Uttvun 84, 

Kuzvyur  2004

(Avril  2004)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

Mmax a yacal

Azellazday n Arrif

Ayyuz i weghmis n Tawiza

Mlilij

Tawuri n ulemmas n Tarik ibnu Ziyyad

Abrid n isennanen

Ini yi a tawargit

Nawlu aytmatnegh g tamezgha

Anawlu g tamazgha

Asmuymen

Français

L'amdja d'Alhouceima

Discours sur le beau tremblement de terre

Al-Houceima dans les élégies rifaines

Ne réveillez pas un makhzen qui dort

Quand un intellectuel a peur de son patronyme

Le miroir de Melilla

L'apport de la revendication amazighe

Amazighement femme

Tamazight entre standardisation et dialectisation

Les proverbes rifains

Tamurt n yakouch

Communiqué de Tanukra

Solidarité du CMA avec les victimes du séisme

La kabylie de tout coeur avec le Rif

Deuil national

Condoléances

Condoléances au roi d'Espagne

Communiqué de l'association "Abrid"

Communiqué de l'association Arfoud

العربية

الحسيمة أو سيرة البطل الأسطوري

الزلزال والعربية الفصحى

بين الزلزال والعبث

الأدب الأمازيغي إبداع وتواصل

الجابري والذاكرة الانتقائية

حينما يستحيل الفكر إلى ردة

الأمازيغية والنخبة المصنفة

رسالة مفتوحة إلى وزير الثقافة

أخبار الأسبوع أم أكاذيب الأسبوع

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والأمازيغية

عمر ن آيت سعيد الصوت الملتزم

إلى جميع عائلات المفقودين في زلزال الحسيمة

تعزية المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية

أمينة بن الشيخ تبكي على يتامى الحسيمة

تعزية جمعية أناروز

بيان لتامونت ن يفوس

بيان حول إصدار ثلاثة كتب لتدريس الأمازيغية

بلاغ للشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة

 

جذور الإرهاب في المغرب:

الجابري والذاكرة الانتقائية في البحث عن جذور الإرهاب بالمغرب

بقلم: عبد السلام  خلفي

يؤكد لنا الأستاذ محمد عابد الجابري بأن أولى إرهاصات الإرهاب إنما هي تلك التي انطلقت "في الثالثة والنصف من زوال يوم 18 ديسمبر 1975"(1)، أي في ذلك اليوم الذي اغتيل فيه "الشهيد عمر بنجلون أحد قادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمغرب"(2). وبعد أن يقدّم لنا حيثيات وأسباب الاغتيال، ويعتبر العملية الإجرامية فعلا استَهدَفَت من خلال الشهيد الاتحاديين، الذين انتعشوا بعد المؤتمر الاستثنائي (1975)، ينتقل بنا إلى التفجيرات الإرهابية التي تعرضت لها مدينة الدار البيضاء يوم 16 ماي 2003 م، ويحاول الربط بين اللحظتين الإجراميتين، محيلا إحداهما على الأخرى. وقد وعدنا الجابري في مقدمة مقاله أن يمارس نوعا من "النقد والنقد الذاتي" الذي "ليس من نوع نقد "الآخر"؛ وكان فرحنا عظيماً عندما اعتقدنا أن لحظة المكاشفة، ونقد الممارسات الإيديولوجية لما بعد الاستقلال قد آن أوانها للتخلص من تبعات المواقف الإقصائية التي لا زلنا نعيش آثارها المدمرة، إلا أن صدمتي (أنا على الأقل) كانت كبيرة عندما اكتشفتُ مرة أخرى أن نفس المنطق الذي أنتج الطروحات التقليدية عن "الذات المنزهة والضحية دائما" لا زالت تعشش في أذهان أكثر فلاسفتنا الذين يقتاتون على الفكر الإبستمولوجي!. لقد اعتبر الجابري الظاهرة الإرهابية ظاهرة توجد خارج "الهنا والآن". اعتبرها ظاهرة مستقلة تماماً عن الجسد الأيديولوجي الذي أنتجته الحركة الوطنية، ووجد لها امتداداً في ذلك الآخر الذي أراد أن يستدمجه في "الكتلة التاريخية" التي ينتمي إليها، وامتدادا كذلك لظاهرة "الخوارج" التي عانى منها الإسلام في القرن الأول". أي في ماض سحيق لا يعرفه إلا من تمرس على دراسة كتب "الملل والنحل"!!.

ولقد قدم لنا الأستاذ الجابري ثلاثة احتمالات أدت إلى العملية الإرهابية في الدار البيضاء، اختزلها فيما يلي:

1 ـ تقصير الإسلاميين إعلاميا في مواجهة "الانحراف الذي يستعيد ظاهرة "الخوارج"

2 ـ تهاون التيارات الإسلامية في "التصدي للانحراف بالدين والغلو فيه"

3 ـ سلوك الإسلاميين () طريق الشخص الذي يقول لسان حاله "لم آمر بها ولم تسؤني"! آملا الاستقواء أمام الخصوم السياسيين بهذا "الرديف" الذي "يحمي" الظهر!" أو "طريق اليائس من العمل السياسي () الذي يستعجل "النصر" ويلتمسه خارج ذاته ووضعه، وربما خارج بلده"(3)

وبهذا يكون الجابري قد حمّل الآخر الذي أراد أن يستدمجه في "الكتلة التاريخية" كل المسؤولية في إنتاج الإرهاب، ويكون بذلك قد نزّه الذات، ووضعها في مرتبة الملائكة أو أعلى قليلاً، و"شيْطَن" الإسلامي الذي يستعمل الدين و"الرديف" الإرهابي للسيطرة على السلطة. وإذا كنا لا نريد أن ندخل في سجال حول الظاهرة الخارجية بالمغرب الكبير (دون الشرق العربي الذي أفاض فيه الجابري)، والتي جاءت كرد فعل عن العنف الأموي الشرس ضد الأمازيغ، والذين أُريد لهم أن يستعبدوا ويُخمَّسوا وتُسْرَق أموالهم وتُسْبى نساؤُهم ويُحْمَلْن على هوادج الذل إلى الشرق ليستمتع بهن أمراء وجنود بني أمية، ثم يُبَعْن سبايا في أسواق النخاسة ليستمتع بهن مرة أخرى عامة الناس، أو يُستَعْملن في أسوء الأعمال إماءً يُسَمْن الأمرّين. إذا كنا لا نريد أن ندخل في هذا السجال، اعتباراً للاختلاف بين السياقين التاريخيين، وللدوافع والأهداف التي كانت تتوخاها الحركات الخارجية، والتي تختلف تماما عن تلك التي تريد أن تحققها اليوم الحركات الإرهابية في ظل العولمة، فإننا نريد أن ننبه الأستاذ الجابري، كي لا تقعد به معرفته التراثية عن فهم الواقع، أن لا ينظر إلى العصر بنظارات الماضي السميكة، وأن لا يتوقف فقط عند هذه الفرضيات الثلاث، والتي تشكل في العمق دعوة غير نزيهة إلى تنزيه الحركة الوطنية من مسؤولياتها مما يحدث اليوم، واعتبارها الضحية الأبدية للمخزن (وهي المخزن)، بل سنتجاوزها إلى إضافة فرضية رابعة أقرب إلى الحقيقة، وهي فرضية أن "الوطنيين" يتحملون بدورهم قسطاً كبيراً مما يحدث الآن.

إنه ليس بالتحليل الانتقائي والتراثي يمكن لنا أن نحل مشاكلنا الآنية. وإذا كان الجابري يتوسل الفكر الخارجي والمخزن والحركات الإسلامية لينزه من جهة السلفية الأصولية ذات المنزع العروبي (الحركة الوطنية)، وليربط بطرف خفي بين العنف الخارجي وكل الثورات الشعبية (وضمنهم الأمازيغ) التي تبنت خيار المقاومة ضدا على السياسة الأموية العضود، فإنه لا بد لكي نتلمس بعض الحلقات المفقودة لفهم الظاهرة الإرهابية على المستوى المحلي (المغرب) من التوقف عند بعض الممارسات التي صدرت عن الأجهزة الإيديولوجية الوطنية التي تبنت السلفية والقومية والاشتراكية كمبادئ للتحرر من الهيمنة الإمبريالية وإعادة بناء الهوية العربية، والتي أثرت التأثير العميق على الانسجام الذي كان حاصلاً بين مختلف المكونات الدينية واللغوية بالمغرب. وبمعنى ما فأنا أريد أن أمارس نوعا من "النقد الذاتي" الحقيقي الذي لم يلتفت إليه الجابري، رغم إعلانه عن ذلك، لأؤكد بالفعل أن المسؤولية جماعية، وتتحمل فيها ايديولوجية الحركة الوطنية نصيبها الأوفر. ولا أريد في هذا الصدد التوقف عند الأحداث الخطيرة لما بعد  1956 م والتي جرت في كل من الأطلس والريف، والتي تبعتها الاختطافات والاغتيالات، ولكن الذي أود التوقف عنده إنما هو فقط العنف الرمزي الذي تم تسليطه على اليهود المغاربة من طرف الوطنيين، والذي تحول في مراحل تالية إلى عنف مادي مارسته آليات العنف الحزبي، ووجدت فيه الحركات المتطرفة اليوم الغذاء "الروحي" (عن طريق الإعلام والتعليم) لمواصلة الإرهاب ضد إخوة لهم في المواطنة والتاريخ والمصير المشترك. ولن نكون مجانبين للصواب إذا قلنا مع معتوب لوناس إن هؤلاء المتطرفين هم أبناء شرعيون للحركة القومية وللوطنيين بشقيهم: السلفي والاشتراكي؛ فالأكيد جداً أن الحركات الإسلاموية المعاصرة تخرجت من عباءة الوطنيات والقوميات العربية التي زرعت الكثير من الحقد الممأسس في مقرراتنا المدرسية، وإعلامنا العمومي، ومقراتنا الحزبية، وحملاتنا الانتخابية، ومواقفنا السياسية، ومساجدنا المسالمة..  وقد ظلت هذه النزعات الحاقدة حاضرة بقوة في كل مقرر دراسي، ومقال فكري عن الناصرية، ومظاهرة مساندة لفلسطين، ومزايدة انتخابية محلية، وتصريح سياسي متضامن مع الأشقاء في الشرق إلخ والعجيب حقا هو أن هذا المنطق العجيب لا زال إلى اليوم يشل دبلوماسيتنا، ويجعلها رهينة لمواقف سياسية مسبقة تضع المصالح الأجنبية فوق مصالحنا الوطنية العليا.

 ومن المؤكد، أن لحظة تبني المشاريع القومية العربية، ولحظة تعريب المغاربة قد شكلتا أنصع لحظات الإقصاء. فقد كانت شريعة الوطنيين السياسية هي التوحيد القسري، واغتيال كل ما هو مختلف. فتمت الدعوة ليس فقط إلى التضامن العربي، ولكن أيضاً إلى قتل مكونات الحضارة المغربية. ألم يدع الجابري، نفسه، في فترة الفورة القومية إلى "قتل" الأمازيغية، أي إلى قتل القيم الرمزية للمغرب المتسامح؟!!؛ وأيضاً ألم يشن بعض أقطاب الحركة الوطنية حربا لفظية على اليهود المغاربة لأنهم يشكلون في نظرهم مرتعاً لإغراءات الموساد وفضاء للاستقطاب من طرف الصهيونية العالمية؟ بلى! لقد كانت هذه، إذن، هي البداية، وكانت هي المرجع العقدي الذي سوف تتأسس عليه "شريعة الإسلاميين" البعدية، والتي سوف تتدرج لتنتقل من "الإرهاب اللفظي" إلى الإرهاب المادي (القتل)، مستغلة في ذلك كل ما ورثته من إحباطات حضارية، ومحولة مشاريعها المجتمعية إلى قنابل للكره موقوتة. لقد كنت دائما أدعو الله (ولا زلت) أن تتحرر جرائدنا، وتجمعاتنا، وإيديولوجياتنا، وفلسفاتنا من المشرق الإقصائي (وليس المشرق المنفتح والمتسامح) قبل أن يقع الفأس في الرأس. ولكن بما أن الفأس قد وقع فلابد من التذكير بنتائج واقعة التعريب كواقعة  ايديولوجية "وطنية" إقصائية مهدت للإرهاب الديني منذ أكثر من أربعين سنة. وإني لأتساءل، في خضم تشدقنا بالتسامح المغربي الاستثنائي، لماذا تراجع أعداد اليهود بالمغرب من حوالي 450 ألف نسمة إلى حوالي خمسة آلاف (4)؛ هل كان لتراجعهم هذا علاقة ما بحادث "الثالثة والنصف من زوال يوم 18 ديسمبر 1975 م"، أم أن لهذا علاقة بنوع "الغذاء" المدرسي والإعلامي الذي كانت الحركة الوطنية حريصة على تقديمه لأبنائنا الذين طالهم التهميش والتعريب فتحولوا، في مراحل لاحقة، إلى أدوات صغيرة في أيدي إرهابيين كبار تتلمذوا على يد أئمة كره الآخرين، واعتبار العرب (والمسلمين) أفضل الناس جميعاً. إنني أذكر بهذا حتى لا نكون انتقائيين في بحثنا عن جذور الإرهاب كما فعل الأستاذ الجابري، ولكي لا نكون كذلك أود التوقف عند لحظة التعريب بوصفه واقعة إقصائية لليهود المغاربة.

التعريب بوصفه واقعة إقصائية للمكونات المغربية غير الإسلامية:

مقدمة لابد منها لفهم الحاضر:

لا زلتُ أتذكر حديث جدتي (وحديثها أصدق من وثائق بعض الذين يدّعون اليوم أنهم يمتلكون حقيقة الماضي) عن اليهود في قبيلة آيث سعيد بشمال المغرب (قرب الناظور). لقد قالت لي يوماً إن "ثافقيرث ثاَطونْيوتْ (السيدة ثاطونيوت) ماتت، رحمةُ الله عليها، في أحضاني، وعلى ركبتَيَّ"؛ قلت لها مستفسراً: "من هي ثَاطونْيوتْ هذه ياجدتي؟!". قالت :"إنها امرأة، لا تعرفها أنت، ماتت المسكينةُ منذ زمن طويل!!". قلت لها: "ولكن هذا الاسم ليس أمازيغياً ولا إسلامياً، فليس في قبيلتنا اليوم من يسمي بناته باسم: ثاطونيوت!". قالت: "إنها يهودية (ذ.ثوذاشث)، ولذلك سُمِّيَتْ بهذا الاسم". سألتها: "وهل كان اليهود يتعاملون معكم؟، ألم تكونوا تكرهونهم، وتسمونهم "أوذَيَنْ" عندما تريدون أن تحطوا من قيمتهم؟". قالت جدتي، وهي التي لم تتعلم الإيديولوجيا الوطنية، في المدرسة الاستقلالية، ولا تعرف أن تخط حرفاً واحداً بأية لغة من لغات العالم: "لقد كانوا كثيرين جداً في قبيلتنا، وكان المساكين يعيشون كما يعيش كل الناس، نزورهم، ويزوروننا، نفرح لأفراحهم ويفرحون لأفراحنا، نحزن لمصابهم ويحزنون لمصابنا... إن ثَاطونْيوتْ المسكينة ماتت على ركبتَيَّ!!... لقد كانوا يصنعون "ثيبَارْذيوين"، "وثيزْيَاوين"، و"إغَارَيْنَن"، أو يصْبغون، ويبيعون الذَّهب؛ وقد كانوا "شطاراً" (أي أذكياء)، ونساؤهم كن أكثر نظافة من المسلمات، وعادة ما كن يساعدننا على تنظيف منابع المياه، لكنهم اختفوا، ولم يبق منهم أحد في قبيلتنا... لقد قيل لنا إنهم خافوا من المسلمين، ولذلك كانوا يُمْسُونَ معنا، وفي الصباح عندما نذهب إليهم لحاجة ما، كنا لا نجدهم!!!... لقد تركوا منازلهم!!، وقيل إنهم كانوا يخفون أموالهم في المطامير، وفي الأكواخ، والكهوف البعيدة ليلاً،... لقد تركوا كل شيء وذهبوا !!"...

لقد كانت جدتي تتحدث بلذة المستحضر لماضٍ عزيز... فصيحةًً -كانت- في ضرب الأمثال، واصطياد الكلمات البليغة التي تعبِّر عن لحظات لا زالت حية في ذاكرتها... كانت منفعلة، وكانت كلما اشتغلت ذاكرتها أكثر رَنَتْ ببصرها إلى السقف، وكشفت لك عن كنوز التعبير الأمازيغي. قلت لجدتي حاثاً إياها على مواصلة الحديث: "وماذا بعد؟ "قالت: "لقد كانوا يضربونهم!!". قلت: "مَنْ؟". قالت: "المسلمون". قلتُ لماذا؟: "قالت: "لأنهم كانوا يتهمونهم باستحواذهم على فلسطين، وأنهم خانوا محمد الخامس... لقد كانوا، والله دراويش-علقت جدتي- وكان يكرههم الإسبان، ويهمشونهم،... كانوا لا يجدون قوت يومهم، إلا أن "إيميساون "(أراذل الشباب/ الرعاة) كانوا يهجمون عليهم بالأحجار، ويصيحون في وجوههم: "أيُوذاي!، أيُوذاي!"سألتُها: "وهل كنتم أنتم في شبابكم تضربونهم، كما يفعل "إيميساون"؟". أجابت جدتي: "أبداً.. فقد كانوا دراويش، وكانوا مثلنا... وكانت نساؤهم يأتين إلينا، ونتقاسم "مِينْ يَشْثَابَنْ" (أي المقدر من الرزق)".

تذكرتُ أقوال جدتي، وأنا أقرأ كتاب روبير الصراف:"محمد الخامس ويهود المغرب، في فترة فيشي"(1997)؛ والكتاب يؤرخ لليهود المغاربة في الفترة المعاصرة، وللحملات التي قادتها التيارات المحافظة، والأحزاب السلفية والقومية ضد اليهود، باسم القومية، والوحدة العربية، والتلاحم العربي، وباسم النضال المقدس من أجل تحرير فلسطين أيضاً. وقد كنت أثناء قراءتي للكتاب أقارن بين ما قالته جدتي، تلك المرأة المسلمة العجوز غير المؤدلجة، وبين التحولات الخطيرة التي شهدتها المجموعات الدينية اليهودية بالمغرب، والتي عبر عنها الكاتب. لقد كنت فيما مضى أعتقد أن هجرة اليهود جاءت في سياق العودة إلى الأرض الموعودة، وفي سياق تجذر الشبكات "الصهيونية" التابعة لأجهزة الموساد، التي دفعت بآلاف "المومنين" إلى ترك كل شيء، والالتجاء إلى إسرائيل إلا أنني، مع ذلك، كنت، في حالات كثيرة، أتشكك في قدرة العقيدة، وأجهزة الموساد وحدهما على أن تدفع بكل هذه المجموعات كي تترك وطناً / أرضاً ارتبطت بها لأكثر من ألفي سنة كما يذكر حاييم الزعفراني، في مؤلفه:"ألفا سنة من حياة اليهود في المغرب"(1998)؛ إن الأسئلة "المحرجة" التي كانت تنتابني، وتلح علي دائماً هي: لماذا فجأة، يقرر اليهود الرحيل، ودون سابق إعلان عن ذلك؟. لماذا ستمتلئ بهم مخيمات الدار البيضاء بعد سنة 1958، باحثين عن قارب يحملهم إلى أرض لم يعرفوها، ولم تشكل أوعاءهم الجماعية... وتاركين وراءهم أموالهم، ومنازلهم، ومقابر أجدادهم، وأولياءهم، وكل ما يشدهم إلى ماضيهم، بل ومغامرين بأرواحهم، كما وقع للسفينة التي غرق على متنها حوالي أربعة وأربعون يهوديا سنة 1961 بعد الزيارة التي قام بها جمال ع.الناصر إلى المغرب؟. أكان ارتباطهم بالأرض الموعودة، وبالقدس أقوى من الأرض التي تربوا فيها، وأنشأوا فيها حضارات مع إخوانهم المغاربة مسلمين كانوا أم غير مسلمين؟. وإذا كانت آصرة العقيدة أقوى من أي آصرة أخرى، فلماذا لا يهاجر المسلمون أيضاً إلى مكة المكرمة، أرض الرسول (ص)؟.

إن جدتي كانت في الواقع قد قدمت لي بعض رؤوس الأقلام لفهم ظاهرة الهجرة الجماعية التي تعرض لها اليهود، إلا أنني لم أكن مقتنعاً بما قالته، خاصة وأن ظاهرة الهجرة اليهودية كانت ظاهرة عالمية، وليست مغربية مائة في المائة، وجاءت في سياق هجرة الأيادي العاملة المغاربية إلى أوروبا بحثاً عن لقمة خبز، وكنتُ، لذلك، أعتبر ما تفوهتْ به مجرد تجربة شخصية معزولة، فاليهود، كما تعلمنا في مرحلة الاستقلال، هاجروا لأنهم لم يريدوا أن يندمجوا داخل المجتمع المغربي. وإذا كانت جدتي قد أكدت لي عكس ذلك، إلى الدرجة التي عينت لي فيها أسراً كانت يهودية، ثم تحولت إلى الإسلام عن طيب خاطر، واندمجوا كلية في المجتمع الأمازيغي الريفي، فإنني كنت مع ذلك، أعتبر نزوحهم الجماعي إرادياً، بحثاً عن لقمة العيش أو مفروضاً عليهم من الخارج، وليس أبداً من الداخل.

فما هي الأسباب الداخلية التي دفعت باليهود المغاربة إلى شد رحالهم إلى الأرض الموعودة (وإلى الشتات أيضاً)؟ ألا يمكن أن تكون السياسة الثقافية المغربية لما بعد الاستعمار، وتعبئة الرأي المغربي من طرف الحكومات الوطنية، والهيئات السياسية والثقافية ضد "الامبريالية العالمية" و"الصهيونية"، التي تختلط في أذهان عامة الناس باليهودية، سبباً من الأسباب التي أدت إلى ما أدت إليه؟.

سياسة التعريب هي المقدمة النظرية لمأسسة إيديولوجيا الإرهاب:

نعم، إن التعريب (وليس العربية) هي المقدمة النظرية لمأسسة إيديولوجيا الإرهاب، فلقد كانت النخب السياسة الثقافية المغربية في مرحلة الاستقلال متحمسةً أشد التحمس للمبادئ الأربعة (التعريب، التعميم، التوحيد، المغربة)؛ وقد اعتبرت هذه المبادئ وحياً منزلاً، ومكسباً ثورياً، تحقق حوله "إجماع" وطني كامل؛ ولذلك فإنه لم  يكن من الممكن مناقشتها أو التشكيك فيها، وكل من تجرأ اتهم بأشنع الاتهامات أخفها العمالة للاستعمار، والصهيونية، والقبلية الضيقة (العنصرية)؛ وقد دافع حزب الاستقلال وكل الهيئات السياسية الوطنية الأخرى عن هذه المبادئ، واعتبروا أن استكمال الاستقلال لن يتم إلا عن طريق التعريب الشامل للمؤسسات، والمحيط فكراً ووجداناً وخيالاً، ثم الانخراط في عمل سياسي يؤسس لوحدة عربية ركيزتها الأولى: تبني القضية الفلسطينية، وكل المشاكل الشرق الأوسطية، واستيراد الثقافة العربية المشرقية، والتماهي مع حضارة يَعْرُبْ تماهياً كلياً، واعتبار العروبة مبدأ مقدساً، في مواجهة قوى "الشر" و"الطغيان"، واعتبار كل من الأمازيغية واليهودية إرثاً من مخلفات الاستعمار، وتعويم مفهوم المواطنة الذي أصبح مرادفاً للعروبة. وقد تجلى هذا التعويم (الخلْط) بين "المواطنة" كمفهوم محايد، يتعالى عن الانتماءات الدينية والعرقية، والايديولوجية، والموقف الايديولوجي القومي الذي ينحاز إلى جماعة دون أخرى، في ذلك الرد الذي أجاب به السيد محمد الحمياني، مديرُ الشؤون السياسية في وزارة الداخلية، السيدَ دافيد عمار، يوم 4 يوليوز 1957. فقد ذهب إليه هذا الأخير لينقل إليه "قلق المجموعة اليهودية"، فكان أن رد عليه المدير قائلا: "لقد فكرتُ كثيراً في هذا المشكل، وتساءلت مع نفسي عن الفريق الذي يمكن لي أن أنحاز إليه: هل هو فريق 70 مليون من العرب، أو 240000 من الرعايا الإسرائيليين".(5). هكذا إذن، وباسم الأخوة العربية، والسبعين مليون من العرب، سيجد اليهودي، وغير العربي نفسيْهما في الدرجة الأخيرة من المواطنة، كما سيجد القومي العربي نفسه أقرب إلى مواطنين يبعدون عنه بآلاف الكلمترات، وينتمون إلى قارات أخرى، من جاره اليهودي أو "البربري" اللذين يتقاسمان معه الأرض والانتماء، ويحتكان معه في أسواق القرية والمدينة.

 إن هذا المنطق هو الذي سيتحكم -للأسف- في القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية التي ستتخذ لاحقاً، والتي ستجد لها أجلى صورها في المنظومة التربوية التي بجلت المسلم والعربي، وحطت من الآخر. فكان لابد من الهجرة، ومن أن يحس الآخر المختلف أنه لا وجود له في هذا البلد إلا بالقدر الذي سيتماهى فيها تماهياً كلياً مع "الوطنية الرسمية" التي لم تهمش فقط أبناء الجبال من الأمازيغ، ولكن حاولت أن تنال أيضاً من مكاسب اليهود الثقافية والدينية. يذكر روبير أبيتول، في هذا الصدد، أنه في سنة 1958 كان قد وصل عدد الأطفال اليهود المغاربة المتمدرسين بمدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية إلى 95/، كما أن العدد الإجمالي للذين كانوا يتلقون الرعاية الطبية، كان قد وصل إلى حوالي 90/ بالإضافة إلى أن أغلب الشباب اليهودي كان على الأقل يتلقى  تعليماً مهنياً نوعياً؛ إلا أن هذا الواقع الذي أنتجتْه، بدون شك، القوى الاستعمارية بدأ يعرف نوعاً من الاهتزاز، نتيجة لقرار إقدام الحكومة المغربية على مغربة (تأميم) (nationalisation) ثلث مؤسسات الرابطة الإسرائيلية العالمية، ولعهدها بأنشطة الثلثين الآخرين بالدار البيضاء إلى رعايا مغاربة، مع إطلاق اسم: الاتحاد عليها. لقد أحس اليهود أن المغْربة تحد من حريتهم في اتخاذ القرار، وأنهم ليسوا مستقلين في تبني النموذج الثقافي الذي يرتضونه؛ والذي سيعمق هذا الإحساس أكثر هو إقدام الحكومة على  فرض اللغة العربية، تنفيذاً لمبدأ التعريب، على مدارس الرابطة ذات التوجه الفرنكفوني. يقول روبير أصراف: "لقد اعتقد اليهود بسذاجة أن بلدهم قد ترسخ بشكل نهائي في الفرنكفونية التي [أصبحت] تضمن في نظرهم الانفتاح على العالم، في حين أن مشروعية "تعريب" الوطن-والذي يمكن لنا مع ذلك أن نعترض على منهجه السياسي-أعطاهم إحساساً بالانغلاق الذي دفعهم إلى الهجرة"(6).

ورغم الإجراءات السياسية الحمائية التي اتخذها المغفور له محمد الخامس من أجل تطمين الأقلية اليهودية من خلال منحهم بعض الوزارات، وإلحاقهم بمؤسسات الدولة، و"مساواتهم" بعموم المغاربة، واستبدال مبدأ "الذمية" بمبدأ "المواطنة"، فإن اليهود لم يستطيعوا الاطمئنان إلى هذه الإجراءات، بسبب "الحملات العدوانية" التي شنتها القوى المحافظة(7) ضدهم باسم الوحدة العربية، وباسم طرد اليهود من فلسطين السليبة. وإذا كانت الصدمة العنيفة التي تلقاها اليهود وجعلتهم  يكثفون من هجراتهم كانت هي: موت محمد الخامس، فإن إدماج المغرب في الجامعة العربية (1958)، بوصفه بلداً عربياً، وجعل فلسطين قضية وطنية، واستغلال بعض الأحداث التي اندلعت في الشرق العربي، مثل: غزو القوات الاسرائيلية في يوم 28 أكتوبر من سنة 1956 لسيناء مدعومة من طرف فرنسا وبريطانيا العظمى على إثر قضية قناة السويس.(8)، وكذا اختطاف طائرة بن بَلاَّ من طرف "الإمبريالية" و"الصهيونية"(1956)، واندلاع حرب 1967، وما نتج عن ذلك من حرب كلامية مُرَّة ضد السامية شنها عليهم بعض الوطنيين والسلفيين أمثال: المكّي الناصري والشيخ الكتاني (9)، والمهدي بن بركة، كل ذلك قد ساهم بقسط وافر في هجرة اليهود.

إن سياسة المبادئ الأربعة تكون، إذن، قد أتت أُكلها على مستوى "خلخلة" التجانس العربي-الأمازيغي-اليهودي الذي كان سائداً من قبل، ويعيشه المغاربة بوصفه واقعاً طبيعياً وحضارياً، كما أنه في زحمة المغْرَبَة، واستبدال الأطر الأجنبية بالأطر المغربية، ضحى المغرب بنخب وأطر متخصصة يهودية (وأجنبية كذلك) كان في الإمكان أن تستغل للدفع بعجلة التنمية في المغرب. ولكن الايدولوجيا كانت عمياء، وشريعة التعريب كانت قاهرة. ولقد عمل محمد الخامس كل ما في إمكانه لاستبقاء هذه الأطر، وباشر عملا إقناعياً في صفوف جميع رعاياه يطالبهم فيها بأن يوثِروا المصْلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات الخاصة. "إن المغرب-يقول محمد الخامس طيب الله ثراه-محتاج إلى كل أطفاله سواء كانوا مسلمين أو إسرائيليين. إنه محتاج إلى كل هؤلاء الأطباء، وإلى كل هؤلاء المهندسين، وكل هؤلاء المحامين..."( 10). ولكن هل كان في الإمكان إيقاف حملة الوطنيين الذين تبنوا أسوء إيديولوجية شرقية، لا تميز بين مواطنين مغاربة وصراعات الشرق الأوسط؟!. ولقد سار الحسن الثاني لما كان أميرا على هدي أبيه، ففي سنة 1957، أي أثناء ترؤسه لرالي الشباب اليهودي، خاطب هؤلاء قائلا: "إن أنظار البعض منكم متوجهة إلى جيريسالم مثل أنظار المسلمين نحو مكة، ولكن أقدامنا موجودة على أرض مغربية"(11).

ويتأكد، مع ذلك، أن السياسة في المغرب كانت قد اتخذت لها-كما يقول الصّراف- اتجاهاً قومياً إقصائياً، وكانت قضايا الشرق العربي تطغى على قضايا الوطن، وكان خطاب الإقصاء يطغى على خطاب التعقل والوسطية، كما كانت القرارات المتخذة تستمد مشروعيتها من مدى انسجامها مع السياسة العربية في مواجهتها لإسرائيل. يقول في هذا الصدد:

"إن تنظيم مؤتمر الدار البيضاء والإجراءات الاقتصادية الديماغوجية لحكومة اليسار قد انتهت إلى تحويل انزعاج [اليهود] إلى قلق. فلمواجهة الهجرة المتسارعة إلى إسرائيل، كان رد فعل الحكومات المتوالية أرعن-تضَمَّن إيقاف تسليم جوازات السفر-فحول بدوره القلق إلى هلع وأعطى اندفاعة جديدة للرحيل.

وللأسف، فإن هذه الإجراءات التي أقدمت عليها الحكومة الوطنية من حيث عدم تسليم جوازات السفر لم تكن تنبع من اعتقاد أن هؤلاء اليهود مواطنون مغاربة لهم نفس الحقوق ونفس الواجبات، ولكنها كانت تنبع من اعتقاد شوفيني يتوخى من وراء هذه العملية التضامن العربي والتلاحم العرقي مع قضايا الشرق لكي لا تعزز جحافلهم صفوف إسرائيل. ()...ورغم تدخلات محمد الخامس لاحتواء التعسفات التي كان اليهود ضحايا لها فإنها لم تصلح أبدا بشكل كلي الحيف الذي مسهم... لقد هاجر إلى إسرائيل، في غضون سبع سنوات، أي منذ 1948 إلى 1955، حوالي 75000 يهودي مغربي مقابل ما يقارب الألف من 1912 إلى1947. ثم إنه لما حصل المغرب على الاستقلال اتخذت الحركة لها مظهر هجرة جماعية: فـ 60000 من المرشحين للهجرة تم تسجيلهم بمكاتب كاديما (إلى الأمام)، في حين أن 20000 كانوا يتوفرون على جوازات سفر منحتها لهم سلطات الحماية، والتي حاول حزب الاستقلال بلا جدوى أن يلغيها"(12). ولما لا حظ الحزب أن الهجرة أصبحت مكثفة أكثر من ذي قبل "طالبت يومية الرأي (L’opinion)، باسم الالتحام العربي الإيقاف الكلي للهجرة:

إننا نقرأ: لا يمكن لنا أن نسمح للصهاينة الامبرياليين أن يجندوا من بين اليهود المغاربة، الذين هم مواطنو المملكة، كي يصبحوا مستوطني المستقبل لأرض عربية في ملكية الفلسطينيين. لا يمكن لنا أن نكون شركاء في هذا العمل الجائر. ولذلك فإن على وزارة الداخلية أن تتخذ الإجراءات المباشرة التي تفرض نفسها: عدم منح جوازات السفر الجماعية لليهود وعدم الترخيص للسفر للذين يريدون أن يذهبوا إلى إسرائيل.

ثلاثة شهور بعد الاستقلال أي أواخر ماي 1956 م أعلنت السلطات عن نيتها في إيقاف الهجرة المنظمة، وبخاصة إغلاق مخيم العبور من طريق "مازاكان". ولقد منعت الشرطة الدخول إلى المخيم على سيل من المرشحين للهجرة بواسطة إشاعات تتحدث عن إيقاف للهجرة مستقبلاً. وفي هذه اللحظة كانت "براكات" الحظ التي كان من المتوقع أن تستقبل 1500 شخص تستقبل  9000 شخص ويعيشون في ظروف صحية فظيعة. وكل المحاولات الرسمية لإقناعهم من أجل العودة إلى منازلهم فشلت."(13)

إن المغرب المستقل، نتيجة لهذه القرارات،-يقول الصراف-أصبح يواجه مأزقاً سياسياً فـ"عدم السماح للمرشحين المتشبثين بحقهم في التنقل يعني خرق إعلان حقوق الإنسان الذي تمت المصادقة عليه؛ وتركهم يسافرون يعني خيانة التلاحم العربي"، ولذلك كان من الضروري البحث عن مخرج لهذا المأزق الذي أصبح يضر بسمعة المغرب الدولية، وتجلى هذا المخرج في ترك اليهود يسافرون" سراً، واعتماداً على وسائل نقل خاصة بالليل وخارج الساعات الرسمية التي يفتح خلالها ميناء ومطار الدار البيضاء"(14)، وإلى الآن لا يزال يذكر أبناء الخمسينيات والستينيات كيف تشكلت عصابات تهجير اليهود عبر البحرين: المحيط الأطلسي، والأبيض المتوسط.

"ولقد كان محمد لغزاوي، مدير الأمن الوطني، المعروف بصرامته، وعناده، مضطراً لكي يغلق عينيه: إن الشرطة المكلفة بمراقبة المخيم سمحت لـ: 4000 مرشح جديد بالدخول، كي يأخذوا، بالتتابع، أمكنة الذين رحلوا.

وستجد أزْمة الهجرة الأولى حلاً إنسانياً جديراً بمحمد الخامس، الذي مع ذلك لم يصدق أن اليهود سيتركون بشكل جماعي بلداً أصبحوا فيه مواطنين كاملي المواطنة. وأما مشكل هجرة الـ 220000 يهودي الباقين فإنه سيطرح خاصة بعد منعطف 1958. وسيتحول إلى مشكل سياسي وسيسمم العلاقات اليهودية-الإسلامية إلى حدود وفاة محمد الخامس، وبعده.(15)".

إن الخلفية السياسية والايديولوجية الإقصائية التي تأسس عليها التعريب، إذن، لم ترتكز على مبدأ التسامح لكي تخطط لمغرب متعدد وغني بلغاته، وثقافاته، وأديانه، بعيداً عن مصادر القرار السياسي الشرقي. فقد كان الهم المهيمن هو كيف يمكن أن تتحقق قومية عربية خالصة بدون "شوائب"، وكيف يمكن "إماتة" جميع اللهجات، ومأسسة دين واحد على حساب الديانات الأخرى؛ ولذلك لم تتورع بعض من الأوساط السياسية أيام الانتخابات من اللمز، والمنابزة بالإحالة على الأصول الاتنية، والدينية للمجموعات البشرية المغربية عندما تريد أن تسحق خصومها سياسياً؛ إن حزب الاستقلال لم يتورع-مثلا-عن اتهام بن بركة بأنه "صديق اليهود"، كما أنه لم يتورع أيضاً عن المقارنة بين العنصر اليهودي والعنصر السوسي، معتبراً أنه حيثما وجد هذان العنصران إلا ويكون مصير حزب الاستقلال هو الانهزام (16). وهكذا يتبين لنا إذن أن سياسة المركزة والتعريب القسريين لم تؤد فقط إلى اندلاع أحداث 1956 م وأحداث 1958 م، بل أدت كذلك إلى دفع مجموعات بشرية كبيرة إلى الهجرة نحو الخارج. ومن المؤكد أن لشكيب أرسلان الأثر الكبير على أقطاب الحركة الوطنية، وعلى تبني موقف متطرف من التعريب. فهذه الشخصية المشرقية التي ساندت النازية، وأبت أن تساند محمد بن عبد الكريم الخطابي في حربه الضروس ضد الاستعمار، والتي شنت حرباً هوجاء ضد ما يسمى ب"الظهير البربري"، قد تحولت إلى نموذج سياسي يحتذى به عند أقطاب الحركة الوطنية المغربية. فحذا الكثير منهم حذوه في مؤازرة هتلر؛ لقد "حيى عبد الخالق الطريس من تطوان بقوة الإنتصارات العسكرية لهتلر. كما أن بلافريج، من حزب الاستقلال، كان قد  سافر إلى برلين في ذروة الحرب، ورفض علال الفاسي من منفاه بالكابون أن يساند فرنسا الحرة"(17).

خلاصات:

هل يمكن أن نقول، إذن، إن ما نجنيه اليوم من ضربات إرهابية تجد لها جذورا في بعض الممارسات الإرهابية التي أصابت أحد قادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمغرب، فنربط كما أصبح يشيع الكثير من المتحزبين بين إرهاب 16 ماي 2003 وإرهاب الثالثة والنصف من زوال يوم 18 ديسمبر 1975 م ؟. وهل يمكن أن نقول إن ما نجنيه إنما هو من فعل الخوارج الذين انتهت ايديولوجيتهم منذ أن تبنى المغرب المذهب المالكي واستقر على فكر الاعتدال. إن للإقصاء جذورا فكرية وطنية وقومية، ولكن هذا الإقصاء لن يفصح عن ذاته كواقعة إيديولوجية منظمة إلا بعد أن ندمجه في المؤسسة، فنضفي عليه الشرعية، ويصبح فعلا مباركاً ومشروعاً، بل ومرغوباً فيه. وهذا ما قامت به أحسن قيام الحركة الوطنية. وبطبيعة الحال، فإن المرحلة الأخيرة من هذه الشرعية إنما هي الانتقال من التنظير إلى التنفيذ، أي القتل. ومن المؤكد أن الإيديولوجيات الشرقانية هي ما سيمأسس "للقتل" بمجرد ما ستستحوذ التيارات المتطرفة على السلطة التنفيذية. لقد بدأنا باغتيال قيمنا الرمزية بعد الاستقلال مباشرة بمباركة سدنة التطرف القومي، وها نحن ننتقل اليوم إلى اغتيال الإنسان نفسه، وبمباركة سدنة التطرف الديني. فهل من اعتبار!؟

إشارة لابد منها:

 منذ خمس سنوات أو ست اتصل أحد الوزراء الفرنسيين بوزير التربية الوطنية المغربي فقال له ما يلي:

"لقد نوقشت هنا بباريس هذه الأيام رسالة دكتوراة، من طرف طالب مغربي، حول مضامين المقررات الدراسية بالمغرب. والغريب أن الدكتور أكد في أطروحته أن هذه المقررات تحتوي على مضامين تتخذ مواقف عنصرية واضحة من الآخر المختلف دينيا أو ثقافيا. فهل هذا صحيح؟"

وفي الحال أمر الوزير مساعديه أن يقدموا له تقريرا عن هذه المضامين، وكم كانت دهشته عظيمة حينما حمل إليه المساعدون مجلدين ضخمين يتضمنان مختلف هذه المواقف العنصرية الحاطة بالآخر. وتساءل الوزير، وهو الذي لا يمكن له أن يغير شيئا مما هو كائن، ألم يكن من الأجدى للحركات الحقوقية والنقابات التعليمية وأولياء آباء التلاميذ والمجتمع المدني عموماً التوقف عند هذه الظاهرة الخطيرة، والتنبيه عليها، وتحسيس واضعي المقررات بخطورة تمرير إديولوجية الإقصاء!

لقد كان التساؤل في محله. ولكن الجواب على التساؤل كان هو يوم 16 ماي  2003 م بالدار البيضاء. وكان الجواب الثاني هو يوم اغتيال المواطن اليهودي بنفس المدينة، لأن المقررات ظلت على ما هي عليه، إن لم يكن أسوء كما انتبه إلى ذلك محمد بودهان (أنظر مقاله: "مزيد من الأصولية في المقررات المدرسية الجديدة" تاويزا، العدد: 79، نوفمبر 2003) !

المراجع المعتمدة

1 ـالاتحاد الأسبوعي، 30 ماي-5 يونيو 2003، العدد: 60

2 ـ نفسه

3 ـ نفسه

4 ـ زهير لواسيني، ”في خصوص يهود المغرب وضياع المسؤولية“، ثاويزا، العدد: 79، نوفمبر 2003

5 -Robert  Assaraf “Mohammed V et les Juifs du Maroc à l’époque de Vichy”,Plon 1997,P:242-243.

6 -Ibid,P:223.

7 -Ibid,P:230.

8 -Ibid,P:234

9 -Ibid,P:231.

10 -Ibid,P:231.

11 -Ibid,P:238

12 -Ibid,P:239-240

13 ـ المرجع نفسه والصفحة

14 ـ المرجع نفسه والصفحة.

15 ـ المرجع نفسه والصفحة.

16 ـ المرجع نفسه،ص:251.

17 ـ المرجع نفسه،ص:239-240.

 

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.