uïïun  95, 

krayur  2005

(Mars  2005)

Amezwaru

 (Page d'accueil) 

Tamazight

ufuv n sa (7) n imaslaän zg usqqamu n tdblt n

Tamcunt d wemcum

Agellid Cacnaq

Tadvsva

Azerf inu

Français

L'histoire de la résistance

L'ircam s'enlise ou cautionne?

Une vision du monde nauséabond

A ceux du livre

La laïcité

Aseggas amaynu à Boumal

L'association Afraks

Yennayer 2955

La fête d'Agraw à Tiznit

العربية

انسحاب سبعة أعضاء من مجلس الإدارة

لا ألهة بدون قرابين

محمد شفيق

المشرق يطلّق المغرب

الكتابة كموضوع للصراع

غياب المرأة والكتابة

استيقاظ الوعي بالهوية

الأمازيغية وضرورة فضح المواقف

بين رمزية الاحتفال وتقويم الذات

الاشتقاق في اللغة الأمازيغية

دراسات أنتروبولوجية

بويلماون

حفل إدرزان

إعلان الريف

في ضيافة كتاب عودة المختلف

الزموريون

مسابقة أس نغ

بيان بمناسبة رأس السنة الأمازيغية

الحركة التلاميذية بدادس

جمعية تانوكرا تحتفل

جمعية تاماينوت بإفني

تعزية

 

الكتابة كموضوع للصراع الإيديولوجي الأمازيغي
بقلم: كريم مصلوح (الناظور)

 
« Kkar uc ayi d rqrem nni
d rcighedv d tedwat
ad sxesyegh aceooar
ad arigh ict n tebrat...»
(مطلع أغنية لإثران)
تمهيد: الكتابة بمعناها الحداثي، وكفعل إنساني بامتياز، قد اكتست، بفضل التقنية، مساحة واسعة وأصبحت تلك الأجزاء من العالم التي لا تكتب في عداد مجتمعات ما دون النمو. وتأخذ الكتابة بعدا سلطويا شديدا لا ينافسها فيه إلا الإعلام البصري الذي يقدم الصورة كآلية جاهزة، صورة صامتة أو مرفقة بكلام يقول الصورة أكثر مما يخلق الصورة، وتكون هذه الصورة بمثابة آلية جاهزة لبناء التصورات.
كل كتابة، في اعتقادي، لظاهرة معينة لا يمكن أن تخرج عن كتابة سلطة قد نتجت فعلا، فالكتابة حاملة لرسالة الخطابة وناطقة بسلطة البلاغة. فالذات تنتج البلاغة والاستعارة الشفوية بشكل غارق، وتلعب الاستعارة في حياتنا اليومية الدور الأساسي في تفسير الحدث، ويلعب الخيال دورا رياديا في إنتاجها. واعتبار الكتابة، هو إنتاج لسلطة، هو فعل تاريخي قديم في المغرب “وفي شمال إفريقيا بشكل عام“ بحيث ارتبط إنتاج النص المكتوب بنص آخر معه، من إنتاج مالكى القرار ، أو من نص لا يخضع لنمط الكتابة الدنيوي، أو من خلال أنماط الكتابة المرتبطة بأنواع الاعتقاد المجتمعي: الكتابة للاستشفاء، كتابة السحرة، والكتابة المرتبطة بذوي الامتياز من المتفقهين، وموظفي المخزن. ويظهر أن الكتابة في المغرب القديم، إلى يومنا هذا، في تصورها لفعل الكتابة تقوم على ثلاث أدوات: السمخ، والقلم، والورقة، وتلعب في ذلك اليد دور الفاعل. كما تحيل هذه اليد في التمثل المجتمعي عن معنى ميتافيزيقي معين، من خلال المعنى المعطى للأصبع الأصغر، أو من خلال عبارة (أرى خمسة. awi d xemsa ). وعملية الكتابة هذه انطلاقا من كون السمخ يشكل في الغالب خطوطا غير واضحة، أو يفيض على الورقة لتشكل عالما مستقلا بقيمة عميقة.
إن الكتابة هي دائما معاودة لعملية مكرورة، انطلاقا من حركة اليد المتكررة بدون روتين، وعملية غطس القلم في السمخ، إلى غاية إنتاج القانون المرتبط بنص أخر، حتى ولو لم يكن فإنه يبقى خاضعا لميزان التصور في الإنتاج الصواتي /الكلامي. وهكذا تبقى كل كتابة بمثابة وصف لحدث »وأن تصف الحدث، معناه أن الحدث قد تمت كتابته»(1). إن كل كتابة إذن هي بمثابة تأويل، ويمكن أن أقول بمفهوم كثير ما يستعمل في النقد الأدبي إنها – أي الكتابة – مجرد «تناصات».

«الكتابة و الإحالة على السلطة»: في كثير من الحضارات ارتبط ظهور الكتابة بظهور السلطة (2) كما أن الكتابة كانت فعلا يحيل على فعل يتبجح به الملوك، لنورد هذه الفقرة لكريستوفر لوكاس: «كانت معرفة القراءة والكتابة إنجازا قمينا بالثناء يتبجح به الملوك كثيرا، يتحدث أحدهم بهذا الصدد فيقول: »منذ كنت صغيرا في المدرسة تعلمت فن النسخ، من خلال اطلاعي على الألواح السومرية والأكادية ...»(3) وفي نفس الكتاب سنقتبس ترنيمة ملكية جاء فيها: »عسى أن يقف الكاتب ليتسلم مني صلاتي في ايكور...»(ص:21)
كما أن فعل الكتابة – دائما في العراق القديم – حسب كريستوفر لوكاس، كان استجابة لتطورات من بينها تطورات إدارية: «أما ابتكار الكتابة السومرية، الذي جرى متأخرا بعض الوقت، في الألف الرابع، فقد كان شرطا ضروريا مناسبا لظهور فئة من النساخ المحترفين، تمثل بدورها استجابة لحاجات مجتمع مجهز بوسائل كفيلة بالاحتفاظ بالسجلات وترتيب نظم معقدة للسيطرة الإدارية«(4)، وأعتقد شخصيا أن الكتابة دوما تظهر مع وجود تعقيدات قانونية وإدارية وظهور فئة كاتبة ترتبط بشكل أو بآخر بهذا النظام، لذا تبدو لي الفقرة السالفة الذكر لا تنطبق على مجتمع العراق القديم والمرحلة السومرية على الخصوص وفقط، بل تنطبق مع احتمال كبير على مجتمعات كثيرة.
إن هذا يؤكد ارتباطا ممكنا، ولكن في نفس الوقت وكل المجتمعات، و إلى عهد قريب، لم تصل فيه الكتابة إلى مستوى واسع من القاعدة، وهذا بطبيعة الحال تتحكم فيه مرحلة إنسانية بالكامل، لكن من جهة أخرى قد كان لاقتصار الكتابة على الفئات الحاكمة وفئات محيطة بها ضمنيا، الآلية التي تجعل منها –أي الكتابة- دعامة إيديولوجيا السلطة، وسلطة في حد ذاتها. ولكن في نفس الوقت هذا لا يعني أن الكتابة لم تصل فيه إلى القاعدة بشكل نهائي، أي أنها لم تكتسح الشعب، «إن عدد الكتبة الذين كانوا يمارسون حرفتهم تجاوز الألوف في العهود السومرية، كان ثمة كتبة على مستوى واطئ و مستوى (عال)، كتبة معابد و كتبة القصور الملكية، منهم من كان متخصصا في الأعمال الإدارية ومنهم من أصبح في ملاك موظفي الدولة«(5). فنسبة الألوف في العهود السومرية يمكن أن تقارن بالملايين في عهدنا. إن هذا يعكس أن الكتابة في مجتمع مثل المجتمعات السومرية كانت منتشرة، ولكن في نفس الوقت نجدها ممارسة «لحرفة» وممارسة حرفة الكتابة تحيل بدورها على إنتاج سلطة. ففي مجتمع مثل المغرب، وفي الريف كنموذج، يرتبط فعل «تيرا tira «و الشخص الذي يكتب أي (إتاري itari) بشخص ينتج سلطة رمزية، ساحرا أو فقيها (باعتبار هذا الأخير يحيل على السلطة الروحية) كما أنه في كلام كريستوفر نجد كذلك هؤلاء الكتبة مرتبطين بالمعبد، والمعبد في العراق القديم كان المؤسسة الإدارية والقانونية التي تعمل على التوزيع والجباية، ونجد كذلك ارتباطا للكتبة بالقصور. إن كل الإحالات تظهر أن الكتبة كانت لهم أدوار معينة منتجة لسلطة «وبما أن المعبد كان محور النظام الاجتماعي والاقتصادي فإنه يعتبر المنظم للتجارة والصلات الاجتماعية، والكفيل الضامن للأشغال العامة، فإنه لا بد كان المؤسسة الأولى التي اقتضت حاجتها أن تكون لها فئة متعلمة من الإداريين» 6).
إن كنا نركز على أن إحالة الكتابة يمكن أن تكون لها خصوصيات من مجتمع لآخر، إلا أنها قد لعبت أدوار متشابهة من خلال تمرير القانون، كما «أن قيمة التعليم النادرة التي إذا ما ترجمت إلى الموقف الاجتماعي الخاص، تجعل الكتبة مؤهلين ليكونوا موضع استشارة الملوك والموظفين الكبار»(7) وفي نفس الوقت يضيف نفس الكاتب «كان معظم الكتبة يعملون في المعابد أو في خدمة القصور الملكية، وكانت قلة منهم تجد أماكنها في قمة البيروقراطية«(8).إذن يتضح أن الكتبة ليسوا بالضرورة في قمة السلطة، ولكن ربما هذا يعود إلى أن الملوك بدورهم كتبة كبار، ولست أعرف إذا ما أنتج لنا التاريخ ملوكا لا يكتبون منذ أن ظهرت الكتابة، باستثناء حالات نادرة، و قد كان في المغرب بعض النماذج منها.
الكتابة لا تعني دوما الانضواء تحت السلطة، فبقدر ما تنتج الكتابة السلطة، تنتج كذلك معارضة، لتتحول بدورها إلى سلطة، وهذا كان واضحا بشكل أو بآخر في المغرب حيث الذي يكتب جيدا إما سيتحول إلى المخزن، أو سيسعى إلى المعارضة المرتبطة طبعا بالمتغيرات. فالكتابة ليست هي الفاعل وتنتج التاريخ، كما قد سيفهم من هذا الكلام، ولكنها هي الحافظة له، فمجتمعات كثيرة عرفت الكتابة مبكرا إلا أنه يبدوا أنها انقرضت، ومجتمعات لم تعرف الكتابة ما زالت قائمة، و المثير للدهشة أن تلك المجتمعات التي لم تكتب تناضل بشكل أو بآخر من أجلها، ليتحول بعد ذلك هذا النضال إلى رؤيا إنسانية عميقة، تستطيع بدورها أن تطمح في إنتاج السلطة والنظام على مستوى المجتمع، ومن ثمة تحقيق الإيديولوجيا.
كيف نفسر حدث كتابة كلمة "قف bedd» في علامة تنظيم المرور، حيث كتابة علامة فقط أثار تدخلا عنيفا للسلطة، التي يبدو أنها خائفة / قلقة / وغامضة في تعاملها مع كلمة، سنكون مخطئين بالطبع إذا اعتبرنا الكلمة مجرد أبجدية مغلقة. إذن من هنا يتضح أن الكتابة على مستوى نسجها للرموز، وكونها تتطلب عملية أخرى محايثة هي القراءة، ستعمل على خلق وبناء تصورات، ومن ثمة إيديولوجيا جديدة، فهو تصرف تاريخي غير بريء طبعا. وهكذا يظهر أن وجود لغة أمازيغية على هذا المستوى لن يكون عاديا، من هنا يبدو أن إيمازيغن من أجل الكتابة الواسعة (ليس كهدف وحيد) يصارعون الدولة إيديولوجيا.
إن الكتابة كآلية لتمرير الأمر والنهي (القانون) كفعل ومؤسطر وملغز، يحتاج إلى نص غير مفهوم (ضمنيا) غير مقروء إلا من حواريين دائمين للسلطة، حتى في القاعدة، فالمقدم والشيخ، من خلال القائد، هما آخر من يمسك بالورقة المكتوبة الحاملة لواجب الخضوع.
في المغرب ، يظهر لي، أن الكتابة بهذا المعنى بقيت حكرا على الدولة، حيث تتصلب فيه على مستوى القمة، أي تكون ضرورية من زاوية كونها قادرة على إنتاج طاعة القاعدة، وفي صراعات حادة سيدخل المجتمع المغربي انطلاقا من اعتباره ديمقراطيا، ولا يعرف تفاوتات حادة على المستوى الاجتماعي ، بينما كانت السلطة تسعى إلى التمركز، إلا أنها لم تنجح، مع العلم أن انتشار الكتابة كآلية لتحفيظ القرآن بشكل ما، كان له معنى كذلك سنأتي على ذكره.
وهكذا في المجتمعات الشفوية بامتياز ، نموذج المجتمع الأمازيغي بقي هناك صراع بين الدولة التي تسعى لتمرير القانون المكتوب وجموح السكان نحو ديمقراطية عرفية لا تحتاج لنص.
يظهر لي تساؤل من قبيل "لماذا لم تنتشر الكتابة لدى إيمازيغن" سؤالا خاطئا، لأنه بمجرد طرح ذلك السؤال يتبادر إلى الذهن انتشار الكتابة حديثا. بينما الكتابة في العصر الحديث قد كان وراءها تطور في التقنية، ويبدو من جهة أخرى ممكنا إذا كان الغرض منه قراءة مقارنة مثل قراءة هذا الجانب من زاوية اعتبار مجتمعات البحر المتوسط قد كتبت وأنتجت الهوية الصلبة المكتوبة، نموذج الإغريق والرومان، مع العلم أننا نستثني مجتمعات أخرى، ولكن لا داعي لمقارنتها بنموذج الكتابة لدى النموذجين الأخيرين، وهي انقرضت بشكل أو بآخر ولو فقط على مستوى اللسان، وهذا في العمق يطرح إشكالية أخرى. ولذا قلت سابقا إن الكتابة لا تنتج التاريخ، إنما قيمة الكتابة أنها تحفظ التاريخ وتبني الهوية الصلبة.

«الكتابة والإحالة على الهوية»: بقيت الكتابة المفارقة للغة الأم، بشكل أو بآخر، هي السائدة في المغرب، ولو بشكل ضيق في مراحل معينة، ومع مطلع القرن 20 ستساهم متغيرات في الانتشار للنص المكتوب بالعربية، وهذه الكتابة المفارقة للغة (أبجدية وصواتة) يجب الانتباه إليها، لأنه من الناحية السياسية والثقافية، بشكل أو بآخر، ستساهم في عدم اندماج إيمازيغن تحت شرعية الدولة المركزية.
سيبقى للكلام إذن موقعه الواسع، وهذا الموقع يعتبره جاك دريدا هو الذي هيمن على حقبة كاملة من تاريخ العالم، يقول: «نظام سماع- المرء- نفسه يتكلم كان عليه عبر المادة الصواتية- التي تتقدم كدال غير براني، وغير دنيوي (بمعنى أنه لا علاقة له بالدنيا أو العالم المحيط، وليس بالمعنى الروحاني للكلمة كمقابل ل»الديني»)، وبالنتيجة غير تجريبي ولا عرضي-نقول كان عليه أن يهيمن على حقبة كاملة من تاريخ العالم، بل هو نفسه ما تمخض عن فكرة العالم»(9)
لقد كان هناك إذن امتياز ممنوع في الغرب للكلام، ومعقود على الصواتة ، وبشكل أو بآخر قد كان هذا الامتياز المعقود للصواتة في الغرب، هو نفسه لدى كثير من الشعوب، ومن بينها شمال إفريقيا. إلا أنه من الزاوية السوسيوتاريخية باعتبار الكتابة إنتاجا متطورا، يساهم في خلخلة تصورات وبناء أخرى، فإن للحديث عن التصور الغربي للكتابة هو موضوع آخر تتحكم فيه آليات أخرى غير فلسفية بحتة، وفقط، ونفس الشيء أعتقد أنه سينطبق على شمال إفريقيا، وتصور إيمازيغن للكتابة، إن الحديث عن امتياز الصواتة هو حديث عن مراحل مختلفة، لدى شعوب مختلفة.
من جهة أخرى فإنني أسعى إلى القول إن المكتوب بصواتة الأم، و بالأبجدية المرسومة وفق إنتاج اليد المتكلمة بنفس الصواتة هو بدوره – وهذا تحوير مني للدلالة على فكرة أخرى ـ أستطيع القول، من خلال هذا التحوير و إيمانا مني بأن المكتوب باللغة الأم ما هو إلا إعادة لملمة لصواتة اللغة ذاتها، فأثناء القراءة باللغة الأم، فإنه بذلك تتحقق الكينونة داخل مونولوك إنساني، ويتم فيه التجانس بين القيمتين: الإنسانية كوجود من داخل اللغة – أستطيع القول إن الكتابة لدى الأمازيغ كانت خارج نظام الصوت المتوحد بالروح = أي نظام سماع المرء نفسه يتكلم، بشكل أو بآخر، وهذا المونولوك الداخلي كان يرى فيه ادموند هوسرل مجالا للكشف عن الحقيقة.
كانت الكتابة باللاتينية وبلغات أخرى في علاقته بالأمازيغية كوضعية مفارقة، هزة تاريخية،في نظري أول ما ستؤثر عليه هو موقع الإنسان في علاقته بالنظام، وصراع الحق والقانون، الحق باعتباره قيمة أخلاقية وانتمائية تتحدد أيضا في إطار إيديولوجيا، والقانون باعتباره صراعا مع القيمة /الحق: وذلك من خلال ضرب الحق الأمازيغي كقيمة، بالقانون الآخر ، ومن ثمة فكان على المحك القانون الأمازيغي والتنظيم الذي طالما دافع على وجوده، وهكذا سيتحول الحق الأمازيغي إلى دفاع عن ذاته من التدمير الذي يحيط به، وللإشارة فإن مفهوما من قبيل القانون لا نورده بالمعنى القانوني المحض، بل هو معنى يتجاوز تعريف التقنينات.
إذن تبقى كتابة الأمازيغ بلغات أخرى برانية، هي كتابات تماهٍ مع نماذج القانون المدمر، وليست بكتابة إنتاج وتحصين للهوية كأسمى إتيقا éthique للحق الأمازيغي. يمكن الحديث عن سرد مأساوي يتكرر في شكل إتيقا درامية، كما هي حالة "أوشت": وهي كلمة أمازيغية تردد في لحظة قلق نفسي يرتبط بشهيق وزفير. ويمكن استلهام الكلمة لجعلها تعبر عن دمار مكرور في غير روتين. لنقف عند هذه الأبيات الشعرية لفيسوافا شيمبورسكا:
"حتى ولو كنا التلاميذ
الأكثر بلادة في مدرسة العالم،
فلن نكرر أي شتاء ، أي صيف"(10)
التكرار هنا مرتبط بتكرار غير روتيني، مثل حالة الموت وحالة الولادة، حيث لكلا الحالتين إحساس لا يخضع للملل، مع العلم أنه فعل يرتبط باليومي، لكنه بمثابة قاع الوجود، إن التاريخ الأمازيغي يرتبط بعودات تتكرر دون أن تخلق حذرا، لتتكرر مرة أخرى، وهذا في اعتقادي يعود لغياب الكتابة باللغة الأم.
سأستقي كلاما لأحد الباحثين حول الكاتب الأمازيغي Térence، الذي بدوره يؤسس كتابة خارج الصوت المتوحد بالروح، وسيعكس عودات درامية على مستوى شخصيته، وتعكس بدورها بتشبيه نستشعره عودات درامية على مستوى تاريخ إيمازيغن، لأنه في ذلك الجانب المقلق يمكن الحديث عن أن جوهر الحق الأمازيغي كان له أن يضيع، دون أن يضيع بالمعنى النهائي:
Maintes questions se posent alors : comment se fait elle l’éducation de Térence ? a-t-il vite appris le latin ? et le grec ? qu’est il du sort réservé a sa culture et a sa langue maternelle ? le jeune africain , de complexion maladive et de teint basané, est à imaginer comme un picaro intelligent et aliéné, esclave, il vit au milieu d’aristocrates, analphabète, il présente le meilleure théâtre romain, africain, il fréquente librement l’univers gréco-romain , pauvre, il se permet d’acheter une bibliothèque rare de la grèce, aventurier, il s’embarque dans une mer houleuse, et sensible il meurt de chagrin pour la perte de ses livres « grecs » (11
إن هذا الكم من التناقضات في شخص Térence ، بسعيه للانتقال من صفة إلى صفة، وتحقيق النموذج، نجده كان مرفقا بانكسارات في الشخصية. ومن زاوية فإن هذه الحالة تعبر بدورها عن انكسارات مكرورة، يمكن الحديث من خلالها عن معنى لتاريخ طويل خضع لنفس الأزمات، وهي نفسها بشكل ما، تحيل على الشتات الأمازيغي في أوربا, فالتهجير الذي يعرفه المغاربة يثير قلقا عارما. وبصورة ما نجد سيرة الكاتب محمد شكري تعكس بعمق هذه اللحظات الساخنة و المشتتة للساكنة الأمازيغية، مع العلم أن الهجرة الممارسة هنا هي هجرة في "نطاق" أي أنها شرقا نحو الجزائر و داخليا نحو مناطق معينة (تيطاوين، طنجيس) . تبدو الهوية في حالات كهذه "أوشتية" ، مفككة و مليئة بالفراغات، وتفتقد لذلك الإحساس الحاد الذي كان وراء جمع اليهود من جديد في "أورشليم". ونعتقد من هذا أن غياب الكتابة باللغة الأم يلعب دورا أساسيا، فقيمة الرسالة من بلد بعيد إلى الأهل تبدو أساسية لكنها من جديد تعود لتكون بلغة برانية، تتطلب مترجما للأهل الأميين غالبا. إنها غربة ثانية تنضاف إلى غربة الوجود المادي. ولكن يتم تعويض ذلك بالرسائل عبر الأشرطة، ففي الريف يمكن الحديث عن أشرطة بمثابة فن رائع تحكي لنا ذلك الصراع القائم بين الأهل المقيمين و الجزء الآخر المغترب.

"نموذج من الكتابة": إن الكتابة بالسمخ على اللوح، وهي بالدرجة الأولى كتابة ذات حمولة رمزية، بحيث نلاحظ أن طريقة كتابة هذا النوع من الرموز (إن رموز أبجدية على اللوح، ورموزها على زلافة أو تميمة لفقيه أو ساحر فقيه، لا تثير أدنى اختلاف في الذهنية، باعتبارها تأخذ نفس الرسم (الشكل) في زلافة ثم محوه بالماء وشرب ذلك الماء لممارسة الإستشفاء، يؤديه فقيه أو طالب في "اجماعت" يعبر بشكل أوبآخر عن فيض المعنى في دلالة هذا النمط من الكتابة التي هي نفسها على مستوى الفن الرمزي المكتوب على اللوح،وتتميز هذه الأخيرة –كتابة اللوح- بأنها كتابة طوبية، تنتمي إلى ثقافة شفوية عامة، كما أنها اجترارية ،لكنها لذيذة بفضل المعنى الممنوح لها، ومن خلال اعتمادها على نمط من القراءة ، فهي كتابة قراءة، تتطلب نمطا من الجلوس وحركة معينة على مستوى الظهر والرأس، انحناء أمام الفقيه وهو انحناء يتكرر بشكل منتظم، يذكر بالحضرة. انحناء أمام الفقيه الذي يمتلك آلية قمع جسدية، لذا يتحرك الجسد القارئ، في محاولة منه لتفادي ألم الجسد في حالة الاستظهار بخطأ، وفي نفس الوقت فإن هذه الحركة تتم من أجل تسهيل الاستظهار، والإحساس بقوة دافعة نحو معنى، (وكل معنى بمثابة إرادة قوة: نيتشه).
تتميز هذه الكتابة بكونها تبقى خارج القوانين الموجهة لصيرورة مجتمع"اجماعت" لأنها كتابة خارج الفهم وخارج النفعية وإن كانت في بعض المناطق مرفقة بآليات تقنية من إبداع الأمازيغ لتسهيل التحفيظ، وذلك بترديد علامات أمازيغية مع علامات الحفظ، لذا لا داعي لتشبيه هذا النوع من الكتابة بمعنى إرادة القوة في الكتابة الحداثية، بكل فيضه، (ويجب الحذر دائما من وجود فاصل بين الكتابة الحداثية والكتابة قديما ، لكون الكتابة دوما هي إرادة قوة، إلا أنه يمكن ملامسة ذلك الفارق من خلال كلمة "الفيض" بمعناه الصوفي و"الفيض" بمعناه القانوني والنظامي الشامل ذي النزوع العولمي)، ونزعة الكتابة نحو السيطرة هي ميزة ستبقى خاصة بالكتابة بشكل عام. ومن هنا يطرح إشكال عميق: أين تتجلى السلطة في الكتابة بلغة الأم؟ باعتبار هذه الأخيرة كانت سابقة للكتابة، أي أنه ألم يسد التنظيم قبل الكتابة؟ مع العلم أننا لا نقصد أن الكتابة هي التي كانت وراء ظهور التنظيم، ولكننا نقصد أنها كانت وراء تصلبه. ألم يستمر التنظيم في المجتمع الأمازيغي مع غياب الكتابة ؟؟ هذا إشكال آخر سوف لن نتطرق له في هذا النص.
إن الإنجيل الذي كانت تحتكره الكنيسة، وتصدر باسمه القانون إلى المسيحيين على أساس التكفير على خطيئتهم الأبدية، أصبح مقروءا من طرف كل من يستطيع القراءة مع ظهور تقنيات جديدة في الطباعة، ومع الإصلاحات الدينية في أوربا، وأصبح لا يشكل لغزا لا يعرف حله إلا رجالات الكنيسة، وهكذا سوف لن تبقى للإنجيل نفس الإحالة السابقة، بحيث سيتحول إلى كتاب عادي، يقبل فهوما جديدة.
إن القرآن حاليا لا يحتاج إلى طقس الكتابة اللوحية المتطلبة لطقوس، بل أصبح مادة مدمجة في المنظومة التعليمية، ومدمجا داخل مكتبة يملكها أي شخص معين، بحيث يظهر أنه لا يختلف عن الكتب الأخرى التي تشكل هذه المكتبة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن قراءته على أوضاع مختلفة (استلقاء، على كرسي...) كما أن القرآن، ولو بشكل جزئي، أصبح محمولا في محافظ التلاميذ، ويتعاملون معه على أنه كتاب من الكتب ولا أقصد من هذا تطابقا في حالتي الإنجيل والقرآن، بحيث أن هذا الأخير مازال تتحرك باسمه أشد الأصوليات، ومازال يحرم إمساكه في حالة جنابة أو حالة غياب الطهارة.
ولكن نعتقد أن رؤية القرآن من طرف المجتمع ، تتغير، ولو بشكل طفيف، وبطيء، نظرا لخصوصية القرآن وحمولته التأويلية والإيديولوجية المتمثلة في كل التراث الذي أنتجه المسلمون حول هذا الكتاب. إن المقروء سريعا –هذا ما نقصده- يتحول إلى مكتوب أقل سلطة، لنلاحظ أن رسالة مكتوبة ومبعوثة في البريد في ظرف تفترض حفاظا أطول لدى المرسل إليه وربما الحفاظ عليها طيلة حياته.
ولكن كتابةles messages عن طريق الهواتف المحمولة Portables تبدو كتابة عابرة وآنية. ويمكن محوها في الحين، لكن المثير هو أن هذه الأخيرة تؤسس لعلاقات سريعة جدا ومعقدة. ومن هنا إشكال آخر: هل السلطة هنا من إنتاج المكتوبmessage . أم من آلية الهاتف المحمول أي التقنية؟ أم منهما معا؟ وما حجم الفارق بين الأمرين (المكتوب/ والتقني)؟
إن" الكتابة اللوحية" هي كتابة لتسهيل الحفظ ولها دلالات أخرى سبق أن لامسنا بعضها، إلا أنها لا تنتج القانون. ومن هنا موقع القرآن مع هذا النوع من الكتابة وموقعه داخل المدرسة، حيث نجده مع المؤسسة الحديثة مؤثرا، ولو بشكل أقل، وهذا يرتبط مع موقع المدرسة في البنية النظامية المغربية، حيث تشكل أداة لإنتاج الوهم، والسيطرة من خلال الإرث المفارق للغة الأم، ولكن على العموم تبقى الكتابة الأخرى التي أقصدها وهي كتابة إنتاج القانون، وتوجيه النظام، وحفظ التاريخ وتثبيت الهوية، والذي لن يكون إلا باللغة الأم، كتابة غائبة لدى إيمازيغن.
كما أنني ألاحظ كتابة تحفيظ القرآن على الألواح، مرافقة بلذة شفوية جارفة وهي لذة القراءة، إنها عملية تحويل المقروء كتابيا، إلى طقس شفوي في فعل جسدي جماعي اندماجا في السياق العام لثقافة "اجماعت" كمؤسسة سوسيوقانونية، هل نحن لمرة أخرى أمام تفعيل للروح الديونيزية (نسبة إلى الإله
Dyonisos ou Bachuss :« le dieu du vin et de l’extase libératrice »
على مستوى قراءة القرآن، أليس حركة القراءة هذه والحضرة الممارسة في الزاوية، امتدادا لرقص أرضي أمازيغي تم تأليهه؟ لكن رغم كل شيء، أليس فعل الكتابة هذا، وحتى عملية كتابة بعض العقود للإشهاد عليها تبقى كتابة؟ إنها كتابة ولكنها لم تصلب التاريخ، ولم تحقق التقاليد التي يمكن البناء على أساسها انطلاقات وكرات إلى الأمام. وبقيت خارج الشفوية المفتوحة وداخل نص مغلق. لكن هل من علاقة بين الشفوية والعرف؟ أي أن بقاء العرف كان وراءه غياب الكتابة؟ شخصيا أرى أن صمود العرف القانوني والمؤسسات السوسيوقانونية الأمازيغية يعود فيه الفضل بشكل كبير إلى غياب الكتابة.
ولكن من جهة أخرى لا أزعم أن هذه فكرة تنطبق بشكل عام، بحيث في مجتمعات عرفية كإنجلترا اكتسحتها الكتابة مبكرا ومازال العرف هو السائد على مستوى النظام إلى يومنا هذا؟.
إن تصور الأمازيغ للكتابة كان تصورا مرتبطا بمفتاح الخير السري، وبنبذ عالم الكوابيس الآخر. بحيث الذي يكتب بلغة محايثة للسماء، سيحل ألغاز الطبيعة. وارتبطت كذلك – أي الكتابة – بمواقع شرعية / قانونية. ولكن رغم ذلك لا تخرج عن السياق العام، بحيث الفقيه الذي مر بمرحلة التلقين السابقة لا يدبر شؤون "اجماعت".
إن علاقة "اجماعت" بالإنتاج، ستجعل في إعتقادنا –نظرا لكون –اجماعت مجتمعا زراعيا يعاني من شظف العيش –عمليات الحرث، والحفر للغرس، أهم من الكتابة، ولم لا نوع من الكتابة على الأرض، يعبر عن تقنية دقيقة. لنلاحظ كيف يسعى الفلاح الأمازيغي في عملية حرثه بالمحراث الخشبي التقليدي، كيف يتفنن في إنتاج الخطوط (السطور، وكيف تبدو أسماء مكونات المحراث دقيقة. وكذلك عملية الحفر للغرس كانت تشكل بدلالة الإخصاب إلى الجسد. إن المرأة والأرض مقدسان منتجان. لترقى هذه العلاقة، وتتحول إلى كتابة وشم، باعتبارها نوعا من الكتابة الصامتة، وتحت الدرجة الصفر، لتعبر بدورها عن الجسد كآلية أساسية انطلاقا من العمل العضلي."عندما نقتنع باعتبار الوشم مجرد شكل هندسي، فإننا سنفتقد الموضوع والذات الممتصين في الدليل الخالص (وليس في عدم تحقق المعنى) وبالتالي سنضطر إلى استدراك وجهة نظرنا حول التزيين (صحبة الوشم أو مستقلا بنفسه) إن التخطيط يثير لعبة متعددة الأصوات على عكس التوسع النظري للكلام وهو إيقاع لا نظم له بطبيعة الحال لأن النظم يتصل باللغة، إنه إذا إيقاع المعنى في درجة الصفر...(13)
أليس الوشم (وهو كتابة) حالة من تجاوز اللغة، ورقص للجسد على إيقاع كتابة ساكنة ولكنها ممتلئة بالرمز والإحالة جسد يخترق الأمر والنهي (افعل ، لا تفعل) يخترق الحياء المحمل في الدين، ليدمر النص المكتوب الآمر الناهي وليضع وجوده خارج ثنائيات.
يبدو أن مجتمعا كهذا غارق في الديونيزية، لا يهتم باللغة إلا كموسيقى /إيقاع (حضارة إفريقيا حضارة إيقاعات) وليس كديالكتيك.

"إحالة تصور الكتابة": ارتبط التصور الغربي للكتابة، باعتبارها دال الدال signifiant du signifiant ، أي أنها ثانوية بالمقارنة مع الكلام وهذا ما لاحظه جاك دريدا ، ولكن نفس الفيلسوف سيقول "إن مفهوم الكتابة هذا بدأ يتجاوز مدى اللغة ويفيض عنه"(14) ويضيف: "إنه لم يكن من قبيل الصدفة أن هذا التجاوز أو الفيض يحدث في اللحظة التي يمحو فيها امتداد مفهوم "اللغة" جميع حدوده"15)
لدى الأمازيغ تشكل تصور مختلف، فبالإضافة إلى أن ثانوية الكتابة لدى ايمازيغن ليست هي في "اوربا"، يختلف توظيف الكلام، من كلام يستدعي الإيقاع (أمازيغي) إلى الكلام يطرح الجدل ويمكن أن أقول (اعتقادا مني) أن الكلام استغرق الوجود التاريخي لإمازيغن وانطلاقا من أن ثانوية الكتابة هنا كانت خارج نسق اللغة الأم. ولذا أرى أنه لا يمكن اعتبارها كتابة ثانوية.كما أن أوربا بدورها ستكون مليئة بالهوامش الثقافية، لا من حيث علاقة اللاتينية باللغات التي تظهر حاليا هي السائدة ولا من علاقة هذه الأخيرة بلغات أم تتواجد داخل هذه المجتمعات بشكل أو بآخر (اسبانيا ،فرنسا). لم نعرف أن إيمازيغن تركوا لنا مكتبات باللغة الأم وبالأبجدية الأم، (مع أن هناك إشارات وأبحاثا تؤكد وجود مكتبات أمازيغية في فترات قديمة واندثرت، وتتضارب الأسباب ولا نعرف إذا كانت هذه الكتابات بالأمازيغية) يؤسسون من خلال هذه الكتابات لتقاليد تاريخهم ويضعون من خلالها موقعا في الوجود، وهذا الجانب من الغياب هو الذي نركز عليه كأمازيغ لبلورة تاريخ بتقاليد، أما المخطوطات العربية المغربية (لاختلافها عن معنى العربية في مناطق أخرى: الشرق) وإن كانت تعبر عن معنى مختلف نظرا لحمولتها الذاتية. إلا أنها بقيت برمزيتها تحيل على تدمير للهوية. وهذا يظهر من خلال أن الحركة اللاوطنية تحايثت مع مغرب المخطوطة ولو نسبيا.
أما حاليا، فباختراقات الكتابة الحداثية الجارفة، تتشكل تيمات جديدة تتطلب تحليلا من جديد، يتماشى والمواقع المختلفة للفاعلين الاجتماعيين، وتلعب هنا الايدولوجيا دورا رياديا من خلال الدخول في مختلف أنواع الصراع .
نعتقد أن الكتابة في مناطق واسعة من المغرب، تتلاشى داخل ما يسميه الفيلسوف بول ريكور "الهوية السردية" l’identité narrative الذي يقول عنها "ذلك النوع من الهوية الذي يكتسبه الناس من خلال وساطة الوظيفة السردية"(16) ويضيف: "لا ريب أن إشكالية التماسك والبقاء في الزمان أو بعبارة وجيزة ، إشكالية الهوية، توجد هنا (ويقصد السرد) وقد ارتفعت إلى مستوى جديد من الوضوح ومن الإعضال أيضا، استنادا إلى أطروحتي يؤلف السرد الخواص الدائمة لشخصية ما، هي ما يمكن أن يسميها المرء هويته السردية، بناء نوع من الهوية الدينامية المتحركة الموجودة في الحبكة التي تخلق هوية الشخصية" (17).
لقد ارتبطت الهوية الجماعية للشعب الأمازيغي في أحد أبعادها بالسرد، لذا يشكل هذا المنحى عنصرا عميقا في توجيه المعنى الجماعي للوجود، أما "الثقافة المكتوبة فتحمل إلى السكان الثقافة الإسلامية واللغة العربية وتفتح لهم آفاقا أكثر امتدادا من أفقهم المحلي. ولكن الطرف الذي كان بمارس بها تلقينها هي الحفظ دون الفهم في الغالب، مما كان يجعل منها مجهودا تعبديا أكثر منها وسيلة نفعية..." (18). قد يحيل هذا الجانب في الثقافة الأمازيغية، إلى أنه جانب مشترك في غالبية الثقافات ما قبل الحداثة، إلى درجة أنه حتى في حضارة من قبيل اليونان التي يعتقد أنها حضارة كتابة بامتياز، بينما الأبحاث التي أنجزها"هافلوك" وآخرون بينت أنها لم تكن كذلك، وأفلاطون بدوره قدم نقدا للتلقين بالكتابة مرجحا الشفاهي لجمال المدينة. وإن هذه الفكرة جديرة بالاعتبار. إلا أن المفهوم الذي نمنحه للكتابة يجعلنا من الصعب أن نسلم بمثل الافتراضات التي طرحها "هافلوك"، بحيث –شخصيا- لا أتصور اللوكوس خارج الكتابة. فنظرا لما تتميز به الكتابة من معنى إعادة المقروء وحفظ المؤلف، وإعادة التأمل في التنظيم، نؤمن بسلسلة بناء تدعمها الكتابة عوض الشفوية التي لا تحفظ المؤلف، ولا تاريخ التنظيم، لذا فعندما سيتأسس اللوكوس الإغريقي سيرافقه تأسيس الكتابة بحيث سيكونان متحايثين وستتميز هذه اللحظة بالذات بالفهم داخل اللغة الأم، عوض نموذج دون الفهم وخارج اللغة الأم في نموذج المغرب.إن اللوكوس لا يمكن أن يتأسس خارج المكتوب، بمعنى ممنوح له كل الفلسفات تقريبا. وإن كان سقراط هو ذلك الذي لا يكتب على حد تعبير نيتشه. فإنه في الأخير سيضمن داخل منظومة أفلاطون المكتوبة.انطلاقا من كون سقراط أحد شخوص الحوار داخل الجمهورية. إن الكتابة تؤسس المعنى العام للتفكير الإغريقي، ولا يعني أن جميع الشعب كان يكتب، ولو بالتقريب، فاللوكوس إذن لن يتأسس أبدا خارج الكتابة حسب اعتقادي، ويتحدث كارل ريموندبوبر"أما العنصر المكون الثاني وهو العقلانية فذو تاريخ حديث نسبيا، ويبدو تاريخا إغريقيا، على وجه التحديد، وأنه نشأ عقب تأسيس التدوين في اليونان" (19) مع الأمازيغ ستتميز الكتابة بكونها كتابة سلطة كذلك دون دعم التفكير وتأسيس الإتيقا التي هي "بمثابة نظام لما هو إنساني ، بمثابة طريقة وجود الإنسان في العالم" (20)
على هذا الشكل لم تتأسس إتيقا تحدد انفتاح الأنا انطلاقا من الفعل التاريخي للأمازيغ. وهكذا ستحاول كتابات لغات حاكمة إنتاج القرار والقانون وتوجيه الإتيقا الذاتية نحو إتيقا إمبراطورية تحاول توحيد نمط الحركة وإنتاج الفعل (الرومان ،العرب تحت يافطة الإسلام ).
إن للكتابة آثار، تمارسها، وهذه الآثار تكون على مستوى نظام التصورات والعلاقة بالعالم، ومن خلال مجموعة من هذه الآثار يمكن ملامسة قوة فعل الكتابة على التوجيه والتأسيس:
" أ- تسمح الكتابة بالحفاظ على الإرسالات مهما كان مضمونها، كما تسمح كذلك باحترام النص والأدب بالمعنى الواسع للكلمتين، هذه المحافظة تولد الأرثوذوكسية وكذا التجديد...
ب- تولد الكتابة الأرثوذوكسية والتجديد، لأن النص المكتوب، يخضع للتأويل، ويمكن أن تكون بينه وبين الذات المؤولة مسافة نقدية أي التجديد...
ج- تسمح الكتابة بالتحليل و المقارنة ..."(21)
لا يمكن نكران أن العربية مثلا كلغة أكثر سيطرة من لغات أخرى سابقة في شمال إفريقيا تميزت في المغرب بهذه الآثار، لكنها بقيت سجينة التعبد، ودعم السلطة وخارج الفهم، وبعيدة عن الصوت المتوحد بالروح. وهذا يتضح من خلال أنها لم تؤسس ولم توجه للإنسية المتطابقة، بل عملت على التدمير و شتات، وهذا ما يتضح من خلال أنها بقيت حبيسة فئات، التي ستتولد لديها تصورات وعلاقة بالعالم باردة وممتلئة بالمجاعة الهوياتية.
إن الكتابة بالعربية التي تمت خارج اللغة الأم، لم تؤسس"للفيض" لأنه تمت داخل نسق "لا متطابق"، تسعى إلى بناء السلطة أكثر مما تسعى إلى شيء آخر، بينما افتراضا الكتابة الأمازيغية تحيل على التطابق، وبناء السلطة، والانخراط العام تحت الدولة، ومن جهة أخرى بناء إيتيقا الحق الأمازيغي، التي تساعد بدورها على بناء تقاليد القراءة الورائية, التي تنظر إلى خلف.
لا نرى لمن المعقول طرح تساؤل من قبيل لماذا لم يكتب إيمازيغن "بالتيفيناغ"؟ ربما إلى حين آخر، ولكن هناك من يربط ذلك بجوانب معينة. "قد فسر هذا الرفض للكتابة من بعض النواحي، بالتاريخ و بعلم الاجتماع: تنظيم القبيلة المجزأ، لامركزية السلطة المهيمنة، غياب البيروقراطية القوية، عنف الغزوات الاستعمارية التي حالت دون وحدة البلاد"(22)، وقبل هذا المقطع المستقى من عند الخطيبي أشار أن "المغاربة ذوي الأصول القديمة رفضوا بعناد أبجدية التيفيناغ، ولكن نفس الكاتب يعود ليعطي تأويلات للمسألة/الإشكالية بربطها بالتاريخ وبعلم الاجتماع. لكن ما مدى تطابق هذه التأويلات، خصوصا وأننا أمام حضارة منتشية بالإيقاع، وأننا كذلك أمام إفريقيا لم تكتب بالكامل؛ وباللغة الأم خاصة. ونفس الكاتب سيعود إلى ربط تزويد شمال إفريقيا بالكتابة وبالنقوشية بالإسلام الذي سيكون بمثابة الحامل لهذه القدرة(23). ليقع في فخ المنبوذية الذي تكرسه المركزية الإسلامية.
بينما أمتلك قناعات قوية أن نموذج شمال إفريقيا والمغرب، والعلاقة بالكتابة يجب أن تكون بداية لحفر جديد على مستوى فهم العلاقة بالكتابة، وفهم تصور إيمازيغن للكتابة. حفر ينبني على "أوشت" جديد، من أجل التجاوز، ويجب أن يقتنع إيمازيغن بهذه المسؤولية.

الهوامش و الإحالات:
(1)رولان بارث:الكتابة والقراءة ص55 ترجمة عبد الرحيم حزل.ط. الأولى 1993 .المصدر:
le bruissement de la langue au ed du seuil 1984
(2)انظر اللغة الام و سلطة المآسسة لعبد السلام خلفي طبعة 2000
(3) كريستوفر لوكاس :حضارة الرقم الطينية و سياسة التربية و التعليم في العراق القديم ص19.ترجمة يوسف عبد المسيح ثروة.الموسوعة الصغيرة 61 منشورات دار الجاحظ 1980
(4) كريستوفر لوكاس .نفس المرجع ص29.
(5) كريستوفر لوكاس :المرجع السابق ص30
(6 ) نفس المرجع :ص30
(7) كريستوفر لوكاس :ص32
(8) نفس المرجع ص 32
(9) جاك دريدا:الكتابة و الاختلاف ص105-106 ،ترجمة كاظم جهاد ،ط .الاولى .1988 دار توبقال للنشر .
(10) من قصيدة"لا شيء مرتين لفيسوافا شيمبورسكا. الشاعر والعالم ص38 ترجمة هاتف الجناني ط .الاولى 1997.دار المدى للثقافة والنشر .
(11) hassan banhkia : térence et l’heritage amazigh ,tawiza, 87.
(12) michae grant ,john hazel dictionnaire de la mytholgie p :120 .1975 ed. seghers pour la traduction française. marabout.
(13) عبد الكبير الخطيبي .الاسم العربي الجريح ص 72 ترجمة محمد بنيس .فبراير 2000 منشورات عكاظ
(14) جاك دريدا .الكتابة والاختلاف ص104 .م.س.
(15) نفس المرجع .ص104
(16) بول ريكور :الوجود و الزمان والسرد ص 151 .ترجمة سعيد الغانمي ط .الاولى 1999.المركز الثقافي العربي .
(17) نفس المرجع . ص260
(18) احمد توفيق : المجتمع المغربي في القرن 19(اينولتان 1850-1912) ص459 .ط. الثانية .منشورات كلية الاداب والعلوم الانسانية الرباط 1983.
(19) كارل ريموند بوبر :أسطورة الإطار .عالم المعرفة .ع 292 .ابريل /مايو 2003. ت .يمنة طريف الخولي .
(20) جاك رولان :مدخل الى فلسفة ايمانويل لفيناس. من الفينومينولوجيا الى الاتيقا .ص31. ترجمة ادريس كثير ،عزالدين الخطابي .ط .الاولى.2003 منشورات اختلاف .
(21) محمد شقرون :الكتابة والسلطة...والحداثة ص57-58. منشورات الزمن ،مايو 2000
(22) عبد الكبير الخطيبي :النقد المزدوج ص 39. ترجمة محمد برادة منشورات عكاظ فبراير 2000.
(23) انظر عبد الكبير الخطيبي : السياسة والتسامح ص75- 76 ترجمة عزالدين الكتاني منشورات عكاظ شتنبر 1999.
 

Copyright 2002 Tawiza. All rights reserved.