Uttvun 68, 

Meggyûr  2002

(Décembre 2002)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

May ira weghlif n walmud i tmazight?

Agdud n tghessiwin

Werss...!

Tira

Yat tebrat

Amenugh

Cfa zeg itves

Netc tqrrigh awen

Sidd aneli

Yan mayd ur illin

Français

"Attajdid": un journal caduc

Marghighda et les Latifs de bois

De la nécessité d'un parti politique pour tamazight

Le processus des larmes

Et les arabophones?

Un mot que je dois dire

العربية

ماذا تريد وزارة التعليم من وللأمازيغية؟

الأمازيغية بين الإقصاء والتوظيف الانتخابوي

الحزب الإسلاموي يعلن الحرب على الأمازيغية

بيان مكناس وعملاء القومية العربية

فتاوي قنديلية في الحروف الأبجدية

عن النزوع الأمازيغي وهفواته

احذروا التعريب والاستعراب

العرب والتاريخ

رد على مقال

قراءة في الحكاية الشعبية الأمازيغية

بين القبلية الأمازيغية والقبلية الحزبية العروبية

 

 

قراءة في الحكاية الشعبية الأمازيغية ”عارْبْ هْلالْ

صراع بين ثقافة دخيلة مستبدة وثقافة أصيلة متسامحة (الجزء الأول)

بقلم: بوغانم خالد (آيث يطّف، الحسيمة)

لو شئنا أن نحدد وظائف الحكاية الشعبية في منطقة تامازغا، ما استطعنا أن نحيط بها إحاطة شاملة، وما بلغنا أن نضع يدنا على كل العلل التي وضعت من أجلها. فهي متعة وخيال، وهي فائدة خلقية ومثل يضرب، وهي أيضا أسلوب من أساليب التربية والتعليم، كما أنها تأريخ لتفكير شعب بأكمله (تأريخ لعاداته، لتقاليده، لنظام حياته معيشته، وللبيئة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية... التي تحياها).

وهذا ينطبق على كل الحكايات الشعبية لدى مختلف شعوب العالم، وإن كانت لكل مجتمع خصوصيته في الحكي، وفي معالجة المواضيع، وفي اختيار الرموز والشخصيات... واشتغال الإنسان بالحكي والممارسة السردية له تاريخ يعود إلى عصور ودهور مطوية وأجيال موغلة في القدم. ولا أحد ممن له أدنى اهتمام بالسرديات لا يعرف أو لم يسمع عند حكاية "قلقامش" الأكادية أو "قدموش" الكنعانية أو "حور" المصرية أو حكايات "الإنكا" و"الأزدك" في الأميركيتين، أو "الأزانداي" و"الهاوسا" الإفريقية (إفريقيا السوداء)، أو عن حكايات "كوبْسيس" الأمازيغية/الليبية" الضاربة جذورها في أعماق التاريخ. حكايات كوبسيس هذه، عثر عليها أول مرة في مكتبة الإسكندرية كما يقول J.W.Duff في كتابه "A literary history of Rome in the silver age(1). وفي القرن الثاني للميلاد ـ في عهد الإمبراطور الفيلسوف ماركو أوريليو ـ يضيف وايت دفْ ـ خرجت المجموعة من مكتبة الإسكندرية إلى روما لتتلقفها يد الشاعر اللاتيني وخطيب البلاط "نيكو ستراتس" فينقلها إلى لسان قومه، ويمزج بينها وبين مجموعة قصص يونانية في كتلة واحدة. وفي القرن الرابع للميلاد، ألف الكاتب الروماني "فلافيوس أفيانوس" مجموعة قصصية شعرية كان العنصر الأمازيغي غالبا عليه، ودرّست للتلاميذ الصغار في القرون الوسطى، وكانت موضع التقليد والمحاكاة على نطاق واسع نثرا وشعرا، وراجت سوقها رواجا كبيرا(2). ومن بين هذه الحكايات "حكاية النسر الجريح"، وقد أوردها، كما ذكر الأستاذ دفْ، المسرحي اليوناني الكوميدي "أريستوفان" في مسرحيته "الطيور"، والمسرحي التراجيدي "أسخيلوس" في مقطوعة له في القرن الخامس قبل الميلاد(3). وهذا يدل قطعا على قدم الحكايات الأمازيغية، قدم لعله كان حتى قبل بروز الحضارة اليونانية ذاتها، وقبل إنشاء الإسكندرية بمدد مديدة. والقصة ترجمت إلى عديد من لغات العالم، منها العربية، وتحكي كيف انخدع النسر بالريشة التي وضعت في طرف السهم، فلم يفر من السهم ظنا منه أنه مجرد ريشة، قبل أن ينغرس في صدره. فعلم بعد فوات الأوان أن إصابته كانت بسبب ريش نسر آخر، وكانت كلمته الأليمة: "بريشنا نحن نؤخذ". ومن الحكايات الأخرى المأخوذة من "كوبسيس الأمازيغية"، حكاية "أفعى العطش" و"الغولة الحسناء". ولا مجال هنا للحديث عنهما.. ولا أدري إن كانت حكاية Sandrilla الأمازيغية (وتعرف أيضا إلى حد الآن عند آيت الريف بـMarghighdva m tnifas) من جملة حكايات كوبسيس الأمازيغية.. هذه الحكاية التي ما تزال موضوعا حاضرا لدى جداتنا وأمهاتنا، تلقننه للناشئة بأفواههن وطريقتهن المثيرة في السرد، ترجمت إلى فيلم عرض مرارا على مختلف القنوات التلفزية الإسبانية. الحكاية تحكي معاناة خادمة مع مستخدميها، خاصة بعدما فتن ابن الملك بجمالها السحري، وإعلانه الرسمي الزواج بها، رغم انتمائها إلى فئة طبقية مسحوقة، وما أثاره القرار من الغيرة والحقد والكراهية من طرف قريباتها المنتميات إلى الطبقة الميسورة.

لنعد إلى موضوعنا، حتى لا يسرقنا الحديث عن جوانب أخرى تهم حكاياتنا الشعبية، لم نقصد معالجتها والخوض فيها في هذه المقالة/العجالة. قلت بأن الحكاية في المجتمع الأمازيغي قديمة جدا قدم تامازغا وقدم الإنسان الأمازيغي عليها.. والمدهش فيها أن حكاية واحدة أنتجت في "كنارياس" أو في "سيوا"، تلقى رواجا وانتشارا صاروخيا في كل بقاع تامازغا وفي المناطق المحاذية لها، في زمن لم تكن فيه لا وسائل إعلام متطورة ولا مواصلات ولا... وهذا دليل آخر على وجود أسباب التواصل، ووجود علاقات اقتصادية، اجتماعية بين القبائل المشكلة للحمة تامازغا القديمة. وهذه العلاقات هي التي عملت على تقوية الوحدة الثقافية لدى الأمازيغية، وبالأساس الوحدة اللغوية. والمدهش أيضا أن الحكاية الشعبية الأمازيغية لم يفتها موضوع إلا وطرقته، سواء كان موضوعا اجتماعيا أو ثقافيا... وقد تجتمع في حكاية واحدة مجموعة من المواضيع تتداخل فيما بينها وتتشابك إلى حد لا يمكن أن نفصل بينهما، كما هو الشأن لحكاية "عارْبْ هْلالْ" التي هي موضوع حديثنا في هذه المقالة.

الترجمة الكاملة للحكاية الشعبية الأمازيغية ”عاربْ هْلالْ“.

يبتدئ سيناريو الحكاية بالحديث عن اللحظات الأخيرة من حياة رب أسرة، وهو في فراشه يحتضر، وأمام شريكة حياته وولدهما الوحيد. كان آخر ما لفظ به الهالك، أن أوصى ابنه بتجنب أكل الحرام (مال الغير Agra n midden)، مهما كلفه ذلك من ثمن. وما كان للابن البار الذي لم تذكر الحكاية اسمه ولا لقبه، إلا الطاعة وأخذ وصية أبيه مأخذ الجد، يصوغها ويتذكرها كلما أمرته نفسه الأمّارة بالسوء بفعل شيء يمت بصلة إلى ما نهاه عنه أبوه.

دارت الأيام، ومرت الشهور والأعوام، وكبر الطفل في حضن أمه، حيث بدأ يقوم ببعض الأشغال الفلاحية... وأصبح بإمكانه أن يعيل نفسه وأمه بتوفير لقمة العيش..  دأب الابن على الاهتمام ورعاية بستانه الذي ورثه عن أبيه، يتولّى سقيه كلما كان في حاجة إلى الماء، ويقوم بتنقيته من الأعشاب الضارة طلبا في الزيادة في الإنتاج والمردودية. ذات مرة، وهو منهمك في ري بستانه، جرفت المياه معها رمّانة كبيرة. وإذا هي تمر أمامه، لم يتردد الابن الحافظ لوصية أبيه في أخذها والتهامها بنهم شديد. إنما الكارثة كانت بالنسبة إليه قد حدثت لما تذكر أباه وهو يوصيه بتجنب ملك الآخر Agra n midden، لكن الأوان كان قد فات، وليس بمقدوره الآن أن يرد المياه إلى نصابها. ذهب إلى البيت مفزوعا من شدة الصدمة التي كان النسيان سببا في وقوعها. والقدر أيضا كان له نصيب، فلولا أن الماء جرف الرمانة، ما كان ليخالف وصية أبيه. أخبر أمه بكل ما جرى، وهو يبكي وينتحب على حادثة "الرومانة" المشؤومة. فنصحته أمه من أجل التكفير عن خطيئته أن يتوجه للبحث عن صاحب الرمانة Bab n taremmant، ويطلب منه العفو لعل قلبه يلين فيغفر له، فتنتهي مأساته. وفي طريقه، وهو يستفسر ويستقصي، صادف أحد الشيوخ فسأله إن كانت تلك الرمانة من ملكه، فكان جواب الشيخ دون تردد: نعم يا ولدي، هي رمانتي طبعا، ولمن تكون إن لم تكن لي؟! والواقع أن الشيخ رأى في هذا الشاب اليافع الإنسان النموذجي والمثالي لما يجب أن يكون عليه المجتمع. ففضل الإطالة معه في الكلام، ولو بالكذب عليه. لأن حقيقة الرمانة لا يدريها إلا خالقها. أخذ الابن كلام الشيخ بجدية.. قال له: إني، إذن، أطلب منك العفو. وحكى له عن وصية أبيه إليه. فاشترط عليه الشيخ من أجل أن يصفح له التزوج بابنته... وقال له: لكن ليكن في علمك يا بني أن ابنتي معاقة نصفيا، فهي لا تقوى على المشي، لكن بإمكانها استخدام يديها. لم يجد الابن الشاب الوسيم ما يفعله أمام هذا الواقع المر. فأمر الشيخ أن يمهله حتى يستشير أمه، وهو ما كان. لكن الأم أيضا حارت في اتخاذ موقف حاسم.. إلا أنه في النهاية وافقت على زواج ابنها، وهي تقول: "يكفي أن تقوم ببعض الأعمال البسيطة كإطعام الدجاج، هذا هو قدرنا، فلا مفر من القدر". ذهب الابن وأمه لخطبة ابنة الشيخ. وكان الاتفاق على تاريخ الزفاف ومتطلباته... وبعدها كان الزفاف. وكانت المفاجأة. مفاجأة كشفت للابن أن الشيخ زوجه أجمل بنات الكون على الإطلاق. اسمها "حبة الزين". وهي خالية من أية عاهة مما ذكر الشيخ. عمت الفرحة قلب الابن والأم معا، فرقصا وغنّيا وذرفا دموع البهجة على إيقاع مفاجأة لم تكن أبدا في الحسبان.

بعد انتهاء حفل الزفاف، بدأت الحياة، وبدأ الابن يشعر بحب لا ينتهي تجاه زوجته "حبة الزين"، والتي هي الأخرى تبادله الشعور نفسه.

توالت الأيام والشهور، وهما جنبا إلى جنب يستمتعان حلاوة الحياة، ويحييان سعادة ليس مثلها سعادة.. في أحد الأيام، كانت الشمس على وشك الغروب، لما سمعا أحدا يقرع باب المنزل. قام الابن/الزوج لاستكشاف من يكون الطارق. فتح الباب. إنه رجل غريب، لم تره عيناه من قبل. استفسره عن مبتغاه، فكان جواب الغريب أن طلب منه "ضيف الله". اسمه "عاربْ هْلالْ" (هكذا أوردته الحكاية). لم يتوانَ الابن البار في تلبية طلبه. بعده طلب من زوجته "حبة الزين" أن تعد طبقا من الكسكس احتفاء بالضيف وتكريما له. لكن الضيف "عارب هلال" انبهر لجمال "حبة الزين" الذي لم ير مثله قط في الدنيا. فأمرته نفسه الخسيسة التفكير في الوسيلة التي بواسطتها الاستحواذ عليها. لما حان وقت العشاء، أخرج "عارب هلال" مادة مخدرة من تحت جرابه فوضعها داخل طبق الكسكس الذي أعدته "حبة الزين". وكان المستهدف الابن/الزوج، حيث أغمي عليه، ليتمكن بعد ذلك "عارب هلا" من اختطاف "حبة الزين" والهروب بها إلى مقر إقامته.. لما استفاق الابن من إغمائه، لم يجد أمامه إلا أمه. أين هي "حبة الزين"؟! أين "عارب هلال"؟! انتابه نوع من الارتباك والإحباط، لكن ذلك لم يؤدّ به أبدا إلى جعل إيجاد "حبة الزين" مسألة ميؤوسا منها.. بدأ يفكر ويعد العدة للبحث عن زوجته، ولتكن في الأرض أو في السماء. نصحته أمه أن يبحث عن أعز وأصدق أصدقاء أبيه ليتولى مساعدته في المحنة التي أصابته. ولكن كيف يستطيع التعرف على صديق أبيه وهو لا يعرفه ولم يسبق له أن رآه؟؟! تسهيلا لمأمورية البحث عنه، أمرته أمه أن يملأ أحد طرفي "شواري" بخبز الشعير والطرف الآخر بخبز القمح، ثم يمتطي صهوة جواده. وأنه في طريقه سيلتقي أناسا، سيشتهون أكل ما بـ"الشواري". فمن طلب منه خبز القمح فهو ليس صديقا لأبيه، ومن طلب منه خبز الشعير فذاك هو صديق أبيه عينه. وهو ما كان... ولم يتوانَ الرجل عن إعلان مساعدة ابن أعز صديق عرفه في هذه الدنيا. امتطيا ظهر جوادهما وراحا يستفسران عن أثر "عازب هلال" و "حبة الزين". قطعا القبائل والقرى والمدن. لكن لا شيء وجداه يدل على مكان اختفاء "عارب هلال".. استمرا في مسيرتهما، والشمس متأهبة للرحيل. لكن عزيمتهما لا تزداد إلا قوة وصلابة. على مشارف إحدى المداشر، التقيا براعي غنم فسألاه السؤال الذي سئما من تكراره كل مرة يلتقيان فيها أحدا: "ألا تعرف يا بني أين يسكن رجل اسمه "عارب هلال"؟؟؟. ولحسن الصدف أن الراعي كان يعرف جيدا مقر سكنى المبحوث عنه. فحدثهم باستفاضة عن قصة "حبة الزين" التي ظلت لغزا محيرا للمنطقة بأكملها. فمنذ أن اختطفها "عارب هلال" (وعند أهل المنطقة تزوجها) لم تفه بكلمة واحدة رغم كل المحاولات التي قام بها "عارب هلال" لاستنطاقها (جعلها تنطق)، كالإتيان بالسحرة والفقهاء.. لكن "حبة الزين" ما هي مسحورة ولا هي محتاجة لفقيه ليكلمها وينسيها زوجها وحبها ووفاءها له. وهو ما لا يعرفه سكان المنطقة.

لقد دلهم الراعي إلى حيث يأوي "عارب هلال" و"حبة الزين" الصائمة عن الكلام. لكن قبل الذهاب إلى مقر سكنى "هارب هلال" لطلب "ضيف الله"، فكرا في وسيلة أخرى يتوسلان بها لضمان دخولهما بيته، لأنه من الممكن جدا أن يرفض طلب "ضيف الله". واقترح صاحب أب الابن أن يتقمص شخصية الفقيه، والابن شخصية تلميذه، ويوهمان "عارب هلال" بأنهما قادران أن يشفيا الأبكم حتى وإن لم يتفوه أبدا بأية كلمة.. إنها الخطة التي أدخلتهم إلى منزل "عارب هلال" الفسيح، الذي رحب بهم طمعا في أن يشفيا "حبة الزين".

في البيت المخصص للضيوف، بدأت الدردشة بين "عازب هلال" وضيفيه. وكان حديث "عارب هلال" منصبا على ذكر مفاخره وما يملكه من متاع الدنيا: "إني امتلك جملين أحدهما يستطيع أن يقطع مسافة ثلاثة أيام في الساعة، والثاني، وهو الأسرع، بإمكانه أن يتعدى سبعة أيام في الساعة، وأمتلك، وأمتلك...". أذنا الابن وصاحبه لم تفتهما صغيرة ولا كبيرة من حديث "عارب هلال". وحين انتهى من استعراض ممتلكاته، عرض قضيته ومشكلته على "الفقيه" و"تلميذه" (أي على الابن وصاحبه) قائلا: "منذ أن تزوجت بها لم تفه بكلمة، وهي تكرهني وترفض مشاركتي إياها الفراش.. أتيت بالفقهاء والسحرة، لكن لا أحد استطاع أن يشفي علتها". قاطعه رفيق الابن قائلا: "إن زوجتك اليوم ستراها بدون شك كما ترغب أن تراها". امتلك "عارب هلال" شعور لامنتهٍ من الفرح. ووعد ضيفيه أن يمنحهما ما يريدانه إن هما استطاعا فعلا شفاء علة "حبة الزين". أحضر "عارب هلال" "حبة الزين" إلى ضيفيه. اندهشت من رؤية زوجها قبل أن يأمرها بإشارة خاطفة بالتزام الصمت إلى حين تنفيذ خطته. بدأ رفيق الابن يخلط ويرسم بعضا من الطلاسم على ظهر ورقة دون أن يعرف ما يكتبه. وعندما فرغ من الكتابة أمر "عارب هلال" أن يضعها في يد زوجته، فإنها ستشفى من كل سحر.. وما أن وضعت الورقة في يد "حبة الزين" حتى شرعت في الكلام، وكأن شيئا ما كان يمنعها من الكلام. كانت الفرحة عارمة، تلك التي عمت بيت "عارب هلال"، بحيث ارتفع صوت أمه تزغرد وتغني وترقض فرحا. وبعدها أمرت ابنها أن يلبي أي طلب يتقدم به الضيفان. وكان طلب الابن ورفيقه أن يجتمع معا وعلى مائدة واحدة جميع أفراد العائلة، بعد أن يتم تحضير طبق من الكسكس. أمر "عارب هلال" على الفور أمه بأن تعد الكسكس نزولا عند رغبة الضيفين. لكن "حبة الزين"، بلباقة منعت أم "عارب هلال" من القيام بالمهمة، وتكلفت هي نفسها بتحضير هذا الطبق، حتى تستطيع أن تقوم بنفس المهمة التي قام بها "عارب هلال" في منزلها يوم اختطافها. حضرت "حبة الزين" هذا الطبق، ووضعت المادة المخدرة نفسها التي وضعها "عارب هلال" لزوجها أمام الواجهة التي يجلس أمامها. وكما حدث لزوج "حبة الزين" حدث أيضا لـ"عارب هلال". لقد سقط أرضا وفقد شعوره. وكانت فرصة للابن أن يسترجع زوجته "حبة الزين". امتطيا هما ورفيقهما أحد جملي "عارب هلال" وعادا من حيث اتوا.. وحين استفاق "عارب هلال" من غيبوبته، حكت له أمه كل ما حدث. وسألها: "هل امتطوا الجمل الذي يقطع مسافة سبعة أيام في الساعة أم الذي يقطع مسافة ثلاثة أيام؟؟" الواقع أن الابن ورفيقه وزوجته امتطوا الجمل الأقل سرعة. وهذا ما سهل إمكانية "عارب هلال" اللحاق بهم في الطريق لأنه سيمتطي الجمل الأسرع. وقبل أن يلتحق بهم "عارب هلال" الذي انطلق بجمله السريع، لمحه رفيق الابن على بعد كيلومترات معدودة من المكان الذي وصلوا إليه، فكان مقترح هذا الأخير أن يتابع الابن وزوجته مسيرها بينما ينزل هو. ويسقط طريحا على الأرض بعد أن يخدش نفسه في وجهه وفي مختلف أنحاء جسمه، ويتظاهر لـ"عازب هلال" بأنه ضحية اعتداء من طرف رجل مر من هنا، هو وامرأة يمتطيان ظهر جمل.. هذا ما حصل بالفعل. فحين وصل "عرب هلال" إلى الرجل الطريح سأله عن الذي فعل به هذا. أجابه بأنه رجل صحبة امرأة ممتطيين جملا، مرّا من هنا قبل لحظات. فقال له عارب هلال: "اركب ورائي، فإن عدوك هو نفسه عدوي، وهيا لنثأر منه". فركب الرجل وراء "عارب هلال". وقبل أن يلتحقا بالابن وزوجته "حبة الزين" أخرج الرجل من جلبابه سكينا فطعن "عارب هلال" في ظهره فأرداه قتيلا. ثم واصل سيره ممتطيا جمل عارب هلال السريع إلى أن التحق بالابن وزوجته كي بخبرهما بما جرى. واصلوا سيرهم ممتطين جملي "عارب هلال". وفي طريقهم مروا بجانب أحد الأسواق.. ففكر الابن في التخلص من الجمل الأقل سرعة ببيعه حتى لا يعرقل عنهم الوصول مبكرا. نزل الابن من الجمل وترك زوجته "حبة الزين" راكبة.. ولجمالها الباهر، هب الناس فرادى وجماعات مشكلين حلقة لم يسبق لها مثيل في هذا السوق. منهم من له رغبة في شراء الجمل، ومنهم من جذب جذبا إلى "الحلقة" من طرف "حبة الزين" ذات الجمال الساحر.

بدأ أحدهم يستفسر ويستقصي مع الابن حول الثمن الأنسب للجمل. ولما اتفقا على القيمة الواجب عليه دفعها أجابه المشتري: "أنا كنشري جْملْ وما تجملْ"، فأجابه الابن: "نعم، بالطبع". وكان المشتري يقصد بـ"ماتجملْ" "حبة الزين" الممتطية ظهر الجمل. فشراء الجمل بالنسبة إليه يرتبط بألأساس ـ وهذا هو المهم ـ بحبة الزين الجملية... بعد هذه الصفقة التي كان ضحيتها الابن الذي حاول الاحتجاج وإبلاغ الشاري بأنه لم تكن بنيته بيع إلا الجمل. استسلم الابن للأمر الواقع بعدما أرغمه الشهود الذين حضروا مراسيم الصفقة.. كان مصير الجمل أن يذبح في السوق لأن شاريه يعمل جزارا.. أما تفكير الابن ورفيقه فظل منصبا على الكيفية التي تمكنهما من استرجاع حبة الزين..

ومرة أخرى كان ذكاء الرفيق هو الحد الفاصل بين عودة حبة الزين أو عدمه. وعده الابن إن هو استطاع أن يخلص حبة الزين هذه المرة من يد الجزار، أن يمنح له الذي يمتلكه في هذه الدنيا إن هو شاء. ذهب الرجل صحبة الابن إلى المجزرة حيث يشتغل ذلك الجزار، الذي اشترى من الابن الجمل. فوجداه قد عرض رأس الجمل للبيع في المزاد العلني. فاقترح رفيق الابن على الجزار ثمنا خياليا مقابل الفوز برأس الجمل، فقال له: "أنا كنشري راسك". فرد عليه الجزار: "إيه كتشري راسي". فأشهد عليه الناس قبل أن يقدم له الثمن الذي اتفقا عليه. فلما قدم له الجزار رأس الجمل، امتنع الرجل وأمره بقطع رأسه هو، قائلا بأن قصده هو ليس "رأس الجمل"، وإنما "رأسه هو". وما كان من الجزار إلا أن يستسلم ويرضخ لضغوطات الرجل المتمثلة في الإتيان بـ"حبة الزين" على الفور مقابل التنازل عن قطع رأسه. آنذاك شكر الابن صديق أبيه الراحل على وفائه وعلى ما كابده من آلام من أجل استرجاع زوجته، مذكرا إياه بالوعد الذي أخذه على نفسه تجاهه... فودعه وذهب كل واحد منهما إلى حال سبيله.

مرت الأيام والسنون، رزق الابن خلالها بثلاثة أولاد مع زوجته الحسناء "حبة الزين". ذات يوم فكر الرجل صديق الأب الراحل في امتحان الابن إن كان فعلا ـ مثلما كان أبوه ـ وفيا لعهوده وللصداقة التي جمعته به وبوالده.. فأرسل زوجته إليه تطلب له أولاده الثلاثة، مدعيا أنه مريض وأن الأطباء نصحوه بشرب دم الأطفال الصغار. كان النبأ بمثابة صدمة. فكيف للابن أن يمنح أطفاله الثلاثة، وهو أغلى ما يملكه، لذبحهم؟! لكن ما العمل؟ هل ينقض العهد الذي يربطه بهذا الرجل الذي يتهدده الموت إن هو لم يأخذ بوصية الطبيب؟!

"حبة الزين" أم الأطفال هي أيضا لم تستطع صبرا.. لكن لا شيء بمقدورها فعله أمام القدر. ما كان إذن على الزوجين ـ في جو من الرهبة والحزن الشديدين ـ إلا أن يستسلما للأمر الواقع، ليسلما أخيرا لزوجة الرفيق، رفيق الابن ورفيق أبيه سابقا، أبناءهما الثلاثة...

مرت سنوات عديدة، والأبناء الثلاثة يكبرون ويترعرعون في حضن هذا الرجل، لكن دون أن يدري أبواهم أنهم ما يزالون على قيد الحياة.. في إحدى المناسبات قرر الرجل الرفيق الوفي لأب الابن أن ينزل ضيفا هو وزوجته على الابن الذي سلم لهما أبناءه الثلاثة. وهي مناسبة أيضا لتقديم هؤلاء الأبناء إلى ذويهم. بالفعل، فبعدما حضرا كل ما يلزم لزيارة مضيفه من خبز ولحم وغيره، ذهبا لزيارة الابن مصحوبين بالأبناء الثلاثة. واستقبلوا استقبالا حارا من طرف الابن وزوجته حبة الزين. لكن هذه الأخيرة، برؤيتها هؤلاء الأبناء، ظلت تتذكر أبناءها وتقول سرا: "لو أن أبنائي ما يزالون على قيد الحياة لكانوا في عمر هؤلاء الأولاد تماما". ولم يرقْ لها فعل أي شيء وهي تعود بذاكرتها إلى التفكير والغوص في الماضي.

الرجل الضيف وزوجته أرادا أن يفاجئا الابن وزوجته حبة الزين حين تركا أمر إخبارهما بأن الأبناء الثلاثة الذين صاحبوهما هم أبناؤهم، إلى حين الانتهاء من تناول وجبة العشاء قبل أن يقوم بتسليمهم إياهما في جو من الفرحة التي لا توصف. آنذاك تأكد لصاحب وصديق أب الابن الراحل أن ابن صديقه يمكن أن يعول عليه مثل أبيه، وأنه نعم الصديق.. بكل ما تحمله كلمة الصداقة من معنى.  (يتبع)

 

الهوامش:

1 ـ نقلا عن علي فهمي خشيم (بحثا عن فرعون العربي)، صفحة 341.

2 ـ المرجع السابق، صفحة 341.

3 ـ نفسه، صفحة 344.

ملاحظة: كان بنيتي أن أقدم نص الحكاية بالأمازيغية ، لغتها الأصلية قبل ترجتمتها إلى العربية. لكني، مخافة أن أثقل على القارئ، اكتفيت بالترجمة لوحدها، ما دامت دراستي لم تركز عل الجوانب الفنية والجمالية للحكاية التي من شأنها أن تفقدها إياها الترجمة.

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.