Uttvun 73, 

Semyûr 2003

(Mai 2003)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

Is d amezwaru n uneggar n umyey Ufqir?

Lhefyani nigh tifuzzvert n tughemsa tuoerbent

Uccen d yinsi

Timessunam n imazighen

Aghuyyi n ulezruy

Anazur yetwattun

Awujil war aytmas

Azzel d awi

Di reorasi

Gar amghar

Issi d tissit

Ma s tyid aneslem

Min ghad yinigh

Sfeld zari oafak

Tamurghi

Yedjis n dcar inu

Français

Les cinq péchés insolubles de l'être amazigh

De la toponymie d'Alhuceima

 Diaspora de la communauté amazighe au Canada

Différents procédés dans la création néologique en tamazight

Amazighs et autres, otages du Baât de Saddam

La femme et sa journée internationale

Pour sortie l'oriental de la marginalisation

Propositions pour améliorer tifinagh

العربية

هل هي بداية نهاية أسطورة أفقير؟

أن يكون المرء ذاته فتلك هي الحياة

عن النزوع الأمازيغي وهفواته

مستقبل الأمازيغية على ضوء كتابتها بتيفيناغ

مفاسد الاغتيال اللساني

إتنوغرافية رقصة إحيدوس

لغتي جميلة

مكالمات إلى الكنكو تؤدي ثمنَها تاويزا

بيان تضامني للاتحاد الوطني لطلبة المغرب

بيان لجمعية تلفراوت

بيان لجمعية تيفاوت

بيان استنكاري لمحمد أوشري

تأسيس جمعية تيفاوت

بيان لجمعية تافسوت

بيان لجمعية تامينوت بتيمولاي

 

مفاسد الاغتيال اللساني

بقلم: بوشخار حمو (الخميسات)

««Tu ne diffères pas davantage de moi que ta jambe droite de la gauche, mais ce qui nous intéresse est le sommeil de la raison qui engendre des monstres» “George Bataille, «théorie de la religion», Gallimard 1973, page 145.”

عندما تم استعمال علامة "اللهجة" في قاموس التلفزة المغربية، كان المقصود من هذا التوظيف هو تسليط نوع من القهر  على تامازيغت كلغة، أي سحب وضع لغة عن تامازيغت. وكان ثمة اعتقاد وهو واهم، أنه سيتم تهديمها لينتهي الأمر إلى وجود لهجات بالنسبة للغة. وأن القفز عل هذا المعطى الأساسي والحاسم لن يقود إلا إلى كوارث ميتافيزيقية. سنعمل على التنبيه لها خلال السطور الموالية.

مسألة مناقشة: هل اللغة وضع أم اتفاق؟ واحدة من الكوارث، لماذا؟ لأنها موضوعة وليست نابعة من عمق المسائل التي تقض عقول الناس. أي أنهم يأتون على نعت الأشياء بنوع من التواطؤ سيجر معه التباسا وخلطا في الرؤية أنتجت أكبر كذبة قياسا على أعظم وأكبر قضية لغوية عرض لها لغويو العربية القدامى أثناء فترة التدوين، وتبعهم فيها المؤرخون الجدد دون تدقيق أو تمحيص.

يسلم أغلب الناس أن اللغة وضع ولو لم يشاؤوا ومن حيث لم يحسبوا، ما لم ينتبهوا إلى أن ما يسمى اليوم لغة عربية ما هي إلا مجموع اللهجات التي كانت رائجة ومستعملة على نطاق واسع أو ضيق في شبه جزيرة العرب، تم لواحدة منها ـ لهجة قريش ـ الهيمنة، طبعا بمساعدة عوامل خارجية: تمثيلها لمركز تجاري مهم ولوجود ساكنة غفيرة، وأساسا تسييد الجانب الروحي، القفزة الهائلة لسكيزيفينت بدويي جزيرة العرب، أي التي عملت على شطر قسمين: الطرف المتعلق بالأرض والثاني المثبت للسماء. لعامل وهاجس تجاوز الواقع اللهجي أثر سلبي ما دام أن عملية التجميع وتذويب هذه الاختلافات اللسنية التي تنهض عليها القبائل ترتبت عنها أكبر جريمة في تاريخ البشرية. لم تستطع أكبر أكاذيب الوحدة والتوحيد إخفاءها وطمسها وكل ما حدث أنها هجرت للهامش والإبقاء على عدم النظر فيها.

"الردة" الوحيدة التي سجلها التاريخ، وإن كان بشكل متأخر في هذا المضمار، هي ظاهرة الشعوبية، وإن تم تفقيرها من خلال مواجهتها بنوع من الاختزال.

كي لا يتوزع القول، سنروم التركيز على هذا الهول الذي تم الإضراب عليه(1)، الأمر الذي لا يعني عدم وجوده. ويبقى الانتباه له دقيقا لتطلبه رؤى مختلفة يتم نعتها بإضفاء الطابع الديني عليها حتى تسهل إدانتها بالبدعة. إن البدعة بما هي نظرة حديثة ومغايرة للسائد لا تني تقزم سلالة الثقات المزهويين (ر.رشار) والرافعين للواء الدغمائية. فتحت هذا الكل الذي يتصف بالتوحيد، ويزعم الوحدة، هناك وحدات أخرى ضرورية للنهوض بالكلية. إن طمسها لن يثير الانتباه إلا في زمن متأخر. وتكون حجة على قدسية لسان ما، أي اتخاذه لصفة التعالي والمفارقة ما دام قد تم إلغاء الجزء التاريخي الذي نهضت اللغة عليه. والمقصود طبعا هو اللهجات. إنها أوكسجين اللغة. وما أن يتم خنقها حتى تتجلط الدماء، وبالتالي الحكم عليها بالتكلس وعدم مجاراتها للواقع. عملية التواصل من خلال التطعيم ستبقى واردة وإن بشكل ضمني. لكن الكارثة، كل الكارثة، أنها يمكن أن تنتج أعظم وهم يمكن الارتقاء به إلى مراتب عظيمة وبتبجيل.

إن العربية كلغة الضاد هي كذلك، وهذا مفخرة ما دام قد أسالت هذه الظاهرة الكثير من المداد. وما المعاجم التي جمعت في هذا الباب إلا دليلا على إعجاز وعبقرية هذه اللغة التي لا تضاهيها أية لغة علاقة بشفاه الأقوام والأعراق المنتشرة والمتنافرة على وجه الواقع، والتي يتم النظر إليها كمتدنية وبازدراء ضرورة. في تحليل لقصيدة "البردة"(2) التي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم... سيعرض الكاتب لمعاني القصيدة الصوفية ويتوقف طويلا عند مفردة :"بانت" ليكشف فيها عن معنى "البين"، أي البعد، وعن معنى "الظهور" و"التجلي". بعد إبراز المعاني المتضادة يستنتج أنها واحدة من الكلمات الأضداد. وأمام هذا الزخم اللغوي الذي يميز هذه العربية، والانبهار الذي يخرس القارئ، مع انقشاع سحب العبقرية، سؤال وحيد يطفو إلى السطح، وهو سؤال من باب المزاح فقط، ما دام أن أحد شروط الإعجاز هو العماء بما هو تسليم دون مساءلة أو تساؤل. لتبقى المزحة الوسيلة الوحيدة في مراودة التساؤل إن لم تكن الإحاطة بهذا الجنون البليد. وأتخيل: تطلب من الواحد أن يشرب لكنه يعطش. وبدلا من أن يروح يأتي، يأكل لكنه يصوم، أن يثور لكنه يخمد، أن توقف العالم على رجليه كي يسرع لكنه يبطئ.

إنه العالم الضد، عالم اللامعنى والاختلالات. لكن من يدري ربما خرج العقل من خطواته، ولم ينتبه لزلاته. هكذا نتوهم أن الغرب متقدم/متحضر لكنه متخلف (على المستوى الروحي سيقول الفقهاء) وما تخلف أهل العربية إلا سوء فهم، إنهم متقدمون روحيا (وهنا وجب التشديد على جاهلية الغرب).

سحابات غبار وراء سحابات ولا يبقى سوى التشبث بالأرض حتى انقشاعها. ويأخذ الوضوح في الزحف ولو بطيئا على ما عد كوبيرنيكية فقهاء اللغة في حين أن الاكتشاف (اكتشاف الأضداد) لا يزيد عن "ملاحظة سطحية وغير دقيقة ترى الأضداد في الطبيعة (...) في كل مكان حيث لا وجود لأضداد وإنما الاختلافات في الدرجة فقط"(3). إنها العدوى التي أعطت كل هذا الكم الهائل من الجثث ـ ما دامت كتبا وقواميس ولدت ميتة. وفي ظل الحماس الذي عم فترة التدوين كتبت لها شهادات ولادة مزيفة. لا أحد اليوم يستعملها إلا من باب حيازة لقب راسخ في العلم.

في هامش من كتاب: "نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب" لأمجد الطرابلسي، واجدون لأسماء عدد من المؤلفين المشهورين في باب الأضداد. "وقد جمعت فيها الألفاظ التي يستعمل كل منها للدلالة على الشيء وضده مثل الجون الذي يطلق على الأسود والأبيض وكفعل بشرى الذي يدل على البيع والشراء"(4). ومن أشهر ما طبع منها ذكر كتاب الأنباري وصدر في ثلاث طبعات.

ثم ثلاثة كتب في الأضداد للأصمعي وأبي حاتم السجستاني وابن السكيت وكتاب الصغاني وكتاب محمد بن المستنير المعروف بقطرب، ثم كتاب ابن الدهان (توفي سنة 569ه) وأوفى ما ظهر من كتب الأضداد كتاب أبي الطيب عبد الواحد بن علي (توفي سنة 351 ه)

عمل المؤرخ مختلف إذ لا نجد فيه إلا رصدا للظواهر دون محاولة للفهم بالرغم من التناقض الذي يفضحها، وهو بهذا القفز ينقلها ويخرجها من السياق الخاص بها ليسمو بها في سماوات التقديس، وهو مجال للتصديق والتسليم بالوقائع دون تمحيص بامتياز. إن ما هو مبجل يكون محط تقدير وهو ما يعدم وجود أي نقاش لهذه الظاهرة/العلم في مجال العربية. 

ألفت مكتبة عن آخرها في الأضداد، ولم نخلف أي رد فعل. عكس ما يمكن أن يجري في الضفة الأخرى من المتوسط، سيكتب كارل أبيل Abel بالاستناد إلى كتاب الأضداد للأنباري بحثا يحمل عنوان Gegersinn der urworte، وابتداء من 1873 سيجلب عليه ردودا عنيفة، بل قاسية. فنلفي مثلا دافيد كوهين يختصر البحث إلى لاشيء تقريبا(5). عن هذه الردود كتب ج.بولمان (Gegensinn der Urwote هو الكتاب الذي عالجه اللسانيون بازدراء، وكنموذج لا يجوز اقتفاؤه في اللسانيات)(6).

الاستثناء، يقول س.فرويد، وإن ليس بلساني، وهو يشير هنا للنص الوارد في مقالات التحليل النفسي التطبيقي(7) تحت عنوان: "المعاني المتعارضة في الكلمات البدائية"، وفرويد إن يستبعد وجود شعب حمل مشعل العدالة ويعبر بهذه الطريقة البليدة(8) فهو بعيد من أن يشاطر إبل في رأيه قبل أن يعلن عن مشقته "في متابعة الفيلولوجي" بخصوص تخريجاته.

ولما كانت تصوراتنا تنهض على المقارنة، سواء على مستوى اللغة بحيث عندما نعلن الوضوح فلكي نسقطه عن الغموض أو على مستوى اللغة الواصفة، فسيتم اللجوء إلى اللغة الأمازيغية في تسليط الضوء على هذه الظاهرة/البراقة أكثر من اللازم، والمستعصية في منح أسرارها للباحث. قارب روني إيتامبل العناصر الأساسية في تفكيك اللغز، عندما استحضر طابع التمزق الذي ميز المجتمع العربي في قبائل، وكذا التشتت الجغرافي الذي تلا انتشار الإسلام، وتنوع مستويات اللغة(9). إنه على يقين بأن الخلل في بروز قضية التضاد عالقة بهذه العناصر الأخيرة التي أتى على سردها، وبقيت مسألة وضع الإصبع على مكمن الالتباس مرجأة، إن لم يطوها من خلال التأويل الذي انتهى إليه بإقراره والرجوع ببروز هذه المعضلة إلى نوع من "الحدود Termes ذات تطور بطيء، والتي يستحسن معها دراستها من زاوية تاريخية اجتماعية وبلاغية"(10).

لا يتعلق الأمر بتطور، ولو كان الحال كذلك لما تطلب البحث كل العناء الذي تسببه. إن ظاهرة الأضداد في عمقها باطلة لأنها مبحث طارئ بما هو مخلوق، أي مصطنع ونتيجة تسرع في خلق المعجزات وتبريرها.

لقد بات منذ الآن وضعها بين قوسين حتى يتم تعطيلها. وإذا كان لها أن تعتبر ظاهرة فمن زاوية لا غير. وإذا أثارت الانتباه فاتخذت الجسم الذي قامت فيه فلن تزيد عن كونها ظاهرة خاطئة فقط. إن الالتباسات التي غمرتها جعلتها تقترن مرة بالإعجاز ومرة بالتخلف عن إدراك حقائق الاجتماع التي تظل تطلب التفاعل دونما ميل إلى أي إقصاء بصناعة الكليات.

هنا تأتي الدراسات المقارنة بإلقاء الضوء على ما غمض، والغموض والالتباس الذي منح هذا المبحث اللغوي يعود إلى تجاهل الميزات التي تفرق المجموعة اللسانية الواحدة التي يصطلح عليها باللهجة. إن الخلط بينها هو الذي قاد إلى هذا الابتكار الوهمي، وكما سبق لم تكن العربية إلا لهجات تم ترتيبها في قواميس فاصطفوا ما ألفت فيه الأضداد. لقد تم تناسي أن اللغة ليست معطى وإنما اتفاق. والاتفاقات التي هي أساس المشكل ستكون صدفة.

الأمثلة التوضيحية قليلة ولا يمكن المراهنة على الكثرة ما دام أن العبرة في تقويض أساس ملف الأضداد يكفيه الموجود.

ـ إذا أخذنا الكلمة في صيغتها الماضية، أي "يوشكا" كما جاء في بيت الشاعر جهادي الحسين(11)

1 ـ وأناد يوشكان ئنكبي نطفار أغ ئريم نس (للضيف الذي أتى علينا حقه شرط أن يلتزم بأدب الضيافة)

لن يزيح فهمه إلى فهم أكثر من مجيء في "يوشكا"

عكس ما نسمعه عند قولنا:

2 ـ ون يوشكان ئطف ثمرت نس (من تاه/تلف ليقبض على لحيته) أو كما في قول الشاعر(12):

A waw r ax azry imensi awaywa

A yunu nebda d usmun idvelli

A ta tedda tuck as nnesma awaywa

Ammi necca y ughrum allili.

فـ"يوشكا" في 1 تعني العودة والرجوع والمجيء في حين أن في 2 تعني التيه إضافة للنسيان. وإذا التجأنا إلى قاموس الأستاذ ميلود الطايفي(13) وجدنا مثلا: يوشكا كـ"عاري" (تاه في الغابة) ضد ما يمكن أن يسجله لحسن ولحاج للفعل جاء(14)، ها هي علامة "يوشكا" وإن بدت لفظا ضدا لا أحد قال بذلك. وكل جهة تستعمل المفردة لحسابها. فوقيتم شر من سيجمع لكم لغتكم وإلا سيكون لكم ما شاء من قوانين المفردات الأضداد. هنا تأتي اللهجة لتلقي بثقلها، لتقول باستحالة إماتتها ضدا عمن أعمتهم إيديولوجية الإقصاء والحسابات السياسية الضيقة التي تحسن إبداع التقتيل.

"في اللهجة، إنه البلد بمعنى الأرض من يتكلم كل مرة بتنوع"(15)، وإذ أذكر كلام هايدغر هذا لا أروم أية مقارنة، بل فقط للإشارة إلى الرزانة التي تدفع المرء للتمرن على الإصغاء للأرض بدلا من نفيها أو نكرانها كفعل أبله. فالجنوبي (كانتماء) ما أن يسمع فعل "يوشكا" حتى يقرر دون ما تردد في ما يسمعه وكذلك أهل المنطقة الوسطى للمغرب لن يتيهوا في ما إذا كانوا سيستعملون المعنى الجنوبي أم الخاص بهم. ولفعل النبر هنا مكانة وهو الوحيد الذي سينقذ القارئ القادم من الحيرة. ووظيفته ليست تزيينية، وإنما بنائية، وإلا ما استطاع المستمع الحسم في ما المقصود عند ذكر علامة الله/اللهو، أي أثناء ترقيق وتضخيم الهاء. وكان من المفترض ورودها في أحد قواميس الأضداد ما دامت لفظة الله تعني الجدية والتعبد على النقيض من فعل اللهو بكل ما له من حمولات ترمي لمناقضة التعبد والجدية، وربما كان الاحتراز يعود لتفادي الفضيحة. ففي تمازيغت عندما تسمع الجيم خفيفة ورقيقة كان المقصود من علامة "ئجا" الرائحة الطيبة. أما إذا نطقت مفخمة فـ"ئيجا" ستعني الرائحة الكريهة. التنغيم دواء يعفي من المشاق ولن يتم الخلط أو الاستهتار حد الذهاب إلى تسجيل المفردات في قاموس الألفاظ.

إذا كان النموذج التمثيلي الأول يخص لهجتين، ففي التعيين الثاني يخص نفس اللهجة. ولا حاجة إلى ابتداع الظاهرات. إن مزية اللغة تمازيغت في هذا المقام أنها مستعدة للمساهمة في فهم الدرس اللغوي الخاص بمنطوق مختلف عنها بالضرورة. وكما قال شومسكي: "عندما نمتلك لغة ما يمكنها أن تفيد في التفسير والتثقيف"(16). وهذا حال اللغة الأمازيغية من دون بهرجة وبقدر غير قليل من السعادة.

ثمة ألفاظ تتشابه في الرسم لم يشأ لها الحظ أن تكون من صنف الكلمات الأضداد لعدم تقابل المحمولات الدلالية. وهي ذات طبيعة مؤرقة بالنسبة للعربية لأنها ستتسبب في الارتباك الذي سيطبعها بالضعف والعجز. إن إسقاط الحروف الهجائية الخاصة بالعربية على اللغة الأمازيغية ومطالبتها الالتزام بها في الكتابة سيكون مجحفا. إن عدم التمييز بين التفخيم التدقيق كما مع "ئجا" التي سبق ذكرها أو مع رسم كلمة "ئيزوا"، فالناطق الغير الأمازيغي واقع في الخلط بينهما، على الأقل أثناء القراءة إن "ئيزوا" بزاي رقيقة تعني فعل التجفيف بالتعرض للحرارة، أما نطقها بزاي مضخمة فدلالتها تروم التأشير على فعل العبور. هكذا يبقى البديل الحقيقي لحفظ جوهر اللغة الأمازيغية هو خط تيفيناغ.

إن عدم التمييز هذا هو في حقيقته اغتيال للثقافة القومية الواحدة التي تظل تخفي "تعدد أشكال الوعي وأنماط التفكير والسلوك الموجود داخل كل ثقافة قومية حية"(17).

إن الكلمات الأضداد مشكلة عقيمة. وعلى العكس من العميق الذي يؤثر لم توجد إلا لتربك وتبلبل. في مداخلة كريستين فانس ماكدونالد "قراءات" سيتم النظر لها كإشكال زئبقي ما دامت قادرة على "الانفلات من قبضة الخطاب الفلسفي"(18). والمثال المذكور هنا يتعلق بلفظة الفارماكون Pharmacie الإغريقية التي تجمع في معناها بين السم والعلاج.

حفظ اللغة بحروفها الأصلية فيما يرى هيدغر ليس سوى إنقاذ جزئي، ومن ثم الحاجة الدائمة للبحث عن إنعاش الخطاب الحي On cherche à y rendre sensible le discours vivant(19)  ليظهر أنه إذا كان الأمر كذلك فأي شيء يرجى من كتابة تامازيغت بالخط الارامي من غير المسخ والتشويه. الحاجة للتناقض شيء دفين في الإنسان ومطلبه ضروري، إلا أنه يبقى أمرا ينقصه الفهم. وهو له بالطبع تطبيقات عديدة. ففي العلوم الاجتماعية، هناك تصورات عديدة تستشعر هذا التناقض. ففي النظرية الماركسية هناك علاقة المالك والمعدم التي وجدت أولى تعبيراتها في ثنائية العبد والسيد الهيجيلية.

أما مع نظرية فرويد في النزوات(20)، فأمر التجاذب مفهوم خاصة في حالة القيام بفعل الحب والحقد لنفس الشخص في اللحظة الواحدة. وللفظة "طابو"(21) عنده نفس خاصية التجاذب الوجداني. وما حصل في النهاية هو أن "ثمة تغييرات صوتية طبعت للمفردة البدائية ذات المعنى المزدوج كي تساعد فيما بعد على خلق تعبيرات فعلية خاصة لكل واحد من المعاني المتعارضة، والتي كانت مجموعة في هذه اللفظة. وفعل التجاذب وجد مجاله في المجال الديني كذلك من خلال فعل التقية، وأما حضوره في الأدب، وبالخصوص في الشعر فيشكل الخلفية التي دفعت بظاهرة الغموض إلى الأمام.

نقول إن التناقض شيء أساسي وهو في طبيعة الإنسان، لكن ليس إلى حد التلعثم والعماء التواصلي. كما هو متجلِّ في الظاهرة/الوهم التي ترمي إلى إقصاء النواحي اللغوية. وما عدا التناقض الذي تم رصده في الكلمات الأضداد "فلا أحد مات يوما من التناقضات"(22). كل القضايا التي تخص اللغة من تركيب ومعجم أو بلاغة تلتقي عند نقطة الدلالة: حقل تضارب التأويلات.

نقطة الانطلاق كانت ضرورة للوقوف عند ضرورة اللهجات أو شرطها في وجود اللغة. وهذه معادلة تبادلية استدللنا فيما سبق على طرفها الأول. أما الآن فسنأتي إلى تبيان افتقار اللغة إلى تفرعاتها بالضرورة. وهذا من شأنه الكشف عن بطلان نوع من البحث يستغل في التثاقف الحادث بين اللغات ليرد الواحدة إلى الأخرى إلى حد اختزالها، أي اللغة إلى مجرد فرع من لغة أخرى. وهذا عماء لن يغذيه إلا اغتراب لا يرجى منه تحرر أو عثور على الذات. ومهما توالت أنواع هذه الأبحاث المغرضة فهي لا تكشف إلا عن خواء مع مرور الزمن لأنها تفتقر لأي أساس تستند إليه دون نسيان أو نكران للمتعة التي تجلبها للقارئ المنتمي طبعا للمجال الثقافي المعني بالبحث. ثمة نظرية اليوم آخذة في الترويج لها وبالتالي في الانتشار. النظرية تقول بعروبة الأمازيغ. المتابعات التي تحاول تقديم هذه الأبحاث التي تصب في هذا الاتجاه تشيد وتكيل في تعظيم المكتشفين الجدد بالقول إن الباحث استطاع برجوعه إلى المبحث اللساني أن يدعم أطروحته.

ثمة استغلال فج للمعطى التثاقفي في تقديم الحجج. إن الاحتكاك بين اللغات أمر لا يمكن رده. وهو يحدث في خفية عن المتكلم لاستناده إلى توسيع مجال التداول، وكذا الاستعمال. وفي أثناء عملية الاقتراض يحدث أن تأخذ الكلمة المقترضة مكانا تستبد به لا يجد معه المستعمل الجديد التخلص منها. وهذا حال تعرفه جميع لغات الأرض. ومع ذلك لا يمكن استغلال القضية لرد الواحدة إلى الأخرى لأن المفردة حتى عندما يتم تهريبها لتأخذ المكان الملحق لا تحتفظ برسمها الأول. إن الأمثلة التي ستلي يمكن الرجوع إليها في كتيب صغير هو عبارة عن معجم لصاحبه البومسهولي: "عروبة الأمازيغ بين الوهم والحقيقة"(23).

نقرأ بخصوص: أبيضار = أبو أثر، صفحة 72، سنسلم بما يقدمه من تعريفات لكنه ينسى أن "لأبيضار" مرادفا آخر هو: أحيزن.

نفس الشيء مع: إزخ: الدخان المنبعث من كل حريق... والأصل من زخ يزخ الجمر، أبرق شديدا، صفحة 70. لكن إلى متى سيتم تجاهل مفردة "أكو" التي ترادف "إزخ

ويمكن الاسترسال في سرد المفردات التي ـ وهي على كل كثيرة ـ لن تدفع القارئ إلى الملل، بل أضمن للمتصفح الاستمتاع. (لقوز = أحديز، لوطي = ثاغزوت، إحلا = ئبن... نقرأ بخصوص: انحلام: كل شاب بلغ الحلم، هكذا يغفل المرادف: أمتروف وأعزي).

مع "أقليل" يمكن التسليم أنه من القلة، أي الجرة، لكن قد لا تكون أمازيغية. وإذا استعملت فالأمر وارد في طبيعة التواصل وعملية الاقتراض التي تؤول إلى التثاقف. إلا أن ما تلزم الإشارة إليه أن أقليل في الأمازيغية هي ثاكنبورت، نفسه ما يحدث مع مفردة "إحلا" إذ نجد في الأمازيغية مرادفين "يضفوث" و"ئبن" (فقط أخشى أن يفسرها بالرجوع إلى الأصل. إنه من ابن والبن يكون عزيزا حلوا).

إن البحث في العلاقات التي ترد بها المفردات إلى أصول ما لن يثير سوى الاستغراب. لينتظر من سمع "إن" تفسيرا في الوقت الذي يكون القصد هو القول. لهذه الاختلافات التي يستهين بها الباحث دور أساسي في صناعة النكت. وسوء التفاهم مسلِّ ومضحك، من ذلك نموذج: "داتقوم" الذي قصد منها الابن معنى الكارثة، فيما كان الأب يركز على معنى فعل ممارسة الجنس.

من أصعب المباحث اللغوية هي الخاصة بالمعجم لما يتطلبه من استطراد في المعاني. بمعنى أن ثمة تحولات تطرأ على العلاقة أثناء وجودها في سياق لغوي جديد.

لعلامة /تادارت/ وضع معنى الدار، وهذا صحيح بنسبة عالية. لكن السؤال: ماذا سنعمل بالاشتقاقات التي تتوفر عليها الأمازيغية ولا يمكن العثور عليها في السياق الخاص بالعربية؟ فـ/إيدر/ لها معنى /عاش/، و/ثوذرت/ لها معنى /الحياة/. إن الباحث كما لو كان يجري وراء سراب. ما أن يقبض على معنى حتلى تنزبق الأخريات من يديه ولاي تم استيعاب "أن المفردات تحت أنظارنا، تبدل المعنى بسرعة مكدوخة"(24). إنه الاستعمال الذي يحفظ الحياة للغة. هكذا إذا تم التسليم بأن الأصل مقترض من العربية. يمكن النظر من جهة أخرى إلى تجاوز تمازيغت للعربية بالاشتقاقات الضاربة في العيش والحياة. "ففي اللغة أمكن العثور بوضوح على جزء قار وعلى جزء متحول"(25).

وهذا تقسيم مرتهن إلى التغيرات التي تلحق اللغة لتخرجها من الجمود الذي يطال العقل الباحث. وتصل المفارقة ذروتها في رد الأسماء التي دلالتها من الأصوات التي تصدرها العناصر (يتعلق الحال بالأنوماطوبي Onomatopée) إلى اللغة المقترضة أنها مؤثرة هذا الوقت الذي تكون الأصوات سابقة على اللغة. والمتكلم لم يتفق بخصوصها وإنما اكتفى بتقليدها كالدلالة على الحصان بالحنحنة أو عن الكلب بيسهري (ص 58). وهذا "الموروث اللغوي حاضر بشكل كوني وضروري داخل كل مجموعة لغوية"(26). إن العماء عندما يستند إلى الإيديولوجيا يصير قاتلا فتحال المفردات ضحايا ومستعملوها أهدافا منذورة للزوال. وأمام هذا الزهو الدوغماتي الذي لن يتأخر في الاندحار كما يروم روني شار R.Char يلزم إتيان البدعة بما هي إبداع كذلك. وهذا وحده يسمح بكتابة بدلا عن عروبة الأمازيغ غروبة الأمازيغ، أي اختلافهم. (يتبع)

الإحالات:

1-«Ce qui est latent n'attire pas l'attention, il peut être vu sans être toutefois spécialement remarqué», Heidger, Essais et conférences, page 74».

2  ـ مجلة "مقالات"، خاص بالدب والتصوف

3 ـ فقرة 67 من: إنساني مفرط في إنسانيته لنتشه

4-صفحة 17، طبعة 5، 1985

5-René Etiemble in Jean Paulhan le Souterrain, Colloque de Gersy 10/18, 1976, page 325.

6-Ibid, page 324.

7-Essis de psychanalyse appliquée, Iddées, Gallimard 1976, page 61

8_Ibid, page 66

9-R.Etiemble, page 328.

10-Ibid, page 329.

11 ـ واناد يوشكان ئنكبي تطفار اغ ئريم نس (للضيف علينا حقه بشرط الالتزام بأدب الضيافة)، قصيدة "تامازيغت" ار تساو المن، ديون: تيماتارين لجهادي الحسين، البيضاء 1997، صفحة 56.

12-«Mes mets ont perdu toute saveur  tralal comme si du pain du laurier avait été ajouté», cité par Michael Peyron: Isaffen ghbanin (Rivières profondes), Wallada 1993, page 145.

13-Yuck g Oari, il s'est égaré dans la forêt, Dictionnaire tamazight-Français (parler du Maroc central) de %Miloud Taifi, Hartamann, Awal, 1991, page 690.

14-Ack d (venir), Lahcen Oulhaj, Grammaire du tamazight, éléments pour une standardisation, centre Tarik, 2000, page 125.

15-Acheminement vers la parole, Heideger

15 ـ نعوم شومسكي، "اللغة والفكر"، الفكر الرعبي المعاصر، عدد 110ـ 111،

17 ـ برهان غليون، اغتيال العقل،

18 ـ غايات الإنسان، انطلاقا من أعمال ج.دريدا، غاليلي 1972، ص 271.

19-Heideger, o,c, page 233?

20 ـ مصطفى حجازي

21_S.Freud, Totem et tabou, Payot

22 ـ لونتي اوديب، سيريس، صفحة 188

23 ـ ذكرت الصفحات داخل المتن

24_E.Etiemble, page 330

25-Ferruccio Rossi, Psychanalyse et politique (collectif), seuil 1974, page 114.

26-Ibid, pagr 118.

 

  

   

 

 

 

 

 

 

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.