Uttvun 76, 

Tamyûr 2003

(Août 2003)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

Netzvayet s tmazight deg wgherbaz azayez

Muhend abeldi

Izri n tudart 

Oica Mezrighd

Aghuyyi n wawmaten

Ifeqqeo dadad imazighen

Yurew icoeb asadv

Taghuyyit

Kenniw d awmaten

Ussan n tisegma

A Sifaw nnegh

Tasurifet n tidert 

S wuddur

Tawargit

Lunis 

Qrar

Toensvart

Français

En marge du vendredi 16 mai 2003

De l'"oraliture" à laLangue  littérature

Langue et violence au Maghreb

 La situation du berbère au Maroc 

C'est pour quand l'union des Etats de Tamazgha?

Berbères, libres et fiers de l'être 

Le vieux kabyle et l'arabe

Plainte contre les médias de la haine  

 

العربية

مرحبا بالأمازيغية في المدرسة العمومية

  هوس العربومانيا

الاستمرار في إعادة إنتاج أسباب 16 ماي

عودة إلى موضوع تيفيناغ ـ يركام

إتنوغرافية رقصة أحيدوس

القومجية والإسلاميزم: وجهان لعملة واحدة

المفاهيم باللغة الأمازيغية

على هامش سنة الجزائر بفرنسا

الإعلام الأمازيغي

أالمركب الثقافي للخميسات

عن الشيء الذي هو غير طبيعي

عذرا لوناس

أنت دم في عروق الأمازيغ

أغبالا تكرّم بحري وتدين الإرهاب

المؤتمر الليبي للأمازيغية 

بيان لجمعية تيفسا

بيان تنديدي لجمعية تاماينوت

بيان لجمعية تاماينوت

بيان لجمعية إيصوراف

جمعية آيت حذيفة

ببيان لجمعية إيموزّار

 

عودة إلى موضوع "تيفيناغ ـ يركام أو إصلاح الخطأ بخطأ أفدح"

بقلم: محمد بودهان

إنها بادرة طيبة أن ينشر مركز التهيئة اللغوية، التابع للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ردا يوضح فيه بعض الأمور التي تناولها مقال سابق، وينوّر القراء حول مجموعة من القضايا التي هي موضوع خلاف ونقاش بين ما جاء في المقال والتعقيب/الرد. وهكذا نشر المركز المذكور ردا/مقالا بعنوان "توضيح من مركز التهيئة اللغوية"(*) بالعدد 75 من شهرية "تاويزا" يرد فيه على مقال لمحمد بودهان صدر بالعدد 74 من نفس الشهرية بعنوان "تيفيناغ ـ يركام أو إصلاح الخطأ بخطأ أفدح".

وإذا كان "التوضيح" قد وضّح حقيقةً وضع الأصوات الرخوة ـ الذال والثاء على الخصوص ـ، بغير قليل من الإسهاب والأمثلة المقارنة التوضيخية، فإنه، بالنظر إلى ما أثاره المقال المعقَّب عليه، خرج عن الموضوع ونقل النقاش إلى الحلبة التي يجيد محررو "التوضيح" السباق فيها متهربين من السؤال الرئيسي: هل الذال والثاء أصوات ذات طابع محلي أم لا؟ أما الإطناب في تبيان أن عدم تدوين هذه الأصوات لا يؤثر على النطق بها رخوةً حسب الخصائص الصوتية لكل منطقة، فهذا ما لم أختلف فيه إطلاقا ولا قلت عكسه أبدا كما سأشرح ذلك بأدلة عملية وملموسة.

 الذال والثاء بين النطق والكتابة: يقول "التوضيح": »فلا مولود معمري في كتابة "تاجرومت"، ولا محمد شفيق في معجمه وفي كتابه "أربعة وأربعون درسا في اللغة الأمازيغية ولا مختلف أعمال INALCO ... ولا مختلف المنشورات المتعلقة بالإملائية الأمازيغية قد اعتمد تدوين أوجه النفث بالنسبة للتاء والدال والضاد وغيرها مما تلحقه الرخاوة في النطق ما لم يشدد«، »كما هو الشأن بالنسبة لكافة الإملائيات العريقة، تنصب المعيرة على جانب التمثيل الكتابي للغة المعنية، ولا يترتب عن ذلك بالضرورة توجيه النطق الفعلي لمختلف المستعملين في اتجاه أو آخر«، »معنى ذلك أن مستوى النطق متروك لتطور العادات ولتداخل الأوجه، التي يمكن أن يتكرس في المستقبل بعضها ويهجر الآخر حسب عوامل سوسيولسانية واجتماعية خارجة عن نطاق معطيات الكتابة كما تبين ذلك مختلف الأوجه التي تنطق بها الإسبانية والألمانية والفرنسية والعبرية والعربية، مع أن إملائية كل منها إملائية موحدة ممعيرة«، »فالوزن الديموغرافي للمصريين، الذين ينطقون الثاء الفصحى سينا والذال الفصحى زايا لا يحملهم على مراودة فكرة كتابة كلمة / ثانية/ على شكل / سانية/ ولا كتابة / ذلك/ على شكل / زلك/«.

ماذا يفهم القارئ من هذه الأقوال والمعطيات؟ إن أول ما يفهمه ويتبادر إلى ذهنه هو أن صاحب المقال موضوع الرد يدعو إلى تخصيص رسمين خطيين لكتابة الثاء والذال كما ينطق بهما في جهات كثيرة بجانب رسمي الدال والتاء كذلك. وهذا غير صحيح إطلاقا، بل هو تحريف وتصحيف للنقاش الذي أثرته أصلا حول مفهوم "المحلي" و"غير المحلي" بنقله إلى نقاش آخر لم يتعرض له المقال ولم يتناوله. قلت هذا غير صحيح ليس لأن ما كتبته خالٍ من أية إشارة إلى وجوب كتابة الذال والثاء كلما نطقنا بهما صوتيا، بل لأنني ـ وهذه هي الأدلة العملية والملموسة التي أشرت إليها أعلاه ـ لا أكتب بتاتا الذال والثاء برسمين خطيين خاصين بهما تمييزا لهما عن التاء والدال بجريدة "تاويزا" التي أنا مديرها، والتي تصدر منذ أزيد من ست سنوات. وأدعو أصحاب "التوضيح"، والقراء كذلك، إلى قراءة جدول الحروف المستعملة في نظام الكتابة المتبع في "تاويزا" والمعروض في الصفحة الثانية من كل عدد. سيلاحظون أن هذا الجدول لا يضم ثاء ولا ذالا. ويكفي تأمل اسم "تاويزا" كما هو مكتوب: فبالحرف اللاتيني، وهو المتعمد في كتابة الأمازيغية بالجريدة، كتب هكذا: TAWIZA رغم أن نطقه بالريف هو "ثاويزا" كما كتبت ذلك بالحرف العربي الذي حافظت فيه على الثاء رسما ونطقا. فلو أردت أن أكتب بالحرف اللاتيني TAWIZA كما ننطق بها في الريف لكتبت T'AWIZA أي بإضافة الزائد Apostrophe الذي أستعمله للتمييز بين التاء والثاء عندما تقتضي ذلك ضرورة تمييزية Pertinence، كما شرحت في المقال السابق، وهي النقطة التي سأقف عندها بعد قليل. ونفس الشيء فيما يتعلق بنفس الاسم مكتوبا بتيفيناغ: فهو مكتوب هكذا tawiza، (تاويزا) أي بالتاء رغم أننا نقرؤه "ثاويزا"، أي بالثاء. فلو كنت أريد كتابة اسم "ثاويزا" بتيفيناغ ثاء، أي كما ننطقها، لكتبته هكذا: =awiza حيث = هي الثاء في تيفيناغ كما هو معروف.

إذن لماذا الاستنجاد بمولود معمري ومحمد شفيق وإينالكو (سأعود إليه فيما بعد) والمصريين للإقناع بأن التاء والدال قد تكتبان برسميهما المعروفين لكن بقيم صوتية مختلفة حسب المناطق؟ فهل أنا أخالف هذه القاعدة في الكتابة المتبعة في "تاويزا"؟ أليس هذا مشكلا مفتعلا أثير لتحويل النقاش إلى شيء آخر؟

العنصر الوحيد، والمرتبط طبعا بنفس الموضوع المتعلق بالثاء والذال بين النطق والكتابة، الذي اختلفت فيه مع "تيفيناغ ـ يركام"، والذي كان على أصحاب "التوضيح" أن يوضحوه ويناقشوه ويردوا على ما كتبته بصدده ـ ولكنهم لم يفعلوا ـ هو العنصر المتعلق بكتابة الثاء والذال في الحالات القليلة التي تكون فيها كتابتهما تمييزية Distinctive تسمح برفع الالتباس في الجملة. وهكذا كتبت بصدد هذه النقطة: »لكن إذا كانت هذه الحالة التي لا يلعب فيها النطق الرخوي أي دور وظيفي تمييزي هي الغالبة، كما قلت، فإن هناك حالات، ليس بالكثيرة حقا، تلعب فيها الترخية دورا تمييزا أساسيا، كما في التمييز بين الضمائر المنفصلة المؤنثة والمذكرة في أمازيغية الشمال بالمغرب والجزائر، في جمل مثل: Ittu t. فهذه الجملة قد تعني "نسيها" وكذلك "نسيه". وليس هناك من وسيلة لرفع هذا الالتباس في أمازيغية الشمال بالمغرب والجزائر إلا بكتابة "إيتّو ت" للضمير الدال على المؤنث و"إيتّو ث" للضمير الدال على المذكر«. وقد ختمت مناقشة هذه النقطة بما يلي: »كان من الأفضل إذن الاحتفاظ على حروف الترخية لاستعمالها في الحالات التي تكون فيها ضرورية لأن لها دورا وظيفيا تمييزيا«. لنحتفظ بهذه الخاتمة التي سنعود إليها فيما بعد، مع ملاحظة أن الأمر يتعلق بالاستحسان (من الأفضل) وليس بالوجوب واللزوم.

الافتراء عن جهل أو كذب!: كتبت في مقالي السابق: »وقد أقر باحثو INALCO في كل الأعمال التي أنجزوها حول موضوع كتابة الأمازيغية (...) الحروف الرخوة (الذال والثاء) كجزء من الأبجدية الأمازيغية«. وقد انقض أصحاب "التوضيح" على هذا المعطى المتعلق بمعهد "إينالكو" وجعلوا منهم قلب هجومهم علي معتبرين ذلك صيدا ثمينا هللوا له وفرحوا به وتعاملوا معه كما يتعامل "المتسوقون" مع لص ضبط في السوق حيث نادرا ما ينقل هذا الأخير إلى المستشفى أو مخفر الدرك، بل مباشرة إلى مستودع الأموات من كثرة العصي التي تنهال على قفاه وجبهته وجمجمته. طبعا، بالنسبة لمحرري "التوضيح" فأنا كذلك لست سوى "لص هاوٍ" أراد التسلل إلى سوق المحترفين! لهذا نجد معجم "السوق" حاضرا في "توضيحهم"، مثل اتهامي بالافتراء عن جهل أو "كذب مع سبق إصرار" .  ومسألة "إينالكو" هذه هي التي دفعتني إلى التعقيب على "التوضيح" نظرا لما تضمنه من حكم، على ما كتبته حول الموضوع، »بأنه محض افتراء صادر إما عن جهل وإما عن كذب مع سبق إصرار«، فضلا عن الاستخفاف بقراء "تاويزا" والتجنّي على مؤسسة إينالكو كما يضيف "التوضيح".
لنلاحظ أولا المفارقة الغريبة في هذه الكلام/الاتهام: الافتراء لا يمكن أن يصدر عن جهل وإلا لما كان افتراء، ولا عن كذب كذلك لأن الافتراء هو نفسه اختلاق للكذب. هذا التهافت وهذا التناقض فيما كتبه أصحاب "التوضيح" بصدد "الافتراء" يبيّنان أنهم لا يعون مضمون ما يكتبونه، ولا يدركون مدلول ما يقولونه، ولا يفهمون معنى اللفظ الذي يستعملونه. ويصبح الأمر مقلقا ومؤسفا جدا إذا علمنا أن سبعة من "العلماء" الذين يتشكل منهم مركز التهيئة اللغوية، يفترض أنهم تعاونوا واشتركوا في تحرير "التوضيح"، ومع ذلك لم يوفّقوا في كتابة جملة مفيدة ـ حول الافتراء المزعوم ـ، أي جملة خالية من التهافت والتناقض.

لنفحص الآن موقف "إينالكو" من مسألة الأصوات الرخوة كالذال والثاء ليستنتج بعد ذلك القارئ من هم المفترون والكذابون والجهلاء.

العمل الرئيسي الذي أنجزه معهد "إينالكو" حول كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني هو عبارة عن مطبوع بعنوان "Tira n Tmazight, Propositions pour la notation usuelle à base latine du Berbère" يتضمن نتائج ورشة الكتابة التي نظمها "إينالكو" يومي 24 و 25 يونيو 1996. وهي نتائج أكدتها كذلك وثيقة أخرى "لإينالكو" تضمنت أعمال ورشة التهيئة اللغوية للأمازيغية "Aménagement linguistique de la langue berbère""التي نظمها المعهد يومي 5 و 9 أكتوبر 1998. ماذا تقول الوثيقة الأولى الخاصة بالكتابة عن الأصوات الرخوة كالذال والثاء؟ بعد أن تشرح الوثيقة بالصفحة 6 أن الدال والتاء في تشلحيت والطواركية تتحولان ـ في النطق ـ إلى ذال وثاء في القبائلية وتاريفيت وجزء من المغرب الأوسط، وبالتالي فلا حاجة إلى تدوينهما (الذال والثاء) بشكل ظاهر وصريح Explicitement، تختم الوثيقة مناقشة هذه النقطة بما يلي:

La spirantisation, non ou très faiblement distinctive, ne sera pas notée dans la graphie usuelle.

(لا تدوّن الأصوات الرخوة، عندما لا تكون تمييزية أو تكون تمييزية بشكل ضعيف). لنقارن بين هذه الخلاصة وما ختمت به أنا مناقشتي لنفس الموضوع في مقالي السابق عندما كتبت: »كان من الأفضل إذن الاحتفاظ على حروف الترخية لاستعمالها في الحالات التي تكون فيها ضرورية لأن لها دورا وظيفيا تمييزيا«. أليستا متطابقتين على مستوى المعنى والمضمون؟ أي أن الذال والثاء لا تكتبان (تدوّنان) إلا عندما يكون لهما دور تمييزي يتمثل في رفع اللبس كما في التمييز بين Ittu t  (نسيها) و Ittu t' (نسيه) كما شرحت ذلك بنفس المثال في المقال السابق. أنا أستعمل t' كعلامة للثاء ومجموعة إينالكو تستعمل كما هو معروف =. وهذه العلامة هي طبعا حرف أبجدي ما دام أنها علامة خطية تستعمل لتسجيل صوت الثاء. لا أحيل القارئ هنا على كتاب قد لا يعثر عليه أو وثيقة قد تكون مفقودة، بل أدعوه فقط إلى زيارة موقع INALCO على الأنترنيت بالعنوان التالي:

 Http://www.inalco.fr/pub/enseignements/langues/afrique/berbere/index.html

، والذي يتضمن كل ما نشره عن الكتابة والتهيئة اللغوية. فموقف إينالكو إذن من قضية الذال والثاء هو نفسه موقف "تاويزا": القاعدة العامة هي الاكتفاء بكتابة التاء والدال اللذين قد ينطقان ثاء وذالا حسب المناطق الأمازيغية، لكن في الحالات التي يكون للثاء والذال دور تمييزي distinctif، وهي حالات قليلة حقا، فإنهما يكتبان كحرفين بعلامتين دالتين عليهما تمييزا لهما عن التاء والدال. هاتان العلامتان في نظام الكتابة المتبع لدى إينالكو هما = و &، وفي تاويزا هما: t' و d'. فهما إذن جزء من الأبجدية الأمازيغية المتبعة عند إينالكو، ولو أن استعمالهما مقصور على الحالات التمييزية القليلة كما شرحت. فمن الجاهل ومن المفتري يا ترى على إينالكو؟

أما من الناحية العملية والإنجازية، فها هي نصوص منشورة بموقع إينالكو دونّت فيها الثاء والذال كما ينطق بهما تمييزا لهما عن التاء والدال، وهي نصوص أعطيت في امتحانات الباكالوريا بفرنسا، نصوص اختارها إينالكو وأشرف على تصحيحها. لنتأمل هذا المقتطف من نص من أمازيغية الريف أعطي في امتحان الباكالوريا لسنة 2002:

Lqaoida-nnep mermi nxess a nettar anzar.

Mermi anep-ixess unzar g uneb&u netraù neccin =imparin & =ebripin a nettar anzar g Si&i Mùemme& Amqqran. (...)

. (...)

النص موجود بالعنوان التالي:

 http://www.inalco.fr/pub/enseignements/langues/afrique/berbere/bac2002.pdf

نلاحظ إذن أن باحثي إينالكو، في هذا النص وغيره من نصوص أمازيغية الريف المقترحة في امتحانات الباكالوريا، لم يكتفوا فقط بتطبيق القاعدة التي تقول بعدم تدوين الذال والثاء إلا عندما تكون كتابتهما تمييزية، بل عمموا كتابتهما كما ينطق بهما في أمازيغية الريف.  ولا يتعلق الأمر هنا بكتابة خاصة من قبيل التدوين الصوتي Notation phonétique أو حتى التدوين الفونولوجي Notation phonologique، بل إن باحثي إينالكو كانوا حريصين على توضيح أن الأمر يتعلق بالتدوين الاعتيادي المتبع في إينالكو لكتابة أمازيغية الريف، أي ما يسمى Notation usuelle، وهي عبارة عزيزة على محرري "التوضيح". وهكذا نقرأ في التعليق المصاحب للنص والمتعلق بالكتابة: Système de notation usuelle pour le rifain au Bac  الذي قدم جدولا للأبجدية المعتمدة تضمنت ما يلي:

Dentales   d                  yus-d «il est venu»

            &    («dh»)   &a «ici»

                  t                   a t-yewc  «il la donnera»

                  =     th»)    =a «celle-ci»

واضح إذن أن الثاء والذال، في نص امتحان الباكالوريا وجدول الحروف، هما جزء من الأبجدية الأمازيغية عند إينالكو. وهذا ما جهّلني فيه أصحاب "التوضيح" واتهموني فيه بالافتراء عن جعل أو كذب. وهذه المعطيات والحقائق موجودة بموقع إينالكو، وخصوصا العنوان المشار إليه

 http://www.inalco.fr/pub/enseignements/langues/afrique/berbere/bac2002.pdf

فهي إذن معطيات متوفرة للجميع يستطيع أي واحد الاطلاع عليها والتحقق مما قلته وشرحته بصدد الذال والثاء وهل حقا يعتبرهما معهد إينالكو جزءً من الأبجدية الأمازيغية أم لا.

جاء في "التوضيح" »وإذ طبع هذا المقال تزييف إعلامي صارخ بسبب تناوله لمسائل ملموسة لا تتعلق بالرأي، وإنما قوامها المعطيات من جهة والعلم بها من جهة ثانية، فإن مركز التهيئة اللغوية يرى من واجبه القيام بالرد على مغالطات المقال«. أليست هذه المعطيات التي نشرها إينالكو على موقعه، بنصوصها وأبجديتها المتضمنة للذال والثاء، وقائع مادية ملموسة تكاد تنطح من ينكرها ويكذّب بها؟ لن أحكم هنا على محرري "التوضيح" بالافتراء والجهل والكذب، بل أترك ذلك للقرء ليصدروا الحكم المناسب حسب فداحة الخطأ وخطورة الجرم.

وأخيرا هل يعلم المكذِّبون أصحاب "التوضيح" ـ إن كانوا يجهلون ذلك ـ أن القانون المغربي يعتبر التهمةَ الكاذبةَ جنحة قذف يعاقب عليها بحبس تتراوح مدته بين شهر وسنة واحدة (الفضلان 44 ـ 47 من قانون الصحافة).

 »المحلي« بين الملموس والمجرد: قلت في البداية إن "التوضيح" افتعل موضوعا جانبيا ـ مرتبطا طبعا بالموضوع الأصلي ـ وهو الذال والثاء بين النطق والكتابة، متهربا من السؤال الرئيسي الذي طرحته: »فهل هذه الخاصية الصوتية (الثاء والذال وغيرهما من الأصوات الرخوة)، الملاحظة عند نصف أمازيغيي المغرب، والتي تتجاوز حدود بلدنا لنجدها منتشرة بالجزائر، هي خاصية محلية؟« لنقرأ الجواب المختصر "للتوضيح" عن هذا السؤال، مقارنة مع الإسهاب الممل حول الثاء والذال.

يقول "التوضيح": »إن المحلية وغير المحلية في مثل هذه الأمور مفهوم تجريدي بالقياس إلى ما يسميه اللغويون باللغة الأولىproto-langue (انظر المعجم العربي الأمازيغي لمحمد شفيق، ج1 ص 8)، أي الوجه المجرد الذي يفترض أن بقية الأوجه منحدرة عنه بمقتضى علاقات صوتية مطردة. وليست المحلية مفهوما فضائيا يقاس بالمساحة ولا بالإحصاء الديموغرافي«. لنبدِ ملاحظاتنا عن هذا الجواب:

1 ـ لا يا سادة، إن "المحلية" لا تعني إلا ما تعنيه، أي أنها بالفعل "مفهوم فضائي يقاس بالمساحة والإحصاء الديموغرافي". إنه ذو مضمون مكاني طوبوغرافي، وبالتالي فهو مفهوم محسوس وملموس لا تجريد فيه ولا ميتافيزيقيا، لأننا نستطيع ملاحظته وقياسه وتسجيله (تسجيل الأصوات) وتحديد مساحته وعدد الناطقين به.

2 ـ أما ربط "المحلي" بالمفهوم المجرد "للغة الأولى"، فهذا قد يكون مقبولا على علاته، لكنه جاء متأخرا لأن وثيقة "تيفيناغ ـ يركام" خالية من أية إشارة إلى "اللغة الأولى" في تبريرها للاستغناء عن كتابة الذال والثاء. فلو تضمنت هذه الوثيقة مثل هذا التبرير ـ الذي قد يكون مقبولا كما قلت ـ لاتخذت مناقشتي لهذه المسألة منحى آخر. فهناك شيئان متمايزان ومختلفان جوهريا: فالقول بأننا نستغني عن كتابة الأصوات الرخوة (الثاء والذال) لأنها ذات طابع محلي شيء، والقول بأننا نستغني عن كتابتها حفاظا على النطق الأصلي (اللغة الأولى) شيء آخر لا علاقة له بمفهوم "المحلي". بل إن التبريرين قد يكونان متعارضين تماما لأنه حسب التبرير الثاني (اعتماد اللغة الأولى) قد نكتب الأصوات ذات الطابع المحلي ـ بمفهومها المكاني الحقيقي ـ لأنها قريبة من "اللغة الأولى" ونستغني عن كتابة الأصوات التي ينطقها العدد الأكبر من المتكلمين لأنها بعيدة عن "اللغة الأولى".

قلت بأن تبرير عدم كتابة الثاء والذال باحترام "اللغة الأولى" كان سيكون مقبولا لو ورد في وثيقة "تيفيناغ ـ يركام" رغم علاته، هذه العلات المتمثلة في أن معيرة لغة متداولة وحية، مثل الأمازيغية، لا يتوقف على الرجوع إلى أصولها الأولى Diachronie، التي لا تهم إلا الجانب التاريخي والتطوري لهذا اللغة، بل ينطلق أساسا من حالة استعمالها الراهنة Synchronie. فلو كنا نرجع دائما إلى الأصل الأول، "الصافي" و"النقي" للغة ما، لتحديد قواعدها وضبط طريقة النطق بها، لما كانت هناك فرنسية ولا إيطالية ولا إسبانية لأنه، حسب منطق "اللغة الأولى"، يجب أن تختفي هذه اللغات وتترك المكان لأصلها الذي هو اللغة اللاتينية. بل لو تمسكنا دائما "باللغة الأولى" كمعيار لما كانت هناك لغة أصلا لأن كل اللغات، حسب هذا المنطق، يجب أن تعود إلى أصولها "النقية" الأولى التي هي الأصوات الحيوانية.

3 ـ أما التبرير الآخر القائل بأن المعيرة تنصب »على جانب التمثيل الكتابي للغة المعنية، ولا يترتب عن ذلك بالضرورة توجيه النطق الفعلي لمختلف المستعملين في اتجاه آو آخر«، فهذا تبرير مقبول على علاته أيضا. لكنه جاء متأخرا مثل التبرير "باللغة الأولى"، لأن وثيقة "تيفيناغ ـ يركام" خالية كذلك من أية إشارة إلى أن الاستغناء عن كتابة الثاء والذال راجع إلى أن كتابة الدال والتاء تكفي ما دام أنهما قد يُقرآن ثاء وذالا أو تاء ودالا حسب المناطق. فهناك إذن شيئان مختلفان ومتمايزان جوهريا: فالقول بأننا نستغني عن كتابة الثاء والذال لأنها ذات طابع محلي شيء، والقول بأننا نستغني عن كتابتهما لأن الدال والتاء هما نفسهما قد ينطقان ثاء وذالا حسب المناطق هو شيء آخر لا علاقة له بالأول. فضلا على أن هذا التبرير ـ وهو الأكثر معقولية ـ يطرح مشكلا آخر: ما هو المعيار الذي يجعلنا نكتب التاء والدال لينطقا ثاء وذالا أو تاء ودالا حسب المناطق، ولا نكتب الثاء والذال لينطقا ثاء وذالا أو تاء ودالا حسب المناطق؟

هذا الاضطراب وهذا التناقض الواضحان والبارزان في استدلال أصحاب ـ أو صاحب ـ التوضيح، حول مفهوم "المحلي"، ناتجان عن محاولة الإقناع بصواب ما هو خطأ أصلا، أي الإقناع بأن "المحلي"، كما استعمل في "تيفيناغ ـ يركام" لم يقصد به المضمون المكاني والجغرافي الذي يعنيه هذا المفهوم. وعندما تكون الفكرة خاطئة أصلا، فإن محاولة تسويغها والتغطية عليها يوقع صاحبها في أخطاء أكبر وأفدح من التي يحاول تبريرها والدفاع عنها. وهذا ما وقع فيه أصحاب التوضيح. بل إن هذا الاضطراب والتناقض ذهبا بهم إلى حد ّ تكذيب أنفسهم بأنفسهم: كيف يقولون بأن "المحلية"، فيما يتعلق بالأصوات الرخوة، لا يعنون بها مدلولها المكاني والطوبوغرافي الجغرافي، مع أنهم حشروها مع الأصوات ذات الطابع المحلي الذي لا ينكره أحد، مثل نطق اللام راء كما أشرت إلى ذلك في المقال السابق، ولم يفردوا لها ـ للأصوات الرخوة ـ تعليقا خاصا بها بناء على وضعها المتميز؟

 الأمازيغية بين التوحيد وتدريس اللهجات: يقول "التوضيح": »ذلك أن السيد بودهان كان قد لوح بمضمون هذه الاستنتاجات في أعداد سابقة من صحيفته بزمن غير قليل قبل خروج تيفيناغ ـ يركام إلى حيز الوجود، مفضلا أن تكتب وتدرس كل اللهجات بعيدا عن المعيرة المهددة للخصوصيات حسب اعتقاده (انظر تاويزا عدد 60، سنة 2002.)«.

1 ـ لن أستعمل هنا قاموس أصحاب "التوضيح" فأقول بأن هذا الكلام كذب وجهل وافتراء رغم أنه كذلك عندما نحتكم إلى ما كتبته بنفس العدد 60 المحال عليه في "التوضيح". بل أقول فقط بأن محرر"التوضيح" يهيمن على تفكيره، فيما يتصل بتدريس الأمازيغية وتوحيدها، نموذج اللغة العربية "الفصحى" التي لا تتقنها إلا نخبة محدودة ولا تستعملها إلا في مناسبات خاصة، في مقابل اللهجات العربية والعامية المستعملة في الحياة والتخاطب. ففي مقالي الذي أشار إليه "التوضيح" حذّرت حقا من الوقوع في مثل وضع اللغة العربية، وذلك  بخلق لغة أمازيغية "فصحى" مبتورة الصلة باللغة المستعملة في الحياة اليومية. لهذا اقترحت الانطلاق من اللهجات والاتجاه تدريجيا نحو لغة أمازيغية موحدة، مع التركيز على تعليم الاختلافات اللهجية للتلميذ. ومما كتبته في هذا الصدد: »علينا أن نعي أولا أن مهمة توحيد الأمازيغية عملية تنجز عبر مراحل قد تستغرق أزيد من عشر سنوات منذ انطلاقتها الأولى. ثم بعد ذلك يتناقص تدريجيا عدد السنوات التي يتطلبها اكتساب أمازيغية موحدة إلى أن نصل إلى برنامج موحد وكتاب مدرسي موحد منذ السنوات الأولى من التعليم الابتدائي.« (انظر المقال في www.tawiza.net\Tawiza60\Aselmed.htm). فهذه الفقرة وحدها واضحة وكافية لدحض ادعاء "التوضيح" بأن المقال المعنى بفضّل فيه كاتبه »أن تكتب وتدرس كل اللهجات بعيدا عن المعيرة المهددة للخصوصيات حسب اعتقاده«. إلا أن الانطلاق من اللهجات  ثم السير تدريجيا نحو أمازيغية موحدة ومشتركة أمر لا يفهمه ولا يستسيغه من يسكن عقولَهم نموذجُ اللغة العربية "الفصحى" ـ كما قلت ـ التي أصبحت لغة شبه ميتة لما يفصلها من مسافة سحيقة عن لغة الحياة اليومية.

2 ـ وهذا التصور للتوحيد التدريجي للأمازيغية انطلاقا من اللهجات سبق أن تبناه ونادى به باحثو "إينالكو" حيث كتبوا حول نفس الموضوع:

»L'élaboration d'un standard berbère commun ne peut être considérée comme objectif immédiat. Il faut éviter de constituer dans le champ berbère une nouvelle situation diglossique du type de celle de l'arabe classique/arabe dialectal, qui serait tout à fait contre-productive par rapport à l'objectif de promotion de la langue berbère et notamment à sa généralisation. Il serait particulièrement dangereux d'élaborer un monstre normatif supplémentaire, un "berbère classique", qui serait nécessairement très éloigné de tous les usages réels, sous le prétexte qu'il faudrait aussi une langue "unifiée" aux Berbères«.

)http://www.inalco.fr/pub/enseignements/langues/afrique/berbere/amenage1998.pdf(

3 ـ أحال "التوضيح" على العدد 60 من "تاويزا" دون أن يذكر عنوان المقال. لماذا؟ لأن محرر "التوضيح" تعمّد ذلك حتى لا ينتبه القارئ أن العنوان وحده ينفي زعم أصحاب "التوضيح". فالعنوان هو: "أي تصور لتدريس لغة أمازيغية موحدة ومشتركة؟". وفيه تأكيد واضح على أن الأمر يتعلق بالتصور والطريقة التي نصل بهما إلى لغة أمازيغية موحدة ومشتركة، وهو ما يدحض ادعاءات "التوضيح".

4 ـ إلا أن المفارقة التي تكشف عن ارتباك وتناقض أصحاب "التوضيح" وسوء نيتهم في تحريف مضمون مقالي هو أن أحد أعضاء مركز التهيئة اللغوية، الأستاذ محمد المدلاوي، محرر "التوضيح" الذي يزعم بأنني أفضل تدريس اللهجات لأن اللغة الموحدة تهدد الخصوصيات، سبق له أن استشهد بمقالي ذاك لدعم فكرة ضرورة الانطلاق من اللهجات لبناء لغة معيارية. يقول حول هذا الموضوع وهو يتحدث عما سماه محوري بلورة الأمازيغية الفصحى: »المحور التكويني التربوي (مدى متوسط) الذي يتعين أن يتضمن، من خلال أدواته، (...)، بعدا ينفتح فيه المتكون والمتعلم في وجه جهوي معين من أوجه الأمازيغية باعتبار ذلك الوجه لغة أم بالنسبة له، على الأوجه "المرادفة" للمفردات ثم للتراكيب في بعض الأوجه الأخرى للأمازيغية، (...)، ويتعين أن تعطى الأولوية في هذا الباب لمظاهر التقابلات المطردة فينما يتعلق بالأصوات (أوجه الكاف، الـگاف، اللام، إلخ) والقواعد والروابط، ولكلمات الاستعمال الجاري فيما يتعلق بالمعجم (انظر في هذا الباب بودهان 2002«. (المصدر: بحث للأستاذ محمد المدلاوي بعنوان "نحو تدوين الآداب الشفهية المغربية في إطار تطوير الحرف العربي الموسع"، منشورات كلية آداب وجدة (مطبوع)، الصفحة 17). وفي لائحة المراجع بالصفحة 30 نقرأ: »بودهان، محمد (2002) "أي تصور لتدريس أمازيغية موحدة ومشتركة؟"

فكيف يكون ما كتبته في نفس المقال وحول نفس الموضوع يُستشهد به كتصور سليم لتوحيد الأمازيغية، وهنا في "التوضيح" يستشهد به كدليل على تبني تدريس اللهجات لأن اللغة المعيارية تهدد الخصوصيات؟؟!! اترك للقارئ مهمة استنتاج ما يتضمنه هذا الموقف المتذبذب من تناقض وارتباك وغياب للمصداقية والجدية.

5 ـ هذا من حيث التصورات والمبادئ. أما من الناحية العملية، فأدعو أصحاب "التوضيح" إلى قراءة أية افتتاحية بالأمازيغية لتاويزا ليلاحظوا أنني لا ألتزم في كتاباتي الأمازيغية بلهجة الريف، بل اختار التعابير والألفاظ التي تنتمي إلى لهجات أخرى تطبيقا لتصوري للأمازيغية الموحدة. فكلمات مثل: Akw, Afad, Winna, ghas, meqqar, Max, is …. أصبحت جزءا من معجم افتتاحيات "تاويزا" رغم أن هذه الكلمات غير معروفة وغير مستعملة في لهجة الريف. بل أطلب فقط من أصحاب "التوضيح" أن يتأملوا العنوان التالي لافتتاحية العدد 74 حيث صدر مقالي حول "تيفيناغ ـ يركام":

Amgaru mgal i tifinagh yessenta zi Nnadvûr

 فالذي يتقن لهجة الريف لن يفهم شيئا من هذا العنوان إذا لم يفهم معنى كلمتيAmgaru  و Mgal اللتين هما كلمتان لا تستعملان وغير معروفتين بمعجم تاريفيت. كل هذا يؤكد أنني لا ألتزم في كتاباتي بلهجتي الريفية، فبالأحرى أن أدعو إلى تدريس اللهجات كخيار وغاية. ونفس الشيء يتعلق بالكتابة حيث كنت الأول في الريف ـ منذ العدد الأول من تاويزا لما يزيد عن ست سنوات ـ الذي استغنى عن كتابة الذال والثاء ـ إلا في الحالات النادرة التي تكون كتابتها تمييزية ـ توخيا لكتابة موحدة تتجاوز أوجه النطق اللهجية.

 مفهوم العمل الجماعي: وفي ارتباط بموضوع "المحلية"، وردا على ما كتبته من أن اعتبار الثاء والذال خصائص صوتية محلية هو تفضيل للهجة على أخرى، جاء في "التوضيح": »ونذكر هنا القراء بأن الاستنتاجات التي ألح السيد بودهان على تسطيرها في المقال المشار إليه وما تنطوي عليه من رمي للعاملين بمركز التهيئة اللغوية بالجهل بالواقع اللغوي الأمازيغي، ومن انقسامهم إلى فئتين، فئة فاعلة وفئة تابعة، ومن كون كل ذلك يندرج في إطار فرض وجه من أوجه الأمازيغية فرضا قسريا "بدون فتوحات"، لا أساس لها، بل ينطوي هذا الزعم على مفهوم خاطئ للعمل الجماعي في إطار استراتيجية علمية مضبوطة.«. نحن لا نشك لحظة واحدة أن كل ما ينجز بالمراكز التابعة للمعهد هي إنجازات جماعية يساهم فيها كل الباحثين. ليس هذا هو المشكل، بل المشكل هو: من هم الأعضاء الذين تتكون منهم هذه الجماعة التي تساهم في هذا العمل الجماعي؟ هل يمثلون كل الجهات واللهجات؟ فإذا كانت لأصحاب "التوضيح" الشجاعة والمسؤولية ويتوخون الشفافية فلينشروا لائحة أعضاء مركزهم مع تحديد لانتماءاتهم الجهوية واللهجية وتاريخ التحاقهم بالمركز ليعرف القارئ هل هناك مساواة وتوازن بين الجهات واللهجات أم لا؟ لقد كتبت في المقال موضوع الرد: «أما أن نحدد منذ البداية ما هو محلي وما هو عام مشترك بدعوى أننا نريد "أن ندون الأمازيغية المعيارية"، فهذا لن يكون إلا محاولة تعسفية لرفع لهجة إلى مرتبة لغة "معيارية" واستبعاد أخرى باعتبارها مجرد خصائص محلية للأولى، (...)، خصوصا إذا كان أصحاب هذه الاختيارات لا يعرفون ولا يتقنون كل اللهجات الأخرى، مما يغري طبيعيا على إخضاعها للهجتهم الوحيدة التي يعرفونها ويتقنونها، لاسيما إذا كان جل الباحثين الذين يقررون فيما هو محلي وما هو مشترك ينتمون إلى منطقة واحدة ولهجة واحدة، كما هو الشأن بالنسبة لمركز التهيئة اللغوية بالمعهد، حيث إن جل الفاعلين الحقيقيين فيه ينتمون إلى جهة واحدة ولهجة واحدة». للأسف الشديد أن مشروع الخريطة المدرسية لتدريس الأمازيغية، التي أعدتها وزارة التربية بتنسيق مع لجنة عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، يزكي ملاحظاتي وتخوفاتي هذه. فالخريطة تتضمن تدريس "تاشلحيت" في كثير من المناطق بالريف، دون أن تتوفر مدارس الجنوب على  فصل واحد لتدريس تاريفيت حتى نقول بأن تدريس تشلحيت بالريف وتاريفيت بسوس يدخل في إطار انفتاح تلاميذ كل منطقة على لهجات المناطق الأخرى كجزء من إستراتيجية توحيد الأمازيغية مستقبلا. هذا بالإضافة إلى تقليص فضيع لعدد المدارس التي تدرس فيها "تاريفيت" بمنطقة الشمال مقارنة مع مثيلاتها بالمغرب الأوسط والجنوب.

فكيف نفسر انطلاق تدريس الأمازيغية بالريف ـ شفشاون وتطوان وطنجة ـ بلهجة سوس؟ إنه نوع من "قلة الحياء" لا مبرر له إلا اعتبار لهجة الريف "محلية" ـ لنلاحظ أن الخريطة الخاصة بالمدارس الأمازيغية تضع تاريفيت في المرتبة الثالثة والأخيرة ـ ، وبالتالي يمكن الاستغناء عنها وتعويضها بلهجة أخرى في بناء اللغة الأمازيغية الموحدة والمشتركة. إنه نشاز مستفز، ليس من الناحية الاجتماعية والسياسية فحسب، بل من الناحية التربوية والبيداغوجية أولا. وهذا المشروع، بكل ما يتضمنه من "قلة حياء" واستفزاز، وافقت عليه وزكته اللجنة الممثلة للمعهد الملكي. وقلة "الحياء هذه" ترجع إلى غياب ممثلين عن المنطقة المعنية باللجنة المذكورة. فلو أن اللجنة التابعة للمعهد، والتي قبلت بالمشروع، كان يتواجد من بين أعضائها ممثل لجهة الريف لنبه بالتأكيد إلى فداحة الخطأ القاتل الذي كان سيشوب مشروع الخريطة المدرسية الأمازيغية ولتم التراجع عنها في الحين. والدليل على ذلك أنه بمجرد ما تم التنبيه من طرف منتمين إلى المنطقة الشمالية أن تلك الخريطة غير سليمة وقد تخلق فتنة إذا بقيت كما هي، تفهم الجميع ذلك واعترف واضعو تلك الخريطة بما تضمنته من خطأ كبير ووعدوا بإصلاحها قبل الدخول المدرسي حتى تكون متوازنة وعادلة.

ومن هنا تأتي أهمية التمثيل الجهوي المتوازن الذي سبق أن أشرت إليه في موضوع حول مشكل استخلاف العميد محمد شفيق. (انظر المقال في www.tawiza.net\Tawiza72\Chafiq.htm). وإذا كنت ألح على مسألة التمثيل المتوازن للجهات واللهجات، فليس لأن اختلال هذا التوازن قد يغلّب لهجة على أخرى فحسب، بل لأن هذا التوازن تفرضه مبادئ الديموقراطية والمساواة وتكافؤ الفرص بين المناطق واللهجات، وهو ما يبعث على الثقة والاطمئنان، ويضع حدا لكل تأويل أو تشكيك في صدق النوايا. ولمزيد من التوضيح، أعطي المثال التالي: لنفرض مثلا أن جهة الشمال بلهجتها الريفية غير ممثلة بمركز التهيئة اللغوية. ومع ذلك قرر هذا الأخير أن تكون "تاريفيت" هي الأمازيغية الوطنية المعيارية التي سيتعلمها كل تلميذ في مجموع تراب المملكة. فهذا القرار، رغم أنه يجعل من لغة أمي لغة وطنية، سأرفضه وأحتج ضده لأنه اتخذ في غياب ممثلين عن منطقة الشمال. وبالمقابل سأقبل وأرحّب بأن تكون أمازيغية الطوارق لغة معيارية تدرس بالمغرب إذا شارك في اتخاذ هذا القرار ممثلون عن منطقتي ولهجتي.

وإذا كانت جهة الشمال غير ممثلة بالتساوي مع الجهات الأخرى، فلا أعني بذلك أن هذا الوضع مقصود أو مخطط له لإقصاء هذه الجهة أو تلك. فأنا أعرف وأشهد أن المسؤولين بالمعهد، من عميد وأمين عام ومديري المراكز، بذلوا مجهودا كبيرا لاستقدام باحثين يعوّضون النقص الملاحظ في تمثيل بعض الجهات. لكن مسؤولية المعهد لا تنتهي بمجرد أنه قام بالواجب المتمثل في الاتصال بالباحثين من مختلف الجهات حتى تكون هذه الأخيرة ممثلة بشكل متوازن ومتساوٍ. فالمعهد مؤسسة عمومية عليه أن يحل هذه المشكلة بالشكل الذي يجعل تمثيلية الجهات في المراكز وفي جميع القطاعات التابعة له لا تعاني من اختلال كبير.

 فزاعة النزعة القبلية: إلا أن الأسوأ في هذا الرد، ليست تناقضاته وأخطاؤه وخروجه عن الموضوع، ولا حتى تهمه (تهمة الافتراء عن جهل أو كذب)، وإنما تلميحه إلى فزاعة النزعة القبلية والجهوية بالقول: »فإننا حرصنا أن لا يندرج هذا الرد في سياق سياسة السجال المفتوح الذي يتخذه البعض منهاجا والذي يسيء، في اعتقادنا، إلى الأمازيغية كمشروع وطني حداثي، بعيد كل البعد عن المشروع الجهوي والقبلي الرافض لمعيرة وتوحيد الأمازيغية المنشودة«. وليس هذا الكلام هو أسوأ ما في هذا "التوضيح" لأنه يتضمن "تهمة" أخرى كاذبة مبطّنة ـ تضاف إلى تهمة الافتراء الصريحة ـ، وإنما لأنه يستعمل نفس السلاح الصدئ الذي حارب به الأمازيغوفوبيون، القوميون والإسلامويون، الأمازيغية لمدة سبعين سنة (منذ 1930). هو الأسوأ لأنه يمارس نفس الابتزاز ـ من طرف أمازيغيين على أمازيغيين آخرين ـ الذي كان يمارسه على الأمازيغيين والأمازيغية ألدّ أعدائها وأخسّ خصومها. لقد كان هؤلاء الأعداء، بابتزازهم ذاك، يخيّرون الأمازيغيين بين أمرين أحلاهما مرّ: إما أن يتخلوا عن مطالبهم الأمازيغية وإلا فهم عملاء للاستعمار يسعون إلى زرع الشقاق والتفرقة وإحياء النزعة القبلية. كذلك أصحاب ـ في الحقيقة صاحب ـ "التوضيح"، بتلميحهم إلى فزاعة "المشروع الجهوي القبلي" يريدون تخيير من يدعو إلى المساواة بين الجهات واللهجات في بناء مشروع أمازيغي موحد بين أمرين أحلاهما مرّ: إما أن يسكت عن عدم التوازن الملاحظ بين الجهات واللهجات داخل مراكز معهد الأمازيغية، وإما فإنه صاحب "مشروع جهوي قبلي رافض لمعيرة وتوحيد اللغة الأمازيغية". مع أن النزعة القبلية والجهوية تتحقق، ليس عندما تكون هناك مطالبة بإشراك كل الجهات والقبائل في مشاريع تهم مستقبلها ووطنها، وإنما عندما تقصى تلك الجهات وتلك القبائل من المشاركة في تلك المشاريع. فلنتأمل الخريطة المؤقتة التي كانت قد أُعدت لتدريس الأمازيغية بكل جهات المغرب: فهل أصحاب النزعة القبلية هم المنتمون إلى تلك الجهة التي خُصص لها عدد من المدارس لتعليم أمازيغية المنطقة أقل من نصف ما خصص لكل جهة من الجهات الأخرى، أم أن أصحاب المشروع القبلي الجهوي هم الذين نجد لهجتهم القبلية حاضرة في مدارس تلك المنطقة الشمالية حيث تسود أمازيغية الريف؟ فصاحب النزعة القبلية ليس هو من يدافع عن حق قبيلته وجهته في المساهمة في مشروع وطني، بل هو الذي يريد فرض خيارات قبيلته وجهته على القبائل والجهات الأخرى. فإذا كنت ألح كل مرة على ضرورة التمثيل الجهوي للجهات واللهجات الأمازيغية في المعهد الملكي للأمازيغية، فليس ذلك من باب النزعة القبلية كما قد يؤول ذلك، بل لأن ذلك تجسيد لمبادئ الديموقراطية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. وإذا كنا نطالب دائما غيرنا بتطبيق مبادئ الديموقراطية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص في تعاملهم مع القضية الأمازيغية، فيجب علينا أن نطبق هذه المبادئ مع بعضنا البعض أولا قبل أن نطالب غيرنا بتطبيقها إزاءنا.

(*): إن الرد الذي أعقّب عليه سبق أن أرسله الأستاذ أحمد بوكوس مدير مركز التهيئة اللغوية بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إلى جريدة "تاويزا". وبما أن الرد يريد، حسب مضمونه، أن يكون "توضيحا" من مركز التهيئة اللغوية، فقد كان يجب، من الناحية القانونية، حتى يكون كذلك، أي ردا من مركز التهيئة اللغوية، أن يكون موقّعا من طرف المركز المعني. وبما أن المركز لا يتمتع بالشخصية المعنوية، فقد كان ينبغي إذن، من الناحية القانونية دائما، أن يكون موقعا من طرف كل أعضاء المركز، كل واحد باسمه. ففي غياب هذه المسطرة لا يمكن اعتبار الرد صادرا عن مركز التهيئة اللغوية من الناحية القانونية. لكنني تغاضيت عن هذه الثغرات الشكلية القانونية ونشرت "التوضيح" كما وصلني دون أي تعليق، أي باعتباره توضيحا من مركز التهيئة اللغوية، كما أنني تعاملت معه بنفس الطريقة كذلك في هذا التعقيب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.