Uttvun 70, 

Sinyûr 2003

(Février 2003)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

Max tsul tegdelt n izewlan imazighen?

Imazighen n Lmughrib

Tikli n walutv agd bungal Buzeggu

Agdud n tghessiwin

Yat n tebrat

I Mimunt umi turi

Attvan n usoarreb

Tamazirt inu

Asekud

Fus inu

Tissas n wawal

Awal

Français

Hourvari morbide d'"Attajdid" autour de la graphie

Le gouvernement Bouteflika

Faire honneur  amazigh, notre grand-père

2M TV et tamazight

La lettre 'O' en tamazight

La délégation d'Errachodia sort de sa caverne

العربية

لماذا الاستمرار في منع الأسماء الأمازيغية؟

حول اعتقال الأسماء الأمازيغية

الحزب الإسلاموي يحيي الظهير البربري من جديد

عندما يرتهن قدر المغرب بمصير الأمة العربية

استحالة تقعيد الأمازيغية باستعمال غير الحروف اللاتينية

عن النزوع الأمازيغي وهفواته

عن تعريب الأرض والإنسان

ميلاد مدينة الحسيمة

عبد الكريم الخطابي

أبو لهب ليس جدي

المعهد الملكي في مفترق الطرق

بيان لمجموعة من المثقفين الأمازيغيين حول الحرف

بيان استنكاري من النيف ضد أصحاب التجديد

أمازيغيون من ليبيا يهنئون محمد شفيق

إصدارات جديدة أخرى لمكز طارق بن زياد

 

عندما يُرتهن قدر المغرب بمصير وحدة ”الأمة العربية“ أو«أن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الخراب» (ابن خلدون)

بقلم: أعطّا (تنغير)

لا تخفى على أحد حدة الظروف التي يجتازها المغرب الآن، والمعضلات المتنوعة التي تقض مضجعه ويتخبط فيها، والتي تجعل المتتبع يخشى على مستقبل هذه الأرض الغالية ومن عليها؛ خاصة أن المؤشرات التي تسم هذا الواقع لا تنبئ بانفراج قريب. فمن غول الأمية الذي لا زال يحتضن الأغلبية الساحقة من المجتمع المغربي، إلى البطالة، والفقر، والجنوح بكل أنواعه. زد على ذلك نهب المال العام بشكل فظيع وفضائحي، وبالتالي امتصاص دم الشعب البئيس والاقتيات على أنّاته وحرمانه. وفوق كل هذا يعاني الشعب كله من أزمة استلاب واغتراب (من الغربة) قل نظيرهما في العالم، مع صعود التطرف العروبي والرجعي على التوالي بشكل مثير منذ 56 إلى يومنا هذا. ولأننا غير مقتنعين بالتفاسير والتاويلات... المقدمة في هذا الشأن لإبراز أسباب هذه الظواهر/الكوارث المختلفة، فإننا سنحاول فيما يلي ملامسة بعض الجوانب من هذه الأزمة/الأخطبوط، والبحث عن أصول استحكامها في شعبنا، رفقة العالم الشمال إفريقي ابن خلدون الذي يبدو أنه سبق إلى الحديث عن هذا الموضوع. فلماذا تُغضبنا آراء هذا المؤرخ الكبير ـ ونكرهه؟ أليس "عربيا من حضرموت" معقل العرب، كما نحن عرب!؟ فلننصت إليه إذن، فهو أدرى بنا من غيرنا!..

في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب“:

لم يمض على غزو العرب لشمال إفريقيا إلا مدة قصيرة حتى ثار المغاربة ضدهم لما قاسوه من ألوان العذاب والتمييز والجور من القادة الغازين. وقد كان المغرب في مراحل استكانته المؤقتة للسلطات الممثلة للأمويين ضعيفا جدا، لا إشعاع يذكر، ولا يعرف الاستقرار والأمن. ولم يهدأ الوضع حتى حكم المغاربة أنفسهم بأنفسهم، حيث عادت الروح الطبيعية للحكم في هذا البلد، وأجزاء من شمال لإفريقيا. وهذا ما تدل عليه حقبة البورغواطيين ثم المرابطين والموحدين على الخصوص، حيث استقل بشكل قطعي عن المشرق وتفوق عليه لأن نظام الحكم في هذه الحقب كان بروح طبيعية وليس اصطناعية. وبالتدريج تدحرج المغرب، وبشكل متفاوت إلى الدرك الأسفل كلما ارتبط بالمشرق وتحرك بغير روحه. فكما حدث قبل البرغواطيين وقع بعد المرينيين ـ مع بعض الاستثناءات ـ حيث سيدخل المغرب في مسلسل لامتناهٍ من اللاأمن، وسيتغلغل في جسده الفكر الخرافي ومختلف ألوان الممارسات المختلفة نتيجة دخول عناصر هدامة، مسلحة في بعض الأحيان، بإيديولوجيا ما يسمى بالعصبية. وإذا علمنا أن المغرب الأقصى ظل حصنا منيعا، لمدة طويلة، ضد هذه الجماعات المتشردة، بينما صارت بلاد إفريقية والمغرب الأوسط مسرحا لمسلسلها التغريبي، وعينا خطورة ما قام به الموحدون والمرينيون خصوصا (بعد ذلك) باستقدام هذه الجماعات الهلالية والسماح لها بدخول المغرب. فقد كانت بداية هذه الجماعات القليلة العدد على أرض إفريقيا في صعيد مصر، حيث استقدمها الفاطميون ليضربوا بها خصومهم، وبدأ شرهم من هذا المكان »حيث آذوا الفلاحين إيذاء شديدا« (الحسين مؤنس، "معالم تاريخ المغرب والأندلس"، صفحة 167)، كما عم ضررهم »وأحرق البلاد والدولة شرورهم« كما يقول ابن خلدون. وتخلص منهم الفاطميون بإقطاعهم بلاد إفريقية والمغرب الأوسط. وهكذا ساروا »كالجراد المنتشر لا يمرون على شيء إلا أتوا عليه«، »فأبادوا قبائل كثيرة« وفرت منهم أخرى (مؤنس نفسه صفحة 177). والسبب في كل هذا »أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم خلقا وجبلّة... ولأنهم يتنزلون من الأهلين منزلة المفترس من الحيوانات والعجم« (المقدمة لابن خلدون، صفحة 144 و 117). ورغم كل هذه الإبادات والافتراسات، يعبر المؤرخ الذي أعمت القومية بصيرته، حسين مؤنس، وبنوع من السادية الهمجية المنقطعة النظير عن سعادته قائلا عن الغزوة الهلالية: »لم تكن شرا... بل كانت شرا تأتى عنه خير كثير. وإذا كنا نفخر اليوم بالمغرب العربي فإن الفضل في ذلك يعود إلى أولئك البدو الذين عاشوا وانتهبوا بدوا مخربين«. وبنوع من الاستلذاذ البدائي والشعور بالنصر، أضاف: »لقد غير بنو هلال التكوين البشري لإفريقية والمغرب الأوسط ثم المغرب الأقصى فيما بعد، فأصبحت العروبة أغلب عليهم من البربرية« (مؤنس نفسه، صفحة 177). فهذا الذي يستلذ بمحو الآخر وإبادته ماديا ومعنويا، وغيره كثيرون جدا، هم جميعا من يشتكي مما يسمونه "التهويد" و"الاستغراب" (من الغرب)، ويتوسلون العالم المتحضر كي يجلس معهم على طاولة واحدة واحترام "ثقافتهم"، ويدعونه إلى مفاهيم لا يفهمون معانيها كـ"الحوار الثقافي الحضاري"، "التسامح الديني والثقافي"، "الاتصال والتثاقف"، و"احترام حقوق الإنسان".

هذه الطائفة الهلالية استعان بها المرينوين، بشكل خاص، كمن سبقوهم، في سحق معارضيهم وإقامة دولتهم. وفي هذه الحقبة بدأ »المخزن العربي يتشكل بشكل جنيني بجانب السلطان«(1). إلا أن الذين سمحوا لهؤلاء الهلاليين "المفترسين"، كما يقول عنهم ابن خلدون، من الفاطميين إلى المرينيين، لم يقدروا خطورة فعلهم، والأذى الذي سيلحق مناطق نفوذهم منهم، لأن »طبيعتهم (العرب) منافية للعمران ومناقضة له... وطبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران، وهذا في حالهم على العموم... فانظر ما ملكوه من الأوطان، كيف تقوض عمرانه، وبدلت أرض فيه غير الأرض... فعراق العرب قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع، وإفريقية والمغرب لما هاجر إليها بنو هلال وبنو سليم [حيث] عادت بسائطه خرابا كلها بعد أن كان بين السودان والبحر الرومي (المتوسط) كله عمران« (المقدمة، صفحة 118 ـ 119). وكما ترى، فكما خرب مغرب "البربر" خرب عمران فارس بالعراق، بل أكثر من ذلك »انظر بالمشاهدة إيوان كسرى، وما اقتدر فيه الفرس حتى أنه عزم الرشيد على هدمه وتخريبه فتكاءد عنه، وشرع فيه ثم أدركه العجز... فانظر كيف تقتدر دولة على بناء لا تستطيع أخرى على هدمه، مع بون ما بين الهدم والبناء في السهولة« (المقدمة، صفحة 140). وهذا العداء للبنيان عند العرب مطبوع فيهم إذ هم »أعرق في البدو وأبعد عن الصنائع« (نفسه، صفحة 282). فقد كان سكنهم في خيام متنقلة، وبما أن الطبع يغلب التطبع، فإن نسف البنايات في العالم وأكثرها سموا في أمريكا، وكذا التماثيل السامقة الشاهدة على عبقرية الإنسان بأفغانستان يعتبر استمرارا طبيعيا، وإخلاصا لعادات وتقاليد الآباء (هذا ما وجدنا عليه آباءنا الأولين!!). وهذا يقع لأن الدول "العربية" تتصدر لائحة الدول المتخلفة في العالم، فماذا سيحدث لو حكموا العالم وغلبوا سائر الأمم؟!

»”في أن الرياسة لا تزال في نصابها المخصوص من أهل العصبية“:

آمن العرب قبل الإسلام وبعده بأنهم أولى بالحكم من غيرهم لاستحكام العصبية فيهم وانغراسها في روحهم، مما يجعلها مانعة ثابتة لا يزحزحها دين أو ملة، وهذا منذ وفاة النبي محمد، حيث كادت الدماء تسفك بين القريشيين أهل محمد وعصبيته، والأنصار مضيفيه. ووفقا لمنطق العصبية كانت قريش أولى. وإذا علمنا »أن كل حي أو بطن من القبائل، وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام، ففيهم أيضا عصبيات أخرى خاصة هي أشد التحاما من النسب العام لهم« (صفحة 104 من المقدمة)، فهمنا جيدا سبب ما وقع في السقيفة، وبين علي وأبي بكر، كما سنفهم أيضا الارتداد الكبير على الإسلام بعد وفاة الرسول، إذ العصبية أولى من الدين. وتبدو الصورة واضحة للحكم القائم على العصبية عند الأمويين حيث شيدوا دولتهم لعصبة بين أمية، والشيء نفسه مع العباسيين ـ بدرجة أقل ـ المتعصبين لبني هاشم. فالعرب يحسون أن الدين لهم والحكم يجب أن يكون لهم أيضا. لهذا اشترطوا النسب القريشي للخلافة حيث »بقي الجمهور على القول باشتراطها، وصحة الإمامة للقريشي ولو كان عاجزا عن القيام بأمور المسلمين« (المقدمة، صفحة 153).

ومن يقول إن الأمور تغيرت بمرور أربعة عشر قرنا، فلينظر حوله؛ فإن كان قانون الطبيعة هو التطور من حال إلى حال، وإن كانت مختلف دول العالم تطورت وتغيرت وفق هذا القانون، فإن دولا أخرى ما زالت على حالها. فانظر إلى مهد ما يسمى بالقومية و"النهضة العربية بالمشرق"، حيث يتناقل الحكمَ والمناصب أفرادُ العائلة الواحدة ويولّي بعضهم بعضا، لتعلم أن ما يقصد بـ"النهضة" هو نهضة العصبية العربية القرشية القائمة على التمييز العرقي، بعدما كانت في حالة "كمون" في عهد العثمانيين. وانظر قبل ذلك إلى الأندلس ـ وإذا كان طبيعيا أن تسترجع إسبانيا أراضيها المأخوذة منها ـ فإن ذلك لن يقع لو لم تتقاتل عائلات ملوك الطوائف العربية أو العروبية فيما بينها وتستنجد بالإسبان (النصارى)، وتدفع لهم أقاليم الأندلس مقابل حمايتها وضمان بقائها، وحتى إن كان ذلك ضد المرابطين المجاهدين الذين عبروا البحر لنجدتهم كما سبق لجدهم طارق بن زياد أن عبر، وعبّد الطريق، وأخضع البلاد والعدو لهم!.. حيث سقطت مواقع »بخيانة أندلسيين من الذين قاموا على المرابطين«، ورغم أن النصارى يتأهبون للانقضاض على هذه المملك، إلا أن ذلك لم يمنع »قيام نفر من رؤساء النواحي في الأندلس بالثورة عليهم (المرابطون)« (الحسين مؤنس، مرجع سابق، صفحة 436). إلا أن المغاربة لم يتعظوا بهذه المواقف والعبر، وكم كانت كثيرة ومؤلمة؛ فبعد قيام الموحدين، هبوا مرة أخرى لنجدة من لا يعترف بالجميل، فكان جزاؤهم. »ففي معركة 1212م انخذل الأندلسيون والعرب تاركين الجناح الشرقي من الجنس الإسلامي مكشوفا... فانقض عليهم النصارى وأنزلوا بالمسلمين هزيمة قاصمة.. وبلغ من ثقل الخسارة... أن الإنسان كان يجول في المغرب فلا يصادف شابا قادرا على القتال« (مؤنس، نفسه، صفحة 44). ويتساءل هذا "المؤرخ" كيف لم ينتفع هؤلاء الأندلسيون بالفرصة في عهد المرابطين من تكريس أنفسهم للدفاع عن الأندلس؟ وبما أنه قومي عروبي فلم يعِ ما طبع عليه العرب، مما أشرنا إليه سلفا. فالعصبية للعرق أولى مهما كان الثمن. فإخوان الأندلسيين العرب البلديين، عرب الفتح، تخلوا عمن أسكنوهم من الأمازيغ في إفريقية »وانضموا للهلالية عند ما دارت بينهما معركة 1051م«. وهكذا، ففي عز المعارك والحروب والهزائم، وتضحيات المغاربة لأجلهم، أخذ هؤلاء "الأندلسيون" يتندرون بهم، ويتعالون عليهم حاسبين أنفسهم أعلى حضارة وأرقى جنسا من أولئك الأفارقة« (مؤنس، صفحة 436).  لهذا لم يتخلوا عن الحكم لغيرهم عبر التاريخ ـ وأن كانوا عاجزين ـ مهما كانت النتائج وخيمة والوسائل دنيئة. »فلو جعل الأمر في سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم« (المقدمة، صفحة 154). وما كان لنبوءة ابن خلدون أن تخطئ مهما تقدم الزمن. فانظر إلى المشرق، وفي القرن العشرين، كيف استجاب العرب أولي الأمر بشكل فعّال وآلي للسياسة العربية البريطانية الفرنسية حيث لعبوا دور اللغم في نسف الأمبراطورية العثمانية التركية من الداخل، كما فعل أسلافهم في المغرب والأندلس مع الإمبراطورية المرابطية والموحدية الأمازيعية. فكانوا بيادق تحركها يد الاستعمار فوق رقعة الإسلام لأنهم اقتنعوا منذ زمن أن الدولة لا ينبغي »أن تنبني على أسس دينية، ولكن على أسس عرقية«(2). فأصبح شرط القريشية المتفق عليه بعد وفاة الرسول ساري المفعول رغم مرور 14 قرنا، وتغير العالم. ورغم عجز العرب عن قيادة أمور المسلمين، إلا أنهم آمنوا »بأن الخلافة الإسلامية حق ينبغي أن ينفرد به العرب عن سواهم«(2)، ومن شابه أباه فما ظلم كما قال شاعرهم. وبما أنهم يؤمنون، كما يبدو، بقاعدة الغاية تبرر الوسيلة، فقد أقدموا على أفعال لم يسجل التاريخ مثلها، حققوا فيها السبق على الأمم الأخرى. وهكذا أُعلن »أن الشريف حسين والى لإنجليز أشهرها حربا على إخوانه في العقيدة«(2) سنة 1956. وقبله، وبشجاعة ووفاء العرب النادرين »ذهب ضابط اسمه عزيز علي المصري أبعد من هذا حينما عين على رأس حامية ليبيا فأخل بواجبه إذ سلم ذلك البلد المسلم للإيطاليين عام 1911«(2). وفي هذا الجو المفعم بروح الخيانة والخذلان انعقد أول مؤتمر القومية العربية في باريز سنة 1913... بينما عمل عميل الإنجليز نور السعيد باشا الشهير، فحرر مشروع الميثاق وعرض على مجلس الحكومة الإنجليزية سنة 1942 فوافق عليه«(2).

استمرار الإرث الأندلسي الأموي بالمغرب:

وبينما يقوم عرب المشرق، أحفاد الأمويين، بـ"الثورة العربية" على النحور المبين أعلاه، قام إخوانهم بالمغرب، على قدم وساق، فضغطوا على السلطان ليعقد معاهدة الحماية، بعد أن لم يكتفوا بوضعيتهم كمحميين لدول أجنبية أخرى. وكل هذه الحمايات ممن؟ من "البربر" بالطبع الذين لم يشفع لهم إسلامهم في شيء، ولا جميلهم التاريخي أيضا! لأنهم "بربر"!... وكانت مدة احتلال المغرب كافية لهذه الطائفة/الثلة لتعيد حساباتها، وتخطط لكي تستأثر بكل شيء وتحكم شعبا "بربريا" (حسب تعبيرها) وتوجه مصيره كيفما تريد، وهو ما تحقق فعلا. فقد تعلم رواد هذه الجماعة على يد خونة الإمبراطورية التركية (العجمية). زد على ذلك ما ورثوه عن أجدادهم من "الفنون" بالأندلس الذين تحدثنا عنهم سابقا. وكان المغاربة الأحرار كرماء مع الأحفاد كما كانوا مع الأجداد. وهكذا نسوا كل الخيانات وانتشلوهم من البحر، بعد ما رمى بهم الإسبان، فأطعموهم من جوع وآمنوهم من خوف. وربما أن أدلجة الدين فعلت فعلها في تاريخ المغرب عند دخول العرب، وبما أن »الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم« (المقدمة، صفحة 126)، فإن هذه الثلة من المطرودين تمكنوا من اعتلاء المكانة نفسها التي كانت لهم في الأندلس بفضل معرفتهم للغة الدين. وبما أنهم الأمازيغ وضعوا المعروف في غير أهله، فلا بد أن يلقوا مثل ما لقيه أجدادهم من جزاء لأنه كما قال أحد الشعراء العرب الذي خبر قومه:

ومن يجعل المعروف في غير أهله    يكن حمده ذما عليه ويندم

وقول آخر:

وإذا أكرمت الكريم ملكته    وإذا أكرمت اللئيم تمردا

فأحفاد هؤلاء إذن من تآمر على الأمازيغ، وصاغوا أسطورة "الظهير البربري" التي دمروا بها الأمازيغية من كل جوانبها، ووأدوها كما وأد آباؤهم الأولون الفتيات وهن حيات. فمن فُطر على شيء يلازمه (حولْ جبلْ ما تحولْ الطبيعة). فكان مرة أخرى عاديا ـ وفاء للأولين ـ أن يصرح حفيد بعضهم، بعدما كان من الذين كافأتهم فرنسا على تعاونهم في "إكس ليبان"، بأن الجيوش الفرنسية ستنجلي من المغرب، والمشكل هو كيفية جلاء "البربر" (انظر البيان الأمازيغي). فانظر كم هو خطير هذا التصريح/النموذج المنعدم النظير في العالم. في فلسطين قال الفلسطينيون إنهم سيرمون إسرائيل أو اليهود إلى البحر. وهناك من تفهم موقفهم، فهم شعب محتل، لكن لم تقل إسرائيل مثلا، وهي الوافدة (كدولة) على أرض فلسطين بأنها ستجلي الفلسطينيين من أرضهم!!... في المغرب تعكس الآية. فأحرار المغرب انتشلوا واستضافوا وأقطعوا وسوّدوا من سيفكر في جلائهم، بل ويعلنها! كم هو التاريخ قاسٍ وغير منصف لأهل هذا الشعب! وبما أن إجلاءهم ماديا يتطلب إبادة كلية لشعب بأكمله وهو أمر غير ممكن، فقد تكلف المستعمر بإبادة الرؤوس الرافضة للذل، والمرتفعة والحاملة للإباء والعزة، والأبطال الحقيقيين الذين لم يستكينوا لأحد منذ فجر التاريخ، أبا عن جد. أما المتعاقدون مع المحتل فقد تكلفوا بتصفية الثلة المتبقية الناجية من بطشه ليخلو لهم الميدان والطريق إلى المناصب بعد ذلك. وهكذا بعد الإجلاء المادي لرموز الحرية والتضحية جاء الإجلاء المعنوي، وهو الأخطر، ويقصد به الإجلاء الثقافي والهوياتي واللغوي للشعب أجمع. وبما أن مأساة تامازغا واحدة، فإن شهيد الأمازيغية معتوب لوناس قال في إحدى روائعه:

- Ula cwi tedja Fransa zuooma ar kul mmuten

- Widdegh deg qqimen ass a gel weqlen ured banen.

»في أن السيادة والكسب إنما يحصل لأهل الخضوع والتملق«:

وبما أنهم طردوا من الأندلس ونجوا بأبدانهم، فقد ظلوا غير مستوعبين لصدمة الخروج من "الفردوس المفقود" المسروق، حيث عادوا بمفاتيحهم واحتفظوا بها، ولم تفارقهم أحلامهم بالعودة إلا بعد أن شيدوا وشكلوا بطريقة أو بأخرى فردوسا آخر في المغرب خاص بهم. و"دهاؤهم" مكنهم من ذلك، فهم ، حسب الأستاذ منيب، كانوا »عائلات يهودية أسلمت على يد الأمازيغ«. زد عليهم بعض أحفاد الأمويين الماجنين الذين خلعهم المغاربة وعزلوهم في نجداتهم المختلفة لإقليم الأندلس. أما البضعة من بني هلال، فلم تترك لهم طبيعة التوحش التي جبلوا عليها أية فرصة حتى للتفكير في العمران، بعدما ألفوا العيش في الفقر والعراء. هكذا تمكنت الطائفة الأولى من بناء فردوسها، سالكة حيلا خسيسة في أحيان، وسعت منذ وضعت قدمها على أرض المغرب إلى إظهار »عظيم الخضوع والتملق للسلطان وحاشيته وأهل نسبه... حيث تجد كثيرا من السوقة يسعى في التقرب من السلطان بجده ونصحه، ويتزلف إليه بوجوه خدمته حتى يرسخ قدمه معهم... وينظمه السلطان في جملته... وينتظم في عدد أهل الدولة« (المقدمة، صفحة 309). هكذا يتم التغلغل تدريجيا حتى يشمل كل أسلاك أجهزة الحكم. ولحماية كل هذه الامتيازات لم يترددوا في الاحتماء بالنصراني الصليبي، الذي طردهم من الجنة الأولى. والاستراتيجية نفسها التي تعومل بها مع سلاطين المغرب، تم نهجها مع حاميهم. وما المآدب والأمداح الشعرية إلا عربونا وبداية التملق والتزلف، الذي كلف دماء الشعب التي سالت بها سفوح جبال المغرب ووهاده، بإبادة آلاف المقاومين المسلحين بأنفتهم ورفضهم الخضوع. وبقدر ما كانت نتيجة خيار الشعب مأساوية، بقدر ما كانت ثمار الطائفة الأولى جزيلة، حيث لم يتنكر لها المستعمر، وجزاها أفضل الجزاء على تملقها وتواطئها، لأنه كان »دأبهم الخضوع له والمتملق والاعتمال في غرضه متى ذهب إليه... فيتسع جاههم وتعلو منازلهم« (المقدمة، نفسه). فما كان للسياسة العروبية للمستعمر أن تفشل في المغرب وقد نجحت بشكل باهر في المشرق. فاليوطي والمقيمون العامون الذين تلوه كانوا جميعا عربوفيليين Arabophiles بشكل بيّن، في مختلف خطبهم وممارساتهم. لهذا خرجت العربية بعد الاحتلال أقوى مما كانت عليه طوال أربعة عشر قرنا. بينما أعلن عن بداية النهاية/الموت للأمازيغية انطلاقا من 1956. ورغم كل هذا، يتجرأ هؤلاء المسمون عسفا بـ"الوطنيين" أو "الحركة الوطنية"، ويصفون الأمازيغ "بحفدة ليوطي"، وغير ذلك من الأوصاف التخوينية.. والحق الذي لا غبار عليه أن ولي خيرهم ونعمهم وضياعهم... هو المحتل الفرنسي الذي اغتصبها من أهلها بظهائر عدة وسلمها لهم بعد 56 جزاء على تزلفهم وتملقهم و... بينما رمي بالأمازيغ في الجهل بين الجبال، وحكم عليهم بالسكوت المؤبد. أليست هذه هي "السياسة البربرية" الحقيقية؟؟... فأبناء الشعب الذين ضحى آباؤهم بكل ما يملكون من أجل الأرض ظل مصيرهم مجهولا وبيد غيرهم. وهكذا بقيت »ناشئة الدولة حينئذ من أبناء قومها الذين ذللوا صعابها ومهدوا أكنافها مغتربين لما كان لآبائهم من الآثار وتشمخ به نفوسهم ويعتدون بآثاره... لا يحصل لهم من الجاه [شيء] ويصيرون إلى الفقر والخصاصة [لأنهم] يقتصرون في التكسب على أعمالهم« (المقدمة، صفحة 308 ـ 309) وليس على التزلف والتملق، لأنه ليس من شيمهم. فأجدادهم لم يتزلفوا لأحد كما لم يقبلوه من أحد. ألم يكن يوسف بن تاشفين، مثلا، يطرد المادحين المتكسبين بكذب الكلام الموزون المقفى، ولا يسمح لهم بمدحه؟؟! فأين سمعت أو رأيت، أيها القارئ، شخصية عربية رفضت المدح شعرا عبر التاريخ؟...

وبعد أن نجحوا تواطؤوا في تسمية شمال إفريقيا بـ"المغرب العربي" وعمدوا بكل السبل إلى "إثبات" عروبة هذه الأرض. فحاولوا، بما أوتوا من قوة في خطوة أولى احتكار ددواليب الحكم، واستأثروا بنوع من الوظائف وأقصوا غيرهم. كما وقفوا ضد قانون التعددية الحزبية في المغرب، أسوة بمعلميهم في الشرق، وضد قانون حول حرية التعبير(3)، وذلك لبسط السيطرة التامة. إلا أنهم فشلوا بشكل ذريع في منع "التعدد"، وما زالوا إلى حد الآن يتكلمون بمرارة عن تنظيمات إدراية (يقصدون الحركة الشعبية) اختلقت في نظرهم للحد من "شعبية" حزبهم، هذه "الشعبية التي جعلت عدي أوبيهي يتمرد، والريف يثور؟!.. فليقولوا السيطرة والهيمنة، والقبضة الحديدية التي يريدون إحكام الشعب بها، وليس "الشعبية" التي لم تحظ بها أحزابهم يوما. أما الشعبية الحقيقية فهي التي تمتعت بها "الحركة الشعبية" ولم تستغلها ـ لأسباب معروفة ـ لخدمة المطالب الحقيقية للشعب المغربي. إلا أن كلا الأمرين سيان. فنتائج سياسة هذا التكتل، وما اشتق منه، ليست أقل خطورة عن أحزاب اللاوطنيين. ورغم الفشل في تكوين القوة الوحيدة في المغرب، إلا أن هذه الطائفة، بما أصبح لديها من أسباب القوة، تمكنت من توجيه مصير بلدنا. فجعلته أندلسا أخرى، وملحقة للأمويين الجدد بالمشرق، وكأن التاريخ يعيد نفسه. فاستمرت البلايا تأتي من هذه الجهة، وجاء دور القومية العربية العرقية التي هبت على شمال إفريقيا كرياح "الشركي" تحرق كل ما مرت به. فعجبا لهذه الطبيعة! حتى الرياح التي تأتي من هذه الناحية عقيمة لا تحمل إلا الرمال والحرارة القاتلة. فكانت هذه القومية رحلة هلالية أخرى أشد عنفا، وما كان لهذه الرياح أن نزعزع أحدا في المغرب الأقصى لو لم تُخلق أسطورة "الظهير البربري"، ويُخوّن مسبقا كل من رفع صوته مصرحا بأمازيغيته، ولو لم تغلق المدارس! وتنشّط الطائفة المعلومة جامعها العروبي لغرس أفكارها وقيمها. فكان على الأمازيغي، والحال هكذا، الخيار بين أمرين: إما أن يموت رمزيا، مؤقتا على الأقل. وهذا حال الأقحاح الأحرار، أو أن ينسلخ وتضعف نفسه ليصير "أشلحي ن سربيس"، إذ يصبح آلة في أيدي موظِّفيه لإبادة ثقافة بني هويته ولسانه. وعلى هذا النحو ظهر العديد ممن درسوا بالقرويين وانتقلوا إلى القاهرة أو دمشق ليعودوا بعد ذلك، وقد شحنهم أسيادهم المشارقة بأفكارهم المسمومة حول الوحدة العربية، أو ما يسميها البعض بـ"الأمبريالية العربية"(3) المبنية على آراء المستشرقين والتجارب القومية كالألمانية(3)، فعاد هؤلاء المشحونون، وحبل سرتهم موصول بالمشرق. وقد تعلموا مزيدا من التملق والتزلف بالإضافة إلى الخبث والنفاق، مما أكسبهم الجاه "الثقافي والعلمي" الذي يتمتعون به. فهم من جهة يتزلفون لمربيهم الذين يسمونهم بـ"الحركة الوطنية" حيث يقرضونهم مدحا وإطراء في مختلف مؤلفاتهم، ثانيا، يتملقون لأسيادهم (العرب درجة 1 و 2) بالشرق، أولياء نعمتهم، وخاصة عند إنشاء ملحقات للحزب العجوز الذي تفكك وتشذر، وملحقات "البعث" في المغرب. وما زاد الطين بلة هو اغتناء بدو العرب بأموال النفط الذي جلسوا عليه قرونا من الزمن غير مدركين قيمته وطريقه حتى جاءت شركات العالم الأمبريالي، مما زاد من تبعية بلادنا لأقطار الشرق حيث كثر المتزلفون المستعدون لبيع كل شيء مقابل الكسب والرزق، فنشأت طبقة من أشباه المثقفين الرديئين الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية التنظير لمصير الأمة المزعومة. وبما أن تحقيق الوحدة فشل بشكل ذريع ولم يعد أحد يمنح قليلا من المصداقية لأجهزة هذه الوحدة في منبتها بالشرق، ولم تعد حتى شعوب تلك المنطقة تؤمن بشيء من هذا القبيل، حيث أصبحوا ينظرون إليها باعتبارها »ليست في الحقيقة إلا نقابة عادية لأنظمة غير منتخبة«(3)، وبعد أن غير بعض المثقفين العرب »آراءهم إذ هربوا من استبداد الشرق نحو العالم المتحضر الديموقراطي بالغرب«. ورغم أن بعض هذه الدول "الشقيقة"، وحتى جهاز "الجامعة العربية" تآمروا على وحدتنا الترابية، وأردوا اقتطاع أرض المغرب الأمازيغية لزرع دولة قائمة على العرق العربي، ورغم المحاولات التي وقفت وراءها لزعزعة أمن المغرب في فترات الهيجان البعثي وهيستيريا الاشتراكية العربية، ورغم تصريح بعض القادة باحتضان أرضه لعصابات "التحرر" وتدريبها... فإن أشباه مثقفيها ما زالوا متشبثين بتنظيراتهم الفارغة، وذلك خوفا على اقتطاع الرزق وتلافيا لغضب الأسياد، مدعومين بكتل سياسية بعثية من بلدنا، أي ما يسمى بأحزاب »اليسار التي استفادت من دعم أنظمة مثل مصر والجزائر بعد ذلك«(4). وهكذا دعا بعضهم إلى إبادة اللهجات لتحقيق الوحدة اللغوية "للأمة العربية". والأكثر من ذلك أن هذا الشخص دعا بشكل غير مباشر إلى إبادة الدارجة المغربية حيث لا يفهمها ولا يستطيع تمييز بعض مصطلحاتها التي يجب إبدالها بأحرف عربية لتكون مثل اللهجة المصرية أو السورية (برنامج "مدارات" بالقناة الأولى في حلقة 4/12/2002) اللتين يفهمهما كثيرا. صديقنا إذن يقول إنه مغربي لكنه لا يفهم الدارجة ولا الأمازيغية!!.. عجبنا كثيرا كيف لم يرجع بعد عن غيه ولم يستفق من سكره، وهو يشتكي في برنامج تلفيزيزني من صعوبة الدارجة المغربية! فلو قالها مشرقي لتفهمناه، أما أن يقولها مغربي لا يعرف الأمازيغية مثلا، فهذا من قمة الاستلاب الممرض. وهناك آخر مثل الجابري، وهو عبد الإله بلقزيز الذي اعتبر مصير الوحدة العربية هو مصير المغرب، وكل شمال إفريقيا، كخيار وحيد أمام هذه البلدان المغاربية التي يجب أن تتوحد أولا في إطار المغرب العربي (واحدة من المستحيلات كذلك).

وإذا علمت أن أهم صفات المتملقين من المثقفين والسياسيين هي:

ـ موت الضمير الإنساني والأخلاقي

ـ انتفاء المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الإنسان في حياته والوفاء لها، وأن كانت غير نبيلة.         

ـ استعداد المتملق للقيام بأي شيء مقابل إرضاء سيده وتحسين حظوته لديه، من القيام بالمهام المتسخة إلى التنازل عن بعض مواقفه التي يقوم عليها وجوده، حيث يكتم الغيظ في نفسه ويبدي موافقة السيد على كل ما يصدر منه وإن تنافى مع بعض مصالحه، فتراه يتلون ويتغير تبعا لذلك.

فإن خبرت هذه الصفات وغيرها وقفت بنفسك على تفسير الظواهر الغريبة (كما تراها الدول السوية) التي تلاحظها، من كبار المسؤولين "المثقفين" والسياسيين. وأضرب على ذلك مثل أعداء الأمازيغية التاريخيين الذين وأدوها بالأمس، وفي هذا اليوم يباركون خطوة صاحب الجلالة بإنشاء المعهد الأمازيغي رغم أن عيشهم ـ كما يريدون ـ لا يتحقق إلا بموتها. ولك أن تنظر أيضا كيف تمخزن من ادعى العداوة التاريخية للمخزن، وافتضاح أمر قادتهم الذين يشكل 70% منهم عملاء لمخابرات هذا المخزن، كما روى ذلك البخاري. وغير ذلك كثير... وبما أنهم لم ينجحوا في الاستحواذ على السلطة كلها ـ عندما تقمصوا دور المعارضة ـ فلماذا لا يرضون بنصيب منها؟ فذلك لن يكلف شيئا غير ذممهم، وهي أرخص ما لديهم، فآباؤهم علموهم كيف يلزمون أهل الجاه والسلطان. ولهذا كان من الطبيعي أن يسود التملق والتزلف كل مناحي الحياة الإدارية والسياسية و... بالمغرب بين الرئيس ومرؤوسه. فذلك بدأ من المحيطين بالسلطان والأقربين له. ولك أن تحكم بنفسك على أولئك الذين أخذهم الغيظ على سلام الأمازيغ الحار على جلالة الملك الذي لم يتضايق من تحيتهم الصادقة، فسارعوا إلى ممارسة الرقابة على النشاط الملكي في وسائل الإعلام... وكأن صاحب الجلالة هو ملك البعض، بينما هو ملك الشعب. قلنا، وفق الظروف أعلاه، إنه أمر عادي أن يحكم التزلف مجمل العلاقات داخل المجتمع المتخلف عموما، والمغرب خصوصا، حيث أصبح آخر شيء يمكن الحديث عنه هو المحاسبة. فالشعب "بربري"، ولماذا المحاسبة! لهذا انفجرت فضائح أبناك وصناديق أموال الشعب وميزانيات كفيلة بإخراجه من بؤسه. وتخبرنا بعض الصحف أن المسؤولين الكبار تسرب بعضهم إلى الخارج كأنه خيط دخان، أما الآخرون فهم ممن يسمى بـ Intouchables. والسبب في هذه السيبة »أنهم ليس لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض، إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبا أو مغرما« (المقدمة، صفحة 118). كيف لا وهم يدعون عروبتهم ـ وما ذكره ابن خلدون بعض من طباع العرب ـ فإذا تجاوزنا عنهم وقبلنا ادعاءهم، فهم سينتسبون إما إلى الطائفة الهلالية المشبهة بالجراد أو الأندلسية الذين قهروا المغاربة بالجبايات والمغارم، بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقا من "أفضال" الطائفتين العميمة على المغرب وأهله. لأن »من طبيعتهم أخذ ما في أيدي الناس، خاصة والتجافي عما سوى ذلك... فإذا توصلوا إلى ذلك وحصلوا عليه، أعرضوا عما بعده« (المقدمة، نفسه، صفحة 118 ـ 119). لهذا السبب التاريخي عم الفساد المالي والرشوة حتى أصبح تخيل المغرب دون رشوة أمرا صعب الورود إلى الخاطر، وغير مستقيم. والنتيجة كانت كارثية على الشعب الذي نراه غارقا في أوحال الأمية والحرمان والاستلاب، إذ صار أبناء البلد يكرهون أنفسهم وبلدهم ويعشقون إما الشرق أو "الغرب"... حيث يمارسون نوعا من المازوشية القاسية المؤلمة. لم يجد أغلبية الشباب فكاكا وخلاصا منها إلا بالارتماء في البحر أملا في الوصول إلى جنة الضفة الأخرى. وهذا أيضا نوع من الجلاء الذي تحدث عنه صاحبنا بعد 56. لكنه جلاء مثمر ينتج عملات ذهبية لا تعد ولا تحصى. إن العاقل من يحسن الإيقاع بالشهم، لأن العرفان بجميله إثم يحرجه مدى الحياة. لذا وجب محوه لكي لا تصير عبد فضله.

لقد فشل مشروع القومية والوحدة والأمة العربية لأنه ابن لقيط لحب كاذب بين القوى الإمبريالية وبعض وكلائهم في الشرق. فكان فشله في المغرب مضاعفا. فالصراعات التي تجمع بين الدول الأعضاء في هذا التكتل الشبح أكثر من كل الصراعات التي تجمع كل الدول في التكتلات الأخرى. والدسائس المتبادلة والمؤتمرات تفصح عن نفسها بشكل أفضل من أن تذكر، والمبادلات التجارية بينها أضعف كلها من مقارنتها بمبادلات عضو واحد بإحدى الدول الخارجية. وصار المغرب في كل هذا بلدا "عربيا" من الدرجة الأخيرة (وليس الثانية)، واعتبر بلدا متخلفا أكثر كلما قورن ببلدان أخرى داخل الكيان المتخلف. وفي كل الميادين، وخاصة الثقافي لأنه اعتبر نفسه عربيا فكان عليه أن يحتقر نفسه أمام ذكاء وفصاحة المشرق والخليج!.. يالها من مكانة! أين كبرياء المغاربة الأحرار!!.. لكن من قال إن العزة والإباء من صفات المتملق؟(يتبع)

الهوامش:

1 - L'amazighité: une marocanité spoliée d'un Maroc pluriel, par A.Agnouch, Tawiza n057.

2 ـ "من أجل مغارب مغاربية بالدرجة الأولى"، مقال "نشأة القومية العربية" محمد شفيق، صفحة 231 إلى 241.

3-  La thèse de Mustapha Elkadiri: “Maroc: l'Etat national et les berbères”, la 1ère et la 2ème parties.

4 - Le rapport de “Democraty coalions project” sur les droits de l'homme et les relations extérieures du Maroc, Demain Magazine, n° 87.

:   

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.