الاستنجاد بالحامي القديم لقطع الطريق عن الأمازيغية

(Le recours à l’ancien protecteur pour faire face à tamazight)

بقلم: محمد بودهان

نشرت يومية Le matin du Sahara ليوم 11/3/2002 مقالا للأستاذ الفرنسي ألان بنطوليلا Alain Bentolila بعنوان: "واقع اللغات والتربية بالمغرب" بيّن فيه أن أساب تدني مستوى التعليم والانتشار الواسع للأمية بالمغرب ترجع بالأساس إلى ما أسماه بـ"انعدام الأمن اللغوي" L'insécurité linguistique، مؤكدا أن "مشكل اللغة هو أحد الأسباب الرئيسية لاختلال النظام التربوي بالمغرب".

لا شك أن الأستاذ بنطوليلا قد نجح، وبشكل عبقري، في تشخيص المرض المزمن الذي ينخر نظام التعليم بالمغرب، ألا وهو "انعدام الأمن اللغوي". إلا أن العلاج الذي اقترحه الباحث لم يكن مناسبا إطلاقا للداء الذي شخصه وكشف عنه، بل إن الوصفة التي اقترحها ستزيد من استفحال المرض وتفاقم الخلل.

يرى بنطوليلا أن "انعدام الأمن اللغوي" ناتج عن القطيعة بين لغة الأم التي يتحدثها التلميذ ولغة المدرسة، خصوصا بالنسبة للتلاميذ الأمازيغيين الذين يعانون أكثر من هذه الهوة بين لغة البيت ولغة القسم. يقترح بنطوليلا، لتضييق الهوية بين لغة الأم الأمازيغية للتلميذ ولغة المدرسة ثلاثة تدابير:

أ ـ "ضرورة استعمال الأمازيغية في بداية التمدرس للتواصل مع التلاميذ في القسم".

ب ـ "ضرورة تعليم قراءة وكتابة لغة الأم التي هي الأمازيغية بالحرف العربي"

ج ـ "ضرورة تعلم العربية لإتقان القراءة والكتابة".

كنا ننتظر من الأستاذ بنطوليلا، بناء على تشخيصه الموفّق لحقيقة مشكل التعليم بالمغرب، أن يقدم كحل، لردم الهوة التي تفصل بين لغة الأم الأمازيغية ولغة المدرسة، ضرورة استعمال الأمازيغية كلغة للتدريس لتختفي بذلك نهائيا تلك الفجوة العميقة بين لغة الأسرة ولغة المدرسة. لكنه، بدل ذلك، أفتى باستخدام الأمازيغية في بداية التمدرس كوسيلة لتعلم العربية والتمكن منها، وذلك باستعمال الأولى، ليس في التدريس، بل فقط في التواصل الشفوي مع التلاميذ نظرا لأنهم لا يفهمون العربية في بداية السنوات الأولى من التحاقهم بالمدرسة، كما يجب أن يتعلموا كتابة الأمازيغية بالحرف العربي استعدادا لتعلم قراءة وكتابة العربية التي ستحل بعد ذلك محل الأمازيغية. الأمازيغية تستخدم إذن هنا كمصل Sérum يعطي الحياة للعربية الهرمة والعليلة. أليس هذا هو "انعدام الأمن اللغوي"، الذي اعترف بنطوليلا أنه مشكل المشاكل في نظامنا التعليمي، الناتج عن استعمال لغة وطنية كخادمة للغة أخرى انتهت مدة صلاحيتها؟ أليس هذا العلاج الذي يقترحه بنطوليلا هو من باب "المداواة بالتي هي الداء"، أي تكريس "انعدام الأمن اللغوي" وتعميق الهوة بين لغة الأم ولغة المدرسة، وبالتالي تعميق الأمية والجهل والتخلف وإعادة إنتاجهما؟

فهل الأستاذ بنطوليلا، وهو العالم الباحث والخبير في شؤون التربية وتعليم اللغات، مقتنع بفتواه التي ينصح بها المغاربة؟ قد يبدو السؤال استنكاريا يشكّك في نوايا الرجل ونزاهته. لكن سيصبح مشروعا، بل بديهيا إذا عرفنا أن الأستاذ بنطوليلا هو "الخبير" الذي اعتمدته مؤسسة BMCE لتبرير وتمرير الحرف العربي استنادا إلى سلطته "العلمية" و"خبرته" العالمية في هذا الميدان (انظر افتتاحية العدد 54 من تاويزا). وقد أفتى بالفعل باستعمال الحرف العربي لكتابة الأمازيغية ـ وهو ما ذكّرنا به في مقاله موضوع هذه المناقشة ـ لأنه الأنسب والأفضل حسب رأيه. وهذه "فتوى" شاذة تصدم الحس السليم مثلها مثل الزواج المثلي Mariage homosexuel تماما، إذ كيف يعقل ويصدّق أن فرنسيا، خصوصا إذا كان من أصل يهودي مثل بنطوليلا، يفضل الحرف العربي لكتابة الأمازيغية، مع أن التهمة الأولى، التي أصبحت لازمة مملة، والتي توجه إلى مناضلي الحركة الأمازيغية، هو أن جهات فرنسية معادية للعربية هي التي تحركهم وتمولهم، لهذا يفضلون كتابة الأمازيغية بالحرف الفرنسي!

لا شك أن اختيار بنطوليلا للحرف العربي لا يرجع إلى أسباب "علمية"، بل إلى أسباب "بنكية"، كما سبق أن كتبنا عن تلامذته ومريديه من المغاربة الذين نجح في تكوينهم تكوينا "بنكيا" جيدا (اقرأ افتتاحية العدد 59).

إذا تأملنا مقاله، سنلاحظ أنه ينطوي على تناقضات وأخطاء لا يرتكبها من هو في مستواه العلمي والفكري، الشيء الذي يؤكد أن وراء مواقفه وفتاويه دوافع "بنكية" محضة. لنشر إلى بعض هذه التناقضات والأخطاء:

أ ـ يقول بأن التلميذ المغربي "عاجز عن تلقي ونقل معلومات مكتوبة بالعربية، اللغة الوطنية".   فهل يجهل بنطوليلا، المتخصص في علوم اللغة، أن اللغة الوطنية هي التي يتخاطب بها المواطنون وأن العربية لا يتخاطب بها أحد في المغرب، وبالتالي فهي لغة ليست وطنية، بل إن الفرنسية أكثر منها وطنية لأن الكثير من المغاربة يستعملونها في تواصلهم وتخاطبهم؟ هل يجهل أن الدستور المغربي ينص على أن العربية لغة رسمية ولم ينص على أنها لغة وطنية لأن هناك فرقا كبيرا بين "لغة رسمية" و"لغة وطنية"؟ هل يجهل أن اللغة الوطنية الحقيقية بالمغرب هي الأمازيغية والدارجة وليست العربية الفصحى؟

ب ـ يدعو إلى رد الاعتبار للمحيط القروي الذي يعيش فيه التلميذ القروي (أي الأمازيغي) بجانب الانفتاح على الحداثة مع "احترام لأصوله Ses racines". وأي اعتبار لمحيط التلميذ وأي احترام لأصوله  إذا كنا نستعمل لغته ـ وهي أصل الأصول ـ كخادمة للغة أخرى؟ أليس هذا تناقضا واضحا وجليا؟

كل هذا يدل على أن الأستاذ بنطوليلا لم يكتب مقاله عن قناعة وإيمان بما جاء في المقال من أفكار وفتاوى، وإنما كتب ذلك لدواعي "بنكية" وليست علمية أو فكرية كما قلت.

لكن الجديد، والخطير، في المقال هو أن صاحبه يريد تعميم "فتواه" و"خبرته"، اللتين كانتا مقصورتين على مؤسسة BMCE، على النظام التعليمي برمته في المغرب، حيث إن نفس الحلول التي سبق أن قدمها لـ BMCE يقترحها لتطبق على كل المدارس العمومية. وهذا ما نبهنا إليه في حينه عندما كتبنا بأن الهدف من مشروع تدريس الأمازيغية من طرف مؤسسة BMCE هو تمرير الحرف العربي لتعمم بعد ذلك التجربة "الناجحة" في قطاع التعليم العمومي. ومن هنا ندرك العلاقة بين مشروع BMCE و"الميثاق الوطني للتربية والتكوين" المتمحور حول "الاستئناس"، والكتاب الأبيض لوزارة التربية الوطنية حول مراجعة المناهج التعليمية. مهمة الأمازيغية، لدى كل هذه الجهات الثلاث، هي أن تخدم العربية وتحبّبها إلى التلميذ الذي أصبح ينفر منها. وهذا هو مضمون مقال بنطوليلا، الذي هو تهييء للرأي العام الأمازيغي لقبول "الاستئناس" والحرف العربي لكتابة الأمازيغية. وكيف سيرفض ذلك أو يناقش وقد صدر عن "خبير" أجنبي و"موضوعي" لا ينتمي إلى حزب ولا إلى جمعية أمازيغية؟!  إلا أن الذي نخافه اكثر هو أن تتجاوز "فتاوي" الخبير الأجنبي مؤسسة BMCE ووزارة التربية الوطنية لتمتد إلى المعد الملكي للثقافة الأمازيغية ليعمل بها ويطبقها هو كذلك. فليس صدفة أن المقال نشر بجريدة مخزنية كبيرة.

رغم أن بنطوليلا بذل مجهودا مشكورا ليظهر كمدافع عن العربية وحرفها العربي بأن جعل من الأمازيغية عكّازة تتكئ عليها العربية العاجزة عن النهوض بدون سند، فإنه لم يوفق في إخفاء أن الهدف من "نصائحه" و"توجيهاته" كخبير ليس هو حب العربية ولا الحرف العربي، بل هو ضمان هيمنة اللغة الفرنسية. لنستمع إليه يوضح ذلك بلا لفّ ولا مواربة: "وبالتالي فإن التلاميذ لا يستطيعون إتقان الفرنسية لأنهم ليسوا متمكنين من العربية"... "إن الفرنسية لا تستطيع أن تلعب في المغرب الدور المفيد كلغة للانفتاح الذي يستحقه المغرب لأنها تعتمد على إتقان ناقص للعربية". هناك إذن، حسب بنطوليلا، ضعف في إتقان اللغة الفرنسية، والسبب هو ضعف إتقان العربية. الحل الذي يقدمه هو استعمال الأمازيغية لدعم العربية حتى تدعم هذه الأخيرة بدورها اللغة الفرنسية. فالدفاع عن العربية ليس غاية في ذاتها، بل هي وسيلة للوصول إلى تملك الفرنيسة التي هي الغاية الأخيرة. هكذا يتعامل بنطوليلا مع العربية إزاء الفرنسية مثلما يتعامل مع الأمازيغية إزاء العربية: الأمازيغية عكّازة تتكئ عليها العربية لتصبح هي بدورها عكّازة صالحة وجيدة تتكئ عليها الفرنسية التي يجب أن تبقى لها السيادة والهيمنة.

 ومن جهة أخرى، فإن بنطوليلا، لأنه متخصص في علوم اللغة، يدرك جيدا أن العربية لا تهدد إطلاقا مكانة الفرنسية بالمغرب ولا يمكن أن تصبح يوما منافسا حقيقيا لها بحكم أن العربية لغة نصف ميتة لا يستعملها أحد في حياته اليومية. لكنه يدرك جيدا أيضا أن الأمازيغية هي الوحيدة القادرة على منافسة الفرنسية وإنزالها من على عرشها الذي تتربع فوقه بالمغرب إذا ما أعطيت لها الفرصة، لأنها لغة حية تستخدم في التواصل اليومي. ومن هنا نفهم لماذا أبقى بنطوليلا على الأمازيغية كخادمة فقط للعربية ولم يردْ لها أن تكون لغة تدريس في ذاتها ولذاتها وليس من أجل العربية. في حين يدافع عن ضرورة إتقان العربية لأن في ذلك خدمة للغة الفرنسية مثل سياسة التعريب تماما، تلك السياسة التي ارتفعت معها مكانة الللغة الفرنسية بالمغرب وازدادت قيمتها نتيجة لانخفاض العرض (نقص في الأطر الذين يتقنون الفرنسية) وازدياد الطلب عليها الذي تسبب فيه التعريب نفسه. وهذا الازدياد في الطلب على المنتوج الفرنسي هو الذي جعل مؤسساتنا (مثل BMCE) تستدعي "خبراء" فرنكوفونيين مثل بنطوليلا الذي تدفع له الملايين، ليس بالعملة السهلة التي هي الدرهم، بل بالعملة المعلومة. فالدفاع عن العربية والحرف العربي ومحاربة الأمازيغية ومحاصرتها استراتيجية تدخل في إطار إعادة إنتاج هيمنة الفرنسية و"الخبراء" الفرنسيين، مثل بنطوليلا.