uïïun  93, 

ynyur

  2005

(Janvier  2005)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

Asaäuf n usidds n ikabarn isrtiyn niv asaäuf mgal i tmazivt?

Idvrisen n Franz Kafka

Turi-turi

Akud n izeggilen

Ayujir n wussan

Imettcawen n yidv

Français

Le monde arabe, ce n'est pas ici

De la reprise de la productions des signes

Le prix du panarabisme

Itri, l'éternel

La monarchie dans les régimes politiques

Tarezzift n ugdud n udrar

Halte à la discrimination

Grève de faim à Genève

Vers quelle qualification aspire notre pays?

Quel forum pour quel avenir?

العربية

قانون لتنظيم الأحزاب أم لمحاربة الأمازيغية؟

نهايات الطفل الأمازيغي

مسرحية البيان الأمازيغي، من المؤلف؟

قيدوم المختطفين حدّو أقشيش

الزمّوريون

تقديس العرب والعربية

كلام في الأسواق

ماذا تحقق للإنسان المغربي

المقرر الجديد يستخفّ

الحركة الأمازيغية في يوم حقوق الإنسان

إشكالية غياب النخبة الأمازيغية

المؤسسات التقليدية الأمازيغية

المعهد الملكي للأمازيغية

تاريخ التعليم بالمغرب

متى يوضع حد لنعت الأمازيغ بالبربر

علي ماسينيسا

الجمعيات الأمازيغية للجنوب الشرقي

ذكرى انتفاضة آيت باعمران

بني نصار أو مدينة الأزبال

بيان منتدى الحقيقة والإنصاف

بلاغ للكنكريس الأمازيغي

جمعية تانوكرا تجدد مكتبها

بيان جمعية أناروز

بيان كنفيديرالية تامونت

جمعية نساء من أجل المساواة

 

زيارة خاصة لعائلة قيدوم المختطفين السياسيين بالريف حدّو أقشيش
بقلم: محمد الزياني (الحسيمة)

لحظة أخرى من لحظات النبش الحثيث في ذاكرة ريف المقاومة... جسدتها هذه الزيارة التاريخية لإحدى المواقع التي ظلت، إلى عهود قريبة، ملفوفة في رداء الطابو واللامفكر فيه... منزل عائلة المختطف السياسي حدّو أقشيش بتماسينت / الحسيمة.
حططنا الرحال ببلدة تماسنت الشهيدة /الشاهدة التي أنجبت أشهر مختطف بالريف منتصف الخمسينيات: حدّو أقشيش، فكانت اللقيا بباحة هذا المنزل الذي اتخذ موقعا أثريا ومَعْلَمة تؤرخ لإحدى جرائم عهد الجمر والرصاص التي تفنن النظام في قفازالطغمة الحزبية وقتذاك في إخراج سيناريوهاتها التي فاقت في فضاعتها كل حشية ودموية استهدفت ضمير الريف وأبناء الريف من أمثال حدّو ورفاقه عبر ربوع الوطن ممن استرخصوا أرواحهم فداء للوطن والحرية ضد زمن الاستسلام والهوان.
صادفت الزيارة يوم السوق الأسبوعي (الأحد) وهناك التأمت الجموع قبل انتظامها عبر المسالك والمنعرجات في مسيرة جلبت إليها عيون اليقظة منذ مطلع هذا الصباح... ونخن نقترب من المكان/ المزار انتابنا شعور خاص وقشعريرة لا يوازيها سوى الرغبة الجامحة في الكشف عن خيوط الجريمة... إحساس أذكاه ما صادفناه من علامات مجالية عايشت الحدث الأليم ...الاختطاف. فهذه شجرة الخروب المتأصلة وهذه "ثَسارُوتْ" الكومندو خلسة بعد اقترافه للجريمة،وهذه دكنة محاذية للدار ظلت وما تزال مخضرة اخضرار هذا الموسم الفلاحي الموعود. وعلى مرمى حجر تتراءى قمة شكلت ملتقىَ لشباب المرحلة للتسلية والترويح عن النفس بعد أتعاب اليومي..
"هي ذي دار حدّو أقشيش،ولم يبق منها سوى هذه الأطلال الشاهدة على عنف وقساوة الأزمنة الماضية" رددها ق . أ، أحد أفراد عائلته، الذي رافقنا على مدار الزيارة كواحد ممن عايش تفاصيل الحكاية. وسط فناء الدار تجمع الكل وبنظرات جابت زوايا المكان ملؤها الخشوع، تناسلت أسئلة مُنِمّة عن رغبة أكيدة في فهم ملابسات الفعلة الشنعاء وحيثياتها السياسية التي ظلت عند البعض لغزا مستعصيا في مقاصده وأهدافه الخسيسة والمخزية... كانت الحكاية على لسان هذا الشاهد نفسه: "دخول الكومندوز المسلح لتماسينت كان بعد غروب شمس ذلك اليوم من صيف 1956 ..أوقفوا سيارتهم من نوع لاندروفيرlandrover بالقرب من قنطرة مدخل تماسينت، وبعد توغلهم بالمنطقة وانتشارهم الآستراتيجي،وصل نفر منهم لمكان تواجد بعض إخوتي وهم جالسون على تلك الصخرة المقابلة (مشيرا بيده) التي كان يرتادها شباب المرحلة كل مساء للاستراحة وتزجية الوقت، صادف ذلك موسم حصاد، وهناك باغتهم أحد المسلحين مشيرا عليهم بالتزام أمكنتهم وإلا سيكون مصيرهم محتوما... وهنا حاول أحد إخوتي (توفي السنة الماضية) تناول سيجارة من جيبه، لم يشعر حتى كانت فوهة بندقية المسلح منغرسة في رأسه آمرا إياه بالعدول عن حركته تلك التي اعتقد أنها بغرض تناول سلاح أو شييء دفاعي مماثل... ولم يطمئن هذا المسلح إلا بعد معاينته للسيجارة.. وقد تراءت لمن ظل على نفس الصخرة حركة غير معتادة بجوار المنزل هذا.. أما من كان بداخله، ومنهم السي حدّو، فكانوا في حالة استنفار قصوى، ومع اشتداد دقات الباب الرئيسي، تقدم عمي مسعود (شقيق حدّو) لفتح الباب، فصاح فيه أحد المهاجمين : ”أنت هو حدّو؟ فأجابه: "نعم هو أنا حاضر.." مباشرة اقتادوه.. وفي الطريق، صادفهم واحد ممن عرف عنه ولاؤه للحزب الوحيد، وكان قبل ذلك من الحاضرين ضمن بعض الوفود التي زارت السي حدّو أثناء عودته الأخيرة، وكانت تجمعه به علاقة قديمة منذ فترة دراستهما بإمزورن، نعم ، فهو من نبه الخاطفين إلى أن الذي بين أيديهم ليس هو حدّو المبحوث عنه وإنما هو أخوه... وكان حدّو، أثناء غيابهم المؤقت ذاك، قد حاول التسلل عبر سطح الدار إلى الخارج، غير أنه فوجئ بالطوق المضروب حول المكان من كل حدب وصوب، بأفراد معززين بالسلاح، مما اضطره للعدول عن الخطة.. وبمجرد معاودة الكومندو اقتحامه للباب الرئيسي كان حدّو هناك في انتظارهم مخاطبا إياهم: ماذا تريدون؟ ها أنا ذا (كان حدّو مدركا للمصير المجهول الذي ينتظر كل أفراد العائلة لو لم يقدم نفسه بهذه الطريقة). وفي غمرة انشغال الجنود المحتجزين لإخوتي هناك على الصخرة بتتبع مراحل الهجوم والاختطاف الذي تدور رحاه داخل الدار... تمكن أخي السالف الذكر، من الانسحاب بمفرده نحو الضفة الأخرى مطلقا صياحه مناديا ساكنة الجماعة، لكن بعد فوات الأوان، كان الكومندوز قد عبر فجاج البلدة بغنيمته النوعية / الثمينة... لقد حاول عمي عبد الرحمان قبلئذ مواجهة أفراد الكومندو ومهاجمتهم غير أن الجميع اعتبر ذلك مغامرة خاسرة وسط حشد مسلح لا يعير للحياة أية قيمة في تلك الظروف السوداء... وبعد وقت ليس بالقصير، سمعنا ـ نحن الذين كنا بمسجد الجهة الأخرى ـ صياحا يغمر هذا المكان الذي احتشد فيه الأهالي دون أن نكون على علم مسبق بما حدث، إلا ما سمعناه من شتم وعتاب ذاتي وتحسر على إثر هذه السابقة الخطيرة بالدوار قبل أن ننطلق في تقفي أثر الكومندوز؛ وفي الطريق، عثرنا على إحدى نِعَلِ حدّو مع رسالة كانت بحوزته (قيل إنه تلقاها نفس اليوم من المناضل عباس لمساعدي يستعجله فيها مغادرة البلدة).
عن سؤال حول تكوين حدّو الشخصي وحكاية تواجده بمصر؟ يجيب الحاكي: "إن حدّو كان ثوريا بطبعه انطلاقا مما كان يصرح به وما يقدم عليه من أفعال وممارسات تبهر الكبار، فبدايته، ككل أطفال المرحلة، كانت بقراءة القرآن الكريم بالمْسِيْد الذي سرعان ما غادره ليشغله أبوه بالرعي... وحدث أن نزل ذات مساء السي محند حمو (والد السي عمر السكاكي من "اغْريضْ") ضيفا على عائلتنا، فصادف إرجاع حدّو لقطيع غنمه فخاطبه الضيف:
ـ هل ستفني عمرك كله يا حدّو في الرعي؟
ـ وما العمل يا عمي عمار؟
ـ عليك بالرجوع للدراسة لضمان مستقبلك بشكل أفضل
ـ إذا أقنعت والدي عبد السلام بذلك فسأعود لهذه الدراسة حالا..
وفعلا تمكن الضيف من إقناع عمي ارحاج عبد السلام، وعاد حدّو لمتابعة مشوار دراسته ...
ولذكر مميزات وصفات حدّو الفكرية والنضالية يمكن القول باختصار: إن حدّو كان شجاعا، خفيف الظل والطلعة، رياضيا بطبعه.. كانت تصدر عنه بعض الحكم تدهش الكبار! وكان عنيدا في نقده لعدة مظاهر اجتماعية سادت المرحلة؛ حدث يوما أن زارت سوقنا الأسبوعي الفرقة البهلوانية المعروفة بـ»أولاد سيدي أحمد أوموسى» وفي غمرة استعراض حركات وقفزات أعضائها التي أدهشت الجميع، فجأة اندس حدّو بينهم بخفته المعهودة، مقلدا هؤلاء في كل شيء، مما دفع بشيخ الفرقة يستعجل الاتصال بوالده الحاج عبد السلام مطالبا إياه السماح لحدّو بالانضمام إلى مجموعته... !
أتينا على ذكر هذا فقط للدلالة على ما كان يمتاز به حدّو من خفة ونشاط صادرين عن بديهته وذاكرته القوية. أما في مساره الدراسي فقد عرف عنه استفساره لفقهائه في أمور الدنيا والدين... مثلما أقدم عليه حينما لاحظ تناقضا فيما يردده أقرانه (المحضرية) وهم يجمعون العون للفقيه في بعض المناسبات والمواسم، كقولهم مثلا «يلعن الله البخلاء...إلخ» فخاطب الفقيه مرة: «لِمَ تلعنون الناس بالبخل وهم يطعمونكم خبزا ونقدا؟!». وفي كثير من الأحيان كان يمثل حَكَمًا فيما اختلف عليه الفقهاء أنفسهم بفضل اطلاعه المبكر على بعض المصادر الفقهية والمؤلفات المرجعية.. وفي حياته الاجتماعية كان معروفا بتسريحة شعره بوقت مبكر عما نعايشه اليوم من مظاهر التقليد الموضَوي.. وكان كلما التقط نظرة العامة إليه كحالة فريدة، إلا وضحك متابعا سيره... وخلاصة القول : إن حدّو منذ صغره نشأ متمردا على الوضع في كل تجلياته... من تماسينت (المسيد) إلى منطقة «اشْرافات» بالجبالة، حيث كان حدّو وابن عمه أحمد عند الفقيه السي لمفضل الذي جمعتنا به، نحن أفراد العائلة، مودة ومحبة؛ وكنت شخصيا ـ يقول الحاكي ـ كلما مررت بالمنطقة باتجاه تطوان أسأل عنه وعن أحواله الصحية والاجتماعية إلى أن أخبرت يوما بوفاته رحمه الله، وهو الذي صرح للعائلة بأن هذا الولد (يقصد حدّو) لابد وأن يكون له شأن في المستقبل... وبعد حفظ حدّو للقرآن الكريم وللأجرومية والألفية، عاد للدراسة بالمعهد الديني بالحسيمة، ثم منها إلى فاس حيث عانى الكثير مع إدارة المؤسسة بسبب نضاله واحتجاجاته المستمرة، قبل أن يلتحق بمدينة تطوان حيث يشهد له، بزعامة حركة احتجاج للزيادة في قيمة منحة الطالب، وعمل بعد ذلك على تحريض الطلبة في عدة محطات نضالية أعقبتها مكاسب عديدة عُرفت إحداها عند الطلبة هناك إلى اليوم بـ»خبزة دْحدّو» وفي تطوان نفسها،اعتقل وسجن بمدينة سبتة بتهمة «رفع الراية المغربية في تظاهرة شعبية مطالبا بالجلاء الكامل للاستعمار».
وبعد إطلاق سراحه عرضوا عليه عدة إغراءات لإبعاده عن ممارسته النضالية، إلا أنه رفض، مؤكدا على رغبته في متابعة دراسته بكل حرية بعيدا عن كل ابتزاز ومساومة وكذا المتابعة والمضايقة.. لكن سرعان ما ُطرد من تطوان وعاد لمسقط رأسه /تماسينت ليندمج في أمور التجارة التي كانت مزدهرة لدى والده الحاج عبد السلام أقشيش وقتذاك.. وهناك ظل تحت مراقبة شديدة في ظل السيطرة الإسبانية طبعا.. وبعد مدة طويلة، التجأ حدّو إلى خطة لم تنكشف خيوطها إلا بعد ذلك بكثير.. فقد دبّر مغادرة البلدة ليلا دون علم أحد، بعد أن تزود بما يحتاجه من مال، مصطحبا معه السي محمد نعما نرحاج عري (شقيق السي إدريس من الزّاوِيثْ..) وفي صباح ذلك اليوم، قامت ضجة كبرى بتماسينت حول ظروف وملابسات اختفاء حدّو وعن مصيره المجهول..إلا أن حارس البلدة الليلي: امّوحْ أُعَلاّلْ صرح للوالد بـ: «أن حدّو لم يعد منذ زيارته يوم أمس لمدينة الحسيمة» في وقت ظل فيه هذا الوالد يتمتم وينربز بعد معاينته لكل أمور الدكان... ومع ذلك، فسرعان ما تعرض هو نفسه لاستنطاق شاق من قبل لواء إسباني كان بأجدير مع رْ قايذْ سْرِيَمانْ واقتيد من هناك إلى الحسيمة لذات السبب... ومع مرور الأيام، تبيّن وصول حدّو ومرافقه إلى مصر سيرا على الأقدام في أغلب المسافات التي قطعاها... وبمجرد أن وطئت قدماهما أرض الكنانة، قصدا بيت ابن عبد الكريم الخطابي بالقاهرة حيث اتصلا بحارسه الذي أخبر الزعيم بأن فردين من المغرب يرغبان في رؤيته... فطالب ابن عبد الكريم، في الوهلة الأولى، الحارس بالتأكد من هويتيهما, وبمجرد اطلاعه على المعلومات التي سجلاها للحارس على الورق، أسرع الزعيم بنفسه هذه المرة نحو الباب واستقبلهما استقبال الشخصيات والزعماء، بعد أن سألهما، كعادته، عن أحوال الريف وأهله والمغرب عموما وحول ملابسات قدومهما لمصر، كما سألهما على أدق الأمور التي لم تخطر ببال أي كان... وانطلاقا من حكمة الزعيم ودرايته وتقديره للأمور، نصح السي محمد نعما بالعودة للمغرب، والتفرغ لمساعدة العائلة التي هي في أمس الحاجة إليه في مثل تلك الظروف... فسعى ابن عبد الكريم نفسه إلى تسهيل مأمورية عودته القانونية موفرا له كل الشروط الضرورية عبر الباخرة.. في حين احتفظ بحدّو أقشيش محتضنا إياه كفرد من عائلته... وهو ما أثبته لنا أبناء ابن عبد الكريم الخطابي لحظة تواجدهم معنا هنا بالمنزل، في إطار زيارتهم التاريخية للريف سنة 64 .. وقد تشرفت شخصيا، يضيف الحاكي، بتأدية خدمات حسن الاستقبال ولوازم الضيافة في حضن عائلتنا لتلك الليلة المشهودة.. أثناءها صرحوا لعمي رْحاج بما يلي: «السي حدّو هو شقيقنا، وكان والدنا (ابن عبد الكريم) يُجلسه على يمينه في كل اجتماعاته مع الوفود والشخصيات وكل البعثات، وكثيرا ما كان يضع يده على رأس حدّو ملامسا شعره وهو يردد: «أمي ابو ثقيوحث إينو...». للتذكير، فقد كانت مغادرة حدّو لتماسينت باتجاه القاهرة أساسا من أجل الدراسة غير أنه، بهمومه وطموحه وآماله تلك، كان عليه قبل ذلك الاستعانة بابن عبد الكريم الذي كانت تصل حدّو أخبار الوفود الكثيرة التي تزوره باستمرار من كل أنحاء المغرب الكبير...
من الناحية التنظيمية، لا يمكن الجزم بانخراط حدّو في تنظيم بعينه، بقدر ما نقر، كعائلة، أنه كان مرتبطا بمجموعة من الأصدقاء والمعارف الذين كان يتقاسم ، دون شك، وإياهم نفس القناعات والهموم ...».
وعن سؤال حول مدى تأكد العائلة من الجهة التي كانت وراء اختطاف حدّو؟ يواصل الحاكي «كنا نعرف بعض ما يجري لحظتئذ، فما كان يسمى ب( جيش التحرير) المتحزب، ونحن نسميه بجيش التخريب، هو الذي كان وراء هذه الجريمة... فمهما حاولوا إضفاء طابع التحرير على هذا الجيش، إلا أن الحقيقة كانت مرة وقاسية جدا بعد كل ما وقع لجيش التحرير الحقيقي الذي ساهم حدّو ورفاقه في تأسيسه عبر أهم بلدان شمال إفريقيا ومنها الجزائر التي وضع فيها خليته الأولى، بل قيل :إن الرصاصة الأولى بجبال الأوراس كانت من إطلاق حدّو أقشيش.. نعم في تلك اللحظة كان حزب الاستقلال هو المتمكن من كل مناحي المغرب، وكانت هذه الحقيقة مكشوفة لدى الجميع (...) عقب اختطاف حدّو مباشرة، استقر الرأي لدى العائلة على ضرورة توزيع المهام بين أفرادها لإذاعة البنأ، فتوجه عمي عبد الرحمان الوجهة الشرقية، في حين توجه والد المختطف نحو طنجة لإخبار بعض القادة والزعماء المرتبطين بحدّو المختطف: مثل السي عبد السلام الوزاني وغيره ممن سيبرقون بدورهم لابن عبد الكريم بكل ما جري...».
على ذكر شخصية الوزاني طرح السؤال : هل يمكن الحديث هنا عن دور لحزب الشورى والاستقلال فيما جرى؟ يجيب: «لا، لا.. فالأمر لا يتعلق بمحمد بلحسن الوزاني وإنما بالسي عبد السلام الذي اعتُقل بدوره فيما بعد صحبة عبد السلام الطود بتطوان وآخرين بطنجة.. وفعلا لقد توصل ابن عبد الكريم بتلغراف من طنجة جعله يرد على وجه السرعة، وكنت حاضرا مع عمي رْحاج عبد السلام (والد حدّو) أثناء قراءته لفحوى هذا الجواب الذي يؤكد فيه الزعيم: بأنه كان بمثابة الأب الثاني لحدّو الذي تلقى علي يديه تربية نضالية خالصة ، وهوما جعله يعرف قيمة الرجل ويستحضر حجم الخسارة التي مني بها الجميع على إثر جريمة الاختطاف هذه، فما عليكم، يضيف الزعيم، إلا الصبر والاستمرار في تدبير شؤون عائلتكم الحياتية بالشكل المعتاد… لقد صادف صباح الاختطاف يوم أحد؛ سوقنا الأسبوعي / كيومنا هذا، وسجل الأهالي أنه لأول مرة يتواجد برحابه أفراد «جيش التخريب» بشكل ملحوظ لجس النبض وتقييم ردود الفعل المحتملة بالبلدة على إثر حدث الأمس. يشار إلى أنه منذ لحظة الاختطاف وإلى عهد قريب جدا، كانت تصل العائلة من حين لآخر أنباء عن حدّو، بعضها يثبت حياته، وأخرى يؤكد تصفيته... كما أفادنا أحد العارفين بهذه الأمور: «أن حدّو تمت تصفيته بدار البريشة «، كما حكى لنا آخرون عن التعذيب الوحشي الذي تعرض له وأمثاله :تعذيب سادي موغل في الهمجية كانت أطواره تجري تحت أنظار البعض ممن اعتبروا دائما زعماء وقادة تاريخيين للحركة الوطنية... وهناك بعض المذكرات التي تشير إلى هذه الأمور بتفاصيلها مثل كتاب «دار البريشة» وكتاب مصطفى أعراب، إضافة لما استند عليه العقيد الهاشمي الطود من شهادات ومعها كل الكتابات المخلصة للحقيقة التاريخية.»
وحول مدى استعداد عائلة حدّو أقشيش لضم صوتها لعائلات المختطفين والمختفين والمغتالين التي تطالب اليوم الدولة بأجهزتها بالكشف عن كل الحقيقة ومعاقبة المتورطين في هذه الجرائم كلها، ومنها من يطالب بالتعويض عن سنوات الجمر والرصاص؟ ـ يجيب هذه المرة شقيق حدّو أقشيش نفسه: «ماذا تنفعنا مثل هذه المطالبة بالتعويض، بعد هذه المعاناة القاسية التي اجتازتها العائلة كتداعيات لفقدانها لشخص في حجم حدّو... فأي معنى لهذه المطالبة مادام كل شيء راح ... فحياة حدّو لا يقابلها أي شيء مهما يكن قدر هذا التعويض المتحدث عنه.
وعن سؤال: هل تعرضت عائلة أقشيش، بعد واقعة الاختطاف نهاية 56 لمزيد من المضايقات والمتابعات؟ يستأنف الحاكي حديثه: «أنا شخصيا من الذين تعرضوا للاستنطاق الدقيق حول وضعي العائلي أثناء دراستي بمدينة تطوان، وفي أجوبتي كنت أصرح بكل شيء، غير أنني كلما أتيت على ذكر اسم حدّو أتحاشاه وأتخطاه وكأنني أنكر عنه انتسابه للعائلة... فهذه إحدى الصور المصغرة لواقع عائلتنا ولكل الضغوطات النفسية التي عانت منها عقب فاجعة اختطاف حدّو ....» ويضيف الشقيق من جهته: «بعد فاجعة حدّو كان للعائلة موعد آخر تمثل في انتفاضة الريف 59/58 التي يسرنا أن يتواجد بيننا اللحظة نجل زعيمها المّيس نرحاج سلام أمزيان ... فكان والدي عقب هذه الانتفاضة محكوما بالإعدام، وبعد عدة إجراءات قضائية ومرافعات لأبرز محاميي المرحلة على المستوى الوطني، تحول الحكم إلى سجن محدد. وبعد وفاة الملك محمد الخامس صدر العفو العام... هكذا يا إخوتي، فقد ظل هذا المكان ُمستباحا لمدة طويلة من قبل المهاجمين بمختلف تلاوينهم..»
ـ يتدخل نجل الميس نرحاج سلام امزيان: «فعلا، كان هناك ما يمكن أن نسميه بإرهاب عن بعد، يتجلى هذا في تلك المراقبة التي تستهدف كل تصرف وحركة صادرين عن أفراد عائلاتنا، في هذا الإطار، أتذكر وأنا طفل صغير... غالبا ما كان يصطحبني أحد أقاربي إلى سوق البلدة، ويحدث أن يجالسنا أحدهم من الأهالي ممن لم يتعرف عني أول وهلة... لكن بمجرد علمه بأنني ابن (الميس نرحاج سلام) سرعان ما ينهض من مكانه ويغادرنا للتوّ .. هذه الأمور ظلت منقوشة في لاشعورنا حتى وإن كنا صغارا ولم نكن نعرف وقتذاك للتعبير الواضح أي معنى.. لذلك أقر بأن هذه النظرة كانت سائدة لدى الكثيرين ممن تجنبوا الاقتراب من آل الحاج سلام أو الإعلان عن علاقة ما بأهله، وذلك لاعتبارات أمنية أساسا... لأنه بمجرد ثبوت هذه العلاقة فإن صاحبها حتما ستعترضه أتعاب ومشاق هو في غنىً عنها.
فحينما تطرقنا لما يسمى بإعادة الاعتبار، فعلينا تسجيل معاناتنا هذه مذ كنا صغارا وعذابات عائلاتنا النفسية والمادية.. فكيف أفهم، وأنا ببراءة الصبي، الأسباب التي جعلت الوسط الاجتماعي بأهله ينفر مني ويستبعدني؟ فهل بالضرورة أني، كابن، علي تأدية ثمن أنشطة والدي وأحاسب عليها؟ وسأذكر بالمناسبة حادثة تعرضت لها في كبري أثناء دراستي بتطوان: حيث فوجئت ذات يوم بمسؤول يستدعيني ويطبخ لي محضرا وفق هواه، سائلا إياي: أنت ابن فلان، ما هو انشغالك الحالي؟ وسألني عن أفراد العائلة وأقاربي بتفصيل وتدقيق تامين... ونفس الشيء عن الانتماء السياسي.. في الأخير استفزني بالسؤال: هل كان والدك حاضرا هنا يوم أمس؟ فقد توصلنا بخبر تواجده فعلا.. وغيرها من الأسئلة المشابهة.. علما أنه يعلم علم اليقين أن كل هذا لا يعدو كونه هراء وكذبا... بالمقابل أحسست أنا بتمزق في داخلي وبعذاب نفسي وإرهاب حقيقي يمارس علي انطلاقا من معطيات كاذبة ليس لها أدنى ارتباط بالواقع....»
واسترسل شقيق حدّو قائلا: «أنا بدوري تعرضت لما يشبه ذلك؛ ففي سنة 1971 قصدت القاهرة مبعوثا من قبل الوزارة التي انتميت إليها قصد تلقي تكوين وتدريب إداريين.. وفور عودتي للمغرب، وأنا مطمئن باعتباري قمت بمهمتي أحسن قيام ضمن شروط قانونية، غير أنني بمجرد استئنافي لعملي الإداري ، زارتني لجنة خاصة بمكتبي تسألني عن هدفي بمصر؟ وما الداعي لزيارة آل عبد الكريم الخطابي وشخصيات أخرى بها...؟ وكان جوابي أن قصدي لبلاد مصر كان رسميا من قبل الوزارة من أجل التكوين والتدريب على أمور إدارية بحتة، أما زيارتي لآل ع الخطابي فلاعتبار ما تشكله هذه العائلة في تاريخنا الوطني من رمزية وافتخار». وعن سؤال: هل توصلت العائلة إلى إثبات سبب اختطاف حدّو اقشيش؟ ـ يواصل الشقيق: «للعلم، فحدّو تعرض لعدة اعتقالات منذ أن كان طالبا بتطوان وفاس، فهو ذو أطوار غريبة كما يحكي عنه معارفه. ..أما بالنسبة لسبب الاختطاف، ربما يكون ما ذكره صديقة الحميم :العقيد الهاشمي الطود في بحوثه وشهاداته، كما سلف الذكر، كافيا لمعرفة السبب الذي يتمثل في مسؤولية حدّو في تأسيس جيش التحرير وحثه على الاستمرار في المقاومة حتى التحرير الكامل (كما كان يفهمه ابن عبد الكريم الخطابي ومعه هؤلاء المناضلون) خاصة كون حدّو من المسؤولين عن هذه المنطقة في خلق الخلايا وأنوية جيش التحرير...» وعن سؤال: هل اختطافه تم على خلفية ما يشكله من خطورة على حزب الاستقلال حينذاك أو على الدولة أو عليهما معا؟ يرد الشقيق: «فعلا، فالخلاف بين أقطاب (الحركة الوطنية) قد نشب هناك في القاهرة ضمن ـ لجنة تحرير بلدان المغرب العربي ـ وتحديدا فيما يتعلق بتصور كل طرف لمفهوم الاستقلال...»
وعن سؤال: هل كان حدّو لحظة اختطافه بصدد إنجاز مهمة ما؟
يضيف الشقيق: «في تلك اللحظة كان حدّو في تنسيق مستمر مع السي عباس لمسعدي، باعتبارهما مكلفين بتقوية العمل على الجبهة الشرقية إلى حدود الجزائر (الجزائر التي قال عنها حدّو إنه قبل مغادرته لها خلف وراءه ما يفوق 14000 مقاتل) وحث الناس على الاستمرار في الكفاح إلى غاية استقلال كل بلدان المغرب الكبير، وهو ما بدأ التعبئة له من هنا عبر أسواق المنطقة التي يشهد عليها أناس لا يزال البعض منهم على قيد الحياة..»
سؤال: هل سبق لحدّو أن التقى بعباس لمساعدي؟
جواب: «كان اتصالهما عبر المراسلات، فقد حاول حدّو مرتين السفر سيرا على الأقدام للالتقاء بالسي عباس في منطقة ما، إلا أن هذا اللقاء المباشر لم يتم، حسب علمنا»
يواصل أحد أفراد الوفد الزائر: «هناك شهادة حية يحكيها أحد المقربين من هذه الأحداث، وكان سائقا لشاحنة .. يحكي أنه بعد مغادرته للتجمع الخطابي، الذي أطره حدّو اقشيش بالحسيمة سنة 1956، متوجها نحو فاس عبر تازة مارا بمنطقة كاسيطا، حيث اصطحب معه من هناك شخصا تبين خلال الطريق أنه السي عباس لمسعدي الذي أوصله إلى حدّود نقطة (كاصا).. أثناء هذه الرحلة، صرح له عباس، يقول السائق، أنه استدعي لمدينة فاس.
من هنا يمكن استنتاج أن هذا اليوم نفسه كان أسود لكل من حدّو وعباس، اعتبارا للمصير الذي لقيه حدّو مباشرة بعد خطبته الأخيرة بالحسيمة، والمصير نفسه الذي لقيه عباس لمسعدي بعد التحاقه بفاس على يد الجبناء من نفس الجهة التي دبرت اختطاف حدّو ،مستطردا: فمن خلال خطابات حدّو العديدة، يتبين أنه كان يمارس نوعا من الديمقراطية المباشرة في جعل الجمهور يبدي رأيه في كل شيء.. وكان يلح في «أتباع نهج عبد الكريم في مواصلة النضال والكفاح إلى أن يتم الجلاء الكامل لآخر جندي أجنبي عن كل أقطار المغرب الكبير...»
وفي خلاصة لأحد أعضاء الوفد لفقرات هذه الزيارة التاريخية التي تمت بداية هذه السنة، في حضن أفراد عائلة أقشيش قال: «إن مغرب الراهن قد اعترف بأخطائه التي نجد كل الأحرار اليوم بصدد الكشف عن فضاعتها التي راح ضحيتها أفراد وجماعات ليس منذ 56 فقط، وإنما عبر كل مراحل مغربنا الحديث، وهذه الزيارة اليوم، تندرج في هذا السياق الاستكشافي الهادف إلى ملامسة الحقيقة.. كل الحقيقة، بالاتصال المباشر مع أقرب أفراد هؤلاء الضحايا الذين يتقدمهم حدّو أقشيش وأمثاله كُثر بالريف وبمناطق مترامية عبر مغربنا الشاسع... إنه الأمر الموكول لكل الغيورين على البحث النزيه من أجل الحقيقة التاريخية وتقريبها للأجيال القادمة على مختلف المستويات: شفويا كتابة، تسجيلا وتوثيقا /سمعيا بصريا... سواء تعلق الأمر بمرحلة مولاي موحند أو حدّو أقشيش أو محمد الميس نرحاج سلام امزيان.. وبهذا نكون قد ساهمنا في دفع هذه الأجيال نحو ترسيخ هذه البحوث وتعميقها في المستقبل الذي سيثبت لهم أكثر فأكثر انتماءهم لهذه الأرض بتاريخها وأمجادها التي تستحق من الجميع كل الانتباه. انتهـى.
(من إعداد محمدالزياني عن جريدة بادس الجهوية)

 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.