uïïun  158, 

sdyur 2960

  (Juin  2010)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

is taorabt d tutlayt n tayunt?

Ma yaghan afgan?

Isutar n tmzvi

Di tifrayin n umzruy

Mani tllid?

Français

Les derniers baatistes

Le sort d'imazighn en Afrique du nord

Carneade, critique des certitudes

L'épopée de Dhar n Ubarran

L'orpheline Aicha

Les revirements de l'histoire amazighe

1 mai amazigh à Khnifra

Activités d'associations à Khnifra

العربية

هل العربية لغة الوحدة؟

من هم الانفصاليون حقا؟

الخطابي، الأمازيغية والحركة الوطنية

الأمازيغية المكتوبة باللاتيني ستطرد الفرنسية من بلاد تامازغا

بيان المعتقل عبد الله بوكفو

بيان معتقلي القضية الأمازيغية

الفراعنة الأمازيغ

حوار مع الكاتب محمد الصالح ونيسي

ديوان جديد للشاعر فريد زلحوض

وفاة الفنان أعشوش

بيان المرصد الأمازيغي

نداء إلى الجمعيات الأمازيغية

نشاط لرابطة تيرّا

بيان جمعية أكنول

بيان الحركة الأمازيغية بأكادير

نشاط الحركة الأمازيغية بثيطاوين

الدورة التاسعة للجامعة الصيفية

ملتقى الأدب الأمازيغي

 

 

 

الفراعنة الأمازيغ (الجزء الأول)

بقلم: سعيد بودبوز

 

في أواخر النصف الأول من القرن العاشر قبل الميلاد، استولى الأمازيغ على أرض النيل وجلس قائدهم "شيشنق الأول" على عرش مصر، ولقد تمكنوا من تأسيس أسر فرعونية أمازيغية هناك وهما الأسرتان الثانية والثالثة والعشرون بالتحديد كما يرجح أن تكون الأسرة السادسة والعشرون أيضا أسرة أمازيغية.

من خلال هذه الورقة أود أن أتحدث بإيجاز عن بعض الحيثيات والظروف التي اكتنفت سيطرتهم على مصر. وقد أتوسع في الموضوع مستقبلا من خلال تسليط الضوء على الدور الذي لعبه الفراعنة الأمازيغ في مصر واحدا تلوالآخر. من المعلوم، لدى المؤرخين، أن أول فرعون أمازيغي حكم مصر، من هذه الأسر، كان اسمه "شيشنق الأول". وفي بعض الكتابات "شيشنوق" أو "شاشانق" أو"ششنق"، والذي يطلق عليه الإغريق"سيسونخس". استولى على عرش مصر سنة 950 ق.م واستمرت فترة حكمه لمدة 21 سنة. بعد شيشنق الأول حكم "أوسركون الأول" أو "أسرثون"، كما يسميه الإغريق، لمدة 15 سنة ابتداء من سنة 929 ق.م إلى سنة 893 ق.م حيث تولى العرش المصري، من بعده، "تاكيلوت الأول" أو "تاكلوتس الأول" الذي استمر عهده لمدة 29 سنة، أي ما بين 893 ق.م. و 870 ق.م. ثم حكم "أسركون الثاني" بعده لمدة 13 سنة، أي ابتداء من سنة 870 ق.م. إلى سنة 849 ق.م. بعد "أوسركون الثاني" آل العرش المصري إلى "تاكيلوت الثاني" الذي حكم في الفترة ما بين 847 ق.م. و832 ق.م. ثم تولى العرش بعده "سيسونخس" أو "شيشنق الثالث" ابتداء من سنة 832 ق.م إلى سنة 772 ق.م. بعد "شيشنق الثالث" آل العرش المصري إلى "بامي" ابتداء من هذه السنة إلى سنة 767 ق.م. بهذا نكون قد انتهينا من ملوك الأسرة الثانية والعشرين. على أن الأسرة الثالثة والعشرين كانت أمازيغية هي الأخرى كما قلت، وأول فرعون حكم مصر، من هذه الأسرة، هو "ابتوباس" أو "بادوباست" الذي استمر عهده لمدة 40 سنة ابتداء من717 ق.م إلى سنة757 ق.م. بعد "بادوباست" حكم "أوسرخو" أو "أوسركون الثالث" لما يناهز 8 سنوات، ابتداء من 757 ق.م إلى سنة 748 ق.م. ثم تولى الحكم بعده "بساموس" أو "تاكيلوت الثالث" لما يناهز 8 سنوات ابتداء من 748 ق.م إلى سنة 740 ق.م. وبعد "تاكيلوت الثالث" تولى الحكم "زت" أو "زود آمون" لمدة 31 سنة. وتجدر الإشارة إلى أن الأسرة السادسة والعشرين، كما أسلفت، يرجح أن تكون أمازيغية هي الأخرى [1] وإن صح أن تكون كذلك فإن الفراعنة الذين ينتمون إلى هذه الأسرة هم: "بسماتيك الأول"، "نخاو الأول"، "بسماتيك الثاني"، "نخاتو الثاني"، "واج اب رع"، "احمس الثاني" و"عنخ كا ان رع". وتمتد فترة حكمهم ما بين سنة 680 ق.م. و سنة 540 ق.م.

بالنسبة إلى تحديد فترة هذه الأسر وتسلسلها الزمني اعتمدت على ما جاء به المؤرخ المصري "مانيتون"[2] وذلك لما لامسته فيه من الدقة والتطابق مع ما توصلت إليه بعض الأبحاث العلمية مؤخرا، فمن المعلوم أن مانيتون هو الذي وضع قوائم الملوك الفراعنة، بطلب من أحد الحكام البطالمة، وهي القوائم التي يقول في شأنها الدكتور سيد كريم: "لقد ثبت أن النتائج التي يقدمها نظير الكربون 14 من الدقة بحيث لا يزيد عن 50 سنة في الخمسة ألاف سنة الأولى ويصل إلى ما لا يزيد على 120 سنة في العشرة ألاف. إن ذلك الخطأ الزمني في تاريخ مصر سيعيد إلى المؤرخ المصري مانيتون اعتباره، فهو الذي كتب التاريخ الزمني لمصر ابتداء مما أطلق عليه بدء الخليقة وحكم الكهنة المبجلين من عام 16500 ق.م إلى نهاية حكم الفراعنة وحدد فيه بداية الأسرات عام 5619 ق.م بدلا من عام 3200 ق.م الذي حدده المؤرخون الأجانب"[3]

اختلف المؤرخون حول الوسيلة التي استخدمها الأمازيغ للسيطرة على مصر، إذ نجد البعض يميل إلى القول بأنهم دخلوها بالقوة، بينما يقول البعض الآخر بأن ذلك قد تم بالسلم، على أن ما يصعب نفيه هو تلك السلسلة من الهجمات الأمازيغية التي كان يتعرض لها العرش المصري منذ بداية الحضارة الفرعونية، والتي استطاع الفرعون المصري رمسيس الثاني أن يتصدى لها بحزم إذ سجل صرامة حقيقية ضد الأمازيغ، وكان شديد البأس أمام كل من تسول له نفسه أن يقترب من أرض النيل. ومن المعلوم أن تلك الهجمات الأمازيغية، التي كانت قبل وبعد رمسيس الثاني، تشن على مصر نراها قد انتهت بعد أن أصبح الأمازيغ حكاما لأرض النيل قيادة وجيشا. وهذا يجعلنا نفترض علاقة منطقية بين الحكم، حتى وإن تم بالسلم نوعا ما، وتلك الهجمات الشرسة. وهو ما يقودنا إلى الاستنتاج بأن السيطرة الأمازيغية على العرش المصري حدثت نتيجة الغزو العسكري حتى وإن حدث نوع من التراضي على مستوى التفاصيل كما سنرى لاحقا.

في إطار الأجواء التمهيدية التي انتهت بالسيطرة الأمازيغية على مصر، يقول الدكتور أحمد عبد الحليم دراز: "تهورت أحوال مصر الاقتصادية خلال عصر الانتقال الثالث، وسارت من سيئ إلى أسوأ، وكان وراء ذلك العديد من العوامل الداخلية والخارجية منها الحروب المتكررة التي خاضتها مصر في الشرق والغرب ضد شعوب البحر من ناحية وضد عناصر الماشواش والليبو في مصر من ناحية أخرى، وما نتج عن ذلك من إنهاك للاقتصاد المصري، واستقرار بعض العناصر الأجنبية في مصر، وأمكن لبعضها أن يرتقي عرش مصر كما حدث للأسرة الثانية والعشرين الليبية الأصل." [4] فإلى جانب الصورة الداخلية المزرية التي أشار إليها أحمد عبد الحليم دراز هنا نجد أنه يتحدث عن تلك الهجمات التي كان يتعرض لها العرش المصري من الحدود الغربية لمصر، وهذا يعني أن الأمازيغ قد استولوا على مصر بالقوة، إلا أن هذا مجرد تحصيل حاصل أولي، على ما يبدو، لأن هؤلاء وإن كانوا يتحدثون عن حروب شرسة لم تكد تتوقف منذ فجر الحضارة المصرية إلا أنهم يفصلون بين ذلك واعتلاء شيشنق الأول للعرش المصري، وفي المقابل نجد أن الأمازيغ ما زالوا يحتفلون برأس السنة الأمازيغية الموافق للثاني عشر من السنة الميلادية، وهم يعتقدون بأنه بدأ مع استيلائهم على مصر وانتزاعها من الفراعنة بالقوة، وذلك بعد أن هاجمهم الفراعنة وهزموه شر هزيمة ثم لاحقوهم إلى مصر وبهذا استلوا على أرض النيل. ولكن هذه قد تكون مجرد أسطورة كما قد تكون حقيقة وعلى كل حال لا بد من استشارة ما أمكن من المراجع لعلنا نصل إلى حقيقة ما حدث في هذا الشأن. إن الدكتور أحمد عبد الحليم دراز، وإن كان يميل إلى الاقتضاب في حديثه عن وصول الأمازيغ إلى عرش مصر، إلا أن ما أكده، من الهجمات التي تعرضت لها مصر على أيدي الأمازيغ، يعني أن القصة قد بدأت بإجبار السلطة المصرية الفرعونية على التنحي عن العرش المصري. وفي الحقيقة هناك مؤرخون آخرون يتحدثون عن تلك الهجمات ولكن عندما يصلون إلى مرحلة اعتلاء العرش المصري تراهم يتحدثون عنه باقتضاب واختزال وبسرعة فيخلصون إلى أن الأمر كان سلميا كما سنرى فيما بعد. ولعل أحمد عبد الحليم دراز يوضح ذلك أكثر بقوله "إبان هذه الفترة اشتدت غارات الليبيين على مصر حيث بدؤوا بالإغارات ضد مصر بجرأة ، وجاء أول هجوم خطير في بداية عهد الملك "سيتي" الأول" [5] ولقد تحدث الآخرون عن هذه الهجمة الخطيرة ومنهم الدكتور مصطفى كمال عبد العليم الذي قال: "وفي عهد الملك سيتي الأول (1318-1298 ق.م. ) شن الليبيون حوالي عام 1317 ق.م هجمة خطيرة تميزت بالجرأة. وقد اضطر الملك أن يقطع حملته في آسيا ليعود لصد هذه الهجمة."[6] أكيد أنا لا أتحدث عن الهجمات التي حدثت في زمن السيطرة على العرش فحسب ولكني أعطي أمثلة على أنه كانت هناك حروب طاحنة في الحقيقة بين الأمازيغ والمصريين منذ فجر التاريخ الفرعوني وهذه الهجمات لم تنته إلا بعد أن استولى الأمازيغ على العرش المصري، أما العلاقة المباشرة بين هذه الهجمة الخطيرة والاستيلاء على العرش فهي غير ممكنة لأنها وقعت في سنة 1317 ق.م، كما قال مصطفى كمال، وليس في سنة 950 ق.م، أي زمن اعتلاء العرش المصري. ولكن الدكتور مصطفى كمال، وإن كان يتحدث عن هذه الهجمات مثل غيره، إلا أن حديثه لا يقل اقتضابا واختزالا عندما يصل إلى اعتلاء الأمازيغ للعرش المصري، حيث نجد وكأن هناك نوعا من التناقض بين حقيقة هذه الهجمات وافتراض سلمية اعتلاء العرش. فهو يتحدث عن الحروب التي دارت بين المصريين والأمازيغ على طول الزمن الفرعوني ما قبل الأسرة الثانية والعشرين بإسهاب، إلا أنه عندما يصل إلى مرحلة اعتلاء العرش يبدي نوعا من التغاضي والاختزال فيقول: "بعد هذه الأحداث التي تعرض لها المشوش. كانت عناصر منهم قد تسللت إلى مصر، واستقرت أسر منهم في الواحات البحرية على الأرجح. وكان من بين هذه الأسر أسرة (يويو واوا). وقد مر بنا أن بعض العناصر الليبية قد عملت في الجيش المصري جندا مرتزقة، ويرجح أن بعض هؤلاء وصلوا إلى مناصب هامة في البلاط الملكي، وإلى مراكز القيادة في الجيش" [7]. يقصد ما تعرض له المشوش على يد رمسيس الثاني، فلقد كان هذا الأخير، كما أسلفت، شديد البأس كثيرا ما تصدى بحزم للأمازيغ الذين كانوا يهاجمون مصر وكان، عندما يمسك بأحدهم، يجعله عبرة لأمثاله. يتابع الدكتور مصطفى كمال حديثه عن سلمية الاستيلاء الأمازيغي على العرش المصري قائلا "وجمع شاشانق بين لقبه الديني والعسكري ليدلل على أنه جمع بين السلطتين الدينية والمدنية في مصر الوسطى. واستطاع شاشانق بن نمرود بن شاشانق سالف الذكر أن يسيطر على الدلتا. وانتظر حتى توفي بسوسينس الثاني آخر ملوك الأسرة الواحدة والعشرين فاستولى على الملك ولم يظهر أي عداء للبيت المالك وزوج ابنه سركون من ابنة بسوسينس ليؤكد أهليته لتوليه العرش المصري، وذلك أنه لا يجري في عروقه الدم الملكي. وبمساعدة العناصر الليبية كون الأسرة الثانية والعشرين "[8]. بالنسبة إلى زواج "أوسركون الأول" من ابنة الفرعون المصري "بسوسنيس" يبدو لي أن كلام الدكتور مصطفى كمال غير دقيق، خاصة عندما يعلل هذا الزواج بالسعي للحصول على نوع من المشروعية لحكم مصر. ولكن إذا قلنا بأن زواج "أوسركون الأول" من هذه الأميرة كان من أجل توكيد أهليته للحكم، على اعتبار أنه لا تجري في عروقه دماء ملكية، فماذا عن "شيشنق" الذي سبقه إلى حكم مصر؟ ربما لو تزوج "شيشنق الأول" من هذه أو تلك الأميرة لكان لهذا الكلام معنى، أما والأمر لم يكن كذلك فلا بد من الانتقال إلى نقطة هامة يكشف عنها زواج "أوسركون الأول" من هذه الأميرة، وهي المسألة التي تضعنا في حيرة من أمرنا لأنه من جهة يصعب الحديث عن الاستيلاء الأمازيغي على عرش مصر حتى وإن كان الدكتور مصطفى هنا يخلص إلى سلميته، لكنه تحدث بنفسه مطولا عن تلك الحروب الطاحنة التي اشتعلت بين المصريين والليبيين (الأمازيغ) وبالتالي فمن الصعب أن نتصور بأن هذا كله قد تحول، بين عشية وضحاها، إلى اعتلاء العرش المصري بالسلم. ومن جهة أخرى أقول بأن زواج "أوسركون الأول" من الأميرة المصرية يضع أمامنا علامة استفهام قوامها استبعاد أن يكون الاستيلاء على العرش قد تم في ظل أحداث عسكرية ساخنة من طراز السيطرة على عرش الفراعنة. إلا أن ما نلاحظه بوضوح هو أن الهجمات الأمازيغية على مصر قد انتهت، كما قلت سالفا، بعد أن استولوا على العرش المصري وباشروا حكم البلاد والعباد هناك، سواء كانت لهذه الهجمات علاقة مباشرة بالسيطرة على العرش أو غير مباشرة. نجد الدكتور أحمد بدوي من الذين يميلون إلى القول بأن الأمازيغ حكموا مصر بطريقة سلمية ويقول في هذا الصدد بأتم الهدوء: "وكان الليبيون كما نعلم يعملون في الحرص الملكي منذ أيام الأسرة الواحدة والعشرين، وهم قد استطاعوا-بعد لآي-أن يبلغوا العرش فأصبحت لهم أسرة بين الأسر التي حكمت مصر وعرفت عند "منتون" بالأسرة الواحدة والعشرين" [9]. من جهة لا أعرف لماذا لم يتحدث الدكتور بدوي عن هذا اللبس في كلام المؤرخ المصري "منتون" علما بأن الأمازيغ أسسوا الأسرة الثانية والعشرين وليس الواحدة والعشرين. ومن جهة أخرى نجد في لوائح الملوك الفراعنة التي وضعها المؤرخ المصري مانيتون، حسب الدكتور سيد كريم[10]، أن الفراعنة الأمازيغ جاء ترتيبهم ابتداء من الأسرة الثانية والعشرين حيث نجد شيشنق الأول يتصدر اللائحة المخصصة للأسرة الثانية والعشرين علما بأنه أول فراعنة هذه الأسرة. وكذا الثالثة والعشرين الخ. إن الدكتور بدوي، هو الآخر، من الذين غضوا الطرف عن طبيعة اعتلاء العرش المصري من طرف الأمازيغ، وهو الموضوع الذي يستحق شيئا من التركيز لاسيما فيما يتصل بمصير تلك الهجمات وعلاقتها باعتلاء العرش المصري. وفي إطار البحث عن أسباب تلك الهجمات، خاصة الأخيرة منها والتي انتهت بالسيطرة على مصر، نأخذ ما جاء به أحمد عبد الحليم دراز، خصوصا إشارته إلى ما تحدث عنه "جوهن ويلسون" في هذا الصدد. يقول الدكتور دراز: "ويفسر ويلسون العوامل الاقتصادية في هذه التحركات تفسيرا ربما يكون مقبولا، حيث يرى أن شعوب البحر حين أخضعوا كريت أصبحوا الخلفاء الطبيعيين للتجارة البحرية الكريتية، ومن المحتمل أنه في تلك الفترة كانت التجارة البحرية المصرية قد أصابها الخمول، من هنا كان الصراع بين شعوب البحر ومصر من أجل تجارة البحر الأبيض المتوسط، وربما كان ذلك هو السبب الذي جعلهم ينضمون إلى الليبيين ضد مصر في هذه الحرب" [11]. إذا تناغمنا مع هذا التفسير سنجد بأن ذلك يصب في القول بأنهم سيطروا على مصر بالقوة، في نهاية المطاف، لأن الحرب من أجل تجارة البحر المتوسط، كما نرى، هي أمر جاد وكبير لا يتعلق بإغارات طائشة مؤقتة هنا وهناك. بل إن هذا يعني أن الحرب كانت قد تم تحديد إستراتيجيتها من قبل الطرفين؛ المصري والأمازيغي. وأنه ليس من السهل أن يتنازل الفراعنة للأمازيغ عن العرش ما دام الأمر يتعلق بتجريدهم من أهم ركن من الأركان الاقتصادية للبلد، ألا وهو تجارة البحر الأبيض المتوسط. ولكن، حتى في ظل قبولنا بهذا التفسير، ليس علينا أن ننسى بأن الأمازيغ، الذين حكموا مصر، لم يجعلوها مستعمرة تابعة لبلادهم الغربية، وإنما كانوا مخلصين لمصر وكأنهم أبناؤها تماما. هنا يبقى أمامنا احتمال الوجه السملي، لاعتلائهم العرش المصري، قائما وإن كان يتنافى مع ما أشرت إليه سالفا. وسعيا منه لمحاولة سد الثغرة التي تجعل القفز من الهجمات الأمازيغية الشرسة، إلى سلمية السيطرة على العرش الفرعوني علامة استفهام، يقول الدكتور مصطفى كمال عبد العليم : "وليس من المستبعد أن يكونوا قد ساعدوا بني جنسهم من المشوش على الحضور إلى مصر والإقامة بها في حاميات الحدود على الأقل. بل إن الجيش المصري أصبح ابتداء من عصر الأسرة العشرين مؤلفا من الليبيين دون سواهم. وقد منحهم ملوك مصر هبات الأرض كأجر لهم وهكذا استطاعوا أن ينشئوا في البلاد جاليات عسكرية وكان يترأس كل حامية رئيس ليبي يحمل لقب الرئيس الكبير لما. "ما" هي اختصار لاسم مشوش." [12]. مادام فراعنة الأسرتين؛ العشرين والواحدة والعشرين كانوا يحاربون الأمازيغ بجيش أمازيغي فربما كانت سياستهم بمثابة الاستنجاد بالنار من الرمضاء. وربما ساهم هذا في جعل مصر قابلة للابتلاع أخيرا وبدون أن تصدر أي صوت. كما ربما حصل هناك نوع من الاستيعاب المصري للأمازيغ، في نهاية المطاف، واعتبارهم أمرا واقعا مصريا لا مفر منه في كل الأحوال. يضيف مصطفى كمال: "أسلفنا أنه بعد أن نجح الليبيون، والمشوش بصفة خاصة، في التسلل إلى مصر والاندماج في أهلها وتمصرهم، وقيامهم بتأسيس أسر حاكمة، أن العلاقات بين الليبيين والمصريين دخلت في دور هادئ ولم يرد في مصادرنا ما نستطيع أن نتعرف منه على مزيد من المعلومات عن الليبيين."[13] هناك نقطة قد تساعدنا على فهم ما يبدو تناقضا بين الاجتياحات العسكرية الأمازيغية المعروفة ضد مصر وسلمية استلام السلطة فيما بعد. لنتأمل ما يقوله مصطفى كمال عن النفوذ الأمازيغي داخل مصر قبيل اعتلاء العرش، يقول: "واستطاع موسن بن ويوواوا أن ينتظم في سلك كهنة الآلهة حرى شف. وشغل كذلك خلفاؤه منصب الكاهن لهذه الآلهة. وتجاوزت سلطتهم السلطة العادية للكاهن. وكان أحد أفراد هذه الأسرة وهو شاشانق قد نصب رئيسا على الجالية الحربية الليبية إلى جانب احتفاظه باللقب الديني. وحدث أن مات له ابن يسمى "نمرود" فدفنه في أبيدوس. وحدث أن اعتدى على قبره فذهب إلى الملك بتانيس رافعا شكواه. وجاء الملك بصحبة شاشنق إلى طيبة ليستمعا معا إلى حكم الإله آمون الذي حكم وحيه بإدانة الجناة"[14].

لنلاحظ بأن شاشانق كان رئيسا على الجالية الحربية الليبية (الأمازيغية) في مصر، وفي نفس الوقت كان يعيش في سلام مع كل من السلطة الفرعونية والكهنوتية، وهذا يعني أن الأمازيغ كانوا، في هذه المرحلة، قد وصلوا إلى ما كانوا يتطلعون إليه من خلال تلك الحروب التي تحدث عنها المؤرخون وتحدث عنها الدكتور مصطفى كمال عبد العليم ابتدءا من الصفحة 20 إلى الصفحة 32 من كتابه "دراسات في تاريخ ليبيا القديم". والتي تلقى فيها الأمازيغ ما أشبعهم من التصدي والهزائم على أيدي المصريين، كما كانوا ينتصرون أيضا وهكذا طوال التاريخ القديم للبلدين. نستشف من خلال مقارنتنا لما سلفت الإشارات إليه، من أقوال المؤرخين، إلى أن الأمازيغ، الذين كانوا يهاجمون مصر، لم يكن الاستيلاء على السلطة يشكل هدفهم الرئيسي، وإنما كانت الغاية أن يكون لهم ما يكفي من النفوذ في أرض النيل، وربما هذا ما يفسر حديث المؤرخين عن كون اعتلاء العرش كان بالسلم، وفي نفس الوقت كانت تلك الغارات قد انتهت. إن ما يبدو واضحا من كلام الدكتور مصطفى كمال هو أنه كان هناك نوع من توازن القوى، في مصر، بين القائد شيشنق والفرعون المصري، لأن اكتفاءنا بالحديث عن كون شيشنق كان يقدم خدمات عسكرية للفرعون مقابل ما يجود به الفرعون عليه، من الهبات الأرضية وغير ذلك، لا يكفي لنلامس الذي حدث. فعلى سبيل المثال نجد أن شيشنق وجنوده كانوا يتمتعون بنوع من الاستقلال عن السلطة الفرعونية رغم كونهم داخل الأراضي المصرية، وهذا قد يتناقض مع مبدأ السيادة الفرعونية من جهة، ومن جهة أخرى نجد أن الهجمات الغربية، كما قلنا، توقفت بعد أن أصبح شيشنق وأتباعه داخل مصر. حتى وإن قبلنا بأنهم تسللوا أو ذهبوا في نزهة أو ما شابه فسيكون علينا ألا ننسى هذه الأمور. ثم إن الخوض في شؤون الكهنة لم يكن بالأمر السهل فلا بد أن شيشنق كان قد خطط لهذا المشروع بجدية عالية قصد الحصول على أهلية التدخل في شؤون الدين والسياسة معا كما رأينا. إذن فلو تحدثنا عن التراضي والسلم المطلقين وافترضنا بأنهما كانا أساسيين في الاستيلاء على العرش المصري فسيبقى أمامنا أن نجيب عن مصير تلك الهجمات وكيف لم يخش الفرعون من شيشنق مثلا أن ينقلب عليه ما دامت الحروب لم تتوقف بين البلدين منذ قرون. وفي نفس الوقت لو افترضنا بأن الأمازيغ قد استولوا على العرش المصري بالقوة العسكرية المطلقة فسيكون علينا أن نجيب على الهدوء الذي اكتنف لحظة اعتلاء العرش وما يتعلق بزواج أسركون الأول من الأميرة الخ. إن هذه النقطة تقربنا من فهم ما يبدو تناقضا بين الاجتياحات العسكرية التي لم يتوقف الأمازيغ عنها ضد مصر وبين ما نراه من السلم والهدوء أثناء استلامهم السلطة. يقول الدكتور مصطفى كمال عن الفرعون بتانيس: "وأرسل ترضية للشاكي تمثالا على صورة ابنه ليوضع في معبد أوزيريس في أبيدوس. وهذا الحادث يوضح مدى قوة شاشانق وأسرته وأنهم اعتنقوا ديانة المصريين حتى أن شاشانق خضع لقرارات وحي آمون كما فعل أي مصري." [15]. على كل حال يبدو أن النفوذ الأمازيغي داخل مصر كان قائما منذ زمن طويل جدا حتى وإن اشتد أكثر، في الآونة الأخيرة، وحتى وإن جنح للسلم والهدوء. يقول مصطفى كمال: "وقد سبق أن ذكرنا أن (وني) قائد الجيش في عهد الملك بيبي الأول قد ذكر أن جيشه كان يضم فرقة مرتزقة من التمحو.[16]. وأذكر القارئ بأن التمحو هم الأمازيغ الذين كانوا يهاجمون مصر وذكرتهم الآثار المصرية بهذا الاسم كما سماهم غير المصريين به أيضا. يواصل مصطفى كمال قائلا: "وقد يفسر ذلك بأن التمحو عرفوا طريقهم إلى الاستقرار في مصر بعيدا عن جو المناوشات والإغارات منذ وقت مبكر. ونضيف إلى ذلك أن حاكم القوصية في عهد أمنمحات الأول وكان اسمه (سبنى) قد صور وهو في طريقه إلى الصيد وخلفه تابعه يحمل أسلحته وكلاهما كان يلبس قراب العورة. ويلاحظ أيضا أن سبنى كان يلبس على صدره شريطين متقاطعين وأن تابعه يتحلى بريشة مثبتة في رأسه. فإذا سلمنا بأن هذا الحاكم من أصل ليبي فإنه من المرجح أن تكون أسرته قد دخلت مصر في العهد الإقطاعي الأول" [17]. ولعل من الجدير أن أشير، في هذه النقطة، إلى أن هناك احتمالا قويا بأن يكون الفراعنة القدماء من أصل أمازيغي، ربما استقروا على ضفاف النيل ودخلوا في حياة الزراعة هناك، إلا أن هذا الموضوع ما زال يحتاج إلى كثير من البحث والتمحيص كما أنه ليس موضعي هنا الآن. إن ما يمكن أن نتوصل إليه، من خلال مراجعتنا لما يقوله المؤرخون عن الاحتكاك الذي كان قائما بين البلدين؛ الأمازيغي والمصري، هو أن الحرب التي كانت مشتعلة بين الطرفين قد مهدت الطريق فعلا، أمام الأمازيغ، للدخول إلى مصر حتى وإن لم تفض بشكل مباشر إلى استلام السلطة في بداية الأمر. يبدو أن الأمازيغ دخلوا مصر على عدة جبهات، منهم من كان مرتزقا لدى الفراعنة ومنهم من تسلل بطريقة مدنية ومنهم من فرض نفسه بالقوة حتى وإن لم يثقل على السلطة بحيث يجعلها أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما التنحي عن العرش المصري وإما الحرب، لهذا نجد أن النفوذ الأمازيغي، العسكري والمدني معا، كان قائما في مصر وفي نفس الوقت كان هناك هدوء وتعايش سلميان. وربما أدى هذا إلى ترسيخ صورة شيشنق بشكل أكثر إيجابية في نفوس المصريين. وما لا شك فيه أن نفوذ شيشنق في مصر قد فتح الباب، أمام الأمازيغ، للدخول إلى مصر مما حد من الهجمات الغربية التي كان يتلقاها العرش المصري.

من المعلوم أن ما كتب حول الحضارة الفرعونية يفوق ما كتب حول الحضارة الأمازيغية، وذلك راجع لسببين رئيسيين؛ الأول هو أن مصر التفت إليها الباحثون بسبب الأهرامات وما يصب في موضوعها من الأثار والكنوز النادر لها مثيل في العالم. أما السبب الثاني فهو راجع إلى التآمر الكلونيالي الممنهج الذي تعرض له كل ما هو أمازيغي. ولقد شاءت الأقدار أن تتقاطع مصلحة الغرب مع مصلحة الشرق في الإبقاء على ما هو أمازيغي تحت الثرى، فذلك واضح لا يحتاج للتأمل حتى. ولكن بعد، أو قبل هذا كله، أعتقد بأنه من الأجدر أن نتساءل ما إذا كانت الأمة الأمازيغية، التي يحاول بعض الكلونياليين أن يسيئوا تصويرها، مؤهلة للسيطرة على مصر الفرعونية وحكمها طوال تلك المدة الزمنية أم لا، وهو التساؤل الذي تقتضي مستلزمات الجواب عنه أن نقول بأن هذه الأمة لم تكن كما حاولوا تصويرها واختزالها، بل كانت متحضرة وفي المستوى المطلوب من الوعي. أعتقد أن القارئ النمطي للمؤرخ النمطي سيجد مفارقة في هذا الموضوع تنم عن تناقض يبدو أن بعض المستهينين بالأمازيغ القدماء قد وقعوا فيه عندما اعتقدوا، أو أرادوا أن يعتقدوا، بأن هؤلاء كانوا مجرد أمة بعضها يسكن الكهوف والبعض الآخر لا أدري ماذا كان يفعل. السؤال الحاسم في هذا الصدد هو التالي: هل كان المستوى الحضاري للأمازيغ في مستوى مصر الفرعونية حتى نتحدث عن الاستيلاء عليها وحكمها طوال ما يزيد عن قرنين ونصف من الزمن؟ سأحاول الإجابة عن هذا السؤال بإيجاز راصدا ما أمكن من تفاصيل الحياة التي كان يتقاسمها الشعبان الأمازيغي والفرعوني قصد الوصول إلى ما أمكن من العناصر الحضارية التي يمكن الحديث عن أنها كانت فاصلة أو مشتركة بين الشعبين والتي يتحدد بمقتضاها مستواهما الحضاري. عندما ننزل من الأبراج العاجية إلى الواقع الملموس نجد من الممكن القول بأن الأمازيغ لم يكونوا أقل شأنا من الفراعنة إلى الحد الذي قد يتصوره شخص قليل الاطلاع. أنا لن أبدأ هنا من الأهرامات لرصد ما أمكن من المشتركات الحضارية بين الشعبيين أو رصد عناصر تفوق هذا على ذاك، بل سأبدأ مما هو يومي يمس حياة الفرد عن قرب وبشكل مبسط من أجل أن نأخذ صورة تقريبية للحالة الحضارية التي كان يعيشها الشعبان القديمان. إن طبيعة العيش اليومي لم تكن راقية عند الفراعنة ومنحطة عند الأمازيغ كما ربما يتصور البعض، فلننظر مثلا ما يقوله المؤرخ اليوناني هيرودوت، في حديثه عن النظافة والصحة لدى الفراعنة، كبداية الطريق نحو الواقع الذي كان يعيشه الشعبان الفرعوني والأمازيغي، ومن ثم نقترب شيئا فشيئا إلى علاقة ذلك بالمظاهر التاريخية الكبرى التي ربما سطرت المسار المشترك بين الشعبين وحددت طبيعة التفاعل الاجتماعي والسياسي وحتى العسكري بينهما. إذا انطلقنا من هذه النقطة سنجد بأن هيرودوت مثلا لم يجعل الأمازيغ في مستوى الفراعنة فحسب، وإنما جعلهم فوق الفراعنة! يقول في حديثه عن الفراعنة: «مراعاة لصحتهم يتناولون ثلاثة أيام متتالية من كل شهر مقيئات، وحقن شرجية، إذ يعتقدون أن جميع الأمراض تصيب الناس من الأطعمة التي نتغذى بها، وهم ، حتى بغير ذلك، أصح الناس عامة بعد الليبيين." [18]. مع العلم أن الليبيين هم الأمازيغ. وعندما ينتقل إلى الحديث عن الأمازيغ، في هذا الصدد، يقول:"والناس هنا يختلفون عن سواهم في نمط الحياة عموما كما في نهجهم في معاملة الأطفال، فهناك الكثير من البدو- ولست أقول كلهم- يعمدون إلى كي عروق الرأس والصدغين أحيانا، حين يبلغ الطفل الرابعة من العمر، بوضع قطعة من الصوف مدهونة بالشحم على المنطقة التي يراد كي العروق فيها، فيكون ذلك تحصينا له من الزكام . ولذلك تجد أطفال هؤلاء القوم أسلم الناس في العالم صحة، أو أنهم، وهذا حق، أفضل صحة من أي عرق آخر عرفته، وإن كنت غير واثق من أن هذا هو السبب في سلامة صحتهم. أما أنهم يتمتعون بصحة ممتازة فحقيقة ثابتة مؤكدة." [19]. حتى في موضوعه المخصص للحديث عن مصر لم ينس هيرودوت أن يشير إلى ما كان معروفا آنذاك، في هذه المسألة، وهو أن الأمازيغ القدماء كانوا يتمتعون بصحة جيدة وأنهم شعب كان يهتم بنفسه شكلا ومضمونا يراعي مبادئ الصحة والنظافة، وهذا ما يتنافى مع الحديث عن شعب بدائي لم يكن يهمه سوى أن يأكل ويشرب. إذا كان هيرودوت قد جعلهم في مرتبة أعلى من الفراعنة، في هذا المجال، فنحن نعرف بأن الفراعنة لم يكونوا مجرد شعب عادي بسيط بدائي حتى نستهين بمثل هذه المقارنات. كما أن هذه الأشياء اليومية، التي تبدو تافهة نوعا ما، هي التي تجعلنا ننفذ إلى الواقع المعيش آنذاك قبل أن ننتقل إلى البنية الفوقية التي تشكلها الطبقة السياسية أو العسكرية. ما دمنا نتحدث عن الأمازيغ الفراعنة فلا بد أن ننزل إلى الأرض لنرى كيف كانت حياتهم اليومية بالنسبة إلى الفراعنة الذين أزاحوهم عن عرش مصر في يوم من الأيام. هناك جوانب أخرى نستشف من خلالها أن الأمازيغ كانوا في المستوى المطلوب من التحضر الذي كان يمليه العصر آنذاك، ففي حديثه عن التحالف المنعقد بين الأمازيغ وشعوب البحر، على سبيل المثال وليس الحصر، يقول فوزي جادا الله: "وكانت الزعامة في هذا التحالف لليبيين دائما وهذا يعني أن القبائل الليبية كانت قوية ومتحضرة بما سمح بأن يدين لها بالزعامة أصحاب الحضارة الإيجية السابقة للحضارة الإغريقية الكلاسيكية" [20]. ويقول الدكتور مصفى كمال عبد العليم في هذا الصدد: "يبدو أن المشوش لم يكونوا غير متحضرين، بل يستدل من وصف أسلحتهم من سيوف وعجلات حربية، أنهم كانوا مسلحين سلاحا قويا ومنظما. وكان استعداد الفرعون لملاقاتهم يتناسب مع خطورة هجومهم وقوة سلاحهم." [21]. ومن المعلوم أن المشوش أو المشواش هي القبيلة الأمازيغية التي أنجبت شيشنق الأول وغيره من الأمازيغ الذين استولوا على العرش المصري. هذا ما يتغافل عنه بعض المؤرخين، فعندما يتحدثون عن سيطرة الأمازيغ القدماء على العرش المصري ينسون بأن ذلك لم يكن بالأمر السهل سواء حدثت السيطرة بالقوة أو بالسلم. فلا بد من الإدراك بأن الأمازيغ القدماء كانوا أمة متحضرة قوية واعية تعرف إلى أين تسير وليس كما يحاول ذوو الأدوار الكلونيالية المعروفة أن يختزلوها ويهمشوا دورها في تاريخ هذه المعمورة. إذا انتقلنا إلى مظهر آخر، من هذه المظاهر الأساسية، نجد أن الشعب المصري ربما كان أقل تمتعا بالحرية التي كان يتمتع بها الشعب الأمازيغي، وربما كانت هناك شريحة، على الأقل، من الشعب المصري تفضل الانتماء إلى الأمازيغ على انتمائها إلى مصر الفرعونية. يقول المؤرخ اليوناني هيرودت: "حدث أن أهل مدينتي "ماريا" و "آييس" الذين يسكنون من مصر أجزاءها التي تتاخم ليبيا، كانوا يعتبرون أنفسهم ليبيين لا مصريين، وذلك لما أثقلتهم الشعائر الدينية بما لا طاقة لهم به، ورغبوا في أن يأكلوا لحم البقر وأرسلوا إلى آمون مدعين أن ليس هناك شيء يجمع بينهم وبين المصريين، لأنهم يسكنون خارج الدلتا وأن ليست بينهم وبين المصريين صلة في اللغة. وأنهم شاؤوا أن يحل لهم أكل كل طعام، ولكن الإله لم يسمح لهم بذلك" [22]. الملحوظ هنا أن هؤلاء المصريين- حسب ما جاء به المؤرخ اليوناني هيرودوت- كانوا يفضلون الانتماء إلى الأمازيغ إن لم نتحدث بلغة السياسة ونقول بأنهم كانوا يفضلون الانضواء تحت الحكم الأمازيغي آنذاك، لاسيما المتاخمون منهم للأراضي الأمازيغية. لكن الدكتور أحمد بدوي قال بأن هاتين المدينتين تقعان في الصحراء الليبية [23] وفي الحقيقة نجد هناك بعض الاختلاف لا شك أنه عائد إلى طبيعة الترجمة حيث نجد في الكتاب الثاني من تاريخ هيرودوت، الذي ترجمه عبد الإله الملاح، أن حديث هيرودوت عن هاتين المدينتين جاء كالتالي: "وقد علمنا أن سكان "ماريا" و"ابيس" الذين يقيمون على الحدود الليبية قد ضاقوا ببعض أعراف الدين، وخاصة تحريم أكل لحم العجل فبعثوا إلى معبد "آمون" من يقول إنهم لا يرون أنفسهم ملزمين باتباع أعراف المصريين، فهم ليبيون ولا يمتون لهم بصلة، ويقيمون خارج الدلتا ويرغبون بالتالي أن يعيشوا كما يشاؤون. لكن الكاهن رد طلبهم وأعلن أن مصر هي الأرض التي يرويها النيل، والمصريون هم جميع الناس الذين يعيشون ما وراء الألفنتينا وينهلون من مائه" [24] والألفنتينا موقع جنوب "أسوان" حسب ما جاء في شرح عبد الإله الملاح [25] ففي ترجمة الدكتور محمد صقر خفاجة للكتاب الثاني من تاريخ هيرودوت وهو الكتاب الذي يحمل عنوان “هيرودوت يتحدث عن مصر”، نجد الحديث هنا عن مسألة اللغة التي يبدو أنها كانت مختلفة، بعض الشيء، بين أهل هاتين المدينتين وباقي سكان مصر، وهو الشيء الذي لم يرد في ترجمة عبد الإله الملاح الذي يقول في مقدمة الكتاب: “وقد أثرنا تقديمه بالعنوان الذي عرف به في كتب المؤرخين “تاريخ هيرودوت” منقولا عن الترجمة الإنجليزية التي أنجزها “جورج رولنسون” بطبعتها المنقحة الصادرة عام 1936” هذا يعني أن ترجمة “جورج رولنسون” أيضا لم يرد فيها الحديث عن الاختلاف اللغوي. وسواء ذكر هيرودوت مسألة اللغة هنا أو لم يذكرها فإن الاختلاف اللغوي، الذي أشار إليه أهل المدينتين المتاخمتين لليبيا (أرض الأمازيغ)، يرجح أنه كان عبارة عن إحدى الذرائع التي توسلوا بها إلى معبد آمون من أجل تخليصهم من الانتماء إلى مصر. وكما يقال أن الغاية تبرر الوسيلة فليس بالضرورة أن يكون هناك اختلاف لغوي بالمعنى الكبير كالاختلاف بين العربية والهيروغليفية مثلا. فما دمنا في إطار الحديث عن قوم أرادوا الانفصال عن مصر بسبب تلك الأعراف الدينية المشار إليها سالفا، فقد يكفي أن يكون هناك اختلاف طفيف بين لهجتهم وباقي اللهجات المصرية الأخرى حتى يضيفوا ذلك إلى قائمة مبرراتهم للانفصال. أما الرد المخيب للآمال، والذي جاءهم من معبد آمون، فهو يؤكد بأنهم مصريون، ثم إنهم لو كانوا أمازيغ لقال هيرودوت بأنهم ليبيون وليس مصريين. على كل حال هذا لن يغير شيئا في كون هذه النقطة تستحق وقفة تأمل. إن هؤلاء الذين أرسلوا إلى معبد آمون من أجل الانسلاخ عن الهوية المصرية والاندماج في الهوية الأمازيغية، حسب ما نستشفه من موقفهم، يكشفون لنا عن طبيعة الاستساغة الشعبية للسياسة الفرعونية التابعة، في كل صغيرة وكبيرة، لمؤسسة آمون الكهنوتية. إذا كان دافعهم للتبرؤ من السياسة المصرية الفرعونية يتمثل في ضيقهم بتلك الأعراف والطقوس الدينية، التي تحدث عنها هيرودوت، فمن المعلوم أن هذه الأعراف كانت تنطبق على جميع سكان مصر الواقعين تحت الحكم الفرعوني. وهذا ربما يجيز لنا تعميم الحديث عن الضيق بالنسبة إلى البسطاء المصرين، على الأقل، والذين لم يكونوا مختلفين اقتصاديا عن هؤلاء الذين تحدث عنهم هيرودوت فهذا أمر يبدو طبيعيا. يقول هيرودوت في هذا الصدد:" "ولكن من المحظور عليهم تناول السمك، أما البقول فهي ممقوتة عند المصريين فلا يزرعونها أو يأكلونها، نيئة أو مطهية" [26]. هذا مثال فقط على القيود الدينية التي تغلغلت في أدق تفاصيل العيش اليومي لدى الفراعنة. على أنه لا بد من الإشارة إلى أن هناك تناقضا، في حديث هيرودوت ربما، حول ما يتعلق بأكل لحم العجل، فإذا كان يقول بأن أولائك المصريين، المتاخمين لبلاد الأمازيغ، كانت رغبتهم في أكل لحم العجل واحدة من أسباب عزمهم على الانفصال عن مصر-حسب ما نستشف من كلامه- فلقد قال في موضع آخر" وسأقتصر في هذا المقام على عرض النهج الشائع في التعامل مع القرابين المقدمة للآلهة التي يبجلونها أشد التبجيل أيزيس ويخصونها بأعظم احتفالاتهم. وقد جرت عاداتهم على أن يطلقوا ألسنتهم، بعد سلخ جلد الثور، بالأدعية، فإذا انتهى الدعاء انتزعوا الكرش والأمعاء، تاركين الأحشاء الأخرى والدهن. ويعمدون بعدئذ إلى تقطيع أعضائه من القوائم وما بين الأضلاع والظهر والكتفين والرقبة، ثم يحشون الثور بالخبز والعسل والزبيب والتين والبخور والمر وغير ذلك من التوابل ثم يسكبون كميات من الزيت فوق لحم الأضحية ويشوونها، وجرت العادة على أن يصوموا قبل التضحية وأن يضربوا صدورهم بقبضاتهم أثناء شي اللحم. وإذا انتهى هذا الطقس التفتوا إلى تناول الوجبة من الأجزاء التي بقيت."[27]. إذا لم يكن هذا تناقضا فهو يعني أن السياسة الكهنوتية، لدى الفراعنة، كانت تجيز لبعض النخب أن تأكل لحم العجل بينما تحرمه على العامة. ولعل ما ينشط هذا الرأي أن حديث هيرودوت عن أكل لحم العجل ورد في إطار طقوس دينية (القرابين)، وهذا يعني أن الآكلين هم نخبة محددة قد لا تتعدى طبقة الكهنة أو ما شابه، بينما جاءت الإشارة إلى حظر هذا اللحم في إطار الحديث عن عامة الشعب، أي سكان مدينتي؛ "ماريا" و"آبيس" المتاخمتين لبلاد الأمازيغ (ليبيا). وكما أشار الدكتور أحمد بدوي، في شرحه للكتاب الثاني من تاريخ هيرودوت والذي يحمل عنوان "هيرودوت يتحدث عن مصر"، فإن هيرودوت قد وقع في بعض الالتباسات على أن ذلك لا يعني أن كل ما قاله عبارة عن أخطاء. من المعلوم أن تلك الأعراف الدينية، إذا لم تكن عبئا على الطبقة الميسورة، فلقد كانت، بطبيعة الحال، تنطبق على كل بسطاء مصر سواء كانوا من المتاخمين لبلاد الأمازيغ أو غيرها. عندما ندقق في هذه الأمور نجد أنه ربما يجوز القول بأن عدم اشتعال ثورات المصريين ضد الفراعنة الأمازيغ، الذين حكموا مصر لما يزيد عن قرنين ونصف، عائد إلى رضاهم نوعا ما على السياسة التي كان الأمازيغ يتبعونها في حكمهم لمصر. والحق أن هيرودوت قد تحدث، في مواطن أخرى، عن كثرة العبادات لدى الفراعنة مما يبعث على استصعاب الحياة هناك نوعا ما بالنسبة للطبقة الدنيا، ولا يتسع المجال الآن لذكرها بل أكتفي فقط بالأمثلة التي تصب في الموضوع مباشرة لا أكثر.

*******

(يتبع في العدد القادم)

 

 

 

 

 

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.