Uttvun 59, 

Krayûr 2002

(Mars 2002)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

Asmi tinoacin neqqent tmazight ujar azladv

Anebdu(8)

Anabay

Abrid aghuzzaf

Aghbala

Asidd n Meknass

Tighrmi n igran d igudar

Radas war yeggîjen

Melli d tergibet a yemma

Yan uzal ireghen

Français

L'Amazighe, la COSEF et Le Livre Blanc de Saaf

Droits de l'homme à l'épreuve

“L'histoire” dans les chansons MELLAL

Tamazight entre l’oral et l’écrit

Toponymie de Meknass

Un prénom amazigh Pour l'éternité

العربية

عندما يصبح المال أخطر على الأمازيغية من الخصاص

 

التعدد اللغوي والوحدة

 

السياسية والدينية

 

الاعتداء على المناضل الأمازيغي سعيد باجي

 

هوروس وتامازيغت

 

عودة إلى الماروك والمارويكوس

 

الاسم المركب والاسم المشتق في الأمازيغية

 

حانون  ابن تامازغا

 

ما الهدف من مسلسل تيغالين؟

"أورنيد، شيخ من بورغواطة

 

أنا الأمازيغي

 

بحث في الأصول المشتركة للحضارة الأمازيغية والحضارة المصرية القديمة:

Horus والأمازيغية

(الجزء الثالث)

بقلم: أهريشي محمد (أزرو)

 

        Sdîs   من الأمس إلى اليوم :

            إن هذا النبش في آلهة وأساطير إفريقيا الشمالية، إطلالة مستعجلة على الصلات القديمة الممكنة بين العالم الأمازيغي ومصر الفراعنة، ونظرة خاطفة في تطور الديانات وارتقائها، وهذا باب بحث واسع يجب ألا نفاجأ فيه إذا ما اكتشفنا أن معتقدنا من الأمس إلى اليوم لا زال يحافظ على كثير من طقوسه القديمة التي لم تغير إلا "نيتها" وصبغتها، فالمعتقدات بإمكانها أن تعبر العصور وتتقلب في عدة أطوار إلى أن تصلنا بصورة ما.

            فالفاصل الزمني مهما كان واسعا بين المعتقدات وأحالها في أعيننا إلى جزر منفصلة فإن لها تحت سطح النظرة العابرة صلات عميقة، لذلك لا يصح دائما الاعتداد بالفاصل الزمني للتفريق بين معتقدات متشابهة ومنتمية لنفس الرقعة الجغرافية بذريعة أنها تنتمي إلى مراحل زمنية مختلفة، فالتحقيب (ما قبل التاريخ...، ما بعد التاريخ...) إنما جعل لضرورة منهجية وليس لإحداث قطائع في الجنس البشري بحيث يكون لكل مرحلة إنسانها المستقل بيولوجيا وثقافيا عن إنسان المراحل السابقة واللاحقة، ومن يعتد كثيرا بالفاصل الزمني يريد إقناعنا بأن كل عصر يشهد موت ديانة ببساطة وحلول أخرى محلها ببساطة أكبر في حين أن المعتقد أشد صلابة من أن يموت بهذه السهولة، واشد تعقيدا من أن ينظر إليه بهذه البساطة.

            إن المعتقد لا يظهر احتمال تغييره  إلا بظهور البديل أولا، وإذا ظهر البديل يبقى احتمال حلوله محل القديم ثانيا، وإذا استبدل القديم بالجديد يبقى مستواه (دفعة واحدة بالتدريج، موحد غير موحد في الزمان والمكان، كامل جزئي، صحيح منحرف...) ثالثا رهينا بعدة عوامل: علاقة المعتقد بما هو سياسي، طبيعة صراع المعتقدين (مادي معنوي، الإجبار الاختيار)، المساحة الجغرافية وتضاريسها، نمط العيش (استقرار ترحال)... أضف إلى هذه العوامل الجانب النفسي الذي يشكل بوتقة تفاعلها، فالمعتقد قوة مركزة في عقل الإنسان ترتبط لديه بفكرة المصير الأبدي المخيفة، مما يجعل من تغييره عملية صعبة لدى الفرد وبالأحرى لدى الجماعة، لذلك نقول حسبنا ما وجدنا عليه  آباءنا إلقاء لمسؤولية صحة المعتقد عليهم، خوفا من خوض مغامرة اختيار نسأل عنه ما دام من كسب أيدينا، لذلك نبحث عن خلاص بارد في معتقد موروث لايد لنا في اختياره، فمن هذا الجانب النفسي يستمد المعتقد قوته التي تجعله لا يموت بين عشية وضحاها، فإن لم يتمكن من البقاء في المعتقد الجديد (بأخذ صبغته) أو على جانبه (بالتحول إلى عادة) فهو على الأقل يأخذ مدة طويلة للاحتضار،  وفي هذه المدة قد ينفلت منه شيء ما ليبقى حيا بشكل ما.

            فبماذا نفسر نحن Imazighen معتقدنا الحالي ك Inselmen أو Imunselmen، وفيه  من المعتقدات ما يعتبر في نظر الإسلام بدعا؟ و"بدعنا" هذه ليست أمورا أحدثناها بعد أن لم تكن، إذ أن لها أصولا ثابتة في دياناتنا القديمة التي لم يستطع الإسلام القضاء عليها نهائيا فظلت ممارستها مستمرة تحت اسمه. إن أجدادنا في الحضارة الأولى لإفريقيا الشمالية (أو حضارة ما قبل التصحر) كانت لهم آلهتهم المتعددة والمتفاوتة من حيث أهميتها وانتشارها… وقد حافظوا عليها لغياب البديل المنافس ولما كانوا يجدون في عبادتها من فعالية ولما كانت تقدمه لهم من أدوات لفهم الوجود من حولهم، وبتطور نمط عيشهم ستتطور آلهتهم كذلك أو بتعبير أدق سيتغير ترتيبها حسب الأهمية، فالآلهة التي كانت معبودة في مرحلة الصيد والالتقاط ستتراجع أهميتها أمام الآلهة الأكثر استجابة لظرف التصحر الطارئ ولحاجيات الرعي وتربية الماشية، وبذلك ستظهر عبادة الكبش أمون على عبادات الحيوانات الأخرى كلها، كما ستظهر عبادة الماء على عبادات الظواهر الطبيعية الأخرى كلها، ويبقى الفصل بين الظواهر الطبيعية والحيوانات فصلا نسبيا. فالاثنان متوحدان معا على الأقل في الطبيعة، لذلك كثيرة هي الحالات التي يتداخلان فيها ليشكلا مظهري إله واحد، ونجد عدة أمثلة على ذلك: Amm (الكبش، الشمس)، Hathor (البقرة، النجوم)...

            ومع اشتداد التصحر سيستمر نزوح الجماعات في وجهات مختلفة، وستحول في ما بينها المسافات والمناخ، لكن كل جماعة حملت معها في رحلتها هذه الآلهة القديمة وستطور كل واحدة حسب ظروفها المحلية معتقداتها التي سيصل إشعاع بعضها (Amon) في فترة ما إلى الضفة الأخرى لحوض الأبيض المتوسط، وإلى جانب هذه المعتقدات تعرف أجدادنا على معتقدات أخرى منها ما نشأ على أرض إفريقيا الشمالية كاليهودية ومنها ما وفد إليها كالمسيحية والإسلام، وسيدخل الكل في علاقات احتكاك وتصادم مادي ومعنوي مختلفة في الزمان والمكان.

            ففي وادي النيل كان للاستقرار ونشوء المدنية والضيق النسبي للمجال دور في تطور الديانات القديمة، فإله الانبات والخصوبة مثلا أصبح يجسد في نهر النيل، والآلهة الحيوانية بدأت تظهر في صور إنسانية، كما أدى الاستقرار إلى ظهور آلهة جديدة ستشارك في صراع الآلهة.

            وقد شهد وادي النيل ظهور الديانة اليهودية، وبغض النظر على مضمون وطبيعة هذه الديانة فإنها لم تستطع الحلول محل عبادة الآلهة القديمة، لأنها ظهرت في وقت كانت فيه القوة الدينية والسياسية الفرعونية في أوجها، على عكس الديانتين المسيحية والإسلام، اللتين لم تظهرا إلا بعد انتهاء عصر الفراعنة، فعيسى لم يولد إلا بعد مرور ثلاثين سنة على إلحاق مصر بمستعمرات الإمبراطورية الرومانية، ومحمد لم يجهر برسالته إلا بعد ذلك بقرون، وبحكم قرب وادي النيل من "أرض الرسالات" ومراكزها الدينية والعسكرية ستدخل الديانتان الجديدتان إليه مستفيدتين من الأوضاع السياسية والاجتماعية المتردية.

            فالمسيحية ستصل إلى وادي النيل كما وصلت إلى باقي المستعمرات الرومانية، وستستفيد من أوضاع الفلاحين الرازحين تحت ثقل الضرائب الرومانية (M.Briselance, p75)، وسيتعرض مسيحيو وادي النيل كما تعرض غيرهم للاضطهاد والتعذيب الروماني، وعندما أصبحت المسيحية هي الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية جاء دور "الوثنيين" ليعانوا من الاضطهاد، ففي سنة 392م سيأمر الإمبراطور تيودس Théodos I بمنع عبادة الآلهة الفرعونية وإغلاق معابدها أو تحويلها إلى كنائس، مما أدى إلى نشوب صراعات دموية بين معتنقي الديانة الجديدة والمحافظين على آلهة أبائهم (M.Briselanceت; p75).

            وستتبنى مملكة أكسوم Axoum (إثيوبيا و الصومال الحاليان) تدريجيا المسيحية مما جعل بعض بقايا الديانات  القديمة تظل مستمرة تحتها كعبارة إله الأرض وإله السماء (M.Briselance, p141) وكاستعمال بعض الآلات الموسيقية التي كانت مستعملة في عبادة الآلهة القديمة (Isis)... وقد أدى موقف كنيسة أكسوم من طبيعة المسيح وموقعها الجغرافي إلى عزلها عن باقي العالم المسيحي، وستزداد هذه العزلة بظهور الإسلام وانتشاره في شبه الجزيرة العربية  و وادي النيل الذي وصل إليه سنة 640م، وستسهل الظروف السياسية والاجتماعية لوادي النيل في ظل الاستعمار اليوناني على الإسلام عملية انتشاره ... وكان محتملا أن يكون للمسيحية مع الإسلام نفس المصير الذي كان للديانات القديمة مع المسيحية، خاصة مع معطى الاستقرار وقرب وادي النيل من المراكز الدينية والعسكرية للدين الجديد، لكن الإسلام كان له تعامل خاص مع من يعتبرهم "أهل الكتاب". إلا أنه مع ذلك لم تخل علاقات الديانتين من فترات يتجاوز فيها صراعهما حدوده المعنوية إلى حدوده المادية (القمع العسكري لثورات الأقباط المسيحيين الناتجة عن سوء معاملة الولاة والميز الديني والثقل الضريبي...).

            وإذا كانت الاتفاقية المبرمة مع مملكة المسيحييـــن فـــــي النوبة (M.Briselance, p157) قد منعت المسلمين من غزو دار هجرتهم الأولى، فإن الخليفة عمر سيمنع من جهته غزو بلاد مغرب الشمس تخوفا، غير أن عمرو بن العاص لم يمنعه ذلك من أن يرسل أحيانا فرقا لغزو المناطق القريبة، وكان ما تعود به من غنائم مغريا بالغزو، وبعد مقتل عمر سيرخص الخليفة عثمان ما منعه سابقه (M.Briselance, p159)، وبعد حروب وثورات وردات سينضاف الإسلام إلى فسيفساء معتقداتنا المنتشرة على مستويات مختلفة، وباحتكاكه مع معتقداتنا القديمة التي ظلت ديانات شعبية ومع اليهودية والمسيحية سيبدأ تشكل معتقدنا الشعبي الحالي كما تتشكل الطبقات الجيولوجية، كل ديانة راكمت فيه إرساباتها خلال فترة ما (ولجزر الكناري وضع خاص في هذا الباب)، لذلك سنجد فيه إذا نقبنا مستحثات تعود إلى عصور المعتقدات القديمة، وأخرى تعود إلى عصر اليهودية... وقد تمكن الإسلام كآخر هذه الارسابات من احتلال الطبقة العليا السطحية وإضفاء صبغته على كل تلك البقايا القديمة. ومما يثير الانتباه أن المسيحية لم تترك، في حدود ما تفحصته، في معتقدنا وفي ثقافتنا بصفة عامة أثرا ما رغم أنها بقيت بمراحل بعد دخول الإسلام، وهذا ربما يعود إلى انتشارها الذي كان مقتصرا على مناطق الاستعمار الروماني، على عكس اليهودية مثلا التي تغلغلت في الجبال والصحاري، واستطاعت بذلك أن تترك أثرا في الثقافة الأمازيغية واضحا في تاريخنا الشفوي وفي عاداتنا الاجتماعية، وفي أسماء الأماكن وأسماء الأشخاص (...Luhu, baya, Baha, Bihi, Iccu) والأضرحة، وربما في قانوننا العرفي كذلك (Izref).

            إن معطيات الأمازيغية الجغرافية والبشرية ساهمت ميدانيا إلى جانب الظروف السياسية للدولة الفتية في الشرق، في الإنتشار الجزئي والتدريجي للإسلام، فبعد الموجة الأولى التي دخلت بها بذرة الإسلام إلى بلاد Tamazgha،  سيعرف هذا الدين موجات انتشار جديدة سيزداد مداها بتأسيس دول وإمارات أمازيغية مسلمة، وبترجمة القرآن إلى الأمازيغية وبتحول مجموعة من المؤسسات لخدمة هذا الدين، كمؤسسة Amedyaz التي ستشكل قناة التواصل بين الأفراد المطلعين على الدين في لغته وبين عموم الشعب الذي لا يعرف هذه اللغة، وكمؤسسة Agwrram الدينية السياسية التي انقلبت من مضمونها "الوثني" السحري إلى مضمون متأسلم (مؤسسة الشريف) لتأدية نفس الدور السياسي الذي كانت تلعبه من قبل بين القبائل.

            إن هذا الانتشار التدريجي للإسلام في الزمان والمكان، أضف إليه تعدد وتنوع المعتقدات التي أحتك بها في أرض الواقع الشاسعة، زائد العامل اللغوي لم يمكن هذا الدين الجديد من القضاء نهائيا على كل بقايا سابقيه، فظلت كل المعتقدات متعايشة ومتفاعلة بكيفيات متفاوتة في الزمان والمكان  ومتجهة إلى تشكيل معتقد واحد مركب يحمل اسم آخر الديانات التي نجحت في فرض اسمها سياسيا، وبهذا القانون الذي حكم تعاقب الديانات في شمال إفريقيا وصلتنا بقايا طقوس igwrar  و telghwnja و aghwa tebburja وid bexxu و berkeccu و uday nâacur... كمعتقدات وعادات ممزوجة بإسلام لا يستنكرها يمكن أن أسميه islam Rebbi d Nebi لأن أصحابه لم يقوموا إلا بإلصاق اسم الإسلام بمعتقداتهم القديمة مع بعض "الروتوشات". وقد تساءل أحدهم يوما: i Nebiت? mayed imes Rebbi فأجابه آخر ânix xes am uynna nmes nekwni i yayt Flan ، وأثارت إنتباهي  يوما الجملة التي ركبت فيها عبارة "صلاع نبي" في مطلع إحدى القصائد القديمة (tamedyazt n ugllid amezzân d ugllid axatar: sêla â Nbi innas yuk awra adak ksex azzar ) فسألت عن معناها الرجل المسن الذي سمعتها منه فقال إنها: isem n Rebbi.

            فأجدادنا كان لهم فهم للإسلام لم يفصلوا به بين ماله أصل فيه وماله أصل في معتقداتهم القديمة، وبدون تعميم لهذا الحكم يجب أن تستثني الأقلية المتعلمة المطلعة على الدين في لغته، وهي لاشيء أمام الأغلبية، وأن نقيم تمييزا كذلك بين المناطق التي كانت بها مدارس عتيقة أو زوايا، مع أن الزوايا ساهمت في كثير من الأحيان في إحداث أو تكريس ممارسات غير بعيدة عن الطقوس القديمة.

            وقد تشبث أجدادنا والذين لا تزال قلة قليلة جدا منهم بين ظهرانينا بفهمهم الخاص هذا الإسلام، رافضين كل تعليق يأتي من Ayt likul (أبناء المدرسة) المعتبرين في نظرهم كالمارقين عن الدين الصحيح، إن صراع الأجيال في هذا المجال، هو صراع في العمق بين الشفوي والمكتوب، وهي ثنائية استفحل صراعها بالتغييرات التي جاء بها القرن العشرون.

            ففي القرن العشرين والذي سيبقى قرنا مشهودا في تاريخنا، قدمت فرنسا أكبر ضربة لللامركزية الأمازيغية في تاريخها الألفي، ممهدة بذلك  في الجانب الذي يعنينا  لموجة أسلمة جديدة دون أن تكون تلك نيتها، فقد أنشأت فرنسا عدة مراكز تبشيرية لكنها لم تستطع أن تنصر من المغاربة إلا فردا واحدا (معروف من هو)، وذلك يعود إلى عدة أسباب منها أن المسيحية التي بشر بها في مدة الحماية القصيرة لم تفرض سياسيا وبالقوة العسكرية، أضف إلى ذلك أنها ديانة ينظر إليها كما ينظر إلى صاحبها المستعمر، وعلاوة على ذلك لم يرغم الظرف المادي الناس على تغيير اعتقادهم كما نشمه اليوم في رسائل المغاربة الذين يراسلون القنوات الإذاعية والتلفزية التبشيرية "العربية" والناطقة بالعربية في لبنان وغيره، فلهذه الأسباب كان المغاربة الذين يدخلون إلى تلك المراكز التبشيرية ويستفيدون من خدماتها وإعاناتها، ينسون ما لقن لهم بمجرد عودتهم إلى أهلهم.

            وإذا كانت فرنسا قد قطعت المراحل الأكثر دموية في عملية ضرب اللامركزية الأمازيغية التي طالما أعجزت قبضة المخزن، فإن دولة ما بعد 1956 سترث منجزات الدولة الحامية، وستعيش لأول مرة حلم التمركز والمركزية الذي كثيرا ما قادت من أجل تحقيقه "لحركات Les harkas" و لم  يقدر لها أبدا أن يكون تجسيد حلمها القديم هذا من صنع أيديها، فالمركزية والتمركز كمشروع وحلم مخزني قديم لن يجد أولى بدايات تحققه إلا على يدي فرنسا التي مهدت الطريق أمام دولة ما بعد 1956 لتزيد من تعميق تحطيم اللامركزية الأمازيغية بكل الوسائـل، وبذلك كانت  في الجانب الذي يعنينا  الطرق والإذاعة والتلفزة ومادة التربية الإسلامية في المدرسة… نشرا جديدا للإسلام وموجة أسلمة أخرى اكتشفنا بها الفرق بين إسلام في أصوله المكتوبة وإسلام في ومع أصولنا الثقافية الشفوية، وهذا عامل أساسي سيعمل إلى جانب عوامل أخرى (كسر البنايات التقليدية…) على محاصرة بقايا الديانات القديمة بما فيها تلك التي خرجت من مجال الاعتقاد إلى مجال العادات.

Tesmaremt a tatêfi lli isman zik iqbilen

A telghwnja ghas hêrq iâffakem yad unzâr (winu)

            وفي هذا الانتشار الجديد للإسلام الذي هو صنيعة عقبة بن نافع الفرنسي، تجد الأصولية الإسلامية أحد العوامل الهامة لظهورها من وجهة نظر انثروبولوجية ثقافية، فالأصولية جماعة وجماعات اكتشفت كغيرها أن الدين الذي تعلمته من المكتوب ليس كدين المجتمع الموروث شفويا عن الأجداد، لذلك تريد في إطار محاكمة غير عادلة العودة إلى الأصل اللامتحرك بقيود الكتابة والتخلي عن كل ما تعتبره بدعا ألصقتها الشفوية بهذا الأصل في زمن سلطتها، مع أن الموضوعية يقتضي القول إن الإسلام هو الذي جاء ليلتصق بهذه المعتقدات وليس العكس، والأكثر من ذلك أن التصاقه بها هو الذي ضمن له بقاءه إلى اليوم، ونراه اليوم بعد وعيه بذاته ينقلب عليها بشكل يطرح عليه كدين وعلى متدينيه الجدد أسئلة أخلاقية كبرى!!

            إن التخلي عن الطقوس والعادات القديمة يجعلنا جميعا من حيث ندري ولا ندري أصوليين، كل بمعنى ما، من المعنى الأنثروبولوجي الثقافي للكلمة إلى معناها السياسي والإيديولوجي.

Yaghul ddin nex bdânet ttêlba gan sin

Wenna nêtfar gwdex dix unna ydên ad îhreq

            إن Imazighen سيتوجون بموجة الأسلمة الأخيرة هذه تبنيهم للإسلام، فلم يسبق لهم أن تبنوا بعد دياناتهم القديمة، ديانة ما (اليهودية،، المسيحية) بنفس الدرجة التي تبنوا بها الإسلام، وذلك يرجع إلى عدة أسباب أذكر منها أربعة: السبب الأول هو أنه بعد الإسلام لم تفد على شمال إفريقيا ديانة جديدة تنافسه إيديولوجيا أو عسكريا، والسبب الثاني هو أن الإسلام تغلغل ببطئ داخل المجتمع واكتفى في أحيان كثيرة فقط بوضع اسمه على المعتقدات القديمة، والتصاقه بهذه الأخيرة هو الذي ضمن له انتشاره الشعبي إلى اليوم، إذ لو ملك ناشرو الإسلام قوة كافية واستعملوها للقضاء على المعتقدات القديمة لانقلب سعيهم من حيث لا ينوون ضد الإسلام، والسبب الثالث هو أنه إذا كانت المعتقدات القديمة هي ديانة الممالك الأمازيغية الأولى والتي انتهت بمقتل الملك Ptolémée بغدر روماني سنة 40م، فإن الممالك الثانية ستتأسس بشكل ما على الإسلام، وهكذا ستتحكم العوامل السياسية في الانتشار القوي لهذا الدين، والسبب الرابع هو أن الإسلام سيتغلغل في أعماق Tamazgha وبلاد Ignawen على أيدي أبناء لهذه الأرض يستحقون فعلا، على عكس غيرهم، حمل اسم الفاتحين بكل ما قد نعطيه لهذا الاسم من معاني ودلالات نبل الرسالة.

خاتـمــــة:

            لقد حاولت من خلال ما سبق أن أنقب في ما يمكن أن يكمن من علاقات بين مجموعة من الطقوس والمعطيات التي تبدو في الظاهر مشتتة، ولا يمكن أن تكون استنتاجاتي بشأنها صحيحة كلها، غير انه لا يستبعد أن تكون قريبة من الحقيقة، ذلك ما قد تثبته أو تنفيه دراسات أكثر عمقا، فما سبق يحتاج لمزيد من النبش العلمي، لأنه مجرد رسم لخط عام ترتهن درجة دقته في أحد الجوانب بما استند عليه من مراجع.

            ففي هذه الكتابة اعتمدت على ما أمكنني توفيره من مراجع تتناول الحضارة الفرعونية وأخرى تتناول الأمازيغية مع اعتمادي في هذه الأخيرة كذلك على المراجع الشفوية: الميدان والذاكرة الجماعية، وقد انطلقت أحيانا من ذاكرة طفل مر وحضر بتلك الطقوس القديمة، مستعينا بذاكرة والدي، مما يربط تفاصيل بعض تلك الطقوس بما توارثته منطقة نشأتي كجزء من الثقافة الأمازيغية، وهو ما يكون ولا بد قد تحكم في مستوى التحليل والاستنتاج اللذين لا يمكن تعميقهما والتأسيس لهما بقوة علمية أكبر إلا إذا أخذنا الثقافة الأمازيغية في شموليتها الزمنية والمكانية.

            إن الأمازيغية التي أدينت في أكثر من محاكمة غيابية، يمكنها طرح ما كان معها من حجج والمطالبة بالتعقيب على ما صدر بشأنها من أحكام في ضوء ما جد من أساليب النقد لدى من يزاولون بنزاهة مهنة التنقيب عن ماضي الشعوب، متى تجاوزت الدراسات الأمازيغية عائقين كبيرين: عائق تشتت الدارسين والمهتمين، وعائق وجهة الدراسة.

            فبالنسبة للعائق الأول، فالدراسات الأمازيغية بحر أوسع من أن يحيط به فرد واحد في عمر واحد. لذلك تكتسي أهمية قصوى مسألة إيجاد إطار علمي أو أكثر جمعا للجهود، وما دام هذا شأنا عاما فعلى الدولة أن تفي بالتزاماتها وتتحمل مسؤولياتها.

            وبالنسبة للعائق الثاني، فعلى الدراسات الأمازيغية كدراسات لثقافة إفريقية أن تخرج من القمقم الذي سجنت فيه الجهود السابقة، وذلك بطرق بابين متاخمين للأمازيغية لم تول لهما لحدود اليوم الأهمية التي يستحقانها، وهما: باب الثقافات السمراء وباب الثقافة الفرعونية، فهذه ثقافات لابد لها مع الأمازيغية ما يتجاوز علاقات الجوار الجغرافي، بحيث لا يستبعد أن تشرح الواحدة منها الأخرى في جانب ما، لذلك فعلى الأمازيغولوجيا L'Amazighologie أن تتعمق جنوبا تعمق نهر النيل في إفريقيا استجابة لتجذرنا الإفريقي، وعليها أن تزحف شرقا زحف مؤسسي الأسرة الفرعونية الثانية والعشرين زعزعة لمجموعة من ثوابت ومسلمات الإيجيبتولوجيا L'Egyptologie، حتى نتمكن من صلة أرحامنا الثقافية.

            ويوم تتجاوز الدراسات الأمازيغية هذين العائقين، يومذاك فقط يمكن أن تكون لدينا حركة أمازيغولوجية قوية باستطاعتها التصدي بالإجابة لكل أسئلة الذات الحائرة، ولكل فتن العلمية الزائفة، ويمكن آنذاك فقط للذات الجاهلة المجهولة أن تعلم فتعي ذاتها وكفى بذلك هدفا نبيلا.

 

هوامـــش:

1 ـ فرعون أو Pharaon  نطق محرف للاسم الفرعوني الأصلي: per-âa الذي كان يطلق في البداية على القصر الكبير، ليطلق فيما بعد على ساكن ذلك القصر وصاحب السلطة فيه، وحسب الإيجيبتولوجيين ف Per تعني البيت أو القصر، وâa تعني الكبير، ومن حقوقنا العلمية أن نتساءل فيما لو كان العكس هو الصحيح، فانطلاقا من الصلات الموجودة بين اللغتين الأمازيغية والفرعونية قد تكون هناك علاقة بين per الفرعوني و Ber السابق préfixe  الأمازيغي الخاص بالتكبير، والموجود كذلك في اللغة الإغريقية Hyper. وإذا كانت اللغات الأخرى قد حرفت كل بطريقتها اسم الفرعون الأصلي فقد يبدو مدهشا أن نجده في اللغة الأمازيغية بدون تحريف، فنقلا عمن اطلع على بعض القصائد الأمازيغية لليهود المغاربة والتي يتحدثون فيها عن خروجهم من مصر مع موسى، ذكر أنه قرأ فيها اسم الفرعوني هكذا: Berâu برعوت!!

2 ـ اسم النيل له علاقة باللغة الأمازيغية، حيث لا زالت تتداول مجموعة من الكلمات المنحدرة من نفس الجذر: il, ilil, talat, tala, slil, allen...

ومن هذا الجذر كذلك كان ينحدر ربما اسم الماء في الأمازيغية القديمة قبل ان يتم تعويضه بصفة نهائية باسم aman عند دخول أولى اللغات السامية إلى شمال افريقيا (العبرية).

3 ـ عن العلاقة بين التقويمين الأمازيغي والفرعوني (انظر مقالنا في جريدة أكراو عدد 72).

4 ـ Amettûd, tamttudt, tamettût (التقاء الضاد الساكن مع التاء الساكنة ينطق طاء) مشتقة من فعل Ttêd ومعناها اللغوي الدقيق ليس المرأة ولكن المرضوعة، tamessutêdt = المرضعة، Amettêd= الراضع، Udûd= الرضاعة، Asuttêd = الإرضاع، Tâta, Tadâ = الأخوة بالرضاعة، لذلك أطلق اسم Tadâ على أحد أنواع التحالف بين القبائل في العرف الأمازيغي Izref، إذ كان يتم عبر أكل الجميع لكسكس يتم إعداده وسقيه بحليب نساء كل القبائل المتحالفة، وبنفس هذه الطريقة تقريبا تبنت الملكة الأمازيغية Ddihya خالدا بن اليزيد الأسير (M.briselance,p168)، والأخوة تقتضي المشاركة حتى في الملابس لذلك كان Ayt tadâ كل منهم يلبس شيئا من ملابس الآخر، وقد بقي في الكلام المأثور ما يدل على ذلك:

leânayt n ayt tada, akurbi d uduku

وبقيت عبارة leânayt n ayt tada تقال لكل من يرتدي ملابس غير منسجمة و tadâ الحلف يحكمها قاعدة عامة هي: aynnas tgit i utadâ adak tgex.

5 ـ ترمز اللحية الفرعوية إلى السلطة وقد حملتها الفرعونة Hatshepsout كذلك، هل يمكن أن نقول إن الفرعون كسيد لجماعة بشرية يحاكي التيس في لحيته وسلوكه الميال إلى تقدم القطيع والسيطرة عليه؟ وبالتالي فهي ربما تجد أصولها في مراحل ما قبل الزراعة والاستقرار.

واللحية كذلك في الثقافة الأمازيغية حبلى بمعاني السلطة والقدرة... فالتوعد يتم بحركة شد اللحية المعروفة (hat diyk)، وكل طالب لشفاعة أحد أوعفوه ويريد أو يقدم طلبه في أقصى درجات التودد والخضوع، يفعل ذلك عن طريق رفع شعر لحية المعني وتقبيل أسفلها، وعلى المستوى اللغوي نجد عبارات: ghures tamart, ur ghures tamart, iga ghifes tamart وربما كانت ل tamart علاقة اشتقاقية مع: zmer, anezmar, tazmert.

 6 ـ .   telghwnja كما هو ظاهر منحوته من tel وaghwnja ، وإذا كان aghwnja واضح المعنى فإن tel على العكس من ذلك، وهذا يعود ربما إلى كون tel خفف نطقه لضرورات النحت من اصل آخر قد يكون هو في ارتباط مع غاية طقس telghwnja-: tela = تملك، لها، tettel = لفت. Tilt مؤنث il = البحر tala = البكاء، الأرض المسقية، ومن أسماء telghwnja  كذلك tûnzal وtanzra ويبدو أن أصل هذين الاسمين هو tin unzâr. (تشبه المرأة النحيلة بtelghwnja).

7 ـ قد يكون لهامان علاقة بأمون كتلك التي لتوت أنخ امون بأمون أو لأخناتون بأتون، وبذلك يكون أمون هو الإله الفرعوني الوحيد ـ بعد الفرعون ـ الذي ورد شيء من ذكره في القرآن.

8 ـ      بزواج Osiris من اخته Isis كيف تحدد لغويا بالنسبة لهوروس Horus قرابة كل من Nephthys  وSeth. هل هذا النوع من الزواج هو أصل عدم التمييز لغويا بين العم والخال والعمة والخالة في بعض الثقافات؟

9 ـ      إلى جانب ما ذكره الأستاذ محمد شفيق عن كلمة iznigen نذكر فقط بفعلها الأمازيغي zênneg وبالكلمات التي جاءت منه إلى الدارجة المغربية: mzênneg, mêznug، ويبدو أن للجذر zng انتشارا واسعا، إذ لم يقتصر على إعطاء اسم أحد الفروع القبلية الأمازيغية الكبرى (iznigen صنهاجة) وإنما أعطى كذلك اسم إحدى القبائل الافريقية المجاورة للأمازيغية: صانكاي، وتجاوز شمال افريقيا ليدخل إلى العربية ويعطي كل من: زنق وزنج.

10 ـ أصوان، صوان تعني التجارة في اللغة القبطية (حسب شريط وثائقي).

11 ـ هل يمكن أن نربط بين Garamas وAgwrran؟ فإذا كان Garamas قريبا من الإله Apollôn باعتباره أحد أبنائه، فإن Agwrram بالمعنى المعروف لدينا اليوم قريب من الإله كذلك باعتباره وليا صالحا.

مراجــــــع:

1-         M.Chafik, “Elément lexicaux berbères pouvant  apporter un éclairage dans la recherche des origines préhistoriques des pyramides”, Revue Tifinagh n° 11-12 août 1997, p.89.

2 - M.Briselance, “Histoire de l'Afrique”, jeune afrique livre, Tome I.

3- G.Camps, “les berbères mémoire et identité”, Edi.Errence. 1987.

4-         S.V = Science et vie Hors série, Hommes sciences et techniques    au temps des pharaons, n° 197, décembre 1996.

5 - H.S = Historia spécial , Hors série ,mystère et découvertes de  l'Egypte    ancienne , n° 9612, décembre 1996.

6 -        H. Benamara, Aghwnja tebburja, Revue Tifawat n° 7, p.17.

 

إحــالات:

ـ أرنست دوبلهوفر، "رموز ومعجزات"، ترجمة عماد حاتم، الدار العربية للكتاب، 1983.

ـ جريدة تاماكيت، العدد 8، مايو 1996 (عن مجلة ابداع العدد 2، 1994، ص.86 إلى 90 عن بحث انجزه كمال فريد اسحاق أستاذ اللغة القبطية بمعهد الدراسات القبطية، القاهرة).

 

- Journal Agraw amazigh, n° 16 (N.B: il indique sa source, Revue Imazighen n° 64)

 

Ar da tekfu tirzi aggi, azul Fellawen.

HMMAD UHRICH, Azru ass n 20 juillet 2001 arumy, Imsasan d 08 yulyu 2951 amazigh.

 

 

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.