uïïun  171, 

sayur 2961

  (Juillet  2011)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

iãiä n tamazivufubit d tupuäyt n taoarabumanir

Arriif jar tirelli d uhwes

Asmammi

tudert inw

Français

Marghighda au pays de Gurugu

La question de l'identité au Maroc et la réforme constitutionnelle

L'amazighité et la constitution de Mannouni

Pour un Maroc vraiment exceptionnel

La télévision amazighe

Sortie du livre de mostafa Qadery

العربية

سعار الأمازيفوفوبيا وجنون العربومانيا الجاهلية

من مغالطات المعادين للأمازيغية

الله يتكلم الأمازيغية أو هو أعرب

لماذا لا يمكن حاليا إلا دسترة الأمازيغية كلغة رسمية؟

فجر الأوديسا أو دلالة أسماء العمليات العسكرية

ذكرى للتاريخ وإن عاثوا فيه فسادا

الذكرى الثالث عشرة لرحيل لومناس معتوب

صدور كتاب في الهوية الأمازيغية للمغرب

إحياء لذاكرة بوجمعة هباز

ما أبعدك أيها الخليج

كتاب الإعلام الإلكتروني الأمازيغي

بيان تنسيقسة تافسوت للجمعيات الأمازيغية

ندوة التغيير الدستوري وميتقبل الريف

 

 

 

حتفاء بالذكرى الثالث عشرة لرحيل لوناس معتوب

أعداء معتوب. . أعداء الحياة

بقلم: عبدالله زارو

«للنصارى مسيحهم وللشيعة حسينهم وللأمازيغ معتوبهم»

 الذين استهدفوا لوناس معتوب ذات ظهيرة يوم 25 يونيو 1998 استهدفوا فيه الحياة. فقد كان هذا الرجل الفذ نابضا بالحياة، شغوفا بالعيش ومقبلا عليه حد الثمالةMatoub Lounés était un Bon vivant.

وأعتقد أن هذاالعنصر في شخصيته بالغ الأهمية، ومن خلاله نجدد كل سنة القول بأن الخطب الذي أصابنا في فقده جلل والخسارة التي ألمت بنا فادحة. لذلك، فالدروس التي ينبغي استخلاصها من الحدث، حدث الاغتيال الجبان للوناس تتجدد مع كل احتفاء بذكرى اختفائه، فهي خزان لاينفد من العبر والعظات. الحق أن الرجل كان أمة وحده.

فمنذ سنوات طفولته الأولى تراه مندفعا باتجاه الحقول والبراري حيث عبير الحرية ونسائم الحياة، تعرفه الحقول أكثر مما استأنست به حجرات الدرس المغلقة بين جدرانها والمنغلقة على مقرراتها المعربة قسرا والمتكلسة مضمونا.

أما شغبه الجميل ومشاكساته في المراهقة الأولى فلم تكن تروم إلا إثبات الذات في مواجهة الأغيار والأغراب (الأعراب). سواءخرج منها منتصرا أو منكسرا، نازفا أو متبادلا لضرب وجرج باللكمات أو بضربات الرأس أو بشفرات الحلاقة.. فقد كان محبا للحياة شغوفا بالحرية والعيشة الكريمة.

أما تحديه للانضباط الكاذب والاستفزازات المغرضة من قبل الرؤساء العسكريين في سنوات الجندية وتصديه للدفاع عن أبناء جلدته من المجندين ضدها فهو تعبير آخر عن ولعه بالحرية والحياة الكريمة التي لاهمز ولا لمز فيها ول احتقار. « هؤلاء يحتقروننا، يقول لوناس، ينعتوننا بالزواوة والأجلاف. هؤلاء هم من الجزائر، بلدنا جميعا، لكنهم يعادوننا بالغريزة، هم من بلدنا، لكن ليسوا من بني جلدتنا، ليسوا أهلنا. إنهم عنصريون والحال أننا كنا ننتظر منهم أن يعلمونا النظام والاحترام والانضباط فإذا بهم يقللون الأدب في حقنا. إنهم جعلوني أكره كل ماهو عربي. فالإناء بما فيه ينضح. الكثيرون خرجوا من تجربة الجندية بالجزائر وهم محطمون، محبطون ومكسورو الشوكة. لكن معتوب هو من هؤلاء القلائل الذين شحذتهم هذه الصدمة وأصروا على الاستمرار في التحدي وإثبات الذات بما يناسب تطوره العمري وتقدم وعيه بالأشياء والناس. والسبب هو حبه للحياة وبلا حدود وشغفه الكبير بالحرية..

في المواجهة مع درك ميشلي، تلقى الرصاصات الحاقدة والطائشة بإباء ومكابرة ومعها البصق والشتم والركل والرفس وهو يتخبط في حمام من الدم. كل هذا تلقاه من محسوبين خطأ على حفظ الأمن وتوفير الأمان للمواطنين لا ترويعهم والشروع في قتلهم على الهوية. وبالإباء والمكابرة نفسها، تحمل سنتين من الاستشفاء المكثف تخللتها أربعون عملية جراحية دقيقة لمداواة الجروح الغائرة والقروح الهائجة التي خلفتها هذه الرصاصات الخمس الحاقدة حقدا خالصا. رصاصات من دركيين مريضين لم يدركا لصغرعقليهما أن حقدهما على معتوب له تفسير واحد: إحساسهما بنقص فظيع إزاء نجوميته الفنية وشجاعته السياسية وشخصيته القوية كما وقوة حجته. فقد كانا يتوهمان أن هذه المناقب لن تكون أبدا إلامن نصيب العربي القح، فكيف لزواوي أجلف أن ينازعه فيها ؟ محن رهيبة وامتحانات متتالية يشيب لها الولدان وتنشق من هولها الجبال الرواسي أعقبت حدث الاغتيال هذا، فما وهن الرجل وما استكان وما انحنى. ما استجدى ولا استعطف ولا لزم قوقعته كما يفعل الحلزون عند إحساسه باي خطر آخر قادم وماحق. . لم يقبل تعويضات الدولة وكانت بالملايين من الدينارات عن هذا التصرف الأرعن لأحد خدامها، واشترط في ذلك أن تشمل التعويضات كل ضحايا غضب أكتوبر 1988 وفي كل المدن الجزائرية..

ثم جاء اعتداء الجا رالمأجور عليه بمدية على مستوى البطن في مقر الدرك نفسه وما تلاه من تسفيره على متن طائرة للعلاج بباريس وبطنه مفتوحة عن آخرها ليزيد من هيتشكوكية المشهد الذي لايفترض له نظائر إلافي الخيال السينمائي. ومع ذلك، ما اعتزل صاحب القلب الكبير وماحقد.. فقد صفح وعفا وتكرم على الجار اللئيم بعد سنة من ذلك بالسماح له بجلب المياه من الصهريج الكبير الذي بناه من ماله الخاص. فالرجل لم يخلق للحقد البئيس والحروب الصغيرة بل للحياة. فهو محب للحياة، شغوف بها، هي معبودته. بينما الآخرون، كل الآخرين، المتربصون به كان يجمعهم كرههم لهذه الحياة. لذلك، طبيعي أن ينهشهم الحقد من الداخل وأن يجعلوا من الموت والحديث عنه شعيرة وتميمة..

في أتون هذه الأهوال العظام، كان لوناس ينظم أشعارا ويلحن ويغني ويصطحب فريق شبيبة القبايل إلى زامبيا لمنازلة العفاريت الحمر. وعند عودته رفقة الفريق بالنصرالمؤزر وبلقب بطولة إفريقيا لم تكن قريحته لتخونه حتى والجروح نازفة لا تزال. فارتجل أغنية تكريما للشبيبة على متن الطائرة يحتفي فيها بالانتصار ويسخر من الأقدار. لا لشيء إلا لأن الرجل كان شغوفا بالحياة، مقبلا عليها حتى الثمالة.

مع البرابرة الإسلاميين، كان ثمة اختطاف وإذلال واستنطاق وترويع لأسبوعين.. أسبوعان ما كان فيهما لوناس يعتقد للحظة أنه سيعود إلى الحياة، أسبوعان ما كانت أذناه تلتقط سوى عبارات القتل والموت والذبح والحد والقصاص والطواغيت والسكاكين والرصاص والكمائن.. بأم عينيه، عاين مشاهد تراجيدية للقتل الهمجي، قتل على الهوية وتخيير الضحايا بين الذبح بالسكين أو الرمي بالرصاص. فما همد وما استكان. صحيح أنه كون فكرة حزينة جدا عن البلد ومآلها لكنه كان متفائل الإرادة رغم تشاؤم الفكر. كيف لا وهؤلاء الأمراء الأغرار الذين اختطفوه كانوا يتعبدون بالقتل والموت صباح مساء ؟ فهم إما يتخيلونه أويمارسونه أويتلون آيات قرآنية تحببه للنفس ليلتحقوا بزعمهم بجنات تجري من تحتها أنهارمن حليب وعسل مصفى وخمر لذة للشاربين تحيط بهم الحور العين والكواعب الأتراب من كل جانب. فيالهم من مغفلين تعساء، أين هم من فطنة لوناس وثقافته وحساسيته الفنية الرقيقة ووعيه السياسي الوقاد الذي أبان عنه في تحليله لشخصياتهم وأوضاعهم الاجتماعية والنفسية..! والسر في هذا الفارق المهول بين هذا وأولئك هو أن هذا الرجل شغوف بالحياة وشغفه بها جعله يرى الأمور بعين العقل والإحساس وبميزان الموضوعية. بل جعله هذا الشغف بقدر ما يفاجئ بتحاليل رزينة بقدر ما يندفع لمعايشة كل أوجه الحياة الجميلة والآسرة في عجلة كما لو أنه حدس بأن حبلها أرادوه أن يكون قصيرا. . ولا عجب فهم كارهوها، هم فرسان كراهية الحياة على حد تعبير فرويد.

أمام الحاجز الإرهابي (سواء كان من تدبير الطغمة العسكرية أوالشرذمة الإرهابية) بتالانبونان، الحاجز المشؤوم الذي شهد آخر لحظة في حياته، لم يفزع لوناس ولم تخنه رباطة جأشه وهو يواجه شرذمة من القتلة العازمين على تصفيته. قتلة ملثمون ومرددون كالممسوسين لتكبير خارج السياق وشهادتين شاردتين، كان لوناس قبالتهم كالأسد الهصور فأمسك برشاشه الأتوماتيكي وطفق في إطلاق الرصاص دفاعا عن نفسه وعائلته التي كانت معه في سيارة المرسيديس.. لكن رصاص لوناس كصاحبه لم يقتل، قد يكون جرح أحد هؤلاء المعتدين لكنه لم يقض عليه. طبيعي، فلوناس لم يخلق للقتل والموت بل للإحياء والحياة.. فحتى هؤلاء الجبناء الغدارين، اعترفوا بأن قتل لوناس لم يكن سهلا إذ قاوم لوحده وبث في نفوس الإرهابيين الرعب حتى آخر لحظاته. اعتراف ورد في بلاغ للجماعة الإسلامية المسلحة بلندن بقيادة حسن حطاب إثر اغتيال معتوب حيث حمدت فيه هذه الجماعة الله على أن وفقها لإنزال الحد الشرعي في هذا الكافرالمرتد والنيل من زوجته الفاسقة (كذا)، لاحظوا أدب الإسلام في صيغة البيان ؟! والحال أن معتوب كان أعزل وهم كثرة، أعزل جريح، مريض ومعاق ومغدور وبصحبة أهله وهم جيشوا كل أدبياتهم الجهادية وشحنوا رصاصاتهم بكل الحقد الممكن وودوا لو قتلوه لمرات ولمرات لا لشيء إلا لأنهم أعداءحياة، دينهم وديدنهم القتل. قتل كل ما هو حي، نابض بالحياة، مقبل عليها ومستعد للموت من أجلها لتستمرللآخرين...

الحق أن محن لوناس تنفطر لها الأفئدة ويشيب لها الولدان. لكن لسوءحظها، كانت كلها تتكسر على الموجة العاتية لحب الحياة بداخله، حياة ترفرف على جناحين هما الحرية، حرية بلا ضفاف التي تحكي عنها الأسطورة الأمازيغية حول الحدث المؤسس لأمازيغ وحرية أخرى هي رديفتها، حرية أرستقراطية لاتخطئها العين. .

يكفي أن تستعرضها أو على الأقل ما حكي منها كتابة في المتمرد وكما أسر لي الكثيرون من قرائه حتى يثور بداخلك هذاالسؤال: من أين يستمد هذا الفنان خارج التصنيف كل هذا الصفاء الذهني ورباطة الجأش والقدرة الهائلة على التحمل ومن أين له بهذا القلب الكبير والمعنويات العالية؟ أما القارئ لها أي من خارجها فتكاد الأرض تنشق لتبتلعه ويكاد ينسحق من شدة الجزع والفزع وهو يلاحقها جمرة حارة بعد جمرة. لا يكاد القارئ يصدق ذلك حتى يجول بناظريه في صفحات «المتمرد « ليتأكد بأن الحبكة الهيتشكوكية يمكن أن تتحول من عمل سينمائي خالص إلى مسار حياتي حقيقي.

مرة أخرى، لذلك تفسير واحد هو أن لوناس محب مميز للحياة والمتربصون به جميعا من جنرالات وقومجيين وإسلاميين وصغارا مأجورين وحاقدين من ضعاف النفوس يجمعهم كرههم الشديد لهذا الحب الذي يرفده بالطاقة اللازمة للاستمرار وتخطي الحواجز من كل صنف.

أخال أن هذا الجانب في شخصية الرجل لم يلتفت إليه المحللون لها. وبؤرتها توجد في كلمة السر هذه: الولع بالعيش والعيش الجيد والاستخفاف بملء الفم بإكراهات الزمن والناس.

لنمعن النظرفي هذه الحزمة من المواقف:

ـ بعد سنة فقط من إطلاق سراحه من قبل شذاذ الآفاق وفي غمرة حكمهم عليه بالإعدام الموقوف التنفيذ، عقد لوناس قرانه على الشابة نادية. وقد احتفى به في أحد أفخر مطاعم تيزي وزو بحضور أعداد غفيرة من المدعوين. وفيه ظهر في حلة العريس الجذاب الذي انتبه في مظهره لأدق التفاصيل كما زوجته بلباس عرسها الأبيض الفضفاض بتفاصيله الأنثوية الرقيقة. هذا الحدث السعيد أرسل رسالة واضحة هي: وتستمر الحياة رغم تربص كارهيها بها وبأهلها: القتلة يصدرون أحكاما ظالمة بالقتل ولوناس يتزوج في حفل كبيرومثير.

ـ ثم هناك هذه الأناقة اللافتة التي يظهر بها في حواراته التلفزية سواء بفرنسا أوإيطاليا أوألمانيا أوالبرازيل. أناقة مظهرية تشهد عليها آخر صيحات البذل وربطات العنق والنظارات الشمسية والطبية والخواتم والسترات والسلاسل الذهبية على مستوى العنق والمعصم وتصفيفات شعرجذابة ومتنوعة، كلاسيكية وإيطالية تجمع بين الراسطا (بضفائر طويلة) والهيبيز والمرتب واللحية المقصوصة والخفيفة والثورية والشارب الكث واللحية الهلالية فضلا عن الوشم الرفيع في الجزء العلوي من الجسم.. فالرجل لم يغرقه اليأس والإحباط من مآل بلده المأساوي ولا سيف ديموقليس، سيف حكم الموت الموقوف التنفيذ الذي يلاحقه كالظل، لم يغرقه كل ذلك في نزعة زهدية بئيسة وتشاؤمية لا ترى جدوى في الاهتمام بالمظهر والتفاصيل. والاستمرار في التأنق والظهور بأكثر من مظهر لائق. دليل على أن محبة الحياة متأصلة وغالبة على كل نوازع الموت والشؤم واليأس في الرجل.

أما مضامين أجوبته فأناقة أخرى ومتانة ووجاهة تسر السامعين وتمتع الناظرين وتفحم المغتاظين. أجوبة قوية، موجزة، شديدة الكثافة، عميقة الغور نجحت في إيصال رسالة الأمازيغ إلى الغربيين. فقد كانت بحق أفضل سفير للأمازيغ في هذا العصر خصوصا وأنها كانت تبث في ساعات الذروة، أنتقي منها شهادات قوية ودائمة الراهنية:

ـ بادئ ذي بدء، الجزائر ليست عربية. أرادوا لنا أن نكون رومانا ووندالا وبيزنطيين وعربا وأتراكا حتى لا نكون ما نحن حقيقة إياه، أي أمازيغ، كلهم متواطئون على نفينا. (قناة تلفزية ألمانية).

ـ أقاتل وسأظل أقاتل حتى الرمق الأخير ضد الفاشية الخضراء للإسلاميين واستبداد السلطة. السلطة هي التي خلقت الإسلاميين ومن هؤلاء خرج الإرهابيون. السلطة هي التي أتت بالإخوان المسلمين المطاردين من مصر والمتابعين في قضايا جنائية في بلدانهم ليعلمونا العربية ويلقنونا الإسلام. كان هذا بعد أن عرب بومدين التعليم عن قصد وقال بن بلة في نبرة هستيرية: نحن عرب، عرب، عرب، وحول بنجديد أرض الجزائر إلى ملتقيات للإسلاميين من كل البلدان للاحتفاء بما يسمونه الصحوة الإسلامية.. السلطة هي التي فرشت لكل هؤلاء السجاد الأحمر في بلدنا. مثل هؤلاء (مشيرا بأصبعه إلى علي بلحاج) نموا في ظل العسكر والحزب الوحيد ورضعوا من ثدي السلطة في الوقت الذي كانت فيه الحركة الثقافية الأمازيغية تقمع قمعا أهوج بالقبايل. إن خوف السلطة من اتساع نفوذ هذه الحركة ذات الولاءات الديمقراطية والعلمانية هي التي دفعتها إلى خلق الإسلاميين ومدهم باسباب النمو والاستمرار. هدفها كان هو إيقاف المد الأمازيغي الكاسح. (قناة تلفزية فرنسية)

ـ بدءا، أتهم المدرسة الجزائرية وأتساءل: لماذا مقرر مدرسي واحد لكل المناطق بالجزائر ؟ طيب، يتحدثون في هذه المقررات عن عقبة بن نافع بحماس وتقديس والحقيقة أنه محتل وغاز. بالجزئر، نجد شارع عقبة، مدرسة عقبة، مسجد عقبة، بل ومدينة بكاملها سميت باسم عقبة بن نافع. فلماذا نكرم هذا الدخيل على حساب الأبناء الحقيقيين للبلد الذين دافعوا عن حرمتها ببسالة منقطعة النظير وعلى رأسهم كسيلة الذي تحول التشهير به إلى عبادة في المقررات الخاصة بالتاريخ والتربية الإسلامية؟ طيب، تريد إرسال ابنك إلى كتاب قرآني، فهذه مشكلتك. أما أنا فلن أرسل ابني أبدا إلى كتاب قرآني، وهذه مشكلتي. لماذا تصرون على جرنا إلى الهاوية. أنت تسمي ابنك عقبة، فلماذا تحرمني من حقي في أن أسمي ابني كسيلة؟ وغدا سيحضران في حصة حقيقية للتاريخ بالمدرسة وسيتأكدان حينها من حقيقة عقبة وحقيقة كسيلة. (قناة تلفزية ألمانية، ويمكن مشاهدة الشريط في موقع لوناس معتوب تحت عنوان: النقيض الكامل لعقبة Anti okba ).

ـ سيدتي، العلمانية ليست هي الإلحاد. نعم أنا علماني وأقولها جهارا نهارا. العلمانية هي فك الارتباط بين الدين والدولة، بين الدين والسياسية. العلمانية هي الحظ الأخير لهذه الجزائر المسكينة التي ندحرجها باتجاه الهاوية السحيقة. العلمانية تكفل حق التدين واللاتدين وتحول دون الاستعمال السياسي للدين الذي يحوله إلى استبداد ومعيق للتطور والتقدم. (قناة تلفزية فرنسية / بلجيكية).

ـ لست مسلما، أنا وطني جزائري. ومع ذلك، لن أتردد في التضحية بآخر قطرة من دمي في سبيل هذه الجزائر المغلوبة على أمرها التي يدحرجونها نحو الجب ويعبثون فيها إفسادا وتقتيلا (قناة تلفزية ألمانية).

ـ قد يكون أبواي مسلمين، أما أنا فلا. ما العيب في ذلك ؟! من حقي تماما أن أختار الدين الذي يناسبني (قناة تلفزية فرنسية).

ـ أتيت بدعوة إلى روما للمشاركة في المظاهرة العالمية المطالبة بإلغاءعقوبة الإعدام ولزيارة المقام الذي دفن فيه ملك أمازيغي كبير هو يوغرطا (يوغرتن). . أغنياتي تزعجهم وتقض مضاجعهم لأنها تقول: لا لأفكارهم الهدامة والساذجة. (قناة إيطالية).

ـ حكمهم علي بالموت هو سيف ديموقليس مسلط على رقبتي في كل وقت. يلاحقني حتى هنا في أوروبا، فهؤلاء الفاشيون الخضر لهم قتلة في كل مكان، لست بمنآى عن القتل في أي مكان بالعالم. قالوا لي هذا قبل الإفراج عني. فالأممية الإسلامية ما عادت سرا (قناةإيطالية).

ـ دأبوا على احتقارنا، لا يريدوننا بالجزائر، ودوا لو رحلونا جميعا إلى حيث لاعودة علما بأننا نحن السكان الأصليون. أغنياتي ممنوعة في كل وسائل الإعلام الجزائري علما بأنني الفنان الأكثرشعبية في الجزائر(قناة فرنسية) .

ـ كما ترى، ها نحن نحتفل بالفرح والموسيقى في قاعة Zénith. أنا هذا الشاب الطيب الذي تراه أمامك، لست سياسيا. أنا شاعر ومغنٍّ، أكتب أشعاري وألحنها وأغنيها. بودي أن أواصل الكتابة والغناء، بودي أن أعيش أكثر لأنشر أفكاري وقناعاتي. لكن إذا احتاجتني القبايل فسأعود لأحارب، لن أتردد في حمل السلاح عند الضرورة كما أحمل قيثارتي تلبية للواجب الفني والتوعوي. (قناة فرنسية)

ـ نعم، تحدثت عن الفيدرالية، أعتقد أنه من حقي تماما أن أفكر، أن اقترح، أن أعترض، أعتقد أن نظام الحكم الفيدرالي قيمة مضافة مؤكدة لهذا البلد، لهذه الجزائر المسكينة التي يدفعون بها إلى الجحيم. قلت لي: ما الذي يخيفهم في الحكم الفيدرالي ؟ أقول لك: لست أدري، ربما جهلهم، ربما غباؤهم وربما قلة أوعدم نضجهم (قناة تلفزية ألمانية).

ـ أسألكم فقط هذا السؤال النابع من الحس السليم: إذا لم نكن عربا فلماذا يريدون تعريبنا وإذا كناعربا فما الفائدة من تعريبنا؟ (قناة تلفزية فرنسية). رفعت الأقلام وجفت الصحف بهذه العبارة الذكية !.

ولنستمر بعد هذا القوس في عرض حزمة من المواقف التي عاشها لوناس بين الإفراج عنه ومقتله والتي تؤكد هذا النزوع القوي إلى احتضان مظاهر الحياة بما فيها من حبور وغليان. لنمعن النظر جيدا في هذه الصورة. صورة رائعة جمعته بباقة من الحسناوات البرازيليات في زيارة لأمريكا اللاتينية بدعوة من جمعيات المجتمع المدني. نزل للتو من مروحية برتقالية اللون مرتديا لباس الشاطيء والحسناوات السمراوات كالحوريات يحطن به من كل جانب. المشهد لقطة فردوسية بكل معاني الكلمة ولوناس في مركزها يفيض فرحا وحبورا وهو يرقص رفقتهن على إيقاعات السامبا والرامبا الشهيرة. أليس رجل الفرح هو رجل الشمس ؟ كما قال نيتشه. ثم أليس هو الذي استغرب كيف يمكن له أن يحب فتاة حجبوها وراء البرقع: ءامك ءادحملاغ تاقشيشت ءورد ءيبان وارا؟ وهو المنتوج الأنثوي الذي يسوق له أعداء الفرح والظهور والبروز الذين جعلوا المرأة مجرد متعة وما ملكت اليمين. والجميل في هذه اللقطة أنها غير بعيدة عن التجربة الجحيمية للاختطاف إلا ببضعة أسابيع لكنها بعيدة عنها وجوديا ورمزيا وكثافة بسنوات ضوئية. شتان ما بين القتامة الأصولية وهذا المشهد المشرق. القتامة الأصولية يؤثثها متطرفون متسخون تفوح منهم روائح لا تطاق هي مزيج من البراز والبول والعرق والضراط وتؤطرها عبارات القتل والموت والقصاص السادي التي لا تفارق شفاههم. وهذا المشهد الآخر على الضفة الأخرى، ضفة الحياة يفيض جمالا وروعة وفتنة وشمسا وبحرا وحداثة ورقة ورخاوة وأناقة وبهاء في الروح والجسد.

شغف لوناس بالحياة معطى مؤكد دمغ حياته الوميضية والنيزكية الشديدة الكثافة. شغف لم تنل منه شدة أهوال صعب على الفرد أن يتحملها لوحده. فما بالك إن كان هذا الفرد يجر إعاقته التي سببها له الرصاص الحاقد للجندرمة وحكما بالموت الموقوف التنفيذ.؟حقا كماقال شاعرآخر خارج التصنيف اسمه المتنبي:

إذا كانت النفوس كبيـــــــرة ** تعبت في مرادها الأجسام

موقف آخر يتعلق بعودته المثيرة للجدل إلى الجزائر والتي انتهت بمقتله. فقد عاد لاصطحاب زوجته إلى باريس بعدما أشار عليه الأطباء بضرورة اصطحابها لمباشرة إجراءات علاج مخبري من عقم يفترض أنه المسؤول عنه. كما لو كان يحدس اقتراب أجله وأنه لا بد أن يترك خلفا له يحمل اسمه ودمه. فقد كانت أمنيته الغالية بعد الإفراج عنه هو أن يخلف ابنا أو ابنة دالين على مروره من هنا بجانب رصيده النضالي ومنجزاته الفنية. هكذا وفي أحلك اللحظات، كان الرجل منشغلا بالحياة، بأن يهب الحياة لخلف ولذرية تتولى استمراريته الجسدية. وهذه جزئية أخرى طافحة بالدلالة لا تحتمل إلا معنى واحدا: في الوقت الذي كان الموت الشغل الشاغل لأعداء لوناس كان هو منشغل بالحياة وباستمراريتها لا بالفناء والهباء والخواء!.

ثم ماذا عن لوناس معتوب والقلب الكبير La grande Ame ؟ أكتفي في هذه النقطة بسرد مواقف أربعة:

ـ كان لوناس جالسا برصيف أحد المقاهي بتيزي وزو وبجانبه شاب غارق في الكآبة والحزن الغامض. تقدم منه لوناس وسأله عن سر هذا الحزن وهو الشاب العشريني الذي كان من المفروض أن يضحك للحياة ويعانقها: ماخطبك ؟ فحكى الشاب عن اعتزامه الزواج بفتاة يحبها وتحبه كثيرا، لكن أهلها اشترطوا عليه مهرا “محترما “. والحال أنه من حاملي الشهادات المعطلين لا يملك من متاع الدنيا شيئا إلا ما كان من مأوى يلوذ إليه كل مساء مع عائلته. فما كان من لوناس الإنسان إلا أن استل من أصبعه خاتما من الماس وأزال السلسلة الذهبية الموضوعة حول عنقه فسلمهما له. قال الشاب بعد مقتل لوناس: فكفاني ذلك للمهر وحفل الزفاف وتدبر تكاليف العيش لمدة غير يسيرة، مضيفا: لن أنسى للوناس أبدا هذاالصنيع وهذا التصرف الشهم. بعيدا عن فنه وشعره ونضاله، يقول الشاب: كان لوناس إنسانا كاملا عكس ما يروج عنه أعداؤه وحساده، كان كذلك مع الجميع دون استثناء من لغة أو عمر أو دين أو جنس! ليرقد في سلام.

ـ كانت هناك عائلة بضواحي الجزائر العاصمة تقطن في دورالصفيح. حدث أن مر لوناس صدفة من مكان قريب من هذا الجحر العائلي البئيس جدا، فإذا بشاب يتعرف عليه ثم يسرع الخطى نحوه وطلب أخذ صورة تذكارية مع المغني الكبير. بعد أخذهما للصورة التذكارية تجاذبا أطراف الحديث وأخبره الشاب بأوضاعه العائلية المزرية جدا. تألم لوناس كثيرا لذلك، فبادر حالا إلى اقتناء بقعة أرضية لهذه الأسرة تبني عليها بيتها الكريم. واللافت أن هذه العائلة ليست أمازيغية الأصول ولا قبايلية بل عربية كابرا عن كابر كما قال الشاب ليفند بذلك مزاعم الكثيرين من حساده والحاقدين عليه والذين لايكفون عن ترديد أن لوناس عنصري ومبغض للعرب !.

ـ هناك قصة أخرى تدخل في باب الغيرة الضاغطة التي أحس بها بعض الفنانين إزاء النجاح الكبير الذي حققه لوناس وصيته الواسع. فقد ربح لوناس دعوى قضائية رفعها ضد المغني القبايلي المعروف فرحات مهني زعيم MAK حاليا وكان ذلك في باريس سنة 1998قبل مقتله بقليل. بدأت هذه المشكلة بين لوناس وفرحات بعد أن شكك هذا الأخير على أعمدة لوموند في رواية اختطاف إرهابيي الجماعة الإسلامية المسلحة لمعتوب وقال: الحكاية كلها مفبركة وهي من إخراج الأصدقاء السياسين لمعتوب الذين ارادوا تلميع صورته النضالية والتسويق لمعتوب الأسطورة. اتهم لوناس فرحات بالقذف والإفتراء فحكمت المحكمة لفائدته بتعويض مالي ثقيل يدفعه فرحات نقدا مع الاعتذار له رسميا على صحيفة لوموند. لكن لوناس غلب وعف. فلم يكن هدفه إذلال فرحات ولا شفط أمواله بل تأديبه فحسب. لم يكن لوناس من هواة التسلي بنشر الغسيل القبايلي على أعمدة الصحف الباريسية. لذلك تنازل عن الغرامة وصفح الصفح الجميل بعد أن لقن الرجل درسا لم ينسه أبدا باعترافه هو نفسه. وها هو فرحات يجعل من لوناس المؤسس الشرفي والحقيقي لحركة المطالبة بالاستقلال الذاتي لمنطقة القبايل ومن نشيده الوطني “أغورو” نشيدا للدولة القبايلية المأمولة !. نشيد غناه فرحات ضمن كورال ضم مشموما من الفنانين القبايليين بمناسبة الذكرى الأولى لاغتيال لوناس في قاعة الزينيت بباريس.

قصة أخرى تسير في الاتجاه نفسه. وهذه المرة مع المغني القبايلي الشهير لوناس آيت منكلات. فرغم تقدير لوناس الشديد لهذا الرجل الذي سبق أن كرمه بإحدى أغنياته، إلا أن هذا لم يمنعه ذات يوم ليقول كلمة حق في شخصه، قالها بلا تردد ولا مجاملة في الوقت الذي اختار الكثيرون السكوت والتفرج. قال بأنه ما عاد سرا أن آيت منكلات يدفع إتاوة منتظمة لإرهابيي الجماعة الإسلامية المقاتلة بالولاية الثالثة اي بالقبايل لقاء عدم إلحاقهم الأذى بممتلكاته الكثيرة ومصالحه الاقتصادية وعائلته الممتدة. أي يدفعون رشوة مقابل حماية. وقد تألم لوناس كثيرا لهذا التصرف غير المسؤول الصادر عن هذا الفنان القبايلي الكبير (ياحسرة). تصرف لا يحتمل إلا قراءة واحدة: خيانة القبايل والجبن الفظيع. هذه التهمة لم ينفها آيت منكلات لأنها تأكدت من مصادر شتى بل من الإرهابيين أنفسهم الذين يراعونه لهذا السبب. لكنه لم يحتمل أن يطلقها لوناس نفسه لأنها ببساطة كانت ستعني الموت الفني للرجل، فلوناس ما كان ينطق عن الهوى والجماهيرتصدقه. قالها لوناس تساوي عند الجماهير صحيحة مائة بالمائة. ما جعل آيت منكلات يتشنج إلى آخرالحكاية.. وأعتقد أنه لا زال على تشنجه لأنه الفنان القبايلي الوحيد الذي يحظى بشهرة والمقاطع لكل المهرجانات الاحتفالية الي تحتفي بمقتل لوناس معتوب ولم يخصه حتى بمرثية غنائية واحدة. غير أن لوناس ما ثبت أن حقد على هذا الفنان بل أحيا معه حفلا غنائيا مشتركا وأخذ معه صورا تذكارية على ما فيها من برود وفتور من جهة آيت منكلات.

لكن هذا الأخير وللأسف لم يستخلص من المواقف الوناسية ما يكفي حتى يستعيد مجده المفقود في القبايل وباريس، فآخر الحفلات الموسيقية التي أحياها في باريس لم يحضرها أكثر من 150 شخص في قاعة تستوعب الآلاف من المتفرجين. كما رأيناه عند الزيارة المشؤومة لبوتفليقة إلى تيزي وزو في الصفوف الأمامية بقاعة البلدية وهو يصفق بحرارة للرئيس !. والحال أن سيادة الرئيس المخبول أتي إلى القبايل ليسب الأمازيغية في عقر دارها قائلا: مادمت حيا فلن تكون الأمازيغية لغة رسمية، قالها ثلاث مرات بتشنج وعدوانية وبلغة موليير!. وإن كان ولا بد، فلنخضع الفكرة لاستفتاء شعبي، تكهن الرئيس بأنه لن يكون لصالح هذه الفكرة.

أخيرا، أختم مظاهر هذه الروحيةالكبيرة عند لوناس معتوب وكرمه الروحي والمادي الزائد بهذه الواقعة التي تأكدت من طرق عديدة. فقبل مقتله بأشهر، كان يعتزم تنفيذ مشروعين كبيرين وواعدين من ماله الخاص:

ـ الأول هو إحداث مستوصفات في العديد من بلدات القبايل المتروكة لحالها من قبل نظام معروف بحقده على المنطقة حقدا تاريخيا. هذه المنطقة التي كان عليها أن تواجه بإمكاناتها الذاتية الريح الصرصر للإرهابيين التي قضت على البقية الباقية.

لكن لم يهمله القتلة هو الذي كان يريد إسعاف المرضى ورفدهم بأسباب الاستمرار على قيد الحياة.

ـ هذه واحدة، أما الثانية، فقد كان يعتزم إنشاء ستوديو ضخم للتسجيل بمكان ما في فيلاه الواسعة يجهزه بآخر أنواع التجهيزات الموسيقية خصوصا الوترية منها التي كان ينوي جلبها من تركيا. فالأتراك يشتركون مع الجزائريين في استعمالهم الكثير لآلة الماندولين بأنواعها وتذوقهم الكبير لأنغامها. وهذا المشروع خطر بباله عندما عاين أعدادا هائلة من الشبان القبايليين الذين يتوفرون على مواهب موسيقية لكنهم يشتكون من انعدام التشجيع ومن الصعوبات الجمة التي تعترضهم على طريق تسجيل إنتاجاتهم. فأراد لوناس مدهم بأسباب الأمل والإيمان بالمستقبل من خلال هذا المشروع الذي أجهضه القتلة.

لكن، ما دلالات إحياء ذكرى رحيل لوناس معتوب الثالثة عشرة هنا والآن، أي في سياقنا المغربي الحالي؟ فالإحياء الوجيه لهذه الذكرى يفرض علينا الإقرار بالحقائق الآتية:

إن تحليلا عقلانيا ومتجردا لأوضاع الوطن تقودنا إلى اعتبارالإرهاب الأسلاموي العدو الرئيسي والشرس للمغرب ولما حققه حتى الآن من مكتسبات. بحيث إنه على كل الوطنيين والديمقراطيين اعتبار كل خلافاتهم ثانوية جدا قياسا إلى هذا الغول الذي يتهددهم جميعا في وجودهم الحيوي ثقافيا وبيولوجيا. وهذا الإرهاب له وجهان ذميمان، أحدهما لطيف وأليف يمارس تحت ذريعة الثوابت والأخلاق والمزايدة بالإيمان وفيه تلتقي الدولة نسبيا مع الإسلاميين. والثاني له وجه عنيف ومدمر ودموي ويمتد من المحاكمات الإسلامية للطلبة “القاعديين” وغيرهم إلى العمليات الإرهابية الدموية. ولئن كانت هذه تنفذ بأيد متطرفة من سلفية جهادية وقاعدة وجماعة مغربية مقاتلة إلا أن ثغرات السياسة الدينية للدولة المغربية بالإضافة إلى الخطاب التحريضي الدعوي يتحملان فيها مسؤولية تكاد تكون متقاسمة إذ تفوح منا روائح التواطؤ.

ولوناس معتوب أدرك قبلنا جميعا خطورة ذلك وذهب على طريق هذا الإدراك حتى النهاية، أدرك خطورة هذين الوجهين للإرهاب الواحد. إذ دفع حياته ثمنا لإيقاف مدهما المرعب أو على الأقل التخفيف من غلوائهما. لذلك لن تمر ذكرى اغتياله هذه دون أن نتقدم لكل من يهمه الأمر من موقع التيار الأمازيغي الاجتماعي العلماني بجملة مقترحات عسى أن يصغى إليها بما يكفي من الجد والتجرد والروح الوطنية التي ينبغي هذه المرة أن تظهر ما يكفي من الحزم والقتالية:

1 ـ من الواردأن يواجه البلد مشكلات اقتصادية وتحديات خارجية، ومن الوارد أنه مطالب اليوم قبل الغد بتحقيق إصلاحات سياسية عميقة وجريئة، كما أنه من الوارد جدا أن ثمة خللا كبيرا في تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة للحد من ظاهرة الإفلات من العقاب ونهب المال العام والتملص الضريبي والمحسوبية والزبونية والتوظيفات العائلية حتى صار الوطن كله مستباحا من قبل لوبيات ومافيات. كل هذا وارد وجائز وينبغي التصدي له بكل حزم وصرامة ودونما إبطاء ولا إرجاء ولاتباطؤ.. إلا أن هذه التحديات على خطورتها وطابعها المزمن تدخل في نطاق القابل للتحكم والإصلاح المتدرج. إلا أن الخطر الذي قد يتجاوزنا كلنا، خطرنا المشترك اليوم القابل في أي وقت للخروج من دائرة السيطرة هو الإرهاب الإسلاموي أو الذي يمارس باسم الإسلام، لنسميه ما شئنا. فلحسن الحظ أو لسوئه أن حدث أركانة الإرهابي جاء ليعيدنا إلى المربع الأول في تعاملنا مع هذا التحدي الوجودي. ولم أستغرب لذلك شخصيا. لأنه ما بين الحادث الإرهابي في فندق فرح ومثيله في مقهى أركانة لم يقم القيمون على أمورنا والمجتمع المدني والمثقفون المتنورون باللازم حتى لاتتكرر المأساة، لاشيء. بل بالعكس، كان الجميع يواظب متى سنحت الفرصة على تقديم فروض الولاء للإسلام السياسي ويتغزل بالإسلاميين محاولا فهمهم وتفهمهم ودمجهم والعفو عن المقبوضين منهم وراءالقضبان. فضلا عن خطب ود “العلماء” ومن بينهم محسوبون مكشوفون على الأصولية الإسلامية ذات الهوى الوهابي والإخواني والطالباني وحركات الإسلام السياسي التي وزعت الأدوار بين الدعوي والسياسي والحركي.

وطيلة هذه المدة (أكثر من 10 سنوات)، والجميع يجتهد لتجنب الأسئلة المحرجة والمصيرية في تعاملنا مع هذا الغول ذي الرؤوس الكثيرة وتأجيل الحلول العقلانية والجذرية مقابل المراهنة الخاسرة والجبانة على الزمن ليضمد الجراح وينسي المآسي والأحزان. والحال أن هذا الجميع بصنيعه هذا برهن وسيظل يبرهن على ما يبدو على قصر نظر مريع وجبن فظيع وافتقار إلى رؤية استراتيجية، واضحة وجريئة. رؤية كفيلة بإيقاف جنون التدين الذي يكتسح حياتنا العامة وحركة التدافع السياسي...

من هذه المعاينة الصريحة والتي لا تبلع ولا تمضغ مفرداتها، سأصوغ أفكاري الاقتراحية بقدر ما يسمح به المقام. سأصوغها على طريقة “زولا” الذي كان قال صراحة لمن يهمه الأمر:

إني أتهم ! كان ذلك في لحظة تاريخية ما عاد الوطن يحتمل لغة الخشب والمخاتلة والتواطؤ والمواضعات (قضية دريفوس). فسلامتنا الجسدية وحرياتنا في التفكير والتعبير والاعتقاد توجد على المحك وليس أمامنا إلا أن نكون أولانكون !

2 ـ نعم، إني أتهم الدولة المغربية ممثلة في مؤسساتها المفصلية وفي غالبية تنظيماتها الحزبية بالمسؤولية المعنوية عن الإ رهاب ذي الكنه الديني. لأنها لا زالت تنافح عن “ثوابت هلامية “من قبيل إمارة المؤمنين ودين الدولة هو الإسلام في بلد يقول بأن الاختيار الديمقراطي غدا من ثوابته وبأن الالتزام بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا بات من مبادئه. خلطة غير محمودة على الإطلاق. فكيف يستقيم الجمع بين النزوع الكوني والحنين القروسطي ؟!

أتحدى اليوم أيا كان أن يحدد لي تحديدا مقنعا وغير ملتبس ما القصد بإمارة المؤمنين وما هي القيمة المضافة التي ستضخها في اختيارنا الديمقراطي والتزامنا المعلن بالمواثيق الدولية المختلفة حول الوضع الاعتباري للإنسان المواطن، مواطن بلد ومواطن هذه القرية الكونية التي هي العالم؟ أقول أيا كان سواء من الذين يتمسكون بها تمسكا آليا وغريزيا (القبيلة المتمخزنة) أوالذين يدعون إلى الحفاظ عليها مع تعديل بعض مقتضياتها الدستورية (الفصل 19 الشهير) (القبيلة اليسارية التقليدية) أو الذين يذهبون أبعد فيقترحون الحفاظ عليها مع تقويتها ودعمها أي الزيادة في تشديد الخناق اللاهوتي علينا (القبيلة الإسلاموية).. الأمر كله أمر فذلكة وإنشائيات وخطابات غريزية. ولو كان ذلك فقط لهان الأمر ولتركناهم يرددون فذلكاتهم ويلوكون إنشائياتهم. لكن المشكلة أن لهذه المسألة عواقب خطيرة على أمننا الروحي واستنارتنا الفكرية وتوازننا العقلي بصفتنا مواطنين أو متطلعين للمواطنة الحقة. لاستدامة هذه المؤسسة خطورة بالغة جدا تتمثل في الإمعان في ترسيم تسييس الدين وتديين السياسة، وبالتالي إعطاء ضوء أخضر لفرقاء سياسيين وإرهابيين للسير في الاتجاه ذاته. وهذا ما نرفضه بلا هوادة حفاظا على نبل السياسة وشفافيتها وغيرة على قداسة الرابطة الدينية وروحانيتها.

3ـ إني أتهم المقررات الدراسية المغربية (سيما مقررا ت التربية الإسلامية) التي لا زالت تروج لأحكام دينية بالية ومهينة لحرية الاعتقاد والحرية الشخصية واحتقار المخالف دينيا. ومن هذه أحكام مخجلة حول جواز قتل المرتد والحكم على تارك الصلاة بالكفر وعلى النصارى واليهود بالشرك والكفر وبتحريف الكلام الإلهي والتحريض ضدهم ورفع أكف الضراعة بالدعاء إلى تشتيت شملهم من فوق منابر تابعة إداريا لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التابعة بدورها للحكومة المغربية التابعة بدورها للملك وبالضبط لمؤسسة إمارة المؤمنين التي يجسدها.

أتهم الدولة المغربية بعدم الجدية والصدق في مسعاها إلى إصلاح الحقل الديني وتأهيله. فالحكاية بائخة من أصلها. يكفيك للتأكد من ذلك الاستماع إلى خطب الجمعة وحلقات الوعظ والإرشاد التي تبثها الإذاعات (بجميع اللهجات). فالخطاب الديني الدوغمائي والعدواني والإقصائي الساذج لا زالت له الغلبة.. خطاب محكوم بنرجسية دينية وهاجس ممارسة الوصاية على الناس والإفتاء في أمورهم الكبيرة والصغيرة وحتى التافهة. قبل أسابيع فقط، سمعت واعظا دينيا بإذاعة تاشلحيت المركزية يلعن المرأة التي لا تضع غطاء على رأسها لأن لعنات رب العالمين تنزل عليها من السماوات السبع كالسيل الجارف حتى تغطي رأسها. والحال أن سيدة المغاربة الأولى الأميرة للا سلمى التي هي نموذج لللأنوثة والرقة والدراية والأناقة أيضا لا تضع غطاء على رأسها وهي فضلا عن ذلك حرم الملك وأميرالمؤمنين. والمفروض مبدئيا أن الولاء الديني حسب القانون الأسمى للبلاد يكون للملك بصفته تلك إذ نحن ملزمون بالاقتداء به في كل شؤون الدين. ومن جملة هذه، المظهرالذي يجب بل ويجوز دينيا أن تكون عليه نسواننا وبناتنا. ونموذج الأميرة نموذج حي لا يحتاج إلى البيانات المريضة لهذا الواعظ الخرافي الذي يدخلها عمليا ضمن المتبرجات لأنها لا تتقيد بالحجاب الشرعي.. أليست هذه دعوة إلى التحريض ضد النساء المختلفات والحداثيات ؟ أكثر من ذلك، من سنصدق نحن معشرالبسطاء: هل القدوة التي تجسدها إمارة المؤمين من خلال محيطها القريب (العائلة الصغيرة) أو ترهات هذاالواعظ الشقي؟ وهنا أؤكد على وجوب قيام مرصد وطني ديمقراطي وحداثي عاجل يكون هدفه المتابعة الدقيقة لمضامين الوعظ الديني التي تبث في وسائل الإعلام السمعية والبصرية بكل الجهات واللهجات للنظر في تطابقها من عدمه مع الاختيار الديمقراطي الحداثي الذي ما انفكت الدولة تعلن الإنتماء إليه رسميا. وكل من أخل بهذا التطابق يعرض نفسه، بمقتضى هذه المتابعة، للمساءلة القانوينة الصارمة تبدأ بإجراءات عقابية إدارية وبأخرى تصدر من الهيئة الوطنيةالعليا للإعلام السمعي البصري (الهاكا) وتصل إلى المثول أمام النيابة العامة.

أتهم الدولة أيضا لسكوتها عن هذا السباق المجنون نحو الإفتاء الشاذ. إفتاء يقدمنا للعالم كأضحوكة مزمنة. فهذا ينبري للإفتاء بجواز تزويج بنت التسع سنوات ويستقبل استقبال الأبطال من قبل مريديه على أرضية مطار دولي بمراكش وذاك يجاهد على طريقته فيفتي بجواز مضاجعة الرجل لزوجته الميتة وشرب الحامل “المتوحمة” للنبيذ وبجواز قتل المهدي بنبركة مرة ومرة ومرة، والمذهل في كل هذا أن هذا المفتي برلماني أي عضو في مؤسسة محسوبة على الدولة والشعب ويمثل ياحسرة دائرة أنفا البورجوازية في البيضاء. وثالث في الأنترنيت يقول بجواز تفخيذ الرضيعة ذات الشهرين. فإلى أين نحن ذاهبون مع كل هؤلاء المغفلين والحمقى المهووسين بالمرأة والجنس ؟ هل هذه هي بعض الثمار “المرة” لسياسة إصلاح الحقل الديني المغربي؟ فأين ثماره “الحلوة”، إلى متى سننتظرها ؟ لن تأتي أبدا ما دام هناك تشبث بالشرعية الدينية في الحكم، الإصلاح الديني الوحيد والممكن هو إبعاد الدين ورجالاته عن السياسة وشؤونها.

الإصلاح الديني الوحيد هو أن نعزل هؤلاء المهووسين عن المواطنين لخطورة أقوالهم وافعالهم ونذهب بالميؤوس من شفائهم إلى المارستان ونوجه المغرر بهم إلى التكوين الديني الحداثي كالذي سبقنا إليه نسبيا جامع الزيتونة بتونس، تكوين يجمع بين المعارف الدينية والعلوم الإنسانية والفلسفة واللغات وعلوم المقارنة بين الأديان التي توسع المداراك الدينية وتهب صاحبها النسبية الدينية الضرورية لكل تسماح وتعايش. لقد كان وضع علماء الدين عندنا إلى عهد قريب يبعث على الرثاء وهذا النموذج منهم كان يمثله أحسن تمثيل ركن المفتي الشهير كل يوم جمعة بالتلفاز. وبجانبه كان علماء البلاط الذين يفتون تحت طلب السلطان يبعثون على السخط والاستياء الشديد. أما اليوم، فأغلبهم يبعث على الضحك والتندر بعد أن امتلأ الفضاء العام بشذاد الآفاق منهم وبنكرات مطلقة في مجال الإنتاج الديني العلمي. أتحدى أيا كان أن يدلني على آثار لمدرسة دينية مغربية معاصرة في التأليف الديني الجاد والأصيل ومقدار إسهامها في الحركة العلمية على امتداد العالم الإسلامي. لا شيء غير فقهيات متخشبة وإنشائيات وعظية وتنويعات على المكرور منذ 15 قرنا.. فأين رجالات الدين عندنا من إسهامات حركة الإحياء الديني بمصرمثلا (جمال البنا نموذجا) وأين هم من الإنتاجات الثرة الممتعة لغة والمتماسكة منهجا للحوزات العلمية الشيعية (محمد باقر الصدر في العراق ومحمد حسين فضل الله في لبنان ومحمد رضا الشيرازي في الكويت وحجة الإسلام الموساوي في البحرين الذي يعلن علمانيته صراحة واستحالة إيمان الأديان بالمساواة بين أتباع الديانات المختلفة. وحدها العلمانية تضمن هذه الأمنية، قالها الرجل صراحة في برنامج”إضاءات “ بقناة العربية والتي بالمناسبة تمولها المملكة العربية السعودية). لاشيء غير الكاريكاتور والمزايدة والعنجهية الفارغة وشجارالديكة. بل أين هم من حركة التجديد الديني في تونس والتي رمز إليها قبل عـقود بـ 15 ـ 20 (أي القرنان الهجري والميلادي المندورين للتلاقي والانصهار). وهذا اللاشيء عندما يكون مقرونا باستفزاز ذكائنا يوميا لا بد أن يؤدي إلى الغضب والتمرد. أما الفئة الثالثة من رجال الدين ذات المدارك البسيطة فستوجه إلى المساجد للصلاة بالناس وتوضيح أحكام الدين المرتبطة بالشعائر والتركيز في الوعظ على الجوانب الأخلاقية الحداثية (احترام الآخر، الالتزام بقانون السير، احترام البيئة، المساواة بين الجنسين، التقيد بالسلوك المدني داخل المدينة، تأثيم النميمة والغيبة والتلصص على الحياة الخاصة للأفراد وتصيد هفوات الناس والنبش في أعراضهم. .).

ثم لاحظ معي أيها القاريء هذا الوعظ الديني المفترى عليه الذي يدوم حصريا في قناة تامازيغت (الثامنة) لساعات طوال كل جمعة. ساعات جافة ومملة لاتتخللها وصلات إشهارية ولاتوقفات لأخذ النفس والتدبر. أما مضامينه فكارثية بكل المقاييس، قروسطية، بئيسة، ركيكة ومفككة ومنزاحة تماما عن التوجهات المعلنة للدولة نحو الحداثة والديمقراطية والتقدم. بؤس ما بعده بؤس. وتخصيص الأمازيغ بهذه الحصة الزمنية الثقيلة له دلالة. إذ لا زال هناك وسواس دائم عند البعض مفاده أن الأمازيغ في حاجة مستمرة إلى جرعات زائدة من اللاهوت القروسطي حتى يجددوا إيمانهم ولا يرتدوا عن دينهم ويتذكروا فضل العرب والعربية عليهم. وإلا فبماذا سنفسر هذه الحصة “الثقيلة” من الوعظ الديني التي لا نجد لها نظيرا في القنوات الوطنية الأخرى وهي أقدم زمنيا؟

6ـ إني أتهم الدولة بالتواطؤ مع الإسلاميين الذين يسمون زورا وبهتانا بالمعتدلين. والحال أنها تخرق الدستور بعدم حلها لحزب العدالة والتنمية لأنه يعلن جهارا نهارا بأنه يقوم على مرجعية دينية هي الإسلام. وبذلك فالدولة وهذا الحزب يلعبان بالنار لأنهما يخوصصان مشروعية مشتركة لفائدتهما ويتناوبان على إخافتنا بالفزاعة الدينية ويزايدان بالمشاعرالدينية والأخلاق الإسلامية (كذا).. النتيجة أن الجميع صار يتفنن في التقرب والتودد إلى هذين الكيانين الكهنوتيين اللذين يشتركان في ممارسة الوصاية الدينية على المواطنيين. والحال أن صفة المواطنة تفرض على المتحلي بها أن يكون سيد نفسه، يقرر فيما يراه صالحا عندما يتعلق بالروحيات التي هي في صلب الأمور الشخصية لا تبرحها ولا ينبغي أن تبرحها. وبالتالي فهو مقاوم بالطبيعة لأية وصاية من هذا الصنف، ومن هذا الصنف بالذات.

7ـ إني أتهم الدولة وأحملها المسؤولية الأخلاقية عن تردي أحوالنا ووعينا الديني لأنها تتصرف بحساسية زائدة ومرتعدة مع كل حالة تحول عن الدين الإسلامي إلى الديانة المسيحية أو إلى التشيع ومع الإلحاد وحالات المفطرين في رمضان.. بذلك، فهي تقدم هدايا مجانية للإرهاب الإسلامي الأرعن القادم وتضرب على وتره المفضل (إدخال الناس في دين الله أفواجا ثم إحكام الإغلاق عليهم في هذا الدين أبد الآبدين). لاحظ كيف قفز أحد البرلمانيين المحسوبين على الحزب الإسلامي في حصة مواطن اليوم بميدي TV1 حول الإرهاب كالمذعور المسعور عندما طالب أحدهم بالتطبيق الصارم للقانون على المروجين للقناعات الإرهابية ودعاه هو إلى الحوار الهاديء والفكري مع الإرهابيين تفاديا للأسوأ. فهل بمثل هذا الابتزاز الذي يمارسه هذا البرلماني المحامي (ياحسرة) سنبني دولة الحق والقانون ونصير استثناء مغربيا ونتباهى بإسلاميينا المعتدلين ؟ فهذا الذي يدعو إلى الحور مع الإرهاب وأفكاره (هل للإرهاب أفكار) هو نفسه الذي نادى بأعلى صوته بتطبيق القانون بصرامة (وبلا حوار) مع أكلة رمضان وبطرد المنصرين ومعاقبة المتنصرين من المغاربة واقترح حزبه الضرورة على أصحاب الحال ليلعب دور السد المنيع ضد التشيع ! عجيب هذا الحوار، حوار مع القتلة ومشاريع القتلة والسحق كل السحق لأكلة رمضان؟ مالكم كيف تحكمون ؟ كنا نتوقع على الأقل من هذا الذي “يحسب كل صيحة عليه” أن يكون عنده الحوارعقيدة وتربية. فيدعو إلى ذات الحور “الفكري” مع زمرة من الشبان المفطرين خصوصا وأن الحوار ذا الطبيعة الفكرية في هذه النازلة ملائم تماما ووجيه. ولا أشك في أن فرساننا الشباب سيكون لديهم ما يدافعون به عن أنفسهم انطلاقا من المرجعية الحقوقية العصرية بل وحتى انطلاقا من القرآن الذي قالها صراحة: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فلم لا نقتدي به ونقول بعد التصرف في الآية: فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر ؟! فمن هو المحذور الأشد: الكفر أو الإفطار ومن هو المحمود أكثر الإيمان أم الصيام ؟ أم أن هؤلاء الفارغين يعتقدون أنهم قرآنيون أكثر من القرآن وربانيون أكثر من الرب ويريدون أن يجعلونا نعتقد بذلك ليضعونا تحت أحذيتهم وجزماتهم ؟

فقد قالها لوناس معتوب صراحة كعادته عندما أعلن ليامين زروال عن استعداده للحوار مع القتلة من إرهابيي الجبهة الإسلامية للإنقاذ والجماعة الإسلامية للمسلحة، قال: السيد زروال ، لا حوار مع القتلة، الحوار الوحيد سيكون بينهم والنيابة العامة ليعاقبوا على جرائمهم. .. وتابع في مقابلة مع قناة تلفزية ألمانية بعنوان (النقيض لمباشر لعقبة Anti OKBA) قائلا: لم كل هذا التغزل بالإسلاميين والإرهابيين ؟ سلمهم المفاتيح وأرحنا!.

Pourquoi toute cette drague ? Tu n’as qu’à leur donner les clefs ?

وهذا بالضبط ما كان ينبغي قوله للمحامي المنتمي للحزب الإسلامي في ذلك البرنامج. لكن، الكل خذله لسانه وباتت مراعاة مشاعر هؤلاء طقسا وطنيا في كل البرامج والندوات. الكل يخطب ودهم ويدغدغ مشاعرهم المنتفخة بفهم كسيح ومتخلف للدين لإخفاء الجبن الفكري في الوقت الذي يقابلون فيه ذلك بمزيد من التغول والغطرسة والمواقف الكلبية Cyniques كما نجده في “حوارات” عبد الإله بنكيران الغوغائية.

أعتقد جازما ألا حوار مع هؤلاء بالمرة، لأن المتحاورين منهم فارغون فكريا وسطحيون سياسيا وفقراء فنيا وحتى أدب الحوار بدأ يغيب بشكل لافت في ردودهم وعنترياتهم وصاروا يزاحمون العوام في الكلام السوقي والجارح. أما المتحاورون منهم بالعنف الأعمى كالإرهابيين والبلطجية الجامعيين فيرفضون أصلا كل من ليس نسخة طبق الأصل لهم. شيء واحد يدغدغ أحلامهم هي الدولة الإسلامية التي تطبق فيها الحدود ويقتل المخالفون ويتحول فيها الناس كل الناس إلى أعواد ثقاب لا اختلاف بينها يذكر. وكل ما في الحكاية أن هؤلاء وأولئك وزعوا الأدوار بينهم لخداعنا ريثما يمرون من حالة الاستضعاف كما يقولون إلى مرحلة التمكين التي سنتحول فيها نحن إلى مستضعفيهم وننطق بالشهادتين على وقع السكاكين والسواطير.

الحوار الوحيد مع هؤلاء ه وإعمال القانون بحذافيره لوقف شطحاتهم وخيالهم الديني المجنح واستعلائهم الطاووسي الأجوف. لا حوار مع هؤلاء إلا بالشروع في إطلاق ورش العلمانية والديمقراطية السياسية والعدالة الإجتماعية.

إن العلمانية ممكن مغربي بل وضرورة عاجلة لكي يتجاوز البلد هذا الاحتقان الذي خلقه الخلط بين الديني والدنيوي واللاهوتي والسياسي. على القوى الحداثية والديمقراطية أو ما تبقى منها أن تدرك جيدا ذلك وأن تخرج من دائرة المواقف الدفاعية المترددة إلى خيار الهجوم الكاسح على بؤر الإرهاب ومشاتله الحقيقية المتمثلة في الخطاب الديني المتنطع من الجهتين (الدولة والإسلاميون)، من خطاب المشروعية الدينية في المجال السياسي إلى أصغر حلقة وعظية ودرس في التربية الإسلامية. على الدولة أن تتوقف عن قمع المواطن باسم نصوص دينية مهترئة ومذلة تشرع لحرياتنا الفردية والتي تفرض علينا تلك النصوص أن نمارسها في الخفاء والستر.. وكأننا مذنبون سلفا ومشتبه في أمرنا لا لشيء إلا لأننا لا نشاطر هؤلاء فهمهم الكسيح لحضور الديني في المجال العمومي.

على هذه القوى الحداثية أن تساعد المؤسسة الملكية للخروج والتخلص من وضع الرهينة التي هي عليه إزاء تسييس الديني بالدعوة إلى تجاوز مؤسسة إمارة المؤمنين لتناقضها الصريح مع مفاهيم المواطنة والحرية والخيار الديمقراطي الذي قيل مؤخرا بأنه انضاف إلى الثوابت الثلاثة للدولة المغربية. ومعها تتخلص من الطقوس المخجلة للبيعة وتقديس الأشخاص وتقبيل الأيدي. فهذه فرصتها لكي تندمج في العصر وتستوعب الأجيال الصاعدة من العقول الحرة والنفوس الأبية التي يزخربها مجتمعنا. عقول ونفوس لا زالت تؤثر النظرعن بعد إلى سوريالية مشهدنا السياسي ومزاج الدولة الديني وتخبطاتها بعين الشفقة. كما تنظر بكثير من الغيض والغضب إلى هذه الجحافل التي أصابتها حمى التدين فجأة وتدفع بالبلد نحو الهاوية.

إن العلمانية قيمة مضافة ستمكن الوطن من القيام بطفرة باتجاه المستقبل ذلك أنها ستجرم بالقانون توظيف الدين في السياسة الذي هو في تقديري أخطر بكثير من استعمال المال في السياسة. هذا إذا اعتبرنا الظرفية الدولية وهذه الحمى الإسلاموية العابرة للقارات وإرهابها المعولم المنقول عبر وسائل الإتصال المتطورة..

هي ذي رسالتنا واضحة، جلية، رسالة التيار الأمازيغي الاجتماعي العلماني إلى من يهمه الأمر، نعود فنختصرها بمناسبة الذكرى 13 لمقتل هذه الأيقونة المتنورة، لوناس معتوب: تجاوز إمارة المؤمنين، حل الأحزاب الدينية (العدالة والتنمية) وإطلاق ورش العمانية عاجلا من قبل القوى الحية والمستنيرة في أفق اقتراح المطلب العلماني على الدولة.

تلكم هي الضمانات المؤكدة لعدم عودتنا كل مرة إلى المربع الأول والانتكاس إلى الهمجية. مع ما يصاحب ذلك كله من مآسٍ وهدر الزمن الغالي وإجهاض النمو الطبيعي للمكتسبات. . فهذه الضمانات هي الكفيلة بأن تجعلنا نلتحق بركب الأمم المتحضرة التي تجعل من حب الحياة قيمتها العليا.

قالها لوناس مرار ولم نسمعه جيدا أو لم ندرك في حينه قيمة ما قاله لما يتخلله من بصيرة نافذة، وهذا الذي قاله لا زال يتردد في أغانيه:

إعداونيو، إعداونيو.

إعداون ن تودرت.

أعدائي،أعدائي، هم أعداء الحياة

ولسنا بحاجة إلى بذل جهد خارق للعادة لمعرفة هؤلاء حوالينا. هم قتلة عمر بنجلون وفرج فودة وحسين مروة ومهدي عامل والفيلسوف السوداني محمود طه والأيقونة الأمازيغية لوناس معتوب، هم مفجرو فندق فرح والمقبرة اليهودية والمقهى الإسباني ومقهى أركانة ولن يتوقفوا، أجزم بذلك. وكل الذين يراهنون على حوار معهم وعودة الصفاء الذهني إليهم واهمون أوشركاء لهم.

المغرب الحديث أو حتى يكون حديثا فعلا هو بحاجة إلى دعائم ثلاث: المواطنة والديمقراطية والعلمانية. الأولى ترياق ناجع ضد ثلاثي الر اعي والرعية والرعايا، والثانية ترياق ضد الاستبداد والانفراد بالحكم والثالثة هي الوصفة الوحيدة التي أثبتث جدارتها حتى الآن ضد هذا الاستعمال المؤذي والضار للدين.

فإذا طلب منا الوطن في أي وقت حياتنا فداء لهذه القيم فلن نتردد لحظة، لن تقوم دولة إسلامية في المغرب إلا على جتثنا. أما إن لم تقم فسنستمر في الاستمتاع بالحياة. فنحن دعاة حياة لا موت.

ملحوظة: اعتدنا في كل ذكرى مقتل لوناس معتوب إرسال مقالاتنا حول الموضوع إلى جريدة “المساء” نظرا لاتساع نطاق مقروءيتها. إلا أنها لم تنشر أبدا هذه المقالات.

عبدالله زارو Adam_agadir@yahoo.fr

 

 

 

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.