uïïun  174, 

mrayur 2961

  (Octobre  2011)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

is d talmmiççt i wanay vur zzat niv d asulf i wavul dffir?

Arrif di 122 n iseggusa

Axiyyq

Kartvaj

Français

Marghighda le jour du référendum

Faut-t-il avoir confiance en nos formations politiques?

Quand la langue amazighe est reléguée au second plan

Le retour inévitable de la culture amazighe

العربية

ترسيم الأمازيغية: فرصة للتقدم أم مناسبة للتراجع؟

اللسانيات الدينية أو ما في الجبة إلا الشيطان

دعوة المشرع المغربي إلى الإقرار صراحة بالقانون الكوني

قراءة في كتاب: وطنية باحتقار الذات

كتاب عن مجموعة أوسمان

حوار مع مجموعة مفتاح صول

المعجم الأمازيغي الفايسبوكي

شروط دراسة التاريخ الأمازيغي القديم

بيان تنسيقية تنمل

جائزة الطيب تاكل

بيان الرباط

بلاغ الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة 

 

 

 

دعوة المشرع المغربي إلى الإقرار صراحة بالقانون الكوني

بقلم: ذ- الصافي مومن علي

 

إذا كانت المجتمعات البشرية تختلف في أنواع القوانين التي تطبقها، وتسير بها في حياتها، فإنها على العكس من ذلك تشترك كلها في ضرورة السير بمقتضى قانون معين، لأنه لا يتصور مطلقا أن يعيش مجتمع ما بدون قانون، وهذا الارتباط القوي بين المجتمعات وبين القانون، هو ما عبر عنه برنارد شفارتز في كتابه (القانون في أمريكا) بقوله: (نحن جميعا من مستهلكي القانون، وبالتالي متأثرون بصفة شخصية في جميع تفصيلات حياتنا بدرجة جودة المنتوج القانوني الذي نستهلكه)

وبالفعل فمثلما يظهر أثر الطعام الجيد على صحة الإنسان، وعلى جماله وسعادته، فان أثر القانون المتقن ينعكس كذلك على نظام المجتمع واستقراره وسعادته الاجتماعية.

ولما كان القانون الكوني من بين أجود مصادر الغذاء القانوني، ومن أكثرها شمولية وانتشارا، ومن ثم أقدمها في التاريخ الإنساني، فلننظر إذن – قبل عرض الموضوع - كيف كان يتعامل التشريع الأمازيغي والفقه الإسلامي في بلادنا، مع هذا القانون، وذلك قبل أن يسود فيها استهلاك القوانين الحديثة، المتأثرة بالقانون الفرنسي.

أولا: حول القانون الكوني:

إذا كانت الحرية حقا طبيعيا للإنسان، فإن القانون الكوني هو الذي يقيد هذه الحرية، ويرسم لها حدودا إلزامية، وهذا القانون هو الذي يعتبر أساس كل حياة اجتماعية إنسانية عادية وطبيعية، لاستناده إلى فكرة منقوشة في عقل كل إنسان مفادها:

(على المرء أن يلتزم بأن لا يفعل مع غيره ما لا يود أن يفعله به). هذه الفكرة التي تتمحور حولها كل مبادئ هذا القانون وأخلاقه ومنطقه.

أما أهم هذه المبادئ فهي:

ـ احترام حق الحياة.

ـ عدم إيذاء الآخر في جسده أو في عرضه أو في كرامته.

ـ احترام حق الملكية.

ـ احترام حق المعتقد والرأي والتعبير.

ـ احترام حق المواطنة وما يتفرغ عنه من حقوق مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية.

ومن مبادئه أيضا أن كل ما في الكون يسير بقوانين ثابتة أزلية انطلاقا من أصغر ذرة في الأرض إلى أكبر مجرة في الفضاء.

وأن الإنسان مدفوع غريزيا إلى العيش في المجتمع، لكونه لا يمكنه إطلاقا أن يحقق ذاته كإنسان خارج هذا المجتمع، ولذلك فإنه في سعيه لتحقيق طبيعته الاجتماعية هذه، لا يبحث عن إنسان آخر كما يبحث الصياد في الغابة عن حصان يركبه، أو جمل يحمل عليه أثقاله، أو كلب يحرسه، أو بقرة ينتفع بحليبها ولحمها، أو ذئب يقتله ليطهر الغابة منه، أو عصفور يستمتع بتغريده وبجمال ألوانه، بل يبحث عنه لذاته ليفرح بوجوده معه، كما يفرح التائه في صحراء خالية بلقاء إنسان.

وهذا الشعور بالفرح الذي يحس به كل تائه، هو الذي يكرس الطبيعة الاجتماعية للإنسان، ويؤكد أن اجتماعه بأخيه الإنسان يعتبر غاية في حد ذاتها، بغض النظر عما يجلبه هذا الاجتماع لهما من زيادة الأمن، وزيادة القوة، والقوت،والراحة، والمعرفة، والمتعة والتسلية وغير ذلك من المنافع.

وهذه الطبيعة الاجتماعية الفطرية، يمارسها الإنسان في ثلاثة تجمعات بشرية هي:

ـ الأسرة

ـ العشيرة

ـ الكيان السياسي

فمجتمع الأسرة تخلقه ضرورة غريزة بقاء النوع، ومجتمع العشيرة تفرضه ضرورة تدبير الملكية الشائعة بين الإخوة والأقارب، أما مجتمع الكيان السياسي فتخلقه ضرورة العيش في السلام التي يمليها العقل، لأن العشائر المتجاورة المستقلة اقتصاديا عن بعضها والمتساوية في القوة، تجد أن خير وسيلة للمحافظة على حياتها واستقرارها هي التئامها في كيان منظم يسوده السلام، والتعاون، وتحقيق الخير المشترك.

يقول الفيلسوف (جون لوك) في كتابه (في الحكم المدني) ما يلي:

(عندما تجتمع كلمة عدد من الناس على تأليف جماعة واحدة، لكي يعيشوا عيشة رخية آمنة مسالمة، وأن يستمتعوا بأموالهم، ويأمنوا شر من ليس منهم يصبحون من حينهم هيئة سياسية واحدة تكتسب الأكثرية فيها الحق بالتصرف وبإلزام الآخرين...

وتأليف مثل هذا المجتمع، وعلى هذا الوجه فقط، نشأت، وتنشأ كل حكومة شرعية في العالم).

ثانيا: حول التشريع الأمازيغي:

هذا الأمر بالضبط الذي ذكره لوك، هو ما فعلته المجتمعات الأمازيغية التي كان ينظر إليها أنها تعيش في حالة السيبة، أي خارج القانون، إذ تؤكد كل معطيات وجودها، استنادها في تأسيسها وفي تلاحمها إلى مبادئ القانون الكوني وإلى أهدافه المتمثلة في خلق مجتمع منظم، يخضع لسلطة عامة، مؤلفة في إطار الحرية والمساواة، من كل مكوناته، لغاية تحقيق السلام والتعاون والخير المشترك.

أما الدليل على ذلك فهو تشريعاتها التأسيسية المختلفة، التي يستشف منها صدورها فعلا من مجتمعات حرة، تحكم نفسها بنفسها، بواسطة قوانين متفق عليها.

ويكفي الإطلاع على ديباجة تشريع (أمقـــن) لمجتمع أيت وادريم المؤرخ سنة 1811 ميلادية، لإدراك مدى مطابقة أفكار هذا التشريع مع روح فكرة جون لوك الأنفة الذكر.

وهذا هو نص الديباجة:

(الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلاة تدوم بدوام جودك وعطفك وعلى آله وصحبه الكرام، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لقائك يا رحمان الرحيم.

فبحول الله وقوته وتوفيقه عقدنا عقدا ومؤاخاة ومسالمة ومشاركة ومتابعة بين بني وادريم من حد أقطار القبيلة، ومن انتسب إليها، وانضاف إليها، وانتصر لأربابها، عقدا يوجب لهم حفظ الدماء والأموال والأعراض، ويوجب رجوع كل شارد إلى وطنه بلطف الله وشفقته على عباده الضعفاء، وأن يقبض الأعيان القريب والبعيد والجانب والأخ بيد واحدة، ويوجب بحول الله أن يكون الجميع يدا واحدة، يتواصلون، ويتزاورون، ويتراحمون ويتوامنون، ويتشاورون في محدثاتهم، ويسلكون في مشورتهم الأصلح، ويتصابرون، ويتواصون على الفلاح، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويثوبون ويندمون على ما سلف أن صدر منهم من الكبائر والسيئات وقبائح المنكر، ويتعاونون في أمور دينهم ودنياهم على أن يكون اعتماد أمور القبيلة في يد الله ويد أعيانها الآتي أسماؤهم، واتفق رأيهم على ما سيذكر من الإنصاف (العقوبات) في كل حادثة، لا قديم إلا الله، وعلى ذلك يكون عرفهم وعرف أعقابهم إن شاء الله، ويكون الإنصاف الآتي على الأثلاث الثلث للمصالح، والثلثان للأعيان، فالله يجعل البركة في رأيهم)

لكن إن كان الفيلسوف لوك، قد برهن منطقيا على كون العقل والقانون الطبيعي المنقوش فيه، هما الأصل في تكوين الكيانات السياسية الشرعية، فقد ذكر أنه ووجه من طرف منتقديه باعتراضين يؤكدون له بهما ما يلي:

1– لسنا نجد في التاريخ شواهد على التئام فئة من الناس الأحرار المتساوين، وإنشاء حكومة لهم على هذا الوجه.

2– يستحيل شرعا أن يفعل الناس ذلك لأن البشر إنما يولدون في ظل حكومة ما، فوجب عليهم الخضوع لها، ولم يكن لهم الحرية في إنشاء حكومة جديدة.

وهكذا، ففي هذا التاريخ أي ما بين 1632 و 1704 الذي عاش فيه لوك، والذي كان يدور فيه هذا النقاش السياسي في أوروبا، كان المغرب ما يزال يعج بتلك الكيانات السياسية الشرعية، التي ارتكزت في التئامها على الحرية والمساواة والإرادة الحرة، وعلى القانون الكوني المنقوش في العقل، ولكن تخلف علم السياسة وفلسفة الحق في بلادنا آنذاك، أدى مع الأسف إلى عدم إدراك القيمة العلمية والتاريخية التي تمثلها تلك الكيانات، باعتبارها نماذج أصلية نادرة في العالم، للمجتمعات المدنية والسياسية الحقيقية، التي لم تخلقها إرادة فرد معين لما يملكه من قوة روحية أو مادية، بل خلقها عقد اجتماعي سياسي رضائي، أساسه الإرادة الحرة، و العقل وما يحويه من مبادئ القانون الكوني كما بينت ذلك من قبل في مقالة (الأصل المشترك لنظامي التشريع السياسي الأمازيغي والأمريكي).

تجليات القانون الكوني في تأسيس المجتمعات الأمازيغية:

تبرز هذه التجليات في تطابق عملية تأسيس هذه المجتمعات، مع أهداف القانون الكوني ومع مبادئه وأخلاقه.

فأهداف هذا القانون ترمي كما سبق الذكر إلى خلق مجتمع سياسي منظم، خاضع لسلطة عامة منبثقة من كل مكوناته، لكي يسوده السلام والتعاون والخير المشترك.

أما أخلاقه فبواسطتها يتلاحم أفراد المجتمع، وبها يقبلون بعضهم بعضا للتساكن والتعايش في مكان واحد، لاستهدافها بالخصوص، احترام حقوق الإنسان، من منطلق استحالة تحقيق أي تلاحم أو تعايش مشترك بدون هذا الاحترام.

وتتمثل هذه الأخلاق في سائر فضائل المعاملات المعروفة من عدالة، وعفة، وتواضع، وحكمة، ومحبة، وصدق، وصبر، ورحمة، وشفقة، وشجاعة، وتعاون، وأمانة، وإخلاص في العمل، وغير ذلك من أنواع الفضائل المتعارف عليها عالميا.

ونظرا لنقش هذه ا لأخلاق في العقل، فإن العقل هو الذي يصيغها في شكل الأوامر القانونية التالية:

لا تكذب، لا تقتل، لا تسرق، لا تسب، لا تنتهك الحرمات، لا تحقر، لا تحقد، لا تحسد، لا تظلم، لا تقسو، لا تخن، لا تغش، لا تفسد، لا تكن قذرا، ولا فاجرا، ولا فوضويا الخ...

وكونها منقوشة في عقل كل إنسان، فذلك ما يفرض بداهة وحتما أن الناس جميعا كانوا يعرفونها قبل ظهور الديانات، ثم لما كانت كل الديانات تذكر الناس بها، وتحضهم عليها، مصداقا للحديث الشريف (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فذاك ما يجعلها تمثل قاسمها المشترك، والعنصر الذي تتوحد فيه، بعد اختلافها في العبادات، مما يمكن اعتبارها حقا بمثابة العقيدة الأزلية الخالدة، التي نقشها الله في العقل، ولم ينزلها من السماء على نبي أو رسول، بدليل أن شعوب العالم بمختلف دياناتها وأجناسها، ما كانت اليوم لتتحد رضائيا، في منظمة الأمم المتحدة العالمية، لو لم تؤسس اتحادها على مبادئ هذه العقيدة الأزلية، لأن الجميع يعلم ما كانت البشرية قد عانته من ويلات وحروب، عندما ابتعدت عن قواعد هذه العقيدة، محاولة فرض اتحادها بالقوة، وبقواعد أخرى غيرها.

وهكذا، ومن تحليل ديباجة تشريع مجتمع أيت وادريم الآنفة الذكر، يتبين بوضوح اشتمالها على روح هذا القانون الكوني، من خلال ما يلي:

ـ مبدأ الإرادة الحرة الجماعية في خلق المجتمع السياسي، الذي يستنتج من جملة: (فبحول الله وقوته وتوفيقه عقدنا عقد مؤاخاة)

ـ هدف السلام يتجلى في: (عقد مؤاخاة ومسالمة) وكذلك (عقدا يوجب حفظ الدماء والأموال والأعراض)

ـ مبدأ تكوين سلطة عامة منبثقة من مكونات المجتمع، يستنتج من: (على أن يكون اعتماد أمور القبيلة في يد الله ويد أعيانها) وكذلك (يقبض الأعيان القريب والبعيد والجانب والأخ بيد واحدة)

ـ هدف تحقيق الخير المشترك، متضمن في: (ويتعاونون في أمور دينهم ودنياهم) وكذلك (وسيكون في مشورتهم الأصلح) ثم (ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر)

ـ فضيلة العفو والمغفرة، متجلية في: (ويوجب رجوع كل شارد إلى وطنه) وكذلك في: (ويثوبون ويندمون على ما سلف أن صدر منهم من الكبائر والسيئات وقبائح المنكر)

ـ فضيلة الوحدة واضحة في: (ويوجب بحول الله أن يكون الجميع يدا واحدة).

ـ فضيلة الأمن والثقة، واردة في: (ويتوامنون)

ـ فضيلة المشــورة (ويتشاورون في محدثاتهم)

ـ فضيلة الصــبر: (ويتصابرون)

ـ حق المواطنة والمشاركة في السلطة العامة، متضمن في: (واتفق رأيهم على ما سيذكر من الإنصاف (العقوبات)... وفي: (وعلى ذلك يكون عرفهم وعرف أعقابهم إن شاء الله.)

هذا ونظرا لعدم تمييز الأستاذ امحمد العثماني السوسي كسائر أغلبية الفقهاء المسلمين، بين هذا القانون الكوني المنقوش في العقل، وبين الشرع الإسلامي الذي نزل به الوحي، فقد اعتقد في كتابه «ألواح جزولة» أن التشريعات الأمازيغية يرجع مصدرها إلى الكتاب والسنة، معتمدا في ذلك على استنباطه هذا المصدر الديني من مبادئ نفس ديباجة تشريع مجتمع أيت واديم الآنفة الذكر.

وفيما يلـــي نص الفقرة التي يؤيد بها هذا الاعتقاد:

(وقد اشتملت الديباجة على مبادئ وأصول وقيم أساسية. ومن جملة المبادئ الأساسية التي سجلتها ما يلي:

ـ توحيد كلمة الجماعة وتنظيم صفوفها والتضامن بين أفرادها (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم – سورة الأنفـال)

ـ المحافظة على الشورى في كل ما جد (ولأمرهم شورى بينهم – سورة الشورى)

ـ السهر على المصـالح العامة وعلى إقرار الأمن العام وعلى معاقبة المجرمين (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته – حديث أخرجه البخاري ومسلم والترمدي)

ـ حفظ الدماء والأموال والأعراض من كل ما ومن يمس بها من سوء.

(إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام- حديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي).

ـ القيام بإبلاغ الساهرين على تنفيذ اللوح (التشريع) بكل المخالفات وبكل ما يخل بالأمن العام في دائرة الصدق والأمانة (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان - سورة آل عمران)

ـ القضاء بإرجاع كل منفي، وبالعفو العام عن الجرائم السابقة (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيض والعافين عن الناس والله يحب المحسنين – سورة آل عمران)

ـ المناصحة والتواصي (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)

ـ التعلق بالله واستمداد العون والتوفيق منه على القيام بأمور الدين والدنيا (فتوكل على الله العزيز الرحيم الذي يراك – سورة الشعراء)

ـ الإخلاص للمثل العليا وللحق والعدالة وللأخلاق السامية (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى – سورة الأنعام)

ـ جعل السلطة في أيدي الأعيان ئنفلاس (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم – سورة النساء)

وبطبيعة الحال لا جدال في مطابقة المبادئ الواردة في الديباجة، مع أحكام الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، المستشهد بها من طرف هذا الأستاذ المحترم، ولكن ما أختلف فيه معه هو أن هذه المبادئ، كان قد نقشها الله في عقل كل إنسان، قبل أن تنزل في القرآن، أو ينطق بها الرسول في أحاديثه الشريفة، بل وقبل أن تنزل في الإنجيل وغيره، بدليل أن نفس هذا الاستنباط الذي قام به الأستاذ العثماني، قد سبق عمله أيضا من طرف الفيلسوف هوبز في كتابه (التنين) محاولا بذلك إثبات تطابق أحكام الكتاب المقدس مع مبادئ القانون الكوني.

وفيما يلي بعض المقتطفات من استنباط هذا الفيلسوف:

(فالقديس بولس في رسالته إلى أهل رومية ينحو باللائمة على الذين يسفكون الدماء ويغتصبون ويسحقون بقوله: طريق السلام لم يعرفوه)

(وفي إنجيل متى: طوبى لصانعي السلام الإصحاح الخامس: 9)

(وفي مزامير داوود - يتعانق البر والسلام ويقبل كل منهما الآخر - المزمور الخامس والثمانون: 10)

(وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا انتم أيضا بهم – إنجيل لـوقا الإصحاح السادس: 31)

(لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، بالكيل الذي به تكيلون يكال لكم – إنجيل متى الإصحاح السابع: 2).

(إن من يجازي عن خير بشرا لن يبرح الشر عن بيته - الإصحاح السابع عدد 13).

(لا تخاصم إنسانا بدون سبب إن لم يكن قد صنع معك شرا - الإصحاح الثالث 29-30.)

(جاء في موعظة الجبل:

إن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئا عليك، فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك –متى الإصحاح الخامس: 33)

(طوبى للرحماء لأنهم يرحمون – متى 7:5)

(لا تنتقم وتحقد على أبناء شعبك – الإصحاح التاسع عشر: 18)

(إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضا زلاتكم - إنجيل متى الاصحاح السادس عدد: 14-)15

(الرب يكره كل متشامخ القلب – سفر الأمثار: 16-5.)

(من يحتقر قريبه يخطئ)

(عندما يأتي الكبرياء يأتي الهوان.)

(لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين – إنجيل متى الاصحاح الخامس عدد: 45)

(اقضوا بالحق بين الإنسان وأخيه ونزيله، لا تنظروا إلى الوجوه في القضاء، الصغير كالكبير تسمعون. لا تهابوا وجه إنسان لأن القضاء لله.)

إذن مما تقدم يتضح بغير شك، أنه كما وردت أخلاق القانون الكوني ومبادئه في صيغ قرآنية وانجيلية، فقد وردت أيضا في صيغ توراتيه، وبوذية، وهندوسية، وزرادشتية وكونفوشيوستية، وفي صيغ أخرى لديانات مختلفة، كما وردت كذلك على السنة الفلاسفة والحكماء والمفكرين، وكذا كل الناس الطيببن الطاهري القلب، أينما كانوا وفي أي زمن كانوا، لأن الجميع يعلمها، ويحترم من يعمل بها، وفوق ذلك يحس بتأنيب الضمير عند مخالفتها.

ومن هنا يبدو أن الأستاذ العثماني إن كان صادقا في مطابقة مبادئ ديباجة هذا التشريع مع آيات قرآنية وأحاديث شريفة، فليس ذلك معناه اعتماد هذا التشريع على الكتاب والسنة كمصدر له، بل اعتماده على مبادئ القانون الكوني الذي نقشه الله في عقل الإنسان قبل ظهور الديانات، والتي اعتمد عليها اليونان والرومان قديما في تأسيس مجتمعيهما الديموقراطيين، ثم التي اعتمدت عليها الدول الغربية كذلك في العصر الحديث، في خلق مجتمعاتها الحالية.

أما الدليل الحاسم الذي يثبت عدم صواب رأي هذا الأستاذ المحترم فيما ذهب إليه، فهو مضمون العقوبات المنصوص عليها في هذا التشريع، الذي يتفق الجميع على اختلافه جذريا مع حدود الشرع الإسلامي، لعدم أخذ هذا التشريع بعقوبة الرجم والجلد وقطع اليد والصلب وقطع الأطراف والقصاص، وغير ذلك من الحدود والزواجر والتعازير الجاري بها العمل في القضاء الإسلامي.

ولذلك إذا كان معلوما انصراف إرادة المجتمع المرابطي والمجتمع الموحدي في تأسيسهما دولة دينية، مصدرها الكتاب والسنة، فمن الواضح أن إرادة هذه المجتمعات، على العكس من ذلك، انصرفت إلى تأسيس كياناتها السياسية المدنية على مبادئ القانون الكوني العقلية.

ثالثا: حول الفقه الإسلامي:

على الرغم من وحدة الشرع الإسلامي، فمن المعلوم أن الدول الإسلامية كانت مختلفة حوله، تتوزعها مذاهب فقهية شتى.

لكن إن كانت هذه المذاهب مختلفة في آرائها وتوجهاتها، فمن الملاحظ أنها تتفق كلها على استبعاد القانون الكوني، وعدم اعترافها به كقانون مستقل، قائم بذاته.

وتجدر الإشارة هنا أنني أقصد الفقه الإسلامي التقليدي، المعروف قبل تعرض العالم الإسلامي للاستعمار الأوروبي في العصر الراهن، وتأثر الفقهاء المسلمين بثقافته الحديثة.

وأكيد أن السر في هذا الاستبعاد يرجع لا محالة إلى اعتبار الشرع الإسلامي هو المصدر الوحيد للأحكام، ولكل القوانين التنظيمية.

فالفقه الإسلامي يعتبر هذا الشرع مستقلا في وجوده، وفي مصادره، كاملا، مكتفيا بذاته، غير محتاج لغيره.

ومن هنا لما كانت أحكام القانون الكوني وقواعده، تستمد كلها من العقل المحض وحده، بعيدا عن التقيد بأي دين كيفما كان، فقد استبعده الفقه الإسلامي، ولم يعترف به كمصدر مستقل من مصادر القانون، كما استبعد أيضا فكر المعتزلة الذي كان يقول بقدرة العقل على استنباط الأحكام الشرعية دون حاجة إلى تأييدها بالكتاب والسنة، كما ورد ذلك في كتاب (نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي) للأستاذ احمد الريسوني.

وهذه النظرة الكمالية للشرع الإسلامي هي التي جعلت الفقهاء لم يهتموا بغيره من التراث القانوني العالمي، سواء كان مصدر هذا التراث عقليا أو نقليا أو روحيا وبالتالي لم يقوموا بترجمة أي أثر من آثار هذا الفكر.

وما أثار حقا استغرابي في هذا الأمر هو موقف الأستاذ علال الفاسي من انعدام هذه الترجمة، إذ عوض أن يتأسف على ذلك، معتبرا إياه خسارة وانغلاقا متعصبا على الذات، فقد اعتبره تصرفا إيجابيا، حافظ به الشرع الإسلامي على صفائه وعلى أصالته، مبتعدا به، على حد قوله، عن التأثر بأي مذهب من المذاهب الأجنبية أو الأفكار الغير الإسلامية، وهذا الموقف هو ما يؤكد استمرار تلك النظرة الكمالية للشرع الإسلامي في العصر الحديث، وهي نفس النظرة التي لاحظها الأستاذ احمد الريسوني، وأطلق عليها النظرة الأشعرية، مؤكدا استمرار وجودها إلى حدود اليوم.

وفيما يلي ما ذكره الأستاذ علال الفاسي بخصوص انعدام تلك الترجمة:

(واذا كان المسلمون قد ترجموا من تراث الروم واليونان والفرس والهند الشيء الكثير، فلم يثبت أبدا أنهم ترجموا كتابا من كتب القانون، أو اتصلوا بشيء من أفكار القانونيين القدماء أو المعاصرين لهم، وإنك لتجد في علم الكلام الذي هو أمس شيء بالعقيدة الإسلامية، وبصفات الله، وأحكام الرسل، آثارا من آثار الفلسفة القديمة وطريق الجدل والاستدلال، وتجد كذلك في العلوم المختلفة نقولا عن العلماء الأقدمين من كل جنس ودين، ولكنك لا تجد أي أثر من آثار المدارس الفقهية المختلفة في الفقه الإسلامي، وما ذلك إلا لأن المسلمين امتثلوا أمر الله فلم يروا لأنفسهم حقا في اقتباس شريعة أجنبية، وإدماجها في الفقه الإسلامي.)

هذا وفي الوقت الذي كانت فيه فكرة القانون الكوني غائبة ومغيبة في الفقه الإسلامي، فإنها على العكس من ذلك، كانت حاضرة في الفقه المسيحي، إذ نجد القديس اوغسطين الأمازيغي، الذي يعد من أبرز آباء الكنيسة، يعترف بالقانون الكوني، ويعتبره أساس الحياة الاجتماعية، مؤكدا أن الناس جميعا يحترمونه، ويتوصلون إلى معرفته بالعقل، لارتكازه على دعامتين أساسيتين هما: ألا يفعل المرء مع غيره ما لا يود أن يفعلوا به، وأن يعطي لكل إنسان حقه، كما يعترف أيضا بالقانون الوضعي، الذي تضعه السلطة الزمنية، وتحدد له ضوابطه وأهمها أن يكون مستوحى من القانون الكوني، غير أنه يعتقد أن السلطة الزمنية بمدينتها الأرضية، قد شاخت وهرمت، وحان الوقت لكي تترك الميدان لمدينة الله التي ليست سوى اتحادا للمؤمنين.

وبعد أوغسطين جاء كذلك القديس توما الاكويني الذي قسم القانون إلى أشكال ثلاثة هي:

1ـ القانون الأزلي وهو قانون العقل المقدس الذي يحكم العالم، والذي يعجز الإنسان عن معرفته الكاملة.

2ـ القانون الطبيعي (الكوني) الذي يمكن لكل إنسان أن يدركه لكونه منقوش في العقل.

3ـ القانون الإنساني وهو من صنع الإنسان، ويجب أن يستوحى من مبادئ القانون الطبيعي.

إذن ما يتميز به الفقه الإسلامي عن الفقه المسيحي، ليس فقط تركيزه على الشرع الإسلامي، كمرجعية وحيدة للقانون، بل هو الغياب المعرفي المطلق لفكرة القانون الكوني كمرجع أو كمصدر مستقل من مصادر القانون، بدليل خلو ذكره من مصنفات كبار علماء أصول الفقه أمثال أبي حامد الغزالي، وأبي الحسين البصري وأبي اسحاق الشاطبي وغيرهم.

غير أنه بعد احتكاك العالم الإسلامي بالغرب في العصر الحديث، انتشرت نسبيا معرفة هذا القانون الكوني، في أوساط بعض الفقهاء، من أبرزهم في بلادنا الأستاذ علال الفاسي، الذي كان له معه موقف رافض وسلبي، ذكره في كتابه الأنف الذكر بقوله:

(ونخلص من هنا إلى ميزة عظيمة في الشريعة الإسلامية، وهي أنها لا تعتمد في شيء من الأحكام التي تقع باسمها على غير الشريعة نفسها، فحينما ينعدم النص ولا نجد حكما سابقا نستنير به، لا نعمد إلى ضمير الملك كما يفعل الإنجليز، ولا إلى العدالة أو الإنصاف أو القانون الطبيعي، كما يفعل اللاتينيون اليوم، أو الرومان بالأمس، واليونان قبلهم، وإنما ننظر في مقاصد الشريعة ونرجع إلى السياسة الشرعية، باحثين عن طريق التفكير والنظر في الأحكام، وإلحاق الاشتباه بالنظائر، ولن نعدم أبدا وجه الحق الذي يريده الله)

وعن النظرة السلبية الدونية التي ينظر بها إلى القانون الكوني، ورد في نفس الكتاب ما يلي:

(وأن محاولة تأويل الأدلة النظرية الإسلامية على أنها نوع من القانون الطبيعي، أو قانون العدل والإنصاف، فذلك مجرد انحراف بالشريعة إلى أقوال أجنبية عنها، فالشريعة واضحة، ولا يمكن أن تقبل غموض القانون الطبيعي أو قانون العدالة، أو ضمير الملك، لأنها مجرد تخمينات لا تستند لغير ما يحسبه الناس أنه حسن الإدراك ولا ضمان له، ولا دليل عليه)

وما من شك أن هذا التحامل على القانون الطبيعي، يستفاد منه شروع أفكار هذا القانون في اختراقها للفقه الإسلامي، إذ لو ظلت أمور هذا الفقه كما كانت عليه في الماضي، لما كان هناك أي داع للتهجم عليه أو نعته بالغامض.

وبالفعل فقد نجح هذا الاختراق في دولة مصر، فاعترفت بهذا القانون في المادة الأولى من القانون المدني التي تنص على ما يلي:

(1- تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تناولتها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها.

2- فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد، فبمقتضي الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضي مبادئ القانون الطبيعي ومبادئ العدالة)

أما في المغرب فيبدو أنه لا يزال يكرس بالكامل نظرة الفقه الإسلامي التقليدي التي لا تعترف بالقانون الكوني كمصدر مستقل للقانون، بدليل أن قانون الالتزامات والعقود الصادر في أوائل القرن الماضي والمعدل في القرن الحالي، لا يذكر القانون الكوني من بين مصادره الواردة في الفصول: 474- 475 - 476، ونفس الشيء بالنسبة للدستور الجديد الصادر حديثا في سنة 2011، الذي رسخ المرجعية الإسلامية للدولة المغربية في التصدير، وفي أكثر من بند، هذه المرجعية التي لا تشوبها طبعا شائبة جعل الاتفاقيات الدولية تسمو على التشريعات الوطنية، لأن هذه الاتفاقيات المعنية بالسمو، يجب كما يقضي هذا الدستور، أن لا تتعارض مع أحكامه المرسخة لتلك المرجعية الدينية.

إذن إذا كان القانون المصري قد انفتح على القانون الكوني الأزلي الذي نقشه الله في العقل، سامحا له بأخذ مكانه ضمن مصادر القانون، فإن أبواب القانون المغربي لا تزال موصدة أمامه، ولعل السر في تأخر الإقرار بشرعية هذا القانون في بلادنا راجع في اعتقادي إلى تركيز رجال الحقوق والقانون والسياسة، على الفروع والجزئيات وكذا على المسائل التطبيقية والميدانية، وإهمالهم البحث في فلسفة الحق وفي أصول القانون، بدليل أننا إذا ما استثنينا الفقرات المقتضبة جدا الواردة في درس مادة مصادر القانون، الذي يتلقاه الطلبة في كلية الحقوق، فإننا لا نكاد نعثر على أية دراسة أو بحث معمق عن هذا القانون الكوني، سواء داخل الجامعات، أو في المجلات القانونية على كثرتها وتنوعها.

أسلمة القانون الكوني بعلم أصول الفقه:

إذا ما استثنينا مجال العبادات في الأصول، واقتصرنا فيه على مجال المعاملات فقط فإن المقارنة بين مقاصده المستنبطة بالاجتهاد العقلي، وبين أهداف ومبادئ القانون الكوني، تبين وجود تطابق شبه تام بينهما، لدرجة تجعل هذا العلم يبدو في حقيقته قانونا كونيا مغلفا برداء إسلامي.

هذا التطابق يتجلى في استهداف كل من تلك المقاصد الكونية، وتلك الأهداف الأصولية، غاية واحدة، هي المحافظة على الحياة بالدرجة الأولى، ثم كذلك على ضرورياتها وحاجياتها وتحسيناتها التي أطلق عليها أبو إسحاق الشاطبي في كتاب الموافقات المجلد الأول، مصطلح الكليات، ملاحظا أن شرائع سائر الأمم وضعت للمحافظة على هذه الكليات.

لكن إن كان الشرع الإسلامي يحتضن بدوره هذه الكليات كسائر الشرائع، كما أكد الشاطبي، فمما يلاحظ أن علماء الأصول قد جانبوا الصواب في معرفة حقيقة مكمنها وأصلها الأول، إذ يعتبرونها كامنة أصلا في القران والسنة، معتقدين أن العقل يكتفي فقط باستنباطها منهما بنوره، بينما الحقيقة تؤكد أنها كامنة أصلا في العقل، منقوشة فيه سلفا قبل ظهور الديانات، الشيء الذي يجعل كل إنسان أينما كان، وفي أي زمان كان، يعرفها تلقائيا ومباشرة، بدون أن يحتاج إلى استنباطها من أي كتاب كان.

ولذلك لما جرت عادة الفقه على اعتبار الشرع الإسلامي مصدرا وحيدا للقانون، فإنه عند وجوده أمام حالة فراغ عدم وجود نص واضح في الكتاب أو السنة لحل إشكالية حادثة مستجدة، لم يكن مسموحا له استنباط الأحكام من مبادئ عقلية مجردة، ولذلك يعمد إلى الاجتهاد لربط الأحكام العقلية بالكليات المقاصدية للشرع الإسلامي، لإضفاء الطابع الإسلامي عل هذه الأحكام.

وهكذا، وباستعمال الفقهاء لهذه المعادلة الأصولية، اقترب العقل والشرع الإسلامي من بعضهما، أو بعبارة أوضح احتضن الفقه الإسلامي مبادئ القانون الكوني.

وهذه المزاوجة التي قام بها علم الأصول، بين العقل الحامل لذلك القانون، وبين الشرع الإسلامي، هي التي ذكرها الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه: المستصفى المجلد الأول بقوله:

(علم الفقه وأصوله يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد).

ولكن إن كان الفقه الإسلامي يقر بهذه المزاوجة فلا بد من تسجيل كونه ينظر إلى العقل كمجرد ميزان لا غير، لقياس الأحكام المستنبطة من الكليات الكامنة في الكتاب والسنة، دون أن يعتبره قادرا وحده على معرفة تلك الأحكام، وهذه النظرة هي ما عبر عنها الاستاد علال الفاسي في كتابه السالف الذكر بقوله:

(ومحط نظر هؤلاء العلماء قاطبة هو استعمال ميزان العقل لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة المبينة له، وهذا ما سماه علماء المسلمين بالاجتهاد، وهو طريق سلوك دائما، يتمكن به أهله من تطبيق الكليات القرآنية على جزئيات الأحكام المستجدة).

وهكذا لما ثبت أن القانون الكوني قد نقشه الله في عقل الإنسان قبل ظهور الديانات وثبت أيضا أن هدفه الأساسي هو حفظ الحياة، وحفظ ضرورياتها وحاجياتها وتحسيناتها.

ولما توصل علماء الأصول بالاجتهاد العقلي إلى استنباط كون مقاصد الشرع الإسلامي تستهدف تحقيق نفس ذلك الهدف، الذي أطلق عليه الشاطبي، اسم الكليات، لكن من غير أن يدركوا طبعا أن هذه الكليات، هي نفسها مبادئ ذلك القانون الكوني المنقوشة في عقولهم.

إذن إذا كانت هذه الأسباب تؤكد بالفعل، ارتكاز علم أصول الفقه، على مبادئ القانون الكوني المنقوشة في العقل، فإن النتيجة تؤدي في خط مستقيم إلى قيام هذا العلم بأسلمة القانون الكوني دون طبعا أن يدري ذلك أو يقصده.

وهذه الطريقة التي تعامل بها الفقه الإسلامي قديما مع مبادئ القانون الكوني، هي نفسها التي أوصى الأستاذ حسن اسماعيل الهضيبي للتعامل بها حديثا، مع القوانين الأجنبية.

وفيما يلي نص تلك الوصية كما نقلته من كتاب دفاع عن الشريعة للأستاذ علال الفاسي:

(إن قوانيننا جميعا يجب أن تكون مستمدة من القرآن ، وأنه إذا بدا لنا أن نأخذ شيئا من القوانين والنظم الأجنبية، وجب أولا أن نردها إليه، فإذا اتسع لها أخدنا منها، لا على اعتبار أن مصدرها أجنبي، بل على اعتبار أنها مستنبطة من القرآن.

دعوة المشرع المغربي إلى الإقرار صراحة بالقانون الكوني:

تأكيدا للمصدر الإلهي للقانون الكوني، على اعتبار أن الله عز وجل هو الذي نقشه في عقل الإنسان قبل نزول القران، أو نزول أي دين سماوي آخر.

وإدراكا لتطابق أهداف هذا القانون مع مقاصد الشريعة الإسلامية، من حيث كونها تستهدف جميعها تحقيق نفس الغاية المتمثلة في حياة الناس في مجتمع منظم يسوده السلام والعدل والتعاون والخير المشترك.

ونظرا لارتكاز القانون الكوني على احترام حقوق الإنسان، وقيم الأخلاق، وسائر قواعد حسن السلوك، وهي نفس القيم التي يقوم عليها الدين الإسلامي، والتي تلخصها المقولة الإسلامية المأثورة التالية: الدين المعاملة.

ووعيا بالأسباب التي جعلت الفقه الإسلامي التقليدي يستبعد الاعتراف بهذا القانون كمصدر مستقل للأحكام، والتي من بينها اعتقاده بكونه إما من صنع العقل المحدود للإنسان، وإما من صنع عمل الطبيعة المستوحى من مصطلح (القانون الطبيعي) الخاطئ الذي أطلقه الفلاسفة على هذا القانون.

واقتناعا بأن الاعتراف بهذا القانون الكوني يدخل في صميم الدين، خلافا لما يعتقده الفقه الأنف الذكر.

وانسجاما مع المنتظم العالمي الذي انتشر فيه الوعي بهذا القانون، متخذا من مبادئه قواعد للمعاملات الدولية.

وتأكيدا للتطور الفكري والسياسي الذي عكسه الدستور الحالي لسنة 2011، الذي يبرهن على تقدم المغرب في اتجاه الخروج من دوامة الايدولوجيا والفكر العتيق، إلى فضاء العقلنة والحكامة الجيدة.

وانسجاما كذلك مع تعود المغاربة، التعامل مع القانون الكوني، في المناطق التي كانت تسود فيها الأعراف الأمازيغية، وذلك على منذ أقدم العصور، إلى حدود القرن العشرين.

إذن استنادا لهذه الأسباب، فإنه لا يوجد أي مبرر ديني أو منطقي، لاستمرار بلادنا في استبعادها لهذا القانون، لاسيما وأن دولة مصر الشقيقة، قد بادرت إلى الاعتراف به، وأنه من هنا عسى المشرع المغربي أن يقرر بدوره الإقرار صراحة بهذا القانون الإلهي الأزلي، كمصدر مستقل من مصادر القانون.

ذ- الصافي مومن علي

محام بالدارالبيضاء

*****

المراجع

1)- في الحكم المدني- جون لوك- ترجمة ماجد فخري مجموعة الروائع الإنسانية –الاونسكو- بيروت 1959

2)- ألواح جزولة- الأستاذ العثماني امحمد السوســـــــي

3) – توماس هوبز- فيلسوف العقلانية – تأليف: ذ امام عبد الفتاح امام

4)- تطور الفكر القانوني – احمد محمد غنيم – منشورات المكتبة العصرية بيروت

5)- علال الفاسي – دفاع عن الشريعة – سلسلة الجهاد الاكبر – رقم 1

6)-الموافقات في أصول الفقه – أبي اسحاق الشاطبي- المجلد الأول-- دارالمعرفة – بيروت

7) – نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي – أحمد الريسوني- المعهد العالمي للفكر الإسلامي

8) المستصفى من علم الأصول – أبي حامد الغزالي – المجلد الأول- دار الفكر

9)- المعتمد في أصول الفقه- أبو الحسين البصري- دار الكتب العلمية

10)- القانون المدني المصري – مجموعة القوانين المصرية – دار الفكر العربي

11)- قانون الالتزامات والعقود المغربي مع آخر التعديلات – انجاز وتقديم الدكتور الطيب الفصايلي.

12)- الدستور المغربي الجديد – ايسوفت.

13 – مقالة الأصل المشترك لنظامي التشريع السياسي الأمازيغي والأمريكي – الصافي مومن علي.

 

 

 

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.