Uttvun 79, 

Yemrayûr 2003

(Novembre 2003)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

Sin n iseggusa awarni wsenti n IRCAM

Tarezzut xef tira

Cfigh Bunadem

Sidi Hemmu d yuday

Twiza

Tarusi

Tarewra ghar tudart

Amennzlu

Ad nawedv

Tilelli

Tammurt inu

Tamenttiwt

Awarni wemsafadv

A tafuyt nnegh

Arbir umlil

Amesten

Tamja d wadjun

Français

Imazighen et la ligue arabe

Vers la définition du sujet amazigh

L'hommage d'Aghbala à Abehri

De quelle histoire s'agit-il?

Voyage de hasard en Allemagne

Imazighen au delà du mur de silence

Qu'en est-il de tifinagh à Nador après Tarik?

Ecoutez-moi!!!

Halte à la haine!

Imazighen à Genève

Fatima Mallal expose à Séville

Assemlée générale de Tamunt n Yiffus

Rencontre de Tamaynut avec le ministre des D.H

العربية

سنتان على تأسيس المعهد الملكي للقثافة الأمازيغية

عن محكات المعهد الملكي للثافة الأمازيغية

هل وراء إقصاء طارق علاقة الأمازيغية؟

تحليل ماركسي أم تحليل ستاليني؟

محمد بردوزي الأ الأمازيغوفوبيا تمشي على رجلين

مزيد من الأصولوية في المقررات المدرسية الجديدة

أنتروبولوجية ثقافة الطعام

الأنوية الأمازيغية داخل الأحزاب السياسية

تحريم الاسم الأمازيغي أنير

بيان من معلم متضرر

عريضة تضامن مع الطفلة سيمان

بيان لجمعية تاماينوت بتنغير

بيان لجمعية زيري بوجدة

تعزية

 

تحليل ماركسي أم تحليل ستاليني؟

بقلم: محمد بودهان

نشر السيد "سيفاو" ـ هكذا وقّع اسمه ـ بـ"العالم الأمازيغي (أرسل مقاله كذلك  إلى تاويزا فلم تنشره)، عدد شتمبر 2003، مقالا بعنوان: »إقصاء الأمازيغية والدفاع عنها: مسؤولية من؟«، تضمن أفكارا حول الأمازيغية أكل الدهر عليها وشرب، وانتهت صلاحيتها أواخر الثمانينات من القرن الماضي بعد آن كانت موضة لدى المثقفين "الثوريين" لأزيد من ثلث قرن. ولا غرابة في أن يحيي السيد سيفاو أطروحات ماتت وأقبرت حول الأمازيغية إذا عرفنا أنه يعلن بمقاله أنه "اشتراكي" يتبنى »أدوات التحليل الماركسي«. فعندما تكون طريقة التفكير قديمة، فإنها لن تنتج في الغالب إلا أفكارا قديمة كذلك. والسؤال الذي يطرحه مقال السيد سيفاو هو: لماذا الإصرار على العودة بالنقاش حول الأمازيغية إلى الوراء؟

لنتتبع استدلالات السيد سيفاو التي حاول بها جر الأمازيغية إلى الخلف بمسافة ثلاثين سنة.

 التشكيك: يستهل السيد سيفاو مقاله بطرح الأسئلة التالية: »من المسؤول عن تهميش الأمازيغية وإقصائها؟ هل هي القوى والأحزاب السياسية؟ هل هي الإطارات الجماهيرية التي أبدعها الشعب المغربي لتنظيم نضالاته؟ هل هو النظام الحاكم؟ وبالتالي هل هي الطبقة المسيطرة؟ هل هو الإنسان العربي؟ ومن يكون هذا الكائن "الأمازيغي"؟ هل الأمازيغ يشكلون كتلة واحدة متراصة؟ أم هم بدورهم ينقسمون، وبالتالي تتضارب مصالحهم وتختلف مواقعهم من داخل البنية الاجتماعية المغربية؟ من هو نقيض الإنسان الأمازيغي؟ هل هو حقا ذلك العربي الذي وفد إلى شمال إفريقيا في مراحل تاريخية معينة؟«. لا نحتاج إلى كبير عناء لنستنتج ونفهم أن كل هذه الأسئلة ـ بما فيها العنوان ـ تصب كلها في شيء واحد وتعني شيئا واحدا: التشكيك ومحاولة إعادة النظر في حقائق تم الحسم فيها لصالح الأمازيغية، مثل التشكيك في المسؤولين عن إقصاء الأمازيغية، والتشكيك ـ وهذا أخطر ـ في من هم الأمازيغيون أنفسهم: »ومن يكون هذا الكائن "الأمازيغي"؟« الموضوع بين مزدوجتين من طرف السيد سيفاو تعبيرا عن تحفظه على هذا الاسم. وليس هذا التشكيك المزدوج ـ التشكيك في وجود الأمازيغيين ومسؤولية أعدائهم في نفس الوقت ـ سوى وسيلة للوصول إلى تبرئة الذين اغتالوا الأمازيغية ـ لأزيد من نصف قرن ـ من جرمهم لفائدة الشك، وطمس وجود "الكائن الأمازيغي" لفائدة الشك كذلك. أليس هذا ما يفعله المحامي الماهر الذي يدافع عن مجرم متابع عندما يحاول هذا المحامي التشكيك في أدلة الإثبات التي تدين زبونه المجرم بهدف الوصول إلى تبرئته لفائدة الشك؟ ولنلاحظ الترابط المنطقي في مرافعة السيد سيفاو للحصول على براءة من يدافع عنهم: فلم يكتف بإثارة الشك حول المسؤولين عن إقصاء الأمازيغية فحسب، بل أثار هذا الشك كذلك حول "الكائن الأمازيغي" نفسه. لماذا؟ لأنه إذا لم يكن هذا "الكائن الأمازيغي" موجودا ومعروفا، تنتفي مسؤولية إقصاء أمازيغية هذا "الكائن الأمازيغي"، لأن التهمة تصبح غير ذات موضوع ولا محل، وهو ما يسقط المسؤولية عن المتهم. فهنيئا للسيد سيفاو على براعته ومهارته في الدفاع عن المجرمين ضد الأمازيغية؟

وإذا كان الإنسان الأمازيغي "كائنا" مشكوكا في وجوده ـ من يكون هذا الكائن "الأمازيغي"؟ ـ، فالنتيجة أن القضية الأمازيغية تصبح مشكوكا فيها برمتها. هذه هي إحدى المرامي والمضامين الحقيقية للتساؤلات التشكيكية للسيد سيفاو.

نذكّر السيد سيفاو أن الذي أقصى الأمازيغية هي "الحركة الوطنية"، سواء التي تسلمت الحكم من فرنسا بعد الاستقلال، أو امتداداتها الحزبية المعارضة أو الموالية للمخزن. فالمخزن والمعارضة، رغم العداء الشديد الذي كان قائما بينهما، ظلا على الدوام متحدين ومجمعين على شيء واحد، هو العداء للأمازيغية. وإذا عرفنا أن "الحركة الوطنية" هي إيديولوجيا لا تزال حاضرة ومنتشرة تؤطر الأحزاب والنقابات والجمعيات والإعلام والكتاب والمدارس التعليمية... ندرك أن إقصاء الأمازيغية لا يزال متواصلا من خلال هذه المؤسسات التي تشكل "الحركة الوطنية" لاشعورها الثقافي والسياسي. وإذا عرفنا أن "الحركة الوطنية" قامت أصلا على العداء للأمازيغية كعلة لوجودها وسبب لظهورها، نفهم أن إقصاء الأمازيغية سيستمر ما لم يتم القطع نهائيا مع أفكار "الحركة الوطنية" الذي لا تزال تنشره وتروجه الأحزاب والنقابات، والصحف والكتب والجمعيات، ودروس "التاريخ"، وخصوا المدرسة.

 الخلط:  ينطوي المقال كذلك على قدر غير قليل من الخلط بين أمور متمايزة فيما بينها، كالخلط بين الهوية والعرق (بين الانتماء الهيواتي والانتماء البيولوجي السلالي)، بين إقصاء الأمازيغية والتهميش الاقتصادي لمناطق عربوفونية، بين إيجاد حل للمسألة الأمازيغية وإيجاد حل لكل القضايا الوطنية الأخرى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بين أمازيغيي الخدمة (إيشلحين ن سربيس) وأمازيغيي النضال...

ومثل "التشكيك" الذي يرمي إلى تبرئة المسؤولين عن إقصاء الأمازيغية، وإلقاء الأسئلة حول وجود "الكائن الأمازيغي"، فإن الخلط يهدف كذلك إلى طمس القضية الأمازيغية بضمها وخلطها مع قضايا أخرى، مثل العرق، العنصرية، التهميش الاقتصادي العام، مطلب تحسين مستوى المعيشة لكافة المغاربة...

عندما يقول السيد سيفاو" »فكم من عربي محروم من إيجاد كرسي له في المدرسة بالمغرب؟«، فإنه يزرع الالتباس والخلط بتحويل النقاش إلى مستوى آخر تتساوى فيه الأمازيغية مع المشاكل التي يعاني منها كل المغاربة، أي »الأمازيغي والعربي على حد سواء« كما يقول في مقاله.

إن السؤال الذي كان على السيد سيفاو أن يطرحه، والذي له علاقة مباشرة بالمطالب الأمازيغية، ليس: »كم من عربي محرون من إيجاد كرسي...«، بل: »كم من عربي محروم من لغته في المدرسة بالمغرب؟ كم عربي محروم من لغته في الإدارة بالمغرب؟ كم من عربي محروم من لغته في التلفزة بالمغرب؟ كم عربي محروم من لغته في المحاكم بالمغرب؟ كم من عربي محروم من لغته في الدستور بالمغرب؟«. ثم: »كم من أمازيغي محروم من لغته في المدرسة بالمغرب؟ كم من أمازيغي محروم من لغته في الإدارة بالمغرب؟ كم من أمازيغي محروم من لغته في التلفزة بالمغرب؟ كم من أمازيغي محروم من لغته في المحاكم بالمغرب؟ كم من أمازيغي محروم من لغته في الدستور بالمغرب؟«... هذه هي الأسئلة الحقيقية ذات الارتباط المباشر والسليم بموضوع المطالب الأمازيغية، كما قلت، والتي تجنبها السيد سيفاو ولم يجرؤ على طرحها لأنه يعرف أن الجواب هو: لا أحد من العرب محروم من لغته بالمغرب في كل المؤسسات؛ كل الأمازيغيين محرومون من لغتهم بكل المؤسسات بالمغرب. وهنا سوف لن يبقى للسيد سيفاو مجال للمناورة والخلط بين أمرين تفصل بينهما مسافات ضوئية.

يقول السيد سيفاو: »وكم من أمازيغي يتقلد أعلى السلط والمراتب داخل القصر ويغتنم أموال الشعب دون حسيب ولا رقيب«.  فحتى على فرض أن ما قاله صحيح، فإنه يكشف هنا عن نظرة تسطيحية وتبسيطية إلى القضية الأمازيغية لأنه يحكم على الكل بالجزء، يحكم على كل الشعب الأمازيغي من خلال بعض الأمازيغيين، مع أنه يعرف أن الحركة الأمازيغية تميز بين أمازيغيي الخدمة وأمازيغي النضال الصادق من أجل رد الاعتبار للهوية واللغة الأمازيغيتين. وخير مثال على أمازيغيي الخدمة الذين يقدمون خدماتهم المجانية لإيديولوجيات تعادي الأمازيغية، هو الدكتور محمد عابد الجابري، الذي دعا إلى إماتة الأمازيغية رغم أنه لا يزال يتحدث بها داخل أسرته. وهنا يخلط السيد سيفاو كذلك بين الانتماء الهوياتي والانتماء العرقي، فيعتقد أن الأمازيغي هو من يتكلم الأمازيغية وينحدر من أصول أمازيغية، ولو كان مناهضا للأمازيغية مثل الجابري أو بعض أصحاب المناصب العليا ـ كما أشار إلى ذلك ـ أو ربما السيد سيفاو نفسه.

إن الأمازيغي الحقيقي هو الذي لديه شعور بهويته الأمازيغية يفتخر بالانتماء إليها ويعمل من أجل حمايتها والذود عنها حتى عندما لا يكون يتكلم اللغة الأمازيغية. وخير مثال على هذا النموذج هو الروائي الجزائري كاتب ياسين الذي نشأ في أسرة مستعربة لا تتكلم الأمازيغية. لكنه اكتشف فيما بعد أن الهوية الحقيقية للجزائر وشمال إفريقيا هي الأمازيغية التي كرس حياته وكتاباته للدفاع عنها حتى أصبح يحسب من الأمازيغيين "المتطرفين". أما الذي يبيع أمازيغيته أو يطالب بإماتتها فليس أمازيغيا بالمفهوم الهوياتي، وليس العرقي، حتى إذا كانت الأمازيغية هي لغة أمه مثل الجابري.

وقد أدى هذا الخلط لدى السيد سيفاو بين ما هو هوياتي وما عرقي إلى الكلام عن: »تقسيم المجتمع إلى عرب وأمازيغ«. مع أنه لا يوجد بالمغرب، من الناحية الهيواتية، عرب قط. نعم قد يوجدون كدماء تجري في عروق بعض المغاربة كما توجد دماء فينيقية ورومانية تجري في عروقهم أيضا. وهذه قاعدة عامة تصدق على كل شعوب العالم: فلا يمكن الكلام مثلا، من الناحية الهوياتية، عن وجود إسبان وعرب بإسبانيا رغم أن الدم العربي يجري بالتأكيد في عروق كثير من الإسبانيين. فهذا الخطأ والخلط اللذان وقع فيهما السيد سيفاو ناتجان عن فهمه الخاطئ لمفهوم الهوية التي يعتبرها مرادفا للأصل السلالي العرقي. فما هي الهوية؟

إنها مجموع الخصائص التي تميز شعبا ما عن باقي شعوب العالم. وهكذا يكون أخص ما يميز الشعب الأمازيغي عن باقي شعوب المعمور هو موطنه "تامازغا" بشمال إفريقيا ولغته الأمازيغية. وبالتالي فإن هوية سكان تامازغا هي هوية أمازيغية مثلما أن هوية سكان الصين هي الهوية الصينية وهوية سكان فرنسا هي الهوية الفرنسية... أما من هاجر إلى تامازغا واستقر بها بصفة نهائية واختلط بسكانها وانصهر معهم، سواء كان من الفينيقيين أو الرومان أو العرب، فقد ذابت هويته الأصلية في الهوية الأمازيغية وأصبحت هذه الأخيرة هي هويته الحقيقية، مثل كل سكان تامازغا. فلا مجال إذن للكلام عن عرب وأمازيغ بشمال إفريقيا لأن هوية سكانها أمازيغية، ولأن العناصر "الأجنبية" قد انصهرت في هذه الهوية الأمازيغية وأصبحت جزءا منها. وهذا الخطأ الذي وقع فيها السيد سيفاو ـ وهو خطأ العروبيين الذين يخافون من اندثار ما يعتبرونه هوية "عربية" بشمال إفريقيا ـ ترتبت عنه أخطاء أخرى: فبما أنه لا يوجد عرب بالمفهوم الهوياتي بشمال إفريقيا، فلا مجال لاتهام الحركة الأمازيغية بأنها تسلم »بأن العرب يكنون حقدا عميقا للأمازيغ وأنهم قد عملوا على طمس تاريخهم وحضارتهم ولغتهم وهويتهم مع سبق الإصرار والترصد«. فالأمازيغيون لا يتهمون العرب الحاليين بأنهم هم سبب إقصاء لغتهم وعدم الاعتراف الرسمي والمؤساتي بهويتهم. لماذا؟ لأن هؤلاء العرب ـ العرب الحقيقيين، عرب دول الخليج ـ لم يصدر عنهم ما يسيء إلى الأمازيغية أو يعاديها أو يهاجمها. فلا يجمعنا، نحن الأمازيغيين، بهم  سوى الخير والإحسان. أما "العرب"، أي المغاربة العرب بالمغرب، فليسوا عربا لا عرقيا ولا هوياتيا، بل هم أصلا أمازيغيون في هويتهم وانتمائهم، لكنهم عروبيون ـ وربما هذا أخطر بكثير مما لو كانوا عربا أقحاحا ـ يحملون وعيا زائفا ومقلوبا نتيجة أزيد من نصف قرن من غسل أدمغتهم وشحنها بالإيديولوجيات المشرقية، الناصرية منها والبعثية والإسلاموية، التي تدعو إلى تعريب المغرب والمغاربة وإلحاقهم بالمشرق العربي في هويتهم ولغتهم وثقافتهم. فإذا كان هناك من "عرب" يكنّون حقدا للأمازيغية فهم هؤلاء العروبيون المستلبون الحاملون لوعي شرقاني زائف ومقلوب، كما قلت، وليسو هم عرب الخليج الذين لم يمسونا بأذى، بغض النظر طبعا عن دور البترول في دعم العروبيين بالمغرب. إذن فصراع الحركة الأمازيغية هو صراع ضد العروبيين المغاربة، أي مع العرب المزورين، وليس مع العرب الحقيقيين، لحملهم على الاعتراف بالهوية الأمازيغية للمغرب وللمغاربة.

وعندما يقول السيد سيفاو: »فالنظام الحاكم بالمغرب ليس عربيا خالصا ولا ترتبط مصالحه بالعرب فقط«، يرتكب كذلك خطأ فادحا لانطلاقه في حكمه هذا من مجرد المظاهر الخادعة دون التعمق في حقيقة وطبيعة نظام السلطة بالمغرب. فإقصاء الأمازيغية بالمغرب منذ الاستقلال ناتج أولا وأساسا من كون نظام السلطة عروبيا ـ وليس عربيا ـ بالمفهوم الذي شرحناه فيما تقدم، بل ربما هو عروبي أكثر من الأنظمة العربية بالخليج. فإذا كانت هوية الشعب المغربي أمازيغية، فإن هوية نظام السلطة عروبية ـ وليست عربية. وهذا هو مصدر كل المشاكل التي تعاني منها الأمازيغية بالمغرب لأن السلطة عروبية تستمد شرعيتها من انتمائها العروبي. يكفي أن نذكّر أن هذه الشرعية تقوم على الدين الإسلامي وعلى النسب الشريف. وكلاهما عنصران عربيان، وليسا عروبيين هذه المرة. لهذا فإن أصحاب القرار بالمغرب كانوا يتخوفون منذ الاستقلال من الاعتراف بالهوية الأمازيغية وإقرارها دستوريا لأنها تعني بالنسبة لهم نوعا من قلب نظام السلطة ذي الطابع العروبي. ونتيجة للطابع العروبي لنظام السلطة، فإن كل المؤسسات الرسمية للدولة عروبية كذلك، لم يكن فيها مكان للأمازيغية قبل تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. والذي يساند ويعزز هذا الطابع العروبي للسلطة هي الأحزاب ذات التوجه العروبي كذلك. وهذا ما جعل المعارضة والمخزن، رغم نزاعاتهما الدموية أحيانا، يتفقان على شيء واحد، هو العداء للأمازيغية، كما سبق أن أشرت.

ويستمر السيد سيفاو في الخلط والتعتيم على عدالة المطالب الأمازيغية فيقول: »إن إدخال تدريس الأمازيغية بمختلف أسلاك التعليم المغربي ودسترتها لا يعني أبدا إعطاء الإجابات الشافية عن المشاكل التي يتخبط فيها المواطن المغربي.«. ومن قال من مناضلي الحركة الأمازيغية أن الاستجابة للمطالب الأمازيغية سيعطي إجابات شافية لكل المشاكل التي يتخبط فيها المواطن المغربي؟ متى كانت هناك معادلة بين تدريس الأمازيغية ودسترها وبين الحل السحري لكل مشاكل المغاربة؟ واضح أن الادعاء بأن تدريس الأمازيغية ودسترها »لا يعني أبدا إعطاء الإجابات الشافية عن المشاكل التي يتخبط فيها المواطن المغربي« يرمي إلى التقليل من أهمية الاستجابة لمطلبي دسترة وتدريس الأمازيغية، خصوصا بعد الشروع في هذا التدريس. وهذه محاولة عروبية يائسة لوضع العصا في العجلة.

هنا يعبر السيد سيفاو عن فهمه الميكانيكي ـ مع أنه ماركسي، وهو ما سنعود إليه ـ لمسألة الهوية وما يرتبط بها من لغة وثقافة وتاريخ. فإذا كان يرى أن تدريس الأمازيغية ودسترتها لا يحلان كل مشاكل المغاربة، فلأنه ينظر إلى الهوية واللغة الهوياتية من باب الفائدة الاقتصادية والنفع المادي، أي كمجرد وسيلة لا غير. وهذا تصور خاطئ وتبسيطي وميكانيكي مغرق في الميكانينكية من طرف من يعلن نفسه ماركسيا. فلو كانت قيمة لغات الشعوب تقاس بمنافعها المادية وقدرتها على حل المشاكل، لتنازلت كل دول العالم عن لغاتها الهوياتية وتبنت اللغة الإنجليزية التي هي اللغة العالمية للعلم والتكنولوجيا والاقتصاد. بل لتخلى العرب عن لغتهم التي لم يعرفوا معها إلا تفاقما للمشاكل وتتابعا للهزائم المهينة لهم من طرف إسرائيل.

فاللغة الهوياتية، أي اللغة التي هي عنوان على هوية الشعب وانتمائه، ليست مجرد وسيلة يُنظر إليها من باب الربح والخسارة كمشروع تجاري.  بل هي غاية في حد ذاتها وتجب المحافظة عليها لذاتها وفي ذاتها لأنها جزء من الهوية.

ثم لماذا يطرح السيد سيفاو الأسئلة حول الأمازيغية فقط وينسى العربية: لماذا لم يتساءل عن سبب الاستمرار في تدريس العربية وإنفاق الملايير عليها رغم أنها لم تحل أي مشكل بالمغرب، بل تفاقمت مشاكل المغرب منذ بداية حركة تعريب التعليم؟ لماذا إذن تدريس العربية رغم أنها لم تنتج سوى التخلف والتطرف والإرهاب الذي رأيناه يضرب الدار البيضاء يوم 16 ماي الماضي؟

ثم أليس تدريس الأمازيغية ودسترتها هما في حد ذاتهما حل لواحد من أكبر المشاكل بالمغرب، وهو مشكل تهميش وإقصاء الأمازيغية؟

تحليل ماركسي أم تحليل ستاليني؟ إذا كان الأستاذ سيفاو قد أثار تساؤلات وطرح قضايا تعود إلى فترة السبعينات، فذلك لأنه يتبنى إيديولوجية تعود هي نفسها إلى السبعينات، كما سبق أن أشرت، وهي الإيديولوجية الماركسية، لكن ليست كما هي، بل كما يفهمها هو. فهو يقول: »ومن موقعنا إذ نتبنى أدوات التحليل الماركسي...«. كما أن ما "يناضل" من أجله ليس هو الأمازيغية، بل هو »دك علاقات الإنتاج القائمة واستبدالها بالمجتمع الاشتراكي الأرحب الذي سيطلق العنان لتنمية الأحاسيس الأممية لدى الجماهير الشعبية وتجاوز كل ما هو قومي«، أي أنه يحارب الأنتماء الأمازيغي باعتباره انتماء قوميا.

فمن منظوره "الماركسي" الاشتراكي، يرى أن »الإنسان الأمازيغي بالمغرب، قبل أن يحتاج مقررا دراسيا باللغة الأصلية، فهو في حاجة إلى حجرة ومقعد للدراسة«، دون أن يقول نفس الشيء عن الإنسان "العربي" بالمغرب الذي توفّر له الدولة مقررا دراسيا بلغته "الأصلية". لماذا إذن هذا التمييز بين العربية والأمازيغية؟ لماذا يستكثر السيد سيفاو على الأمازيغية مقررا دراسيا باللغة الأصلية؟ »لأن طبيعة الصراع الدائر في كل المجتمعات البشرية لا ينبغي ولا يحدد إطلاقا على أساس ما عرقي أو لغوي«. هذا ما طبقه ستالين بحذافيره على شعوب الاتحاد السوفياتي سابقا، فأقصى لغاتها وقضى على هوياتها بدعوى أن الصراع الحقيقي هو "الصراع الطبقي" وليس الصراع اللغوي أو العرقي، وأن ما تحتاجه هذه الشعوب ليس مقررا دراسيا بلغاتها الأصلية، بل مقعدا وحجرة لتتعلم فيها اللغة الروسية للطبقة الحاكمة، وتتعلم فيها كيف تنسى لغاتها لأصلية. ونفس الشيء ينصحنا به السيد سيفاو: ما يحتاجه التلميذ الأمازيغي ليس مقررا دراسيا بلغته الأصلية، بل مقعدا وحجرة يتعلم فيها اللغة العربية ويقتل فيها لغته الأمازيغية. هذا هو المشروع "الاشتراكي" "الثوري" الذي يبشر بها السيد سيفاو "الاشتراكي" "الثوري".

لندعُ السيد سيفاو أن يلتفت إلى ما حوله ويتأمل حاضره بدل العودة إلى ستالينية الستينات والسبعينات: هل الملايين من البشر الذين ماتوا بروواندا ويوغوسلافيا السابقة قضوا بسبب "الصراع الطبقي" أم لأسباب عرقية ولغوية وإثنية وهوياتية ودينية؟ لو أن الصراعات العرقية واللغوية والهوياتية لا دور لها كما يدعي السيد سيفاو في تحليله الستاليني، لما ظهرت عشرات الشعوب التي كانت لغاتها وهوياتها وانتماءاتها وأصولها مقموعة وممنوعة في عهد الاتحاد السوفياتي البائد، لتستقل بهوياتها ولغاتها وأعرافها كدول قائمة الذات بمجرد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق الذي كان يقمعها ويقصي هوياتها ولغاتها بمبرر أن "الصراع الطبقي" هو محرك التاريخ، وليس الصراع اللغوي. لكن شواهد التاريخ كذبت مزاعم "الاشتراكية" أكثر من مرة، هذه "الاشتراكية" التي يحنّ إليها السيد سيفاو بعد أن أصبحت جزء من قيء التاريخ وفضلاته.

وانسجاما مع تحليله الستاليني، يرى السيد سيفاو أن التيارات اليسارية ـ أي ذات التوجهات الستالينية ـ قد لعبت دورا كبيرا في الدفاع عن الأمازيغية. ويعطي كمثال عن تلك التيارات منظمة "إلى الأمام" و"الطلبة القاعديون". وهنا تجدر الإشارة إلى هذه التيارات التي كانت موضة بالمغرب في مرحلة السبعينات والثمانينات، كانت من ألدّ أعداء الأمازيغية على الإطلاق، كانت أكثر عداء لها من التيارات القومية وحتى الإسلاموية، وذلك للأسباب التالية:

ـ لأنها تعتبر، كما شرحنا ذلك أعلاه، أن القضية الأمازيغية قضية زائفة اختلقتها الطبقة البورجوازية لإلهاء الشعب عن مواجهتها.

ـ إن الفكر اليساري، كما كان مفهوما ومنتشرا بالمغرب، هو فكر عروبي قومي وبعثي. وبالتالي فهو يرى في الأمازيغية تهديدا للوحدة العربية وللمشروع القومي.

ـ إن الفكر اليساري لا يعطي أية أهمية للهويات واللغات، إيمانا منه بأن "الصراع الطبقي" هو محرك التاريخ، وليس صراع اللغات والهويات.

ولا تزال الحركة الأمازيغية تعاني، إلى اليوم، من مخلفات الفكر اليساري الذي تحمله بعض عناصرها، وهو ما يعرقل بشكل ملحوظ مسيرتها. مما يستلزم تخليصها وتطهيرها من التيارات اليسارية التي اخترقتها، والتي كانت إلى عهد قريب ترفض الأمازيغية وتحاربها.

ولثقته، كاشتراكي استاليني، في أن "القوى الاشتراكية" هي المدافع الحقيقي عن مصالح الطبقات الاجتماعية، ينصحنا السيد سيفاو بأن »لا ينبغي على عموم التقدميين الثوريين المغاربة أن يتركوا الأمازيغية في يد القوى الطبقية "المخزنية" لتحاول لعبها كورقة من أجل طمس الصراع الحقيقي الذي ينخر المجتمع المغربي«. لكن الذي يتناساه أو يتجاهله السيد سيفاو هو أن هؤلاء "التقدميين الثوريين" الذين ينتظر منهم تخليص الأمازيغية من يد "الطبقة المخزنية"، هم الذين ظلوا منذ الاستقلال، خلفاء الطبقة المخزنية في محاربة الأمازيغية وإقصائها. فلا شيء كان هؤلاء "التقدميون الثوريون" يتفقون فيه مع المخزن الذي يعارضونه سوى إقصاء الأمازيغية. فرغم ما كان يفصل بين الطبقة المخزنية "والتقدميين الثوريين" من خلافات وصراعات أدت إلى اختطاف واغتيال العديد من هؤلاء "التقدميين الثوريين"، فقد كان موقف هؤلاء وموقف السلطة المخزنية من الأمازيغية واحدا وموحّدا، وهو محاربتها وإقصاؤها. ويكفي أن نستحضر هنا ما قاله "أمير" هؤلاء "التقدميين الثوريين" عندما سئل عن مشكلة الأمازيغيين بالمغرب، قال: الأمازيغي شخص لم يدخل المدرسة. الحل إذن واضح: عندما يلتحق كل الأمازيغيين بالمدرسة ويخضعوا لتعريبها، تختفي الأمازيغية والأمازيغيون.

وحتى عندما أعلن الحسن الثاني في خطاب 20 غشت 1994 عن مشروع تدريس الأمازيغية، استاء لذلك "التقدميون الثورويون" استياء شديدا. بل فيهم من طار إلى ولي نعمته بالمشرق يستنجد به ليضغط على المغرب ليتراجع عن قرار تدريس الأمازيغية. كذلك استقبل هؤلاء "التقدميون الثوريون" إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بحذر وفتور يعبران عن عدم رضاهم عن هذا التحول في سياسة المخزن تجاه الأمازيغية، رغم طمأنتهم بإنشاء أكاديمية اللغة العربية مباشرة بعد الإعلان عن إنشاء المعهد. فليحفظ الله الأمازيغيةّ من "التقدميين الثوريين".

يقول السيد سيفاو إن النضال من أجل الأمازيغية »لا يعني بالبت والمطلق نسيان الهموم الكبرى والقضايا الملحة المتعلقة بهذا الإنسان الأمازيغي والعربي على حد سواء«. هذا ما كان يفعله "التقدميون الثوريون" بالمغرب في تعاملهم مع قضايا الوطن والشعب حيث كانوا يعطون الأولوية لما يعتبرونه من القضايا الكبرى، مثل تقوية سلطة الدولة وبناء اقتصاد وطني مستقل، ويؤجلون القضية الأمازيغية إلى أجل غير مسمى. فكانت النتيجة أنهم عززوا استبداد الدولة وخسروا الديموقراطية والتنمية الاقتصادية. وهكذا كان "التقدميون الثوريون"، عندما لا يرفضون الأمازيغية بصفة نهائية، فإنهم يؤجلونها إلى موعد غير محدد، متذرعين بأن الأولوية هي إرساء الديموقراطية، ثم يأتي بعد ذلك التفكير في الأمازيغية، متناسين أن من مظاهر غياب الديموقراطية هو إقصاء الأمازيغية، وبالتالي فإن البدء بالديموقراطية يعني منطقيا البدء بالأمازيغية.

إن القضية الأمازيغية لا تتطلب تأجيلا ولا تأخيرا. ولكن ذلك لا يعني، كما يريد أن يوحي بذلك السيد سيفاو، نسيان القضايا الأخرى. إن القضية الأمازيغية، كقضية هوية وانتماء، تتعلق بالغايات وليس بالوسائل. فهي، لهذا السبب، لا تقبل التصنيف ضمن القضايا الأخرى ذات الطابع المادي التي يمكن المفاضلة فيما بينها من حيث التقديم والتأخير. وهذا ما يصعب أن يستوعبه "التقدميون الثوريون"، مثل السيد سيفاو، الذين لا زالوا يفكرون بمنطق النزعة الاشتراكية والبعثية التي ماتت أكثر من ثلاث مرات.

 خطاب إسلاموي: إذا كان قد أصبح معروفا أن الخطاب العروبي والقومي هو وجه آخر للخطاب الإسلاموي، فالغير المعروف هو أن الخطاب اليساري بالمغرب، اقتداء بالدول العربية، هو كذلك ليس سوى صيغة أخرى للخطاب الإسلاموي الذي يلتقي معه في أكثر من نقطة وأكثر من عنصر، وذلك حتى عندما يدعي هذا الخطاب اليساري بأنه علماني. وأوجه الالتقاء بين هذه الخطابات الثلاثة ليس في الأفكار، التي قد تكون مختلفة ومتباينة، بل في الآليات العقلية التي تنتج تلك الأفكار. فمنهجية التفكير واحدة وموحدة عند القوميين واليساريين والإسلامويين، لأنها تصدر عن مبادئ واحدة، مثل النزعة النرجسية الممجدة للذات، سواء النرجسية الدينية، أو الإثنية، أو "النضالية" "التقدمية" المكلفة، دون غيرها، بتغيير العالم كما يعتقد أصحابها "التقدميون الثوريون". إن هذه الخطابات الثلاثة تلتقي كلها في رفض الاختلاف، والدفاع عن الواحدية ولكليانية، ومعاداة الآخر المختلف باعتباره عدوا ومتآمرا. لهذا فإن الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي والإسلامي هي إما قومية (الناصرية)، وإما يسارية اشتراكية (البعثية)، وإما إسلاموية (الطالبان، السعودية، إيران، السودان).

فرغم كل الجهد الذي بذله السيد سيفاو ليظهر في مقاله أنه "تقدمي ثوري" وماركسي اشتراكي، إلا أنه لم يوفق في إخفاء المنطلقات الإسلاموية التي تؤطر موقفه من الأمازيغية. بل نجده يستعمل نفس العبارات المستعملة من قبل الإسلامويين والقوميين، مثل "دعاة الأمازيغية"، "نشر أفكار عنصرية غريبة عن الواقع الفعلي الذي نعيشه". وإذا كانت الإيديولوجية الإسلاموية قد أصبحت مهيمنة بالمغرب، فذلك راجع إلى روافدها القومية واليسارية الستالينية (وهل هناك فرق على مستوى النتائج والأهداف السياسية بين الإسلاموية والستالينية؟) التي تقدم الدعم المجاني للظلامية الإسلاموية، وذلك حتى عندما تعلن رفضها ومناهضتها لهذه النزعة الظلامية الإسلاموية. وهذه إحدى المفارقات الناتجة عن الطابع اللاعقلاني للخطاب القومي واليساري. 

لا يتضمن إذن خطاب السيد سيفاو شيئا شديدا بالنسبة لما سبق أن كتبه الإسلامويون والعروبيون حول الأمازيغية، بل يكرر الخطاب الأمازيغوفوبي بشكل أردأ وأسوأ.

وإذا كان يسمي نفسه بالاسم الأمازيغي "سيفاو"، فهو هنا لا يختلف عن الجابري الذي يقول بأنه أمازيغي ويتحدث الأمازيغية أفضل من مناضلي الجمعيات الأمازيغية، ليبرر في النهاية الدعوة إلى إماتة هذه اللغة التي يتكلمها ويتقنها، ولا عن الإسلاموي عبد السلام ياسين الذين يجيد الأمازيغية هو كذلك، لكنه يمنعها من المدرسة ومن الدستور حتى لا تكون ضرة للعربية كما كتب.

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.