بمناسبة عيد المرأة:

آدم يطلق حواء لأنها أنجبت الأمازيغيين

بقلم: محمد بودهان

أوردت الصحيفة الأسبوعية في عددها ليوم 22/2/2002 خبرا مفاده أن أحد أعضاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سبق له أن أنشد في حضرة الراحل الحسن الثاني البيتين التاليين ـ وهما لشاعر أندلسي:

رأيت آدم في نومي فقلت له ** أب البرية إن الناس قد زعموا

إن البرابرة نسل منك قال إذن ** حواء طالق إن صح الذي زعموا.

ولهذا السبب عنونت الجريدة الخبر بـ"مفارقة ثقافية وسياسية غريبة"، إذ كيف يعقل أن يعين اليوم حاميها ـ أي الأمازيغية ـ من كان بالأمس "حراميها". فمتى كانت الذئاب تؤتمن على الخرفان والضباع على صغار الغزلان؟!

لن أناقش هنا هذه المفارقة الكبيرة، والكبيرة جدا، بل سأقوم بتحليل للبيتين الشعريين اللذين استهوياني بمضمونهما الخصب ودلالتهما الغنية. فما هو هذا المضمون؟ وما هي هذه الدلالة؟

لن أقف عند المعنى الظاهر الخارجي، والذي يفهمه كل من قرأ البيتين، هذا المعنى الذي يعبر فيه الشاعر العربي عن أفظع وأبشع صورة للعنصرية تجاه الأمازيغيين. إذا اكتفينا بهذه القراءة "الخارجية" للبيتين، فإن العنصرية ضد الأمازيغيين تصبح أمرا شخصيا مرتبطا بالشاعر والظروف التي قال فيها شعره.

هناك شيء آخر غير هذا المعنى الجزئي الظاهر و"الخارجي" الذي يربطه الشاعر بآدم ـ آدم العربي طبعا ـ الذي رفض أن يكون "البرابرة" من صلبه ونسله رغم أنه أب كل البشر! هناك معنى آخر أعمق وأصدق لأنه يجعل من احتقار الأمازيغيين ظاهرة عامة توجد في كل زمان ومكان توجد فيهما الإيديولوجية العروبية، وليس أمرا لحظيا ناتجا عن انفعال الشاعر ومقصورا عليه وحده، وفي منطقة محددة بالأندلس، وفي تاريخ معين من القرن الثالث عشر أو الرابع عشر.

إلا أن الجانب الأكثر أهمية ودلالة ـ لكن لا يمكن إدراكه من خلال القراءة "الخارجية" للبيتين ـ هو أن الذي يؤدي ثمن وجود الأمازيغيين هي حواء وحدها، التي هي رمز للمرأة. وبما أن آدم لا يعترف بانتساب الأمازيغيين إليه، فهذا يعني أن حواء زانية، وأن الأمازيغيين "لقطاء" وأبناء غير شرعيين لأنهم ثمرة للخيانة الزوجية ولعلاقة جنسية خارج بيت الزوجية. نلاحظ إذن انسجاما في فكر الشاعر الذي وظف خيانة المرأة/حواء بجانب الأمازيغيين الذين لا زال لهم "ارتباط" بالخيانة عندما يستحضر "الظهير البربري" ويقال بأن الاستعمار استعملهم لضرب الإسلام والوحدة الوطنية. ولهذا فإن في البيتين من الاحتقار للمرأة/حواء أكثر مما فيه من الاحتقار للأمازيغيين ما دام وجود هؤلاء ناتجا عن خيانة حواء/المرأة التي جاءت بنسل لقيط لتدنس النسب "الشريف" لأبناء آدم. فآدم لم يطلق حواء لأنها كانت سبب عصيانه لأمر  إلهي وإقدامه على أكل الفاكهة المحظورة، وما نتج عن ذلك من عقاب له بطرده من الجنة وإنزاله إلى الأرض حيث تنتظره المعاناة التي لا تنتهي، وهو ما كان سيعتبر  مبررا مقبولا ومعقولا لفسخ رابطة الزواج، لكنه طلقها لأنها انجبت الأمازيغيين. فـ"الخطيئة الأولى" Le péché originel  للمرأة/حواء ليست هي تحريض آدم  وإغواؤه على الأكل مما نهى عنه الله، كما في المسيحية،  بل "الخطيئة الأولى" للمرأة  تصبح هنا هي إنجابها للأمازيغيين.

هكذا تكون المرأة مصدرا للخيانة والشر ("الخطيئة الأولى" المتمثلة في أنها أم الأمازيغيين). إنها "عورة" لا يمكن سترها إلا بالوأد، سواء في شكله القديم (الجاهلية) أو العصري (الحجاب). هذه النظرة المهينة للمرأة عند العرب هي التي تفسر لماذا لم يصدقوا ولم يفهموا، عند غزوهم لشمال إفريقيا، كيف أن امرأة ـ الملكة الأمازيغية "ديهيا" ـ تحكم شعبا وتقود جيشا وتخرج لمواجهتهم. فهذا شيء لم يألفوه لأنه يتنافى مع نظرتهم إلى المرأة التي كانوا يدفنونها حية لغسل العار الذي تسببه ولادتها. لهذا فسروا هذه الظاهرة ـ ظاهرة "ديهيا" الملكة المحاربة ـ الفريدة من نوعها بالنسبة إليهم على أنها سحر لأنها شيء خارق للعادة، ولذلك سموا "ديهيا" بـ"الكاهنة"، أي الساحرة. البيتان يبينان كذلك، وبوضوح، أن العداء للأمازيغيين والأمازيغية قديم قدم الإيديولوجية العروبية بشمال إفريقيا والأندلس، وليس وليد "الظهير البربري" في 1930، مثله في ذلك مثل احتقار المرأة في المجتمع العربي الذي يرجع إلى ظاهرة الوأد الجاهلية.

المفارقة الصارخة هو أن العرب استعملوا الإسلام، الذي جاء ليساوي بين بني البشر ويرد الاعتبار للمرأة، لإقامة لامساواة بينهم وبين الشعوب الأخرى وتبرير هيمنتهم على هذه الأخيرة وإقناعها بأنها أدنى منهم مرتبة وشرفا ولغة، ولإعطاء المشروعية الفقهية لاحتقار المرأة واعتبارها عارا وعورة.

إن ما يتضمنه البيتان من عنصرية ضد الأمازيغيين، ومن إهانة للمرأة شيء لا زال قائما وسائدا ومستمرا يعاد تكراره وإنتاجه. فالوضعية الدونية التي تعيشها الأمازيغية، مقارنة مع العربية المدلّلة، هي نفسها الوضعية التي توجد فيها المرأة مقارنة مع ما يتمتع به الرجل من امتيازات وحقوق هي محرومة منها. وهذا يعني أن رد الاعتبار للأمازيغية ومساواتها بالعربية لا ينفصل عن رد الاعتبار للمرأة ومساواتها بالرجل لأنهما ضحية نفس الإييولوجية الأمازيغوفوبية ونفس الذهنية الذكورية.  فالأمازيغوفوبية والميزوجينية Misogynie   نتاج واحد لتفكير واحد وعقلية واحدة. وليس صدفة أن الشاعر العنصري ربط بين الأمازيغية والمرأة/حواء لأنهما قضيتان مترابطتان أصلا منذ وصول العرب إلى شمال إفريقيا والأندلس.

فهل ستفهم المرأة المغربية أن الدفاع عن الأمازيغية هو دفاع عنها أيضا فتنضم إلى جبهة الحركة الأمازيغية؟