيغية بتجلياتها السالفة وتراهن عليه مجتمعة عند الغير المدني أو عند الديناميات والفعاليات الجمعوية (الغير الجمعوي)؟ الجواب عن هذا السؤال المفصلي الأخير يقتضي بنظري أولا أن تدرك هذه الحركية جيدا وفي هذه المرحلة بالذات ماذا تر يده؟ مبرر هذا السؤال الفرعي التوليدي أنه تبين مع الوقت أن بعض أطياف الثقافة الأمازيغية ولا أقول كلها لم تكن تدرك عند الانطلاقة أنها كانت تؤسس بالفعل لحركة تصحيحية عميقة لا بد أن تطال الكثير من مسلمات وأساطير الدولة ـ الأمة المتحدرة من إيديولوجيا الحركة الوطنية والتي على كل حال ليس هنا مجال الخوض في تفاصيلها. فهي في هذه النقطة أشبه بجوردان المعروف الذي كان يقرض الشعر دون أن يدرك ذلك إلا لاحقا! فعلا إنها حركة تصحيحية بهذه المعاني التي سأذكرها باقتضاب.

* لأنها تراهن بوعي أو بغير وعي على تثوير الماضي الوطني بتوسيع ذاكرته إلى ما قبل الاحتكاك بالمعطي العربي الإسلامي. ونحن ندرك ما يعنيه هذا جيدا على المستوى الأنثربولوجي. يعني ـ فيما يعنيه ـ تحيين هذا الجزء المبتور من ذاكرتنا وتوفير امتدادات له هنا والآن تكون شاهدة على الأعمق في شخصيتنا القاعدية. وبموازاة ذلك تنسيب المعطى الوافد وتحجيمه (أي رده إلى حجمه الحقيقي والطبيعي) على جميع المستويات. وهو ما يمكن قراءته بيسر من تسمية المواليد إلى الإحالة التاريخية مرورا ببعث أشكال من الحياة في الزمن الأمازيغي وآخر ثمرات هذا المسار تجلت في الرفض الأمازيغي البات مؤخرا لحصر تاريخ الوطن في 12 قرنا.. وأعتقد أنه لا زال بجعبة هذا المعطى المزيد من مظاهر المفاجأة التي لا شك أنها إن لم تخلخل حالا فعلى الأقل ستزعج الكثير مما كان التاريخ الرسمي المرعي يدرجه ضمن الثوابت الصنمية في مشهدنا الثقافي في شقه التاريخي..

*لأنها في غمرة انطلاقتها كانت تراهن بوعي أو بدونه على الرقي بالتعدد إلى مصاف الثابت الحقيقي الوحيد في السياسة الثقافية العامة للوطن وللدولة وعند أهل الحل والعقد. وبموازاة ذلك إحداث نوع من الصدمة الإيجابية عند المواطن العادي الذي سيبصر ما كان يراه فقط تحت تأثير الغشاوة الإيديولوجية التي وضعتها بإحكام الأدبيات الاختزالية للحركة الوطنية على بصيرته منذ عقود...

والأهم في ذلك أن هذا التعدد اللغوي والثقافي سيفتح الباب واسعا أمام إقرار تعددات أخرى ضدا على منطق الواحد الاختزالي الذي لا زال حتى الآن هو الدين والديدن في المؤسسات الرسمية وخطابات الواجهة. وما النقاش الجاري الذي دشنته أطياف من الحركة الثقافية الأمازيغية حول العلمانية التي كانت طابو الطابوهات والمسكوت عنه المطلق إلا مؤشرا على ما يمكن أن يؤول إليه هذا المسار عندما يدفع به إلى حدوده القصوى.. والأمر طبيعي تماما فالأمازيغ عانوا الأمرين من مسلسل عقيم وانتهازي وتافه طال أمده يتراوح بين عوربة الإسلام وأسلمة العروبة في مجال السياسة والتدبير.. وخطاب الفصل في هذا المقام سيعود عليهم بالفضل العميم قبل غيرهم من القوات الاجتماعية الصاعدة...

* تراهن بوعي أو بدونه على إعادة نظر جذرية في منطق التحالفات المحلية والإقليمية والجهوية والدولية بعيدا عن الانتماء العرقي والرابطة الدينية الضيقة. وهو ما يعني عندما يدفع بسيرورته إلى حدها الأقصى فك الارتباط التدريجي بالجامعة العربية إلا فيما له صلة بالمصالح الاقتصادية الصرفة وتنسيب الرابطة الدينية بإدخال منطق المصالح الذي يتجاوزها.. وما إلى ذلك مما لا زلنا سوى في بداياته من قبيل التصالح مع الانتماء الإفريقي والحساسية المتوسطية وإزالة أسباب التوتر الدخيلة والعارضة مع المرجعية الغربية... أسباب متولدة أصلا من طابع الفصام للنزعة العربية الإسلامية الممزقة تمزقا سيزيفيا بين أمجاد الأمس ويباب اليوم، بين سيف علي الذي كان يحصد العشرات دفعة واحدة والسلاح البيولوجي الفتاك الذي يهلك الحرث والنسل...

إذا أدركـت كل أطياف النسيج الجمعوي الأمازيغي جيدا هذه الرهانات التي أطلقتها وتمثلتها وعملت على توفير قنوات عملية لتصريفها فستكون باعتقادي قادرة على معرفة ما تريده من مثيلاتها في المشهد المدني العام...

أما من جهتنا وأقصد من موقع التيار الاجتماعي العلماني الأمازيغي الذي ننخرط فيه تماما وسبق لي في مناسبة سـابقة أن قلت بأنه أكبر من إطار أو تجمع بل وحساسيته مبثوثة في الهواء الاجتماعي الذي نتنفسه وفي عدد من بؤر الاحتجاج الصامت والصاخب هنا وهناك على امتداد الوطن، وعلى تواضعه وربما احتشامه حتى الآن وافتقاده للقدرة الاقتحامية كالتي نجدها عند المعاكسين لحركة التاريخ من إسلاميين وقو ميين ومخزنيين فإنه موجود على كل حال. قوته من قوة روح عصر بكامله... ويصدق عليه ما قاله [ نيتشه] المعروف بنبوءاته : الثورات الحقيقية تمشي بخطى حمائم.. رغم التردد والجفول لكنها لا بد أن تطير..

من هذا المـوقع إذن أقول إن أفق انتظاراتنا من العاملين داخل الحقل الجمعوي الأمازيغي أو امتداداته المدنية الأخرى يمكن تلخيصه في الأهم، ويتمثل في الآتي :

1ـ العمل على توفير الحماية القانونية للأمازيغية بالدعوة إلى دسترتها. فقد تجاوزنا الآن بفضل النضال المدني لأبناء وبنات الأمازيغية مرحلة طرحها للنقاش العمومي وباتت جزءا من المشهد الوطني أحب من أحب وكره من كره ! لكن هذا المكسب النوعي معرض لانتكاسات في أي لحظة والسبب غياب هذه التغطية الدستورية التي هي تحصيل حاصل..

2 ـ التنسيق مع النسيج الجمعوي «الآخر» على أرضية مشتركة يحكمها مبدأ : نتعاون على ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه. وقوام هذه الأرضية هي : العقلانية والحداثة والنسبية والإصرار على الانفتاح المتواصل على مكتسبات العصر.

3 ـ العمل المتواصل على إطلاق نقاش عمومي حول العلمانية وتخليصها من عقدة الطابو والمثير للجدل ولسوء الفهم عبر مناشير، ندوات، حلقات دراسية، جامعات شعبية، بيداغوجيا تبسيطية.. والغاية من ذلك هي أن نوصل محاورينا إلى هذه الحقيقة البينة والساطعة (وهل تحتاج إلى بيان وبرهان؟) وهي : الديمقراطية بلا علمانية عرجاء (الحالة المغربية) والعلمانية بلا ديموقراطية صماء (حالة علمانية حزب البعث المفترى عليها وعلمانية العساكر الأتراك التي لا يتسع صدرها لحل ديموقراطي للمسألة الكردية).

وفي سياق متصل الارتقاء بمظاهر العلمنة الاجتماعية المتحققة بالفعل إلى مصاف الاعتراف السياسي والتكريس أو الملاءمة القانونية. وفي ذلك، صدقوني، حفظ أيما حفظ للدين بل ولحق التدين النبيل والصادق من العبث السياسوي كما وضمان للحق في المعتقد المتعدد ولحرية الضمير ولما أسميته في مكان آخر الرواج الديني حتى يمارس في أجواء من السكينة والطمأنينة. وهذا الحق إنما يخربه كل من يوظف المعتقدات الدينية في الشؤون السياسية الخلافية.. ومن يلعــب بالنار فلا يلومن آخـرين حينما يقصفونه هو أيضا بالنار !

4 ـ جعل التحالف أو التعاون أو التنسيق أو حتى المشورة مع النزعات الشوفينية العرقية والظلامية الدينية المزايدة بالدين والأخلاق في مجال التدافع السياسي خطا أخلاقيا أحمر لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال دون الخروج من الخانة المدنية للعمل الجمعوي...

5 ـ الانفتاح وبالتالي احتضان المطالب الاجتماعية الصاعدة والجنينية المرتبطة بالسيرورة الأزلية للحقوق البشرية ذات الصلة بالحريات الفردية والكرامة البشرية والارتقاء بجودة العيش عند المواطن. تلك التي يصنف مجملها اليوم ضمن الجيل الثالث من الحقوق.. وتعبر عن نفسها في مجال الجسد (فآه من الجسد كما قال سبينوزا) وشتى الحساسيات الفردية الموسومة بالإبداعية. فالهوية الفردية اليوم عبارة عن تحفة فنية تنحت بحب ورغبة ومكابدة من قبل أصحابها لا هيكلا متوارثا يعبد ويقدم له الأحفاد نفس قرابين الأجداد في تجاهل كامل للسيرورة الفائرة والثائرة للأفراد والمجتمعات سواء بسواء.

فعن هذه المنتظرات التي قد نكون صغناها في لغة عالمة بعض الشيء لا بد وأن تتفرع أشكال ومظاهر من التجسيدات العلمية القابلة لأن تكون موضوعا ومادة لنضالات يومية تتولاها كل أطياف العمل الجمعوي المدني الجدير بالانتماء إلى المدينة. المدينة مرة أخرى بصفتها استعارة كثيفة للمدني والتمدن والمدنية.

* نص المداخلة التي ساهمنا به في الندوة التي عقدها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية حول المجتمع المدني والنهوض بالأمازيغية.. يوم 15/05/09.

 

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.