أي تصور لتدريس لغة أمازيغية موحدة ومشتركة؟*

بقلم: محمد بودهان

مقدمة:

 لقد أصبح من المؤكد أن القضية الأمازيغية دخلت مرحلة جديدة تستدعي مهامّ جديدة وتطرح أسئلة جديدة كذلك. فلم تعد الأسئلة هي: هل الأمازيغية لغة أم لهجة؟؛ هل يمكنها أن تكون لغة وطنية ورسمية؟؛ هل يمكن تدريسها؟؛ هل تصلح للاستعمال في الإدارة والقضاء؟؛ هل هي قادرة على أن تكون لغة العلم والتكنولوجيا؟؛ ألا تهدد الأمازيغية الوحدة الوطنية؟... وغير ذلك من الأسئلة "البليدة" التي لم يعد يطرحها اليوم حتى أشد المناهضين للأمازيغية، باستثناء مدير التشريفات والقصور والأوسمة السيد عبد الحق المريني، الذي بذل مجهودا كبيرا ليعود بنا أربعين سمة إلى الوراء عندما أثار هذه الأسئلة من جديد في مقاله المعلوم بجريدة "الشرق الأوسط".

إن من بين الأسئلة الجديدة، التي تطرح اليوم بصدد الأمازيغية في مرحلتها الجديدة، أسئلةً عملية ذات مضمون بيداغوجي وإجرائي يتركز على كيفية تعليم وتدريس الأمازيغية وإدراجها في الإدارة  والقضاء والإعلام وكل قطاعات الحياة الاجتماعية والاقتصادية.  لقد انتقل السؤال من صيغة التشكيك والاستنكار "لماذا؟" إلى صيغة "كيف" الإجرائية والعملية والمنهجية: كيف ندرّس الأمازيغية بهدف تعميم تعليمها لكل المغاربة لتصبح مستقبلا لغة الإدارة والتدريس؟ ما هي أفضل طريقة لإنجاح تدريس الأمازيغية في المدرسة العمومية ولجميع المغاربة وفي كل الأسلاك  والمستويات التعليمية؟.

هكذا يكون النقاش ينصبّ اليوم على مسألة تعليم وتدريس الأمازيغية والتدريس بها لأن تدريسها شرط لإدراجها في القضاء والإدارة والإعلام. فكل المطالب الأمازيغية مرتبطة إذن بالاستجابة لمطلب تدريسها ومتوقفة على هذه الاستجابة.

سنتناول في هذا العرض مجموعة من الإشكاليات المرتبطة بتدريس الأمازيغية، هذه الإشكاليات التي سنناقشها بناء على افتراض أن تدريس الأمازيغية سيكون تدريسا جديا، فعالا وهادفا يرمي إلى تنمية الأمازيغية تنمية حقيقية لتكون لغة وطنية تستعمل في التدريس والإدارة والقضاء والإعلام.

ماذا ندرس: اللهجات أم لغة أمازيغية مشتركة؟:

 هذا هو السؤال الأول الذي سيواجهه المكلفون بإعداد البرامج التعليمية للأمازيغية. الجواب عن هذا السؤال ليس سهلا وبسيطا إذا ما ناقشنا المسألة بواقعية، بعيدا عن الأجوبة السهلة التي تقدمها القناعات والمواقف النضالية.

هناك أطروحتان حول الموضوع. لنتعرّف عليهما أولا  قبل أن نتساءل عن إمكانية وجود أطروحة ثالثة أو حل ثالث يتجاوز هذين الحلين الكلاسيكيين: تدريس اللهجات أو لغة "موحدة".

1 ـ  تدريس لغة موحدة: هذا ما تطالب به دائما الحركة الأمازيغية لأن هناك شعورا "بديهيا" أن الأمازيغية  لغة واحدة وموحدة، وأن ما يبدو "لهجات"  ليس إلا اختلافات محلية لا أثر لها على وحدة اللغة الأمازيغية، هذه الوحدة التي تؤكدها الدراسات النحوية  واللسانية للغة الأمازيغية. ففضلا على أن تدريس اللهجات ليس ضروريا لأن هناك لغة أمازيغية واحدة، فإنه يكرر الممارسة  الكولونيالية حيث كانت تُدرس الأمازيغية كلهجات متفرقة ومحلية. لهذا فإن المدافعين عن تدريس اللهجات هم المناهضون أصلا  للأمازيغية،  والذين اضطرتهم الظروف والتغيرات الجديدة إلى قبول تدريسها، لكن كلهجات تقليلا للأضرار بالنسبة إليهم، بعد أن كانوا في السابق رافضين لذلك رفضا مبدئيا.   

إن تدريس اللهجات سيؤدي إذن إلى إضعاف الأمازيغية وتفتيتها، وبالتالي إبقائها مجرد لهجة لا ترقى إلى مستوى لغة وطنية كما يريد المعادون لها. وهو ما سيتخذه هؤلاء المعادون ذريعة لتكرار القول بأن الأمازيغية نزعة انفصالية وإقليمية وإثنية ترتبط بمناطق وبقبائل معينة ولا تشمل كل الوطن. كما أن تكلفة تدريس اللهجات ستكون أكبر لتعدد البرامج والكتب المدرسية والمكونين والمعلمين والأساتذة حسب تعدد اللهجات.

لكن عندما نردّ على أصحاب هذا الموقف ـ المدافع عن تدريس أمازيغية مشتركة ـ بأن هذه الأخيرة غير موجودة  في الواقع على مستوى التواصل والتفاهم Intercompréhension بين أمازيغيي المغرب من كل مناطق المملكة ـ فبالأحرى كل بلدان تامازغا ـ ونطلب منهم أن يقدموا لنا تصورا عمليا حول كيفية تدريس هذه الأمازيغية "المشتركة"، فإنهم يجيبون بأن الأمازيغية المشتركة ليست بالضرورة هي الأمازيغية المستعملة في التواصل الشفوي  اليومي، بل هي أمازيغية معيارية "فصحى" تبتعد قليلا أو كثيرا عن لغة الأم الأمازيغية، والتي ستكون لغة مدرسية "فصحى" مقابل اللهجات التي تبقى لها وظيفة التواصل الشفوي. فهم ينطلقون من نموذج اللغة العربية التي هي لغة فصحى، لغة مشتركة بين كل العرب، لغة المدرسة والتأليف والكتابة في مقابل اللهجات العربية الكثيرة التي تختلف باختلاف المناطق والبلدان العربية، والتي تبقى مقصورة على التخاطب الشفوي بين سكان تلك المناطق والبلدان. فكما أن اللغة العربية الفصحى يتعلمها التلميذ في المدرسة، فكذلك الأمازيغية الموحدة والمشتركة سيستعملها التلميذ في المدرسة وستشكل بذلك الأمازيغيةَ "الفصحى" في مقابل لغة الأم أو اللهجات، ولو أن  هذه الأمازيغية "الفصحى" ستكون أقرب إلى اللهجات أكثر من قرب العربية الفصحى إلى لهجاتها العربية التي هي في الحقيقة لغة أخرى لها علاقة ضعيفة جدا بالعربية الفصحى.

2 ـ تدريس اللهجات: إذا كان مطلب تدريس أمازيغية مشتركة يكاد يشكل موضوع إجماع لدى الحركة الأمازيغية كما قلنا، فإنه مع ذلك يطرح عدة مشاكل وصعوبات من الناحية العملية والتطبيقية، وهو ما يدعم موقف من يفضلون تدريس اللهجات.

إن هذه اللغة الأمازيغية "الفصحى" المشتركة غير موجودة، خلافا للعربية الفصحى. فهي  لغة افتراضية يتم بناؤها وإنشاؤها إنشاء بانتقاء بعض عناصرها من هذه اللهجة أو تلك، من هذا المعجم أو ذاك. فنكون أمام لغة مصطنعة وغريبة عن الأمازيغية الحية والمتداولة. وهذا ما ستكون له مضاعفات سلبية على تعلم هذه اللغة وعلى التحصيل المدرسي بصفة عامة في حالة ما إذا أصبحت هذه اللغة الأمازيغية "الفصحى" هي لغة التدريس، بالإضافة إلى أننا لسنا متأكدين من نجاح عملية "صنع" هذه اللغة ولا كم سيستغرق ذلك من السنين حتى يخرج هذا المولود الافتراضي إلى الوجود.

لماذا إذن ـ حسب المؤيدين لخيار تدريس اللهجات ـ المراهنة على شيء مجهول وافتراضي وغير موجود ـ أي الأمازيغية الفصحى ـ مع أن الأمازيغية الفعلية والحقيقية والحية والمعروفة موجودة ومتداولة، تتمثل في "اللهجات الثلاث"؟ يجب أن نكون واقعيين وغير حالمين أكثر من اللازم، لأن الأمازيغية المشتركة غير موجودة في التداول والتواصل. لندرّس ما هو قائم وموجود وحي، أي لغة الأم التي هي "اللهجات".

كيف سندرّس اللهجات وما هي نتائج ذلك على المدى البعيد بالنسبة للأمازيغية كلغة وطنية؟

تدرس كل لهجة ـ من اللهجات الثلاث ـ داخل حدود منطقتها ـ الريف، المغرب الأوسط، سوس). وهنا سنكون أمام احتمالين إثنين فيما يتعلق بمستقبل هذه اللهجات: 

أ ـ إما أن هذه اللهجات ستتطور مع مرور السنين لتصبح لغات مستقلة قائمة بذاتها ـ ولو أنها متفرعة عن لغة/أم واحدة وهي الأمازيغية الأصلية ـ  تماما كما حدث للغة الإيطالية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية التي كانت مجرد لهجات بجانب لغتها الأصلية التي هي اللاتينية، ثم تطورت وأصبحت لغات قائمة بذاتها رغم أن أصلها اللاتيني واحد.

ب ـ  وإما أن إحدى هذه اللهجات ستنجح، لأسباب سياسية واقتصادية، في إحراز السيادة والهيمنة على  اللهجتين الأخريين اللتين ستختفيان تدريجيا لفسح المجال أمام لغة أمازيغية وطنية واحدة كانت في الأصل إحدى لهجات الأمازيغية فقط.

المؤيدون لهذا الطرح لا يرون في ظهور ثلاث لغات مستقلة أية خطورة على الوحدة الوطنية كما تبين ذلك أمثلة من دول كثيرة كإسبانيا وسويسرا وبلجيكا وكندا ودول أخرى.

هذا الموقف هو نفسه يطرح مشاكل وصعوبات عملية على مستوى التطبيق. أبسطها: ما هي اللهجة التي ستدرس بالرباط والدار البيضاء  اللتين هما مدينتان تجتمع فيهما كل اللهجات الأمازيغية؟ ما هي الحدود الترابية لكل من اللهجات الثلاث؟ أين تنتهي الريفية وتبدأ لهجة الأطلس؟ وأين تنتهي هذه وتبدأ السوسية؟

 لكن، من جهة أخري،  إذا كان هذا الموقف يضحي بوحدة اللغة الأمازيغية، فإنه بالمقابل ينقذ وحدة اللغة المنزلية واللغة المدرسية ويحافظ على الاستمرارية بينهما تفاديا لحصول قطيعة بين لغة الأم ولغة المدرسة، كما هو الشأن فيما يتعلق باللغة العربية. وهذا شيء مهم جدا.

ما الأفضل للأمازيغية؟:

في حالة ما إذا لم يكن هناك من خيار ثالث سوى واحد من هذين الخيارين، فما الذي سنختاره، تدريس أمازيغية موحدة أم اللهجات؟

 لا شك أن الأغلبية ـ إن لم نقل الجميع ـ ستختار الطرح الأول الذي يدعو إلى تدريس أمازيغية موحدة ومشتركة. لكننا في هذه الحالة لا نفكر ـ تحت الوقع السحري لعبارة  "أمازيغية موحدة" على عقولنا ـ  في نتائج تدريس هذه اللغة "الموحدة" قسرا، والتي هي مصطنعة ومبتورة الصلة بلغة الأم، الشيء الذي ستنتج عنه هوة سحيقة بين لغة المنزل والشارع وبين لغة المدرسة، كما هو حاصل في اللغة العربية. لهذا فإن تدريس الأمازيغية منقسمة إلى عشر لهجات، وليس إلى ثلاث فقط، هو أفضل للأمازيغية  من تدريس لغة موحدة لكنها ليست حية ولا مستعملة ولا متداولة، كما هو حال اللغة العربية كما قلت. إن أسوأ وضع يمكن أن توجد فيه لغة ما هو وضع اللغة العربية الفصحى التي لا يتخاطب بها أحد في الدنيا، وليست لغة الأم لأي أحد في العالم. وهذه القطيعة بين لغة المدرسة ولغة الواقع اليومي هي أحد أسباب التخلف الفكري لما يعرف بالعالم العربي مقارنة بشعوب أخري  بأسيا وأوروبا وأمريكا، وحتى بإفريقيا. إن العربية  الفصحى لا تختلف عن اللغة اللاتينية، ولا حتى عن الفرعونية، سوى في الدرجة وليس في الطبيعة، إذ كلاهما لغتان ميتتان لأنهما غير  مستعملتين في التخاطب اليومي الذي هو مصدر حياة اللغة، وليست كتابتها وقراءتها. وإذا علمنا أن اللغة هي الفكر والتفكير، سنفهم  بأن الذي يفكر بلغة ميتة، أي غير مستعلمة في التخاطب، فإن تفكيره يكون "ميتا"، وبالتالي متخلفا. وهذا ما نعيشه مع اللغة العربية الفصحى.

إذا كانت اللغة العربية قد وصلت إلى هذا الواقع بعد تطور دام  أزيد من خمسة عشر قرنا، فإن تدريس أمازيغية موحدة لا وجود لها في الواقع، يكون بمثابة  خلق أمازيغية "ميتة" منذ ولادتها، وليس كالعربية التي وصلت إلى هذا المصير بعد قرون طويلة. يجب إذن أن نتجنب، مهما كان الثمن، الحالة التي  ستوجد فيها أمازيغية المنزل والتخاطب مقابل أمازيغية "فصحى" تكون عبارة عن لغة غريبة وأجنبية لا تفهمها ولا تتقنها إلا النخبة، مثلما هو شأن اللغة العربية.

الخلاصة إذن أننا أمام حلين أحلاهما مر: إما تدريس أمازيغية موحدة لكنها غير مستعملة ولا متداولة لأنها لغة مصطنعة وليست لغة الأم، وإما تدريس اللهجات التي هي لغة الأم الحية، لكنها لا تجعل من الأمازيغية لغة وطنية موحدة ومشتركة. فما العمل إذن؟

الحل الثالث:

 ألا يمكن التفكير في حل ثالث لهذه المعضلة يتجاوز مساوئ الحلين السابقين ويحتفظ بمزاياهما؟ أي تدريس أمازيغية موحدة ومشتركة، لكنها تكون هي لغة الأم المتداولة والمستعملة في التخاطب اليومي ـ أي اللهجات ـ وليست لغة مصطنعة.

قد يبدو في الأمر تناقض واضح يجعل مثل هذا الحل الثالث مستحيلا: كيف ندرّس لغة موحدة ومشتركة هي في نفس الوقت لهجات محلية متفرقة ومختلفة يصعب التفاهم بين الناطقين بهذه اللهجة والناطقين بتلك؟ هذا الاعتراض صحيح بالنظر إلى المنطق الأرسطي القائم على مبدأ الثالث المرفوع، الذي لا يقبل إلا صيغة "إما هذا وإما ذاك.."، ولا يمكن تصور وسط ثالث بينهما. ثم إن هذا الاعتراض صحيح أكثر لأننا ننظر إلى الأمازيغية كما هي الآن وانطلاقا من أنفسنا:

أ ـ كما هي الآن: إنها لهجات يؤكد الواقع الحالي أنه من الصعب التفاهم بين مستعملين للهجة الشمال (الريف) ومستعملين للهجة الجنوب (سوس).

ب ـ انطلاقا من أنفسنا:  أي أننا ننظر إلى المشكلة من خلال تجربتنا الذاتية التي تبين أننا لا نعرف إلا لهجة واحدة لا تسمح لنا بفهم واستعمال اللهجات الأمازيغية  الأخرى.

لكن عندما نحكم على الأمازيغية كما هي الآن (لهجات يصعب التفاهم بين الناطقين بها) ومن خلال تجربتنا الذاتية الحالية (لا نعرف ولا نستعمل إلا لهجة واحدة)، نرتكب خطأ في الحكم والتقدير. ذلك أن هذه النظرة السكونية تتعامل مع الأمازيغية كما هي الآن، في هذه اللحظة... وكما نحن الآن في هذه اللحظة كذلك. والحال أن هذه الأمازيغية كما هي الآن لم يسبق لها أن عرفت التمدرس، كما أننا، نحن الذين لا نفهم كل اللهجات الأمازيغية، لم يسبق لنا أن تعلمنا ودرسنا الأمازيغية. أما الأمازيغية التي نحن بصدد مناقشتها والتساؤل حولها فهي التي ستدرّس بالمدارس العمومية، كما أن المعنيين بإمكانية التفاهم المشترك بها ليسوا نحن، بل الذين سيدرسونها، أي أبناءنا وأبناء أبنائنا.  السؤال إذن لا  يتعلق بالأمازيغية الآن وكما نستعملها نحن الآن، بل ينبغي أن يكون: هل يمكن أن يصبح الأمازيغيون قادرين، بعد نهاية مرحلة دراسية معينة ـ في آخر المرحلة الإعدادية مثلا ـ على التفاهم فيما بينهم من خلال استعمال أمازيغية مشتركة وموحدة دون أن يشعروا أنهم إزاء لغة مختلفة عن لغة الأم أو لغة الشارع؟ فالمسألة إذن تتطلب فترة زمنية  قد تمتد من الدخول المدرسي إلى نهاية الإعدادي. فالسؤال هو: كيف يمكن، من الناحية العملية، أن نجعل التلميذ، أثناء هذه الفترة الدراسية، يتقن امازيغية وطنية موحدة ومشتركة ودون أن تكون مختلفة عن الأمازيغية التي تعلمها من أمه؟

تحليل الإشكالية:

 غالبا ما نحكم مسبقا على أن الأمازيغية بالمغرب مقسمة إلى ثلاث لهجات لا يمكن استعمالها بشكل مشترك في التفاهم بين المتحدثين بهذه اللهجات والمنتمين إلى المناطق الثلاث. وهذا ما يتأكد عمليا عندما يلتقي أمازيغي من الشمال مع أمازيغي من الجنوب فيستعملان غير الأمازيغية للتواصل بينهما اقتناعا منهما، وبشكل مسبق، أنه لا يمكن لهما أن يتفاهما بالأمازيغية.

من الناحية المنهجية والمنطقية، ينبغي أن نبسط أمامنا، على شكل جدول، ما يجمع بين اللهجات وما يفرق بينها، ليمكن لنا، بناء على ذلك، اتخاذ القرار المناسب: تدريس أمازيغية مشتركة غير مختلفة عن اللهجات أو تدريس اللهجات كلغات مستقلة إذا تبين لنا، من خلال المقارنة بين اللهجات، أن الفوارق بينها كبيرة جدا إلى درجة لا تسمح بأن نجعل من هذه اللهجات لغة واحدة ومشتركة دون أن تكون لغة مصطنعة لا علاقة لها باللهجات كما هي مستعملة في التداول اليومي.

المشترك بين اللهجات: 

أ ـ تخضع كل اللهجات الأمازيغية، بكل بلدان تامازغا وليس فقط المغرب، لنظام  نحوي وصرفي وتركيبي واشتقاقي واحد. وهذه هي الحجة الأساسية التي يعتمد عليها ويستشهد بها المتحمسون لتوحيد الأمازيغية، لأن روح اللغة، أية لغة، ليس معجمها وألفاظها، بل نظامها الصرفي والنحوي.

ب ـ معجم لغوي يضم الآلاف من الكلمات المستعملة بشكل مشترك بين كل اللهجات، مثل: Tammurt (terre), Aghrum (pain), Aman (eau), tiziri (lune), Tafuyt (soleil), Afus (main), Segh (acheter), Zenz (vendre), Awal (Parole), Ass (jour), Tafunast (vache), Aghyul (âne), Tamettudvt (Femme), Aryaz... 

ج ـ معجم من الكلمات التي لا تستعملها اللهجات بشكل مشترك، لكن جذورها واشتقاقاتها حاضرة في كل اللهجات. أمثلة:

ـ فعل Amezv  المستعمل بالأطلس بمعنى "أمسك، اقبض باليد" غير معروف بالريف. لكن نجد مصدره مستعملا وهو Tumezvt الذي يعني مقدار يما يمكن إمساكه بقبضة اليد.

ـ كلمة Advu   التي تعني "الريح"’ والمتداولة بالمغرب الأوسط، غير معروفة بالريف. لكن الفعل المشتق من جذر هذه الكلمة مستعمل بالريف، وهو Dvu الذي يعني "طار" أي سار كما تسير الريح.

ـ الفعل (أو الصفة) Yizvil المتداول بالمغرب الأوسط، والذي يعني "جمل وحسن" غير معروف بالريف، لكن مصدره متداول وهو Azvr(l)i أي الحسن والجمال.

ـ كلمة Tadva التي تعني بالأطلس الكبير "التحالف بين القبائل، فيديرالية القبائل" غير معروفة بالريف. لكن جذرها الذي اشتقت منه مستعمل ومعروف وهو فعل Ttedv أي "رضع"، لأن طقوس Tadva كانت تقوم على إرضاع مجموعة من نساء قبيلة ما لأطفال القبيلة المتحالفة معها كبرهان على إقامة الحلف.

ـ كلمة Asif غير مستعملة بالريف، والتي تعني "النهر" بالمناطق الأمازيغية الأخرى. لكن الفعل المشتق منها متداول ومستخدم بالريف وهو Sfey الذي يعني: "فاض الماء"

ـ كلمة Allen المستعملة بالمغرب الأوسط، والتي تعني "العيون" غير معروفة بالريف. لكن الفعل المشتق منها معروف ومتداول وهو War(l)a الذي يعني "نظر، أبصر"، أي استخدام "العيون" التي هي Allen... إلخ

  د ـ معجم حديث من الكلمات التي هي في طور الاستعمال المشترك، والمرتبطة أساسا بالحركة الأمازيغية التي نشرتها وعممت استعمالها مثل: Azul, Tanemmirt, Agherbaz (école), Adellis (livre), Advris (texte), Idles (Culture), Amussu (mouvement), Ameghnas (militant), Aghmis (journal), Tagrawla (révolution), Tilelli (liberté), Anaruz (artiste)etc.

الفوارق بين اللهجات:

I ـ الاختلافات الثانوية:

1 ـ الاختلافات المعجمية: معجم من الكلمات التي تختلف من لهجة إلى أخرى.

 أمثلة:

ـ "استمع" يعبر عنه في الريف والقبائل بـ Sel وفي الأطلس بـ Sfeld.

ـ "دخل" يعبر عنها في الريف بـ Adef وفي الأطلس Kcem.

ـ "أعطى" بالأطلس هي Efk وبالشمال هي Ucc (جذرهما واحد تعرض لتحولات صوتية)

ـ "ذهب" هي Ddu بالأطلس وسوس وبالريف هي Uyur.  

ـ "أرسل" بالمغرب الأوسط وبالجنوب هي "Azen" وبالريف هي "Sekk, Sqad"

ـ الأسد بالأطلس هو Izem وبالريف هو Ayrad.

ـ "الدار" هي Tighremt, tigemmi بمناطق الأطلس وبالريف هي Taddart.

ـ "نام" بالريف هي Ttves وبمناطق الأطلس هي Gen... وغير ذلك من اختلافات معجمية أخري. 

فيما يتعلق بهذه الاختلافات المعجمية التي تشمل ألفاظا تختلف من لهجة إلى أخرى، والتي تشكل بالتالي عائقا أمام تحقيق تفاهم مشترك، لا  تطرح مشكلا كبيرا  أو لا تطرح مشكلا على الإطلاق. فهذه الألفاظ  تكوّن  مترادفات سيتعرّف عليها التلميذ ويكتشف دلالاتها ويصبح قادرا على استعمالها وتوظيفها مع تقدمه في تعلم ودراسة الأمازيغية. فالمترادفات ظاهرة معروفة وموجودة في كل لغة. ولا يمكن لأحد معرفة كل مترادفات اللغة التي تعلمها من أمه ودون تعليم مدرسي.

2 ـ الاختلافات الصوتية:

ـ ك = ش: Nek (moi)= Nec, Trikt (selle) = trict.

ـ ل = ر:    Ul (cœur) = Ur, Awal = Awar 

ـ دج = لّ: Allun (Tambour) = Adjun, Yella (Il existe) = yedja.

ـ گg = ي: Argaz (homme) = Aryaz, Agraw (réunion) = Ayraw.

ـ ج = گg: Ajenna (ciel) = Agenna, Amjer (faucille) = amger.

ـ خ = غ:    Nnigh (j ai dit) = Nnix, Nnegh (à nous) = Nnex.

3 ـ اختلاف بعض الضمائر المتصلة والمنفصلة على الخصوص.

ـ Nekni (Nous) = Neccin = Netcin.

ـ Cek (toi) = Kiy.

ـ Kemmin (toi féminin) = cem = Kemmint.

ـ Kenni (vous) = Kenniwni = Kenniw.

ـ Ad awen fkegh (je vous donne) = Ad awem.

 

4 ـ اختلافات صرفية:  قد تكون جذور الأفعال واحدة لكن تصريفها قد يختلف اختلافا طفيفا من منطقة إلى أخرى حسب الأزمنة وحسب بعض الضمائر، مثل:

ـ Yaru (il a écrit) = Yura (Rif).

ـ Rzu (cherche) = Arzu (Rif).

ـ Dvfur (Suis) = Dvfar (Rif).

ـ La issawal = aqa yssawal (Rif) .

ـ Ssersegh (j ai posé) = ssarsegh

ملاحظة: سمينا هذه الاختلافات بالثانوية لأنها ـ رغم أنها قد تكون من الأسباب الحقيقية لعدم تحقيق التواصل والتفاهم المشترك بين أمازيغيي كل المناطق بالمغرب والجزء الشمالي من الجزائر ـ  ليست السبب الرئيسي لانعدام هذا التفاهم المشترك بين مختلف اللهجات. لنشرح ذلك:

إذا قارنا بين نصوص مكتوبة ومسموعة (الإذاعات التي تبث بالأمازيغية) من مختلف اللهجات الأمازيغية المغربية، بل بما فيها أمازيغية الشمال الجزائري، سنلاحظ منذ البداية أن هذا النوع من الاختلافات التي ذكرناها يسهل ضبطها مع التعود على الاستماع وقراءة مثل تلك النصوص بحيث لا تعود عائقا لا يمكن التغلب عليه أمام تحقيق تواصل مشترك بين هذه اللهجات. لكن في نفس الوقت سنكتشف أن هناك صنفا آخر من الاختلافات تشكل السبب الرئيسي والمباشر لانعدام التفاهم بين شخصين يتحدثان لهجتين أمازيغيتين مختلفتين. فما هي هذه الاختلافات؟

الاختلافات الرئيسية:  تتمثل هذه الاختلافات فيما يمكن أن نسميه بحروف أو أدوات الربط  Mot-outils التي تكوّن Les adverbes, les prépositions, les conjonctions..  والتي  تشمل أدوات الاستفهام، أدوات النفي، ظروف الزمان والمكان، أسماء الإشارة، الأسماء الموصولة... 

أمثلة:

ـ الاستفهام:

- Is teddud gher taddart ? (Es-tu allé à

la maison) = Ma teddud (R, K : Rif, Kabyle)

-Max  t’ tewtid? (Pourquoi l’a tu frappé) = MayemmiMaghar (R) = Acimi...(K)

-Matta yis tesghid? (Quel cheval as-tu acheté ?) = Man… ? (R).

-May d as yenna (Que lui a-t-il dit?) = Min…?

ـ استفهام الزمان والمكان:

-Mantur d teddud? (Maroc central, MC) = Mermi… (R)

-Mazegmi d teddud? (D’où viens-tu?) = Manis… ?(R) = Manza…? (S)

ـ أدوات النفي:

-Ur ssinegh (Je ne sais pas)= war… = wer

-Ur sar ad d yeddu (Il ne viendra jamais) = Ur djin… (R, MC) = Oemmars… (R).

ـ عندما:

-Asmi d gh ad yeddu… (Quand il viendra) = Xminni = Adday = Allig.

ـ أدوات الشرط:

-Mer d yeddu.. (s’i était venu…) = Mek = Imala.

ـ التقابل:

-Meqqar yudven yeddu d gher ugherbaz (Bien qu’il soit malade, il est venu à l’école) = Waxxa … (R).

ـ الآن:

-Dghi d 12 (Il est 12h maintenant) = Rux, rextu (R) = Tura (K).

ـ البارحة:

- Assnnatv (MC) = Idvnnatv (R) = Idvgam (S)

ـ اسم الإشارة:

-Aryaz a (R) = Aryaz u  (Ikebdanen) Aryaz ad (MC, S) = Aryaz agi (K).

ـ عندي:

-Dar i idrimen (S) (J’ai de l’argent) = ghar i (MC, R)

ـ أدوات الكثرة:

-Yudven attvas (R,K) = Cigan (MC) = Bapra (S)

ـ الاستثناء:

- Kecmen d qao ghas Idir (MC) (Ils sont tous entrés sauf Idir) = Mghar… (R)

ـ مهما:

-Akwmay teggid ad t’ ggegh (Quoi que tu fasse, je le ferai) = Min mma … (R).

ـ لأن:

-Ur d yeddu acku yudven(S) (Il n’est pas venu parce qu’il est malade) = Iddegh (MC) = Mayenzi, Maghar (R)

ـ من أجل:

-Yeddu gher Fransa af ad igher (S) (Il est allé en France pour étudier) – Aka, Hma (MC) = Huma, Bac (Rif) = Iwakken (K)

ـ الاسم الموصول:

- D Idir a d ikecmen (S) (C’est Idir qui est entré) = i, ig (R) = lli (MC)

وغير ذلك من التعابير الأخرى....

اخترنا في هذه الأمثلة ألفاظا مشتركة بين كل اللهجات (فعل Ddu, Yudven…)، ورغم ذلك فإن معنى العبارات المستشهد بها لا يفهم من طرف كل المتكلمين بالأمازيغية (أي كل اللهجات) رغم أنهم يفهمون معنى الأفعال التي تتضمنها تلك الجمل لأنها مشتركة بين كل اللهجات. فالمتحدث بالريفية لن يفهم معنى  Max t tewdid ?(لماذا ضربته؟)، ولا المتحدث بلهجة الأطلس Mayemmi t tewdid?. وهذا يبرز  أهمية أدوات الربط في كل خطاب. وإذا عرفنا أنه لا يمكن أن نتلكم أو نكتب دون أن نستعملها، نستنتج أن ضبطها ومعرفة معانيها واستعمالاتها يكون شرطا أوليا لتحقيق التواصل والتفاهم والتقارب بين مختلف اللهجات الأمازيغية.

هذه الاختلافات، بنوعيها الثانوي والأساسي، قد لا تتجاوز 100 اختلاف بين كل اللهجات الأمازيغية بالمغرب والشمال الجزائري. وواضح أن اختلافات لغوية، بهذا المقدار وهذا العدد، بين لهجتين لا يمكن أن تكون سببا كافيا لانفصال كل لهجة عن الأخرى لتصبحا لغتين قائمتين بذاتهما ومستقلتين إحداهما عن الأخرى. فمثل هذه الاختلافات قد نصادفها حتى داخل اللهجة الواحدة عندما ننتقل من قبيلة إلى أخرى أو من منطقة إلى أخرى، لكن دون أن ينتج عن ذلك أي مشكل في التفاهم بين مستعملي اللهجة المعنية بسبب كثافة التواصل بين سكان المنطقة التي تنتشر بها تلك اللهجة. وإذا كانت هناك صعوبة أو انعدام كلي للتفاهم بين أمازيغيي الشمال والوسط  والجنوب، فليس ذلك راجعا بالضرورة إلى الاختلافات التي عرضناها بين اللهجات الثلاث، بل إن أحد أسباب ذلك هو انقطاع التواصل اللغوي بين سكان المناطق الثلاث لمدة طويلة.

كيف سنتعامل مع هذه الاختلافات والفوارق؟:

 لنعد إلى موضوع هذه الاختلافات بين اللهجات الثلاث، والتي تحول دون تحقيق تفاهم بين المتحدثين بتلك اللهجات الثلاث. ماذا سنفعل بهذه الاختلافات؟ كيف سنتعامل معها؟ ما الذي سنحتفظ به وما الذي سنحذفه منها إذا أردنا أن ندرّس هذه اللهجات كلغة واحدة ومشتركة بين كل الأمازيغيين بالمغرب؟

إذا أردنا أن نجعل من هذه اللهجات، رغم الاختلافات التي تفرق بينها، لغة مدرسية مشتركة، ودون أن تكون ذات قطيعة مع لغة الأم التي هي اللهجة المتداولة في كل منطقة، فينبغي أن لا نحذف أيا من هذه الفوارق، بل يجب أن نحتفظ بها  كلها ونعلّمها لجميع التلاميذ من مختلف المناطق أثناء دراستهم للغة الأمازيغية. فبمجرد ما يصبح التلميذ، بعد مرحلة معينة من مساره الدراسي، ضابطا لهذه الفوارق، عارفا بها فاهما لها ولاستعمالاتها، يصبح في نفس الوقت قادرا على التفاهم مع أي متحدث بأية لهجة امازيغية بالمغرب وقارئا وفاهما لأي نص أمازيغي مهما كانت اللهجة التي كتب بها.  وبذلك نكون أمام لغة أمازيغية واحدة ومشتركة لأن أساس اللغة الواحدة والمشتركة، من الناحية العملية والتواصلية، هو التفاهم المشترك Intercompréhension بين المتحدثين بهذه اللغة. وهذا ما نحققه ونصل إليه بتعليم الاختلافات والفوارق بين اللهجات الأمازيغية للتلميذ، لأن سبب انعدام التفاهم بين المتحدثين بمختلف اللهجات الأمازيغية، كما سبق أن رأينا، هو وجود اختلافات بين هذه اللهجات لا يعرف استعمالاتها ودلالاتها ووظائفها من يتحدث بهذه اللهجة أو تلك. النتيجة إذن، إذا ضبطنا هذه الاختلافات وتعلمناها عن طريق المدرسة وأصبحنا نعرف استعمالاتها ودلالاتها ووظائفها، نصبح قادرين على فهم كل اللهجات، وبالتالي تحقيق التفاهم بين كل المتحدثين بمختلف اللهجات، أي الوصول إلى لغة أمازيغية واحدة ومشتركة دون أن تكون لغة مصطنعة أو غريبة أو مختلفة عن لغة الأم الأمازيغية التي يتكلمها كل أمازيغي.

فمضمون هذا التصور أو هذه النظرية لتعليم وتدريس أمازيغية موحدة ومشتركة يتلخص في ما يلي: بدل أن نعلّم وندرّس أمازيغية "فصحى" مصطنعة ومقطوعة الصلة بلغة الأم، أو ندرس كل لهجة كلغة مستقلة، نقوم بتعليم كل اللهجات لكل التلاميذ بكل المناطق. ولا يحتاج تعلم كل اللهجات، كما رأينا، إلا إلى استيعاب الفوارق ـ من طرف من يجيد إحدى هذه اللهجات ـ التي تحول دون تحقيق التفاهم المشترك بين المتحدثين بهذه اللهجات.

هذا هو المبدأ العام، لكن من الناحية العملية والإجرائية  والبيداغوجية، كيف يمكن تطبيق هذا المبدأ لتدريس امازيغية موحدة ومشتركة؟

المنهجية:

 علينا أن نعي أولا أن مهمة توحيد الأمازيغية عملية تنجز عبر مراحل قد تستغرق أزيد من عشر سنوات منذ انطلاقتها الأولى. ثم بعد ذلك يتناقص تدريجيا عدد السنوات التي يتطلبها اكتساب أمازيغية موحدة إلى أن نصل إلى برنامج موحد وكتاب مدرسي موحد منذ السنوات الأولى من التعليم الابتدائي.

ففي السنتين الأولى والثانية من التحاق التلميذ بالمدرسة، يقتصر تعليم الأمازيغية على تمكينه من كتابة وقراءة الأمازيغية بالحرف اللاتيني (سنعود إلى موضوع معيرة الحرف اللاتيني في الجزء الثاني من هذا العرض)، مع ما يرافق ذلك من تعويد للتلميذ على نصوص شعرية ونثرية مرتبطة بالحضارة والثقافة الأمازيغيتين. كل ذلك يكون بإحدى اللهجات المتداولة بالمنطقة (الريف، المغرب الأوسط، سوس) التي لا تتضمن من  الأمازيغية الموحدة إلا ما كان موحدا ومشتركا أصلا، بحيث لا يجب أن  يشعر التلميذ  انه يدرس لغة غير لغة الأم التي تعلمها منذ صغره.

ابتداء من السنة الثالثة، التي توافق العام الثامن/التاسع من عمر التلميذ، تُقرّر مادة النحو Tajerrvumt التي تمكن التلميذ من اكتشاف القواعد الخفية التي تحكم لغته. وضمن مادة النحو  والإملاء يدرج تدريس الفوارق بين اللهجات الأمازيغية التي سبق الكلام عنها. ويجب أن تكون موضوع برنامج متدرج وموزع حسب درجة الصعوبة على ما تبقى من سنوات الدراسة حتى السنة النهائية من التعليم الإعدادي، أي ما مجموعة سبع سنوات من دراسة قواعد الإملاء  والصرف  والنحو الأمازيغي، لكن دون أن يشعر التلميذ أنه يدرس قواعد إملائية وصرفية ونحوية خاصة بلغة أو لهجة أخرى، بل ينبغي أن تكون هذه الدروس مندمجة في البرنامج الخاص بالقواعد النحوية والإملائية والصرفية  للغته الأمازيغية وجزءً منها. كما يجب أن تكون  ـ هذه الدروس الخاصة بالنحو والصرف وقواعد الإملاء ـ موحدة ومشتركة على الصعيد الوطني. وكلما أنجز درس يتم فيه استيعاب أحد الفوارق بين اللهجات، تصبح بعد ذلك تلك الفوارق متضمَّنة في النصوص الجديدة، كجزء من الأمازيغية المشتركة والموحدة التي تدرس لكل التلاميذ بكل المناطق حتى السنة الأخيرة من المرحلة الإعدادية.

أمثلة: نعرف أن اسم الإشارة في الأمازيغية يكون  بصيغة A, U, Ad, Agi حسب اللهجات والمناطق، بما فيها الجزائر (Agi). قبل التعرض لاسم الإشارة  كدرس في النحو الأمازيغي، لا يكون التلميذ يعرف غير النصوص التي تستعمل اسم الإشارة بالصيغة المتداولة في لهجته (A, Ad, U). أما الدرس المتعلق باسم الإشارة فسيكون موحدا ومشتركا وينطلق من نص واحد ومشترك على الصعيد الوطني يتضمن أمثلة توضيحية لاسم الإشارة بصيغه الأربع بحيث يتحدد هدف الدرس في أن يستوعب التلميذ أن اسم الإشارة في الأمازيغية يستعمل بصيغ أربع لا فرق بينها من حيث الدلالة والوظيفة ويصبح قادرا على فهمها وتوظيفها واستعمالها في الكلام والكتابة.

ويمكن للنصوص التي تأتي بعد هذا الدرس ـ سواء الخاصة بالقراءة أو الإملاء أو التاريخ... ـ أن تتضمن اسم الإشارة بصيغه المختلفة حسب الحالات، لأن هذا الذي كان مختلفا من لهجة إلى أخرى أصبح الآن شيئا مشتركا بين كل اللهجات بعد أن أضحى التلاميذ يفهمون كل هذه الصيغ لاسم الإشارة ويستعملونها في حواراتهم وكتاباتهم دون أن يمنع ذلك تحقيق التفاهم بين مستعملي اسم الإشارة بالصيغة الخاصة بكل لهجة.

وبنفس الطريقة، ولنفس الهدف، تنجز كل الدروس الأخرى المتعلقة بالفوارق الأخرى بين اللهجات على مدى سنوات الدراسة الابتدائية والإعدادية بحيث يصبح التلميذ في نهاية التعليم الإعدادي قادرا على فهم أي نص أمازيغي مكتوب بأية لهجة أمازيغية والتحاور مع أي أمازيغي من أية منطقة من المغرب، بل حتى من شمال الجزائر.

أما في المرحلة الثانوية، فإن دراسة الأمازيغية ستتواصل ببرامج موحدة ومشتركة تطبيقا لما سبق أن تم استيعابه في المرحلة الدراسية السابقة.

الصواب والخطأ:

قد يلاحظ أننا قد اخترنا أن نعرّف ونعلم للتلميذ كل الاختلافات الموجودة بين اللهجات كدروس في قواعد الإملاء والنحو والصرف الأمازيغيين. هناك من يرى انه، بدل أن يعرف ويتعلم التلميذ كل الصيغ التي ينطق بها حرف ما في مختلف اللهجات أو التي يعبر بها عن اسم الإشارة أو الاستفهام أو النفي أو الكثرة...، بدل ذلك ينبغي أن يتعلم ويعرف فقط الصيغة "الصحيحة" الأصلية مع  الاستغناء عن كل الصيغ الأخرى التي هي مجرد تعابير "خاطئة" وغير سليمة و"منحرفة" عن الاستعمال المعياري للغة الأمازيغية لغياب الكتابة والمدرسة التي كان بإمكانها أن تحمي اللغة المعيارية من التطور نحو التعابير اللهجية الخاطئة. فمثلا، بدل أن نعلم التلميذ أن "القلب" ينطق Ul و Ur وان "أنا" تنطق Nek و Nec، نقتصر على تعليمه ما هو "أصلي" الذي هو Ul وNek . كذلك فيما يتعلق بصيغ أسماء الإشارة يجب الاقتصار على Ad التي هي الصيغة "الأصلية" "السليمة" لاقترانها بحرف الدال الذي يفيد الاقتراب المرتبط باسم الإشارة.

حتى على فرض أن هذا الاستدلال صحيح، فإنه غير مجدٍ ويجب عدم العمل به. لماذا؟ لأننا هنا أما لهجات شفوية وليس أمام لغة كتابية معيارية مشتركة نحتكم إليها حتى نحكم على هذا التعبير بأنه صواب أو خطأ. فالخطأ في اللغة هو ما تعتبره الجماعة المستعمِلة لتلك اللغة أنه كذلك. والحال أن النطق بكلمة Ur، هكذا بالياء، لا تعتبر خطأ لدى سكان المنطقة الذين ينطقون اللام راء،  ولا يعتبر اسم الإشارة A ولا حرف الاستفهام Ma ولا أداة النفي War ....إلخ، تعابير خاطئة عند من يستعملون هذه التعابير في لهجاتهم. وبالتالي فكل التعابير والصيغ المستعملة في إحدى اللهجات  صواب عند مستعمليها. الشيء الذي يبرر تعلم كل الاختلافات الموجودة بين اللهجات.

هذا بالإضافة أن الاحتفاظ ببعض التعابير من هذه اللهجة وإلغاء أخري من لهجة أخرى يرجع بنا إلى حالة خلق لغة مصطنعة و"فصحى" لا علاقة لها بلغة الأم التي هي اللهجات.

عندما تصبح الأمازيغية، عن طريق تدريسها بهذه المنهجية، موحدة ومشتركة يتفاهم بها كل المغاربة من مختلف المناطق، ويكثر وينتشر إنتاجها الكتابي، ستخضع تلقائيا، كما يثبت ذلك تاريخ الكثير من اللغات، لعملية انتقاء وتصحيح وتصويب، وذلك على مستويين:

1 ـ مستوى الفوارق اللهجية:  إن الاختلافات التي تقرر تعليمها للتلميذ المغربي في بداية انطلاق عملية تعليم الأمازيغية سوف لن تبقى بالضرورة مستعملة كلها، بل سيحتفظ ببعضها عن طريق تكرار استعماله ويموت الآخر بإهماله وعدم استخدامه. ولا شك أن العوامل المحددة لما يجب الاستمرار في استعماله وما يجب الكفّ عن استعماله من عناصر الاختلاف بين اللهجات، غالبا ما تكون الخفة (على اللسان) والاختصار (نطقا وكتابة). وهكذا، مثلا، قد نحتفظ على حرف A للدلالة على الإشارة بدل الصيغ الأخرى، وذلك لخفته واختصاره؛ وبـ Acku مع إهمال لـMagher, Mayenzi, iddegh التي هي تعابير أثقل وأطول؛ و Hma عوض Af ad, Bac, huma, iwakken لأن الأولى أخف وأقصر؛ و Is كأداة استفهام محل Mayd, ma, may.... وقس على ذلك. وهكذا ستؤدي الممارسة والاستعمال وتراكم الإنتاج الكتابي، بعد تطور قد يستغرق أجيالا، إلى توفر نصوص مرجعية أساسية تكون معيارا للصواب والخطأ، و"الفصيح" و"العامي" في الأمازيغية. فحينئذ فقط يمكن أن نعتبر Ur استعمالا خاطئا لأن الصحيح الذي يكون قد كرسته الكتابة والاستعمال هو Ul، وأن  Mayenzi, iddegh تعابير قديمة لم تعد مستعملة أمام لفظ Acku الأكثر انتشارا واستعمالا. وليس هناك ما ينفي أن تحتفظ بعض الاختلافات على نفس المستوى من الاستعمال كصيغ مترادفة، مثل أدوات الكثرة: Cigan, Bapra, Attvas، كما نجد ذلك في اللغات الأخرى. لكن الأكيد أن الاختلافات الصوتية التي ليست ذات وظيفة نحوية ستختفي بتوحيد ومعيرة الكتابة حتى ولو استمر استعمالها الشفوي.

 2 ـ مستوى المعجم: إن الأمازيغية، لأنها لم تعرف الكتابة والتقعيد، فهي لغة غنية جدا لأنها متحررة من قيود المعيرة والقواعد التي تفرضها الكتابة، الشيء الذي جعل معجمها غنيا جدا  إلى درجة يكاد معها أن يكون لكل قبيلة ولكل منطقة معجم خاص بها. إذا كان هذا الثراء اللغوي المعجمي قد يبدو شيئا إيجابيا، فإنه، من ناحية أخرى، قد يطرح مشكل توحيد المعجم اللغوي الذي سيستعمل بشكل مشترك وموحد. وهذا ما سيحسم فيه الاستعمال والإنتاج الكتابي كذلك. فعندما نكون أمام مترادفات تتجاوز الإثنين للدلالة على نفس الشيء،  مثل: Abaghus, Azeghdvudv, Iddew, Ibki, Akezzvib, Akaya... التي تعني كلها "القرد" ، فإن  الاستعمال وممارسة الكتابة ستؤديان إلى الاحتفاظ على لفظ  واحد أو إثنين  من هذه المترادفات يكرسهما الاستعمال المتواتر لهما مع إهمال الأخرى،  التي لها نفس المعنى، لتصبح قديمة و غير مستعملة رغم أنها مذكورة في المعاجم الأمازيغية.  وهكذا  سيؤدي كذلك تراكم الإنتاج الكتابي إلى الاستقرار على معجم موحد ومشترك وأخف وأنسب من الناحية العملية. وهذه العملية لانتقاء ألفاظ المعجم التي سيفرضها الاستعمال مرت بها كل اللغات التي سبق أن كانت لهجات متفرقة مثل اللغة العربية التي تضم عشرات من أسماء الأسد، من بينها "الضرغام". لكنك لن تجد اليوم صحافيا يكتب عنوانا مثل: "ضرغام يهاجم الزوار بحديقة الحيوان" رغم أن لفظ "ضرغام" مذكور في المعاجم العربية.

 

شرط نجاح العملية:

إن نجاح هذه الطريقة لتدريس أمازيغية مشتركة دون أن تكون مختلفة عن لغة الأم، يتوقف على شرط واقف بدونه لن تعطي هذه الطريقة أية نتيجة. هذا الشرط هو أن يكون كل المسؤولين عن مشروع تدريس الأمازيغية، من واضعي المقررات ومفتشين ومكونين ومعلمين، يتقنون اللهجات الأمازيغية، عارفين بما يميز كل واحدة عن الأخرى، ليعدّوا البرامج والمناهج في ضوء معرفتهم بالخصوصيات العامة والمشتركة للغة الأمازيغية والمميزات الخاصة بكل لهجة. لهذا ينبغي أن لا تكون هناك لجان مختلفة باختلاف اللهجات الثلاث لإعداد كتاب القراءة مثلا، بل يجب أن تقوم بذلك لجنة واحدة يتقن أعضاؤها اللهجات الثلاث ليعرفوا كيف يكيفون النصوص المقررة مع كل لهجة في السنوات الأولى، مع الاتجاه التدريجي نحو التوحيد في مقررات السنوات المقبلة من برنامج تدريس الأمازيغية. وكذلك يجب أن يتقن المعلمون اللهجات الثلاث كشرط أساسي لنجاح المشروع، وحتى يؤدي تعليم الاختلافات اللهجية إلى الهدف المتوخى، وهو الوصول إلى خلق تواصل وتفاهم بين المتحدثين بأية لهجة امازيغية بالمغرب كمرحلة أولى لاستعمال امازيغية موحدة ومشتركة.

فالطريقة إذن تتضمن عمليتين معكوستين، لكنهما متكاملتان: فبالنسبة للتلاميذ هناك تدرج من اللهجات نحو أمازيغية موحدة ومشتركة. أما بالنسبة للمسؤولين التربويين، من معلمين وواضعي المقررات والمفتشين، فهناك اتجاه معاكس  ينزل من لغة مشتركة (إتقان كل اللهجات) نحو  اللهجات  التي تكيف معها برامج السنوات الأولى من تعليم الأمازيغية.

الإجراءات المصاحبة:

 وحتى يعطي تدريس الأمازيغية المشتركة ثماره، أي الوصول إلى توحيد الأمازيغية انطلاقا من لغة الأم، ينبغي أن تكون هناك إجراءات مصاحبة ومعززة  لهذا التوجه، كأن:

ـ تنظم جوائز سنوية تشجيعية لأحسن إنتاج بالأمازيغية في مجال الرواية والقصة والمقالة والشعر والمسرح والسينيما يكتب بأمازيغية يمكن أن يقرأها و يفهمها كل الأمازيغين من مختلف اللهجات. 

ـ إعطاء الإعلام السمعي البصري كل الأهمية التي يستحقها والتي يتطلبها توفير أمازيغية موحدة في الراديو والتلفزيون، وذلك بتكوين وتوظيف إعلاميين يجيدون كل اللهجات الأمازيغية حتى يمكنهم تحضير خطاباتهم الإذاعية والتلفزية بالشكل الذي يجعلها مفهومة من طرف الأمازيغيين من كل مناطق المغرب.  

ـ خلق ودعم  جرائد ومجلات أمازييغة تعتمد أمازيغية مشتركة يفهمها جميع الأمازيغيين.

ـ جعل اللغة الأمازيغية، تدريجيا وعلى مراحل، لغة تدريس جميع المواد التعليمية.

 

*هذا المقال شارك به صاحبه في الندوة التي نظمتها جمعية "إلماس" بالناظور يومي 5 و 6 يناير تحت عنوان: "راهنية العمل الثقافي الأمازيغي: مهام واختيارات"